¡¡

الهدي وزمانه ومكانه

 

كثيراً ما يتساءل الناس عن المسائل المتعلقة بالحج و العمرة في أشهر الحج و يستفتون العلماء عما أشكل عليهم من هذه المسائل ولاسيما في أيام الحج وهم في حالة أداء المناسك, وبعد أن يحرموا للحج إن كانوا مفردين, وبعد أن يتحللوا من عمرتهم إن كانوا متمتعين. وربما يجري في بعض الأحيان نقاش بين الحجاج وخلافات أو جدال في بعض هذه المسائل, فيغلط البعض من الحجاج آخرون على فعل عملوه ويصوبهم أناس آخرون, ولعل السبب في هذا راجع إلى اختلافهم في المذاهب, فهذا المستفتي يسأل العالم عن شيء فعله فيفتيه بأنه لا حرج عليه, وفي الوقت نفسه يأتي إليه حاج آخر فيفيده بأنه قد عمل عملا يوجب عليه الدم, ويعلل الإيجاب بأنه قد سأل عالما فأفتاه بذلك, فإذا بحثنا عن السبب في هذا الاختلاف عرفنا أن الأول استفتي عالما فأفتاه على المذهب الفلاني أو على مذهب المفتي نفسه إن كان مجتهداً في حين أن العالم الثاني أفتي المستفتي بمذهب آخر أو بمذهب المفتي  نفسه إن كان مجتهداً, ومن هناك يحصل الإرباك على العامي فيبقي متحيراً ولاسيما إذا كانت المسألة هذه من المسائل التي توجب الدم عند فريق من العلماء ولا توجبه عند آخرين.

ولقد كان من المسائل التي حصل فيها الاختلاف في الفتاوى في العام الماضي(أي:حج سنة1401هـ) مسألة: من ذبح دم التمتع في مكة هل يجزيه؟ أو أنه لابد من أن يكون الذبح في مني فقط¡­؟ .وكذلك مسألة: زمان الذبح لهذا الدم, هل لابد من أن يكون في يوم النحر وفي أيام التشريق فقط؟ أو لا مانع من أن يكون عقب الإحلال؟ وهكذا حصل التساؤل بين الحجاج في جواز الأكل من هدي التمتع وفي عدمه, حيث اتفق في ذلك العام أن بعض الحجاج ذبحوا هدي التمتع بعد أن حلوا فاستنكره آخرون, كما استنكروا أيضاً الذبح في مكة على خلاف ما يعتادونه من الذبح في منى. وهكذا استغربوا الأكل من الهدي الذي كان ذبحه في مكة, في حين أن الجماهير من الناس لا يأكلون من هديهم بل ولا يقطعونه وإنما يرجمونه بين التراب فور ذبحه في منى ثم يذهبون وهو يتشحط بدمه, ولا يفكرون في سلخ جلده أو قطع لحمه, فضلا عن أن يفكروا في الأكل منه, ولربما  ترك صاحب الهدي هديه عقب ذبحه وذهب مسرعاً لشراء دجاجة (يتغدى بها).  وكان البعض من الحجاج يستفتي عالما فيفتيهم بجواز البعض وعدم جواز البعض مما عمله أولئك الحجاج, كما يفتيهم آخرون بأن الأكل جائز, وأن من ذبح في مكة فلا حرج عليه, ومن قدم الذبح قبل عيد النحر فلا جناح عليه, وهكذا من أكل من هديه لم يسيء بعمله هذا, بل إن من يأكل من هديه قد أحسن صنعا ,و لاسيما إذا كان قد أكل البعض وتصدق بالبعض, أو ادخر في ثلاجة أو براد جزءا منها لليوم التالي, ليوم الذبح أو للأيام التالية أيضاً ليوم الذبح, بدلا عن رجم الهدي في التراب.

 ورأيي في هذه المسائل الثلاثة وغيرها هو:

 أن على العالم المجتهد أن يعمل باجتهاده, وليس لأحد أن يعترضه أو يغلطه أو يوحي إلى العامة بأنه قد غلط في فعله لأنه لاإنكار في المسائل الظنية الخلافية لأن كل مجتهد مصيب,كما أن على العامي أن يسأل العالم وعلى العالم أن يفتي من سأله عن حكم المسألة بالحكم الراجح عنده, إن كان مجتهداً. فإن كان مقلداً أفتاه على المذهب الذي يسأل عنه المستفتي , وهكذا إن كان المفتي مجتهداً وعرف من فحوى كلام السائل أنه يريد أن يفتيه على المذهب الهادوي الزيدي أو على المذهب الشافعي(هذان المذهبان المنتشران في اليمن) مثلا فعليه أن يفتي طبق المذهب الذي يسأل المستفتي المفتي عن حكم المسألة فيه.

وإني أنصح المستفتي أن لا يسأل من العلماء إلا من يثق بعلمه ودينه فإذا أُفتي فعليه أن يعمل بموجب ما أفتاه به سواء كانت الفتوى رخصة أو عزيمة وجوباً أو إباحة أو تحريما أو كراهة أو استحبابا. بهذا سيكون قد عمل الواجب عليه أمام الله, ولا يجب عليه أن يذهب إلى عالم آخر يفتيه في  المسألة بعينها ليعرف كيف سيكون فتوى الآخر موافقا أو أخف منه فيكون مثل المشتري الحاذق الذي لا يشتري إلا بعد أن يعمل مناقصة في الشيء الذي يجب أن يشتريه بأخفض الأسعار وأرخصها ثمناً.

ولقد اطلعت على كثير من كتب السيرة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وعلى البعض من كتب الفقه الإسلامي في الفقه الهادوي و الفقه الشافعي و الفقه الحنبلي وغيرها من كتب الفقه الإسلامي لمعرفة ما قاله العلماء بخصوص مكان دم النحر وزمنه وبخصوص مصيره أيضاً فوجدت هذه المسائل الظنية الخلافية التي لا يحق لأحد أن ينكر على من خالفه, لأن لكل عالم رأيه, ولكل مجتهد طريقه في الاستنباط للأحكام الشرعية من أدلتها التفصليلية, يقول الشاعر:

وكلهم من رسول الله ملتمس                      غرفا من البحر أو رشفا من الديم

 

والخلاصة: أن مسألة ذبح المتمتع أو نحره لهدي التمتع في مكة من المسائل الخلافية. فقيل: إن هذا الذبح أو النحر لا يكون في مكة وإنما مكانه منى, لأن النبي صلى الله عيه وآله وسلم نحر في منى. وقيل: لا مانع من أن يكون في مكة, كما لا مانع من أن يكون في منى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " نحرت هاهنا ومنى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر". و الحديث بتصحيح لمخرجه أبو داود و أحمد و ابن ماجه و الطحاوي و الحاكم و البيهقي. و الراجح عندي هو القول الأخير. لأن دليله صحيح وصريح في الدلالة على المقصود, و لاسيما أن القول أرجح من الفعل عند علماء الأصول وأئمة الاجتهاد, وقد قال به جماعة من السلف كابن عباس الذي رُوي عنه: أنه كان ينحر بمكة, ويقول:" مناحر البدن بمكة ولكنها نزهت عن الدماء, ومنى من مكة" كما أخرجه البيهقي, كما رُوي القول بجواز الذبح أو النحر في مكة عن مجاهد حيث أفتى السائل الذي استفتاه بأن ينحر حيث شاء. وهو المروي عن طاوس وعن عطاء الذين فالأكل ما كان من هدي مكة و الصيام و الإطعام حيث شئت كما حكاه عنهما ابن حزم في (المحلى) مرجحا بكلام طويل ساقه في المحلى(1). واختاره ابن القيم في (زاد المعاد) حيث صرح في شرحه لحديث (وفجاج مكة كلها منحر) بأن في هذا الحديث دليلاً على أن النحر لا يختص بمنى, بل حيث ما كان من فجاج مكة فإنه يكون مجزئا(2),كما صرح بذلك في الفصل الذي خصه للكلام على الهدايا و الضحايا و العقيقة(3), وهذا القول هو الذي صرح به الإمام المهدي في (الأزهار) للمذهب الهادوي الزيدى في قوله:"مكان دم العمرة مكة". ورجح هذا القول الشوكاني حيث صرح في ( السيل الجرار) بأن مكان جميع الدماء منى وفجاج مكة ,محتجا بهذا الحديث كما أنه نفى وجود أي دليل يدل على التفرقة بين أمكنة النحر(4).

وإليه جنح الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار من علماء مكة المكرمة في هذا العصر في كتابه (حجة النبي) ... وقد أعجبني كلامه حول هذه المسألة حيث قال:" إن حرص الحجاج على الذبح بمنى يلحق الصالح من الهدايا بغيره فيقذف الجميع في الهاوية الفاغرة فاها لالتهام كل ما يطرح فيها, ولو أراد الحجاج أن ينفعوا بهديهم عشرات الألوف من المحتاجين و الفقراء لذبحوا في مكة وهي أرحب من منى ومنىومكة سواء في الذبح, فرسول الله صلى الله عيه وآله وسلم الذي أخذنا عنه المناسك قال: "منى كلها منحر " وقال :"كل فجاج مكة طريق ومنحر" فلو كان النحر في مكة لانتفع الآلاف من الناس من اللحوم وهم في أشد الحاجة إليها(5).", وبمثله قال الألباني المحدث السوري المعاصر في كتابه (صفة حجة النبي) حيث قال:"لو عرف الحجاج هذا الحكم, فذبح قسم كبير منهم في مكة, لقل تكدس الذبائح في منى وطمرها في التراب, كي لايفسد الهواء. و لاستفاد الكثير من ذبائحهم ولزال بذلك بعض ما يشكو منه قسم كبير من الحجاج. وما ذلك الا بسبب جهل كثير منهم بالشرع"(6).

وبناء على ما سقته آنفا فمن ذبح في مكة فليس عليه أى حرج, وما عليه في ذلك الذبح أي جناح, بل إن ذبحه في مكة مطابق للنص الصحيح الصريح المرفوع إلى الرسول الأعظم صلى الله عيه وآله وسلم, وموافق لما ذهب إليه حبر الأمة عبدالله بن عباس ومجاهد وطاوس وعطاء و ابن حزم وابن القيم و الشوكاني وأحمد عبدالغفور عطار و الألباني. بل هو أيضاً مذهب الأئمة الهادوية الزيدية المنصوص عليه في أشهر كتاب فقهي في المذهب الزيدي الهادوي(أي:الأزهار), وعلى هذا الأساس فلا يحق لأحد من الناس أن يستنكر الذبح لدم التمتع في مكة وخصوصاً من كان زيدياً هادوياً.

وهكذا نقول فيمن ذبح قبل يوم النحر لا مانع له من ذلك, لأن تحديد ذبح دم التمتع بيوم النحر وما بعده إلى آخر أيام التشريق, ليس من المسائل القطعية, وإنما هي من المسائل الظنية الخلافية. و الذي ذهب إليه أبو حنيفة و مالك و أحمد و الهادوية و الألباني هو عدم جواز ذبح المتمتع لهديه قبل يوم النحر, وأن الذبح لا يدخل وقته قبل يوم النحر, وأن من ذبح قبل يوم النحر فإن ذبيحته لا تجزيء . و الذي ذهب إليه الشافعي وابن حزم الأندلسي هو الجواز, أي أن: من ذبح قبل يوم النحر فلا حرج عليه, أو من ذبح بعد التحلل من العمرة فلا جناح عليه, لأن أول وقت وجوب الذبح أو النحر هو الوقت الذي يلي الإحلال من العمرة. وقد احتج الأولون على تحديدهم أول وقت الذبح أو النحر بيوم العيد أو بيوم النحر بدليلين:

الأول: فعل النبي الله صلى الله عليه وآله وسلم, حيث أنه لم ينحر إلا في يوم النحر.

 الثاني: القياس على الأضحية.

 كما احتج الآخرون بما يأتي:

أولا: إن القرآن قد صرح بأن من تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي, ومن يحدد بيوم النحر وما بعده ليس بيده, أى دليل على هذا التحديد(7).

ثانياً: إن السنة قد أوضحت وبينت ما أجمله القرآن, حيث صح أن النبي أمر الصحابة المتمتعين بأن يهدوا إذا أحلوا كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله رضوان الله عليه(8).

ثالثاً:  إن العلماء جميعاً ومنهم المانعون من تقديم ذبح دم المتمتع على يوم النحر قد جوزوا تقديم الصيام, الذي قد ورد النص القرآني بأنه شُرع بدلا عن الدم لمن لم يستطع أن يهدي. فإذا جاز تقديم البدل وهو صوم الثلاثة الأيام, أفلا يجوز تقديم المبدل وهو الذبح أو النحر بطريق القياس أو بفحوى الخطاب(9).

رابعاً: بما جاء عن جابر بن عبد الله رضي الله منه قال:" كثرت القالة من الناس, فخرجنا حجاجا حتى لم يكن بيننا وبين نهل إلا أيام قلائل, أمرنا بالإحلال, أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منيا فبلغ ذلك رسول الله صلي الله عليه و آله وسلم فقام خطيبا فقال:" بالله تعلموني أيها المسلمون, فأنا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ولحللت كما أحلوا. فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع إلى أهله, ومن وجد هديا فلينحر". فكنا ننحر الجزور عن سبعة" قال عطاء: قال ابن عباس رضي الله عنهما:" إن رسول صلي الله عليه و آله وسلم قسم يومئذ في  أصحابه غنما, فأصاب سعد بن أبي وقاص تيسا, فذبحه عن نفسه. فلما وقفَ رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم بعرفة أمر ربيعة ابن أبي خلف فقام تحت يد ناقته فقال له النبي صلي الله عليه و آله وسلم:" اصرخ بها في الناس:" هل تدرون أي شهر هذا" رواه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم, ففيه دليل على أن المتمتعين من الصحابة نحروا وذبحوا قبل يوم النحر(10).

خامسا: أن هذا الدم حق مالي يجب بشيئين فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب(11).

سادسا: إن أصحاب أبى حنيفة الذين يمنعون من تقديم الذبح أو النحر قبل يوم النحر, قد أجازوا لمن نذر صيام يوم الخمس فصام يوم الأربعاء الذي قبله، أن صيامه ليوم الأربعاء، مجز. فلماذا لا يجوزون تقديم ذبح الهدي المذكور قبل يوم النحر(12)؟!.

كما أجاب أهلُ القول الأخير على أهل القول الأول الذين احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينحر الهدي إلا يوم النحر بما يلي:

أولا: إن نحر النبي يوم النحر لا يدل على أنه لا يجوز الذبح قبل يوم النحر, إن الذبح و النحر قبل يوم النحر مسكوت عنه وقد جاء في حديث جابر المتقدم الذي نص فيه جابر على أن النبي أمرهم بان يهدوا إذا أحلوا ما يدل على جواز الذبح أو النحر قبل يوم النحر, لأن الحديث مصرح بأن وقت الذبح أو النحر يكون عقب الإحلال, وهو دليل على أن أول وقت الذبح هو الإحلال لا يوم النحر.

ثانيا: إن حديث جابر هذا حديث قولي, والقول  أرجح من الفعل كما تقرر في علم الأصول.

ثالثاً: إن نحر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر لا يعارض الأمر لمن كان متمتعا بأن يهدي إذا أحل, لأن النبي لم يكـن متمتعا.

 وهكذا أجابوا على قياس الهدي على الأضحية بما يلي:

أولاً:إنه قياس في العبادات والقياس في العبادات لا يحتج به المحققون من علماء الأصول.

 على فرض أن القياس في العبادات حجة, فهو معارض بقياس آخر أقوى منه, وهو قياس دم التمتع على صيام التمتع في جواز تقديم فعله على يوم عيد النحر بجامع كون كل واحد من الأصل والفرع شُرع كفارة أو شكراً لمن كان متمتعا.

ثالثا: على فرض أن هذا القياس صحيح غير معارض لقياس آخر فهو فاسد الاعتبار, لكونه مصادما للنص الوارد في حديث جابر عند مسلم رحمه الله ولا قياس مع النص.

 إذا تقرر هذا عرفنا أن من ذبح أو نحر, لكونه متمتعا في يوم النحر, فلا جُناح عليه لكونه قد عمل بالنص الصحيح في صحيح مسلم رحمه الله عن جابر بن عبد الله رضوان الله عليه, المؤيد بالأدلة السابق ذكرها، كما أنه قد وافق رأي الشافعي وابن حزم وكفى بهما أسوة, ولاسيما  وقد ظهر من خلال الاطلاع على أدلة الفريقين: أن الظاهر هو ما ذهب إليه المجوزون للنحر أو الذبح عقيب الإحلال .

 وأما مسألة جواز أكل المتمتع من ذبيحته, فهي أيضا من المسائل الخلافية بين العلماء. فمنهم من أجازه, ومنهم من  منعه، وممن أجازه أبو حنيفة ومالك وأحمد والهادوية والجعفرية، وممن منع المتمتع من أكله من هديه الشافعي... والظاهر هو الجواز لأن الأصل الإباحة ومن ادعى التحريم  أو المنع فعليه الدليل الصحيح الصريح الخالي عن المعارضة. ولم يحتج المانع بأي حجة غير قوله: (إن دم التمتع كان للجبران, فيكون كالكفارة, وإذا كان مثل الكفارة فلا يحل أكله أو الأكل منه, لأن المكفر لا يحل له الأكل من كفارته). وهذه دعوى لم تربط بدليل على أن دم التمتع دم جبران أو أنه مثل الكفارة, بل الدليل يدل على عكسه, وهو أنه دم نُسُك وعبادة وشكران وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم :"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة".

ولا يتصور أن النبي يقول هذا القول في  التمتع, لو كان فيه نقص يحتاج إلي كفارة أو  إلى جبران، ولاسيما وأنه قد جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أكل من الذبيحة أو النحيرة و أمر الناس بأن يقتطعوا منها، بل أصرح من هذا  حديث ذبح النبي عن زوجاته و تقريره لهن  بالأكل من الذبيحة في حين زوجاته كن  متمتعات، وخصوصا كان القرآن قد أمر  بالأكل من البدن و بإطعام البائس الفقير و القانع والمعتر، و الألف واللام في البدن عامة لكل بدن سواء كانت قد نحُرت للتمتع أو تطوعاً من الحاج، حيث وهي (الألف واللام)من الأدوات الدالة على العموم, حتى ولو كان اللفظ العام ورد بسبب خاص، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في علم الأصول.

وبناء على ذلك فالكتاب العزيز والسنة المطهرة قد دلا على جواز الأكل من ذبيحة أو نحيرة هدي التمتع، وصرفها في مصارفها. ودعوى التفرقة بين الدماء يحتاج إلى دليل، ولم يثبت ما يقضي بذلك وإن كان السبب خاصا, لأن الحكم لا يتقيد بالسبب, كما نص على معنى هذا مؤلف (السيل الجرار)- رحمه الله (13). كما أنه قد ورد الدليل على إباحة التزود في الحديث الذي أباح فيه النبي لأمته بأن يتزودوا, وهذا معروف لدى كل من طالع كتب السنة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام.

وعلى هذا الأساس فإنه لا يحق لأحد من الناس أن ينقد أحدا على أكله من هديه الذي ذبحه أو نحره, لكونه متمتعا, لأن الدليل قد دل على جواز ذلك, ولم يأت المانع بشيء يدل على عدم الجواز، وقد نعى على معنى ما قلته الخرقي الحنبلي في (المختصر)، وابن قدامة في شرح المختصر، المسمى (بالمغني) وابن القيم الحنبلي في (زاد المعاد)، وابن مفتاح في( المنتزع المختار من الغيث المدرار) المعروف (بشرح الأزهار), والعنسي في (التاج المذهب)، والشيخ على كاشف الغطاء الإمامي الجعفري في (مرشد الأنام)! والشوكاني في (السيل الجرار) وصديق حسن خان القنوجي الهندي في (الروضة الندية شرح الدرر البهية)، وغيرهم من العلماء المقلدين والمجتهدين- رحمهم الله- وألحقنا بهم صالحين.

ولو أن الناس عملوا بهذه السنن فأكلوا من ذبائحهم وأطعموا غيرهم بعد أن يسلخوها ويقطعوا لحمها، وبعد أن يكونوا عند شرائها قد  استثمنوها لخف العبث وقلت الأوساخ و الروائح الكريهة التي تكون في منى في كل عام,ولاسيما إذا كان الذبح في منى وفى مكة كما جاء  في الحديث المتقدم الدال على أن فجاج  مكة منحر وخصوصا إذا كان البعض من الحجاج يؤخر النحر أو الذبح إلى ثاني يوم النحر والبعض يؤخره إلى اليوم الثالث من يوم النحر, و آخرون يؤخرون الذبح إلي آخر أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من أيام النحر، ولا يقتصرون على يوم النحر واليوم الذي يليه، ولا يتأخر إلى اليوم الثالث والرابع إلا القليل، بل ومن الممكن أن يتقدموا على يوم النحر فيذبحون عقب إحلالهم كما هو مذهب الشافعي وابن حزم للأدلة التي سبق ذكرها الدالة على جواز التقديم والتي قد ذكرها الشيرازي في (شرح المهذب) وابن حزم في (المحلى) وغيرها.

وفي رأي الألباني أن الحجاج لو فعلوا الأمور التالية لزالت الشكوى من الحجاج مما يحصل من الروائح الكريهة في منى في أيام منى وهي ما يلي:

أولاً:أن يذبح الكثيرون في مكة.

ثانياً: أن لا يتزاحموا على الذبح في يوم النحر  فقط, بل وفى أيام التشريق.

ثالثاً: استسمان الذبائح وسلخها وتقطيعها

 رابعاً: الأكل من الذبائح، والتزود من لحومها(14).

خامساً: ويضاف إليها أن يذبح البعض قبل يوم النحر وعقب الإحلال, أو في الأيام العشر ,ولاسيما من كان مذهبه شافعيا أو ظاهريا , عملا بحديث جابر رضي الله عنه.

 والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع, وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.


¡¡

(1) المحلى جـ 7 ص56 بالمعنى.

(2) زاد المعاد جـ 1 ص 33 الطبعة المصرية بالمعني.

(3) المصدر السابق ص 245-246.

(4) السيل الجرار جـ 2 ص 239.

(5) حجة النبي ص 257.

(6) صفة حجة النبي للألباني.

(7) راجع المحلى لابن حزم جـ 7 ص 155.

(8) صحيح مسلم جـ 1 ص 344.

(9) راجع شرح المهذب و المجموع للنووي

(10) انظر صفحة 260 من كتاب الذبائح في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الله العبادي.

(11) راجع المحلى لابن حزم جـ 7 ص 155.

(12) راجع شرح النووي على المهذب جـ2 ص 202.

(13) صفحة (1240) جـ (2).

(14) صفحة حجة النبي صفحة (87).

¡¡