المرأة وحقوقها السياسية في الإسلام للشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله

المقدمــة

 

إن الحمد لله رب نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ .

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا .

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا .

وبعد : فإن الله خلق البشر من ذكر وأنثى ، كمل بهما الخلق ، وجعل لكل نوع (جنس) منهما خصائص تميزه عن النوع الآخر ، في التكوين البدني ، والنفسي ، والهرموني ، والعصبي ، ونتج عن ذلك الاختلاف في التكوين التكامل في الحياة البشرية، والقاعدة العلمية تقول اختلاف التركيب العضوي ينتج عنه اختلاف الوظيفة ، فتركيب الأذن وظيفتها مختلف عن تركيب العين ووظيفتها، ونتيجة لذلك الاختلاف الفطري في التركيب الإنساني كان لا بد من أن يوجد الاختلاف المصاحب له في الوظائف الفطرية في الحياة البشرية لكل من الرجل والمرأة، ويتجلى ذلك في اشتغال المرأة بالحمل، والوضع والرضاعة إلى جانب اشتغال بدنها بالعادة في كل شهر ، وما يصاحب ذلك من عاطفة ، ومشاعر نفسية تتناسب مع تلك الحالات البدنية .

وهرمونات وجهاز عصبي ينضم تلك الوظائف، بينما نجد القوة البدنية في الرجل ، والتخلي البدني عن تبعات النسل ، بما يؤهله للاشتغال بالأعمال ذات الطبيعة الخشنة التي تتطلب سعياً ، ومزاحمة ، وقوة شكيمة لإنجازها .

ومع أن هناك فوارق بدنية ، ونفسية ، وهرمونية ، وعصبية بين الرجال والنساء إلا أن هناك وحدة في الفطرة البشرية الآدمية بينهما: فكلاهما من جنس واحد، ومن نفس واحدة.. وكل منهما قد نال التكريم الإلهي كما قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ... ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (النساء شقائق الرجال)[1].

ومع وضوح هذه الحقائق الفطرية ، فإن الجاهلية المعوجة عندما تسيطر على البشرية تجعلهم يتنكرون لتلك الفطرة البشرية منطلقة وراء أهوائها وشهواتها بعيداً عن هدى ربها وخالقها ـ فتلتبس عليها الحقائق، وتسلك طرق الاعوجاج: فتارة تبالغ في إظهار تلك الفروق والاختلافات بين النوعين، وتجعلها الأساس في تقرير الحقوق والواجبات لكل منهما.

وتارة تتجاهل تلك الفروق، وتلغيها ، ولا تقيم لها وزناً ، وتارة تصادر حقوق المرأة ، وتظلمها مادياً ومعنوياً ، وتارة تحملها من التبعات والواجبات فوق ما تقوم به من الواجبات الفطرية بدعوى المساواة بينها وبين الرجل.. وكم تصاحب هذه الاختلالات الفكرية من فساد ، ودمار للعلاقات الإنسانية بين النوعين، تشهد به قرون التاريخ البشري المتطاولة .

وقد خلق الله الزوجين ، بصفات آدمية مشتركة كالعقل والنفس والبدن ، وجعل لكل منهما خصائص يكمل بها أحدهما الآخر.. وتستقيم الحياة باجتماع تلك الخصائص ورعايتها في كل من النوعين والمنهج القويم هو الذي يجعل الوظيفة تبعاً للمساواة في الخلقة والاختلاف في الوظيفة تبعاً للاختلاف في الوظيفة والفطرة، كما قال تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) وبين القرآن أن تلك الدرجة هي درجة القوامة والولاية في قوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) .

هذا البحث دراسة للتكوين البشري من الناحية البدنية والنفسية والهرمونية لكل من الرجال والنساء، وما يصاحب ذلك من عواطف ومشاعر وقدرات وإمكانيات من حيث اتفاقهما واختلافهما .

وما يترتب على ذلك من وظائف مشتركة بينهما تخص كلاً منهما، وفق ما يتميز به من فطرة وتكوين .

كما يتناول هذا البحث الهدي الإلهي الذي جاء منظماً للحياة البشرية في كل شؤونها، وبيان دور كل من الرجال والنساء في حياة المجتمعات، وما يليق بكل منهما من آداب، وأخلاق، وسلوك .

ويتناول البحث وظيفة الولاية التي تتطلب القوة ، والتفرغ البدني ، والحزم، والقوة النفسية لمواجهة المماحكات والتحديات ، والسهر ، والرعاية والمخالطة ، والمعايشة للمتبوعين ، والموقف الشرعي في تقريرها للرجال دون النساء كما دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وفعل النبي، والصحابة والخلفاء، وما أجمع عليه علماء المسلمين إلى ما قبل عهد الاستعمار.

كما يتناول البحث الحقوق السياسية للمرأة ، وحقها في التعبير عن رأيها ، ومشاركتها في رسم السياسة العامة للمجتمع ، وحقها في التعليم والفتيا ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وما يترتب عليه من مراقبة ومحاسبة لولاة الأمر ، ومقاضاة لهم أمام المحاكم ، وما أباحه لها الإسلام من بذل جهدها في الدفاع عن دينها وبلادها ، ذاكراً حقها في النفقة على وليها ، أو على المجتمع .

ويطوف البحث على الواقع المعاصر للمرأة في البلاد التي تنادي بالمساواة المطلقة بين الرجال والنساء دون اعتبار لأي فارق بينهما ، وما آل إليه أمر المرأة من نتلك تلك الدول من عجزها في منافسة الرجال على المواقع القيادية المتعلقة بالولاياة سواء في رئاسات الدول ، أو مجالس الوزراء ، أو مجالس النواب: حيث لم تتمكن المراة في تلك الدول من الحصول على ما يتناسب مع العدد السكاني للنساء في تلك البلاد وأصبحت مشاركة النساء في المواقع القيادية أقرب إلى الرمز منها إلى الحقيقة المعبرة عن النسبة السكانية في تلك البلاد .

ويقدم البحث حلاً يحقق للمرأة تمتعها الكامل بحقوقها السياسية المتلائمة مع فطرتها، وتكوين أسرتها دون تضيع لحق زوجها وأطفالها ، ويتمثل ذلك في المطالبة بتأسيس مجلس شورى للمرأة يوازي مجالس الشيوخ في بعض البلدان التي تنشأ بجوار مجالس النواب .

وتذكر في خاتمة هذا الكتاب الفتوى التي قدمها مجموعة من علماء اليمن إلى مؤتمر عام من مؤتمرات التجمع اليمني للإصلاح عند بحثه لهذا الموضوع .

نسأل الله أن يجعل الأعمال خالصة لوجهه ، وأن يبصر الأمة بالحق، ويهديها إليه. والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

حرر في صنعاء 1420هـ

 

 


 

الفصل الأول

﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى[القيامة: 39] .

الزوجية في بناء الكون

 

*الزوجية في بناء الكون هي سمة المخلوقات تقابله الوحدانية التي هي خاصة بالله تعالى.. قال تعالى : ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[الذاريات:49].

قال الزمخشري ـ رحمه الله تعالى ـ : ﴿ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ذكراً وأنثى[2] .

قال القرطبي ـ رحمه الله ـ : "لتعلموا أنه خالق فرد؛ إذ هو وتر:

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11][3] .

*والزوجان في بناء الكون هما نوعان من جنس واحد... فضل الله أحدهما على الآخر بخصائص تشتد حاجة الآخر إليها : ليحدث التكامل بينهما.

*وفي الجنس البشري : يرجع النوعان إلى أصل واحد، قال الله تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1] وقال ـ صلى الله عليه وسلم : (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع*)[4]. أي ضلع آدم .

*وغاية الزوجية في الجنس البشري : تحقيق التكامل الإنساني الفطري النفسي والبدني والاجتماعي؛ إذ باستقلال أحد الزوجين بنفسه، أو ترك اختصاصه إلى اختصاص الآخر يحدث الفساد، وتتعطل الحياة.

*فوحدة الجنس البشري: تدحض جهالة التباين المطلق بين الرجل والمرأة التي استبعدت المرأة قديماً بموجبها .

وكذلك فإن : كون هذا الجنس البشري زوجين مختلفين في بعض الخصائص النفسية والبدنية : يسقط ضلالة المساواة المطلقة التي دمرت الحياة الإنسانية، وألغت التكامل الذي يحدثه اختصاص كل من الزوجين بما خلقه الله له .

*ولذلك كانت ضرورة الزواج بين النوعين ، وتكوين الأسرة منهما لتقوم الحياة البشرية، ويستمر النمو البشري بتكامل الزوجين، وما هو ما يظهر من قوله تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً[النساء/1] .

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] .

كما يظهر ذلك من خلال الأحاديث المتكاثرة الآمرة بالزواج أو الحاثة عليه[5]. ولكي يستقر البيت للزوجين ، ويترابط أفراد الأسرة كان لا بد من وضع قانون يحكم التصرفات والأفعال بين الزوجين؛ ليضمن قيام الأسرة وصيانتها.. وهو ما قرره الله تعالى مما نعرضه في الفصل الثاني.

 

 


[1]  - انظر تخريجه ص65 من هذا البحث .

[2] - تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل . تأليف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ الجزء الرابع ص31 ، الطبعة : بدون .

[3]  - تفسير القرطبي 17/53: الجامع لأحكام القرآن ، تأليف : أبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة 1405هـ - 1985م .

* - من ضلع : قال في (فتح الباري) : بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام وقد تسكن ، وكأن فيه إشارة إلى ما أخرجه ابن إسحاق في المبتدأ عن ابن عباس : أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم ـ قال ـ : فكأن المعنى أن النساء خلقن من أصل خلق من شيء معوج . اهـ انظر : فتح الباري شرح صحيح البخاري لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، مراجعة: محمد فؤاد عبدالباقي، ومحب الدين الخطيب ـ دار المعرفة ـ بيروت 1379هـ .

[4] - رواه البخاري : 5/198 : الجامع الصحيح المختصر لأبي عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي ـ دار ابن كثير ـ اليمامة ـ مراجعة د. مصطفى ديب البغا ـ بيروت 1987م .

[5] - كقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (.. وأتزوج النساء .. فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري، وروى الترمذي (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، وحسنه الألباني ، وأخرج البيهقي في السنن الكبرى عن أبي أمامة ـ رضي الله تعالى عنه ـ : (تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ، ولا تكونوا كرهبانية النصارى) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 1782 ـ وحديث ابن عباس (تزوج، فإن خير هذه الأمة أكثرهم نسلاً) يعني النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رواه البخاري


 

 .

الفصل الثاني

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ

 

*نبتدئ بذكر:

مسلمة شرعية قائمة على البنية الفطرية هي : إن وحدة الجنس البشري بين الرجل والمرأة أدت إلى المشاركة في الخطاب الشرعي بينهما ، فلا يخرج عنه أحدهما ـ ذكراً أو أنثى ـ إلا بقرينة[6].

*ولأن الجنس البشري يتفرع إلى زوجين مختلفين في بعض الخصائص والصفات ـ فإن التشريع الأكمل هو الذي يساوي بين الزوجين فيما تكون المساواة فيه بينهما، ويراعي الاختلاف بينهما ، وهو ما قرره القرآن الكريم في قوله تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228] .

*ويتجلى هذا المعنى في التشريعات الإلهية المتعلقة بالأسرة التي هي نواة المجتمع كما أشار إلى ذلك المفسرون عند تفسيرهم للقانون المذكور في الآية السابقة الذكر، ومما قالوه في هذا الصدد:

*قال ابن جرير ـ رحمه الله تعالى : ذاكراً: ثلاث تفسيرات للمماثلة الواردة في الآية:

1- أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن لهم من الطاعة فيما أوجب الله ـ تعالى ذكره ـ له عليها . وأسند إلى الضحاك قوله : إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن؛ فعليه أن يحسن صحبتها، ويكف عنها أذاه ، وينفق عليها من سعته .

2- على أزواجهن من التصنع والمؤاتاة مثل الذي عليهن من ذلك. واسند إلى ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قوله : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي ، وذلك أن الله تعالى : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ[البقرة:228] .

3- ثم قرر أخيراً أن كل ذلك داخل في المعنى فقال: ويحتمل أن يكون كل ما على واحد منهما لصاحبه داخلاً في ذلك؛ لأن الله ـ تعالى ذكره ـ جعل لكل واحد منهما على الآخر حقاً ، فلكل واحد منهما على الآخرين أداء حقه إليه مثل الذي عليه له ، فيدخل حينئذ ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك[7].

*ويرسي ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ قاعدة الحق والواجب المتناسقين على كلا الزوجين فيقول : أي ولهن مثل على الرجال مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه ، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر ـ رضي الله تعالىعنه ـ : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال في خطبته في حجة الوداع:

(فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف)[8].

*وفي بيان هذه المماثلة في الآية يقول الزمخشري ـ رحمه الله تعالى ـ في كشافه : المماثلة هي مماثلة الواجب الواجب في كونهما حسنة ، لا في جنس الفعل فإذا غسلت ثيابه، أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ، ولكن يقابله بما يليق بالرجال[9].

 


 

[6] - انظر مثلاً : هذه المساواة في الخطاب الشرعي :

1- مشاركة الخطاب الشرعي في قيام الحياة بينما ﴿وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء[النساء:1] .

2- مشاركة الخطاب الشرعي في الإيمان ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض[التوبة:71] .

3- مشاركة الخطاب الشرعي في سائر الأحكام ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنون والمؤمنات[الأحزاب:35] .

4-مشاركة الخطاب الشرعي في التحذير من الشرك والنفاق ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن .

5- مشاركة الخطاب الشرعي في تحمل المسؤولية الجنائية ﴿والسارق والسارقة[المائدة:38] . ﴿الزانية والزاني[النور:2] .

6- مشاركة الخطاب الشرعي في الحرية ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً[النساء:19] . ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء[النور:33] . ويعم هذا كله : قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (إنما النساء شقائق الرجال) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه الألباني في السلسلة برقم 2863 .

ثم انظر القرائن المخرجة للذكور من الخطاب الشرعي في مثل أحكام الحيض والعدة، والقرائن المخرجة للإناث من الخطاب الشرعي في مثل حق الطلاق ولزوم الحج دون شرط محرم.. وهذه كما ترى .. مجرد أمثلة للقاعدة المذكورة.

[7] - تفسير الطبري 2/453 : جامع البيان عن تأويل آي القرآن ـ تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري الطبعة الثالثة 1388هـ-1968م شركة مكتبة ومطبعة : مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر .

[8] - تفسير ابن كثير 1/245: تفسير القرآن العظيم ـ للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ-1997م .

[9] - الكشاف للزمخشري 1/138، مرجع سابق .

 


الفصل الثالث

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى

الفوارق بين الرجل والمرأة في رأي العلم الحديث

 

تكلمنا في الفصل السابق عن وحدة الجنس البشري في خلق الزوجين (الرجل والمرأة) ، ووحدة الخطاب الإلهي المتعلق بتلك الوحدة الفطرية ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ، ونتحدث في هذا الفصل عن الفوارق والخصائص الفطرية بين الرجال والنساء.

ولنبدأ بالفوارق بين الرجل والمرأة في رأي العلم الحديث:-

*إن علم وظائف الأعضاء (الفسيولوجي) وعلم التشريح يؤكدان الفوارق الهائلة بين الزوجين (الجنسين) وأن لكل منهما وظيفته الخاصة به. وأوضحت العلوم الحديثة أن كيان المرأة قد بني وصمم ليكون أماً وربة أسرة ، وأن كيان الرجل قد صمم وبني لمعترك الحياة، ولا يمنع أن تزاول المرأة بعض الأعمال خارج منزلها لكن ذلك هو الاستثناء[10].

 

أولاً: الفوارق البدنية بين الزوجين:

إن تجاوزنا الشكل الخارجي "القامة ـ الجسد" الذي يرى كل ذي عينين الفارق فيه بين الرجل والمرأة إلى التركيب الدقيق للبدن فإننا نرى:-

1- الاختلاف على مستوى الخلايا : فكل خلية للمرأة تختلف في خصائصها وتركيبها عن خلايا الرجل حتى على مستوى الكرومسومات (الصبغيات).

2- الاختلاف على مستوى النطفة: فالمنوي يعبر عن خصائص الرجل: له رأس مدبب وعليه قلنسوة مصفحة ، وله ذيل طويل سريع الحركة ، قوي الشكيمة، ولا يقر له قراراً حتى يصل إلى هدفه أو يموت، أما البويضة فهادئة ، ساكنة باقية في مكانها لا تبرحه ، منتظرة لسعيد الحظ الناجي من مخاطر مئات الملايين من المنويات العابرة لموج المني المتلاطم.. فكل منهما يعبر عن خصائص نفسه[11].

3- الاختلاف على مستوى الأنسجة والأعضاء: نجد الفوارق الهائلة الواضحة لكل ذي عينين بين الذكور والأنوثة: فعضلات الفتى مشدودة قوية، وهو عريض المنكبين ، واسع الصدر، ضيق البطن، صغير الحوض نسبياً.. وعضلات الفتاة رقيقة ، مكسورة بطبقة دهنية تكسب الجسم استدارة وامتلاء، خالياً من الحفر والنتوءات الواضحة التي لا ترتاح العين لمرآها، وقد ذكر صاحب كتاب مبادئ علم التشريح ووظائف الأعضاء تسعة عشر فرقاً بين حوض الرجل، وحوض الأنثى. وعلق د. البار على ذلك بقوله : والحكمة في هذا الاختلاف البين في التركيب التشريحي والوظيفي (الفسيولوجي) بين الرجل والمرأة هو : أن هيكل الرجل قد بني ليخرج إلى ميدان العمل ويكافح، وتبقى المرأة في المنزل، وتؤدي وظيفتها التي أناطها الله بها وهي الحمل والولادة وتربية الأطفال ، وتهيئة عش الزوجية؛ حتى يتحقق السكن الذي خلقت المرأة لأجله. والفرق تراه في الرجل البالغ والمرأة البالغة كما تراه في المنوي والبويضة .. ليس ذلك فحسب، بل ترى الفرق في كل خلية من خلايا المرأة، وفي كل خلية من خلايا الرجل.. وإذا أردنا أن نقلب الموازين ـ وكم من موازين قد قلبناها ـ فإننا نصادم بذلك الفطرة التي فطرنا الله عليها ، ونصادم التكوين البيولوجي والنفسي الذي خلقنا الله عليه[12].

 ثانياً : الفروق في المعدلات الثابتة للعناصر الحيوية في الإنسان:

ثبت علمياً وجود فروق بين الرجل والنساء في معدلات العناصر الحيوية الإنسانية، وذلك مثل مكونات الدم الإنساني[13].

 ثالثاً: الفروق الهرمونية وعمل الغدد الصماء: Endocrins & Hormones

للهرمونات آثار هامة في نشاط الجسم الإنساني ، وتفرز هذه الهرمونات من غدد تسمى الغدد الصماء ، ومنها:

الخصية : هي عضو التناسل الجنسي الأول عند الرجل ووظيفتها الرئيسية هي :

1-    صنع النطاف .

2- إفراز الهرمونات المذكرة (testosterone) (تستتيرون) وهو الهرمون الهام المسئول عن التأثير الهرموني ، وهو : نمو الأعضاء التناسيلة الخارجية والداخلية. يتأثر الصوت فتكبر الحنجرة ، وتزداد الحبال الصوتية في الطول، ويصبح الصوت أكثر عمقاً. ينمو شعر الشارب واللحية، ويتراجع شعر فروة الرأس، وينمو شعر العانة ، ويكثر الشعر في الإبط والصدر وسائر أنحاء الجسم ، ويتأثر الجسم فتزداد المناكب عرضاً، كما تكبر العضلات.

ومن الناحية العقلية يصبح الذكر أكثر ميلاً للعدوان* وأكثر فعالية ـ ونشاطاً كما يتطور عنده الاهتمام بالجنس الآخر[14].

المبيض : (Qvaty) غدة ثنائية، وهي عضو التناسل الجنسي الأول عند الأنثى، ووظيفتها الرئيسة هي:

1)    تكوين وطرح البويضات .

2) إفراز الهرمونات الأنثوية (الاستروجين ، البروجسترون ، الريلاكسين) بشكل خاص.. وعلى سبيل المثال التفصيلي فإن :

 

هرمون الاستروجين : Estrogene

 

وظيفته الرئيسة هي : زيادة وتكاثر ونمو الأنسجة للأعضاء التناسلية والأنسجة الأخرى التي لها علاقة بالإنجاب .

·   *وهو يؤدي لالتحام مبكر للمشاشات مع أجسام العظام الطويلة مؤدياً ذلك لتوقف نمو الإناث لسنين عديدة قبل توقف نمو الذكور، وللاستروجين تأثير خاص على الحوض مؤدياً إلى اتساعه : كما يحول مخرج الحوض من مخرج ضيق يشبه القمع كما عند الرجال إلى مخرج عريض بيضاوي ، وهذا التغيير مهم من أجل ولادة الطفل في المستقبل .

·   الاستروجين يؤدي إلى زيادة واضحة في تركيز الشحم للمرأة ، وذلك خلاف الرجل حيث يؤدي التستسترون في الرجل إلى تركيز البروتين في العضلات* بدلاً من الدهون في المرأة**.

·        يزداد الشعر في فروة الرأس ويبقي قليلاً في الجسم .

 رابعاً : تأثيرات الحيض (الطمث) على النساء:

جاء في كتاب : (أساسيات علم وظائف الأعضاء):

"تتراوح مدة الدورة (الحيض عند المرأة) في الحالات الطبيعية ما بين 24-34 يوماً (وسطياً 28 يوماً) أما زمن السيلان الطمثي (الحيض) فيتراوح ما بين (2-7) يوماً (وسطياً 5أيام) ، ولمدة الدورة الطمثية علاقة مباشرة بالتركيب الجسدي والنفساني للمرأة، فقبل موعد الطمث ينخفض الخضاب الدموي قليلاً، كما ينخفض تعداد الكرويات الحمراء، وتركيز جديد للمصل الدموي ، أما أثناء الطمث فتنخفض مقاومة البدن العامة، مع انخفاض معتدل في عدد الكريات البيضاء، وارتفاع سرعة التنقل الدموي، يزداد التعرض للانتانات (العفونات) والإصابات التحسسية في تلك الفترة. تزداد المقومات العضلية ، وسرعة الاستثارة العقلية مسببة الاضطراب والارتعاش. ومن الأمور الهامة إصابة المرأة بالتوتر العصبي في فترة الطمث (الحيض) خاصة إذا كان هناك استعداد خاص مما قد يؤدي بها على النزف وسرعة الاستثارة ، وقد لوحظ أن نسبة الإنتاج تنخفض لدى المرأة في فترة الطمث (الحيض) كما أن نسبة الانتحار وجرائم النساء في المجتمعات الغربية تزداد بشكل ملحوظ لدى النساء في تلك الفترة، ويمكن للمرأة أن تشكو إضافة للقلق والتوتر النفسي من الصداع ، ويمكن أن نعزو الصداع إلى التغيرات الوعائية العصبية*، أو إلى سبب نفسي، أو إلى القلق والتوتر المرافقين لحالة الطمث (الحيض)[15].

ـ وذكر د. البار الآلام والأوجاع التي تعاني منها المرأة أثناء الحيض، فلخصها في :

1) تصاب أكثر النساء بالآلام وأوجاع في أسفل الظهر وأسفل البطن. وقد يستدعي ذلك ـ أحياناً ـ استدعاء طبيب .

2) تصاب كثير من النساء بحالة من الكآبة والضيق، وتكون المرأة عادة متقلبة المزاج سريعة الاهتياج قليلة الاحتمال، كما أن حالتها الفكرية والعقلية تكون في أدنى مستوى لها .

3) تصاب بعض النساء بالصداع النصفي (الشقيقة) قرب بداية الحيض.. وتكون الآلام مبرحة ، وتصحبها زغللة في الرؤية.

4) فقر الدم (الانيميا) الذي ينتج عن النزيف الشهري الدموي إذ تفقد المرأة كمية من الدم في أثناء حيضها، وتختلف الكمية من امرأة إلى أخرى، وقد قيست كمية الدم الذي تفقده المرأة أثناء الحيض وزناً فوجد ما بين أوقيتين (60ملل) وثمان أوقيات (240ملل) .

5) تنخفض درجة حرارة المرأة أثناء الحيض بدرجة مئوية كاملة؛ لأن العمليات الحيوية التي لا تقف في جسم الكائن الحي تكون في أدنى مستوياتها أثناء الحيض (عمليات الأيض أو الاستقلاب) فيقل إنتاج الطاقة وعمليات التمثيل الغذائي .

6) تصاب الغدد الصماء بالتغير أثناء الحيض فتقل إفرازاتها الحيوية الهامة للجسم إلى أدنى مستوى لها أثناء الحيض.

7) تنخفض درجة حرارة الجسم، وبيطئ النبض، وينخفض ضغط الدم ، وتصاب كثير من النساء بالشعور بالدوخة والكسل والفتور في أثناء الحيض.

ولو أصيب رجل بنزف يفقد فيه ربع لتر من دمه لولول ودعا بالثبور وطلب إجازة من عمله ، فكيف بالمسكينة التي تنزف كل شهر ولا يلتفت لها أحد.. لذا رأينا رحمة الله بالمرأة حيث خفف عنها واجباتها التعبدية أثناء الحيض وأعفاها من الاتصال الجنسي بزوجها ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾[البقرة:222] .

قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو يشرع تخفيف التكليف الشرعي عن المرأة حال حيضها: (أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟) الحديث، وهو وارد في سياق التقرير .

 

خامساً : تأثيرات الحمل والولادة والرضاعة :

1) ينقلب كيان المرأة أثناء الحمل، فيبدأ الحمل بالغثيان والقيء، والطفل يعتبر كالنبات الطفيلي الذي يستمد كل ما يحتاج إليه من الشجرة التي يتعلق بها، فهو يعيش ويأخذ غذاء من الأم كاملاً مهما كانت حالتها أو ظروفها حتى لو تركها شبحاً، كما قرر ذلك مجموعة من أساتذة طب النساء والولادة في كتاب "الحمل والولادة والعقم عند الجنسين" ؛ ولذا يحصل الجنين على غذائه من كيان الأم إن لم يجد غيره ، بل قد تعطيه من عظامها، وتصاب بلين العظام، وتسوس الأسنان، من جراء سحب الجنين للكالسيوم وفيتامين د. من دم الأم وعظامها .

2)    تصاب الحامل بفقر الدم ، خاصة في النصف الثاني من الحمل، وقد يؤدي ذلك إلى هبوط القلب .

3) يتحمل قلب الحامل أضعاف ما يتحمله قبل الحمل، إذ يقوم بدورتين دمويتين كاملتين: دورة للأم ودورة للجنين، ويتحمل تبعات الدورتين. وتزداد كمية الدم التي يضخمها قلب الأم إلى ما يزيد عن ضعفي ما يضخه يومياً، حيث يضخ القلب قبل الحمل حوالي 6500 لتر يومياً، أما أثناء الحمل وخاصة قرب نهايته فتصل الكمية التي يضخها القلب إلى 15.000لتر يومياً .

4) تزداد سرعة القلب ونبضاته ، ويكبر حجمه قليلاً، وبامتلاء البطن، ونمو الجنين يضغط الحجاب الحاجز على القلب والرئتين، فيصبح التنفس أكثر صعوبة وتشكو، الحامل من ضيق التنفس خاص عندما تستلقي على ظهرها.

5) ويضغط الرحم على الأوردة العائدة من الساقين، فتمتلئ هذه الأخيرة بالدماء، وتنتفخ مسببة دوالي الساقين .

6) في كثير من الأحيان يضاف إلى هذه المتاعب التهابات المجاري البولية التي تزداد زيادة كبيرة أثناء الحمل؛ مما يؤدي إلى فقدان البروتين (الزلال) من البول، وتورم الأرجل والأقدام والوجه، وارتفاع ضغط الدم، وهو يعتبر أهم عامل في حدوث حالات التسمم الخطيرة، لذا لا بد من متابعة الطبيب للحامل كل شهر .

7) ويزداد وزن الأم أثناء الحمل بمعدل كيلو جرام وربع كل شهر، حتى إذا بلغ الحمل نهايته كانت الزيادة عشرة كيلو جرامات : سبعة منها للجنين وأغشيته والمشيمة، وثلاثة منها زيادة فعلية في وزن الأم .

فأضف إلى هذه المتاعب الجسدية ما تلقاه الحامل من مصاعب نفسية وقلق دائم.

8) فإن أردت الحديث عن آلام الطلق فدون ذلك ـ عند تصوره ـ كل ألم آخر، وهو أمر لا يحتاج إلى إثبات .

9)    تبقى الأم في فترة النفاس أشبه بالمريضة تعاني الإرهاق بعد المجهود الشاق في الحمل .

10)  ينخفض مستوى الرحم الذي كان يملأ تجويف البطن بمعدل سنتمترين يومياً ، وفي خلال ستة أسابيع يرجع الرحم الذي كان يتسع في نهاية الحمل لأكثر من سبعة آلاف ميليلتر ليعود ـ بعد نهاية النفاس ـ لها عضواً لا يتسع لأكثر من ميليلترين فقط. ومن وزن ستة آلاف جرام في نهاية الحمل إلى خمسين جراماً فقط بعد الولادة .

11)  تعاني النفساء من صعوبة أثناء التبول نتيجة لتسلخات جدار المهبل وفتحة الفرج ومجرى البول أثناء الولادة ، ولذا ننصح بعدم الإجهاد، لأن عضلة القلب لا تتحمل للمجهود الشديد ولكن الحركة مطلوبة لتنشيط الدورة الدموية .

12)  أما فترة الرضاعة ـ فعلاوة على ما قرره القرآن الكريم من استحقاق الطفل لها ـ وكمالها في حولين كاملين .. فقد بدأت الإنسانية تصحو من سباتها وتولي هذا الموضوع اهتمامها حيث نشرت صحيفة (ARAB NEWS) في عددها الصادر في 10/2/1981م تقريراً جديداً عن هيئة الصحة العالمية يهاجم فيه أغذية الأطفال المصنعة ويتهم الشركات الغربية التي تبيع في كل عام بما قيمته ألفي مليون دولار من أغذية الأطفال بأنها تساهم في قتل الأطفال في البلاد النامية لمنع هذه الأغذية الأم من الرضاعة وأطلقت منظمة الصحة على هذه الشركات اسم القاتل للأطفال.

13)     والرضاعة لا تعود فائدتها الجسدية والنفسية على الطفل فحسب بل على الأم كذلك .

14)  وفي تقرير منظمة الصحة العالمية المنشور عام 81م طالب حكومات العالم بتفريغ المرأة للمنزل ودفع راتب شهري لها إذا لم يكن لها من يعولها[16].

 سادساً : الفوارق الذهنية بين الجنسين (الزوجين) :

أوردت مجلة العلوم الأمريكية (Seientific American) في عدد مايو / آيار 1994م بحثاً تحت عنوان :

الفوارق في الدماغ بين الزوجين

حيث قررت علمياً وجود الاختلاف بين الجنسين ، وعزت ذلك لأسباب هرمونية تؤثر في تكوين المخ في كل من الفريقين لا إلى أسباب بيئية أو اجتماعية ، أي أن الاختلاف ناشئ عن أسباب عضوية في مخ كل من المرأة والرجل.. وقالت الباحثة[17] ما نصه (لا تقتصر الفوارق بين النساء والرجال على السمات الجسمية والوظيفية التناسلية فحسب، بل تتعداها إلى الكيفيات التي يحل بهما كل منهما المشكلات الفكرية أيضاً .. وقد كان الاتجاه الشائع هو الإصرار على اعتبار هذه الفوارق ليست ذات شأن ، وأنها تعود إلى الاختلاف في التجارب الشخصية التي يتعرض لها كل من الجنسين في مرحلة التشكل والنمو، إلا أن معظم الأدلة تشير إلى أن آثار الهرمونات الجنسية في التنظيم الدماغي تحدث في مرحلة مبكرة من الحياة حتى أن العوامل البيئية تفعل فعلها منذ البداية في دماغين صمما في البنات والأولاد بصورتين مختلفتين) (إن الدراسات السلوكية والعصبية والهرمونية أوضحت العمليات المؤدية إلى حدوث الفوارق في الدماغ بين الجنسين) (ويبدو أن الفوارق الجوهرية بين الجنسين تكمن في الطرز المختلفة للمهارات الفكرية التي يتمتع  بها كل منهما) (ومع أن بعض الباحثين قد قرر أن الفوارق بين الجنسين في حل المعضلات لا تظهر إلا بعد البلوغ؛ فقد وجدت" D ، لن "التي تعمل في مختبري ـ الكلام للباحثة ـ في جامعة غربي أنتاريو أن الأطفال الذكور الذين يبلغ عمرهم ثلاث سنوات يتفوقون على الإناث من أترابهم في المقدرة على التسديد على الهدف)[18]. كما أن دراسة قامت بها مجلة "الريدرز دايجست" الواسعة الانتشار في ديسمبر 1979م تحت عنوان : لماذا يفكر الأولاد تفكيراً مختلفاً عن البنات؟

ذكرت الاختلافات الهائلة العميقة الجذور ـ على حد تعبير الدراسة ـ بين الزوجين (الجنسين) ، ومما جاء فيها ، مما يعتبر اكتشافاً مذهلاً : أن تخزين المعلومات والقدرات في الدماغ يختلف في الولد عنه في البنت: ففي الفتى تتجمع القدرات الكلامية في مكان مختلف عن القدرات الهندسية والفراغية، بينما هي موجودة في كلام فصصي المخ لدى الفتاة .. ومعنى ذلك أن دماغ الفتى أكثر تخصصاً من مخ أخته ، وهذا ما يفسر أن أغلب المهندسين المعماريين من الذكور دون الإناث . ثم قالت الدراسة: وإمكان أن يشذ فرد من هذا الجنس أو ذاك عن القاعدة أمر لا يلغي القاعدة في ذاتها ..

وعلينا ألا نتجاهل الحقائق العلمية البيولوجية فنحاول أن نجعل تربية الفتى مماثلة لتربية الفتاة ، ودور الفتى في الحياة مماثلاً لدور الفتاة لأننا فقط نرغب في ذلك.. فهذا التفكير المبني على الرغبات Wishful Thinking يصادم الحقائق العلمية[19].

كيف يمكن أن يؤثر اختلاف الجنس في طبيعة التفكير؟

 

إن كلا جانبي دماغ المرأة يستخدمان في معالجة اللغة أما دماغ الرجل فإنه أكثر تخصصاً (الرجل يستخدم جانباً واحداً من دماغه لهذه المشكلة.

مجلة تايم الأمريكية 31 يوليو ـ 1995م ـ ص39

هذه الصورة تبين أحد أوجه الاختلاف في وظائف المخ عند الرجل والمرأة. فكما هو واضح من الصورة نرى أن المرأة تشغل جزئين من أقصى المخ عند الكلام ، بينما الآخر يستعمل الرجل فصاً واحداً مما يجعله أكثر تخصصاً ودقة في ضبط الكلام لأن الجزء الآخر قد تخصص عند الرجل لوظيفة الذاكرة فلا يحدث لديه التشويش في الذاكرة عند الكلام.

 سابعاً : فوارق الإنتاج العلمي بين الرجال والنساء :

في بحث هام قام به الباحثان الأمريكيان : جوناثان د. كول ، وهارييت زوكرمان جاء فيه : (يتبين من دراسات حول ما تم إجراؤه من أبحاث علمية مقيساً بالإنتاج المنشور أن النسوة عموماً ينشرون أبحاثاً أقل مما ينشره الرجال خلال حياتهم المهنية عندما يؤخذ السن والمعهد المانح لدرجة الدكتوراه ومجال الاختصاص أساساً للمقارنة) ، (إن الزواج والواجبات العائلية لا تعلل بصورة عامة الفرق في الأداء بين الجنسين في هذا المجال، ذلك أن الأمهات ينشرن بمقدار ما تنشره زميلاتهن العازبات)[20].

وقد حشدت في هذا البحث مجموعة كبيرة من الدراسات الإحصائية الدقيقة المعضدة بالجداول والرسوم البيانية المقارنة بين الأداء العلمي للرجال من جانب والنساء من جانب آخر، وكذلك العالمات المتزوجات وغير المتزوجات واعتبار تفاوت الأعمار والظروف .

وانتهت الدراسة بالسؤال الحائر الآتي : كيف يمكن إذاً أن يفسر التفاوت المستمر في معدل النشر بين الرجال والنساء؟

ولماذا ينشر الرجال خلال حياتهم المهنية أبحاثاً أكثر بشكل واضح من النساء؟

من الواضح أن الزواج والأمومة لا يفسران الفرق. ويبقى هذا الأمر لغزاً يتطلب حله مزيداً من الدراسة المقارنة حول المهن البحثية للعلماء من الجنسين[21].

إن هذه الفوارق في تكوين الرجال والنساء لا بد أن ينشأ عنها اختلاف في الوظيفة لكل من الرجال والنساء ، استجابة للفطرة.. ودعاة المساواة الملطقة لا يجدون جواباً أمام هذه الفوارق الواضحة، وقد بدأت الأصوات الفطرية ترتفع في مواطن هذه الدعوى:

فقد استهجنت دعوى المساواة المطلقة في الحقوق العامة والمدنية بين الرجال والنساء في الأوساط الأمريكية ، حتى كتبت صحيفة نيويورك هيرالد في مقال بعنوان " من هؤلاء النساء" "عن صور نمطية تطارد أنصار هذه الدعوى حيث جاء في المقال : إن بعضهن – الطبيعة أخطأت في جنسهن ـ على حد تعبير الصحيفة ـ هن نساء أشبه بالرجال فهن أشبه بدجاجات يصحن مثل الديوك، وهناك أيضاً، فئة من المتحمسات والحالمات شديدات الإخلاص ولكنهن شديدات الجنون أما عن جنس الذكور الذين يحضرون هذه المؤتمرات ـ مؤتمرات حقوق المرأة ـ لغرض المشاركة فيها فغالبيتهم أزواج خاضعون لزوجاتهم ، والحري بهم جميعاً أن يرتدوا ثياب النساء[22].

وكما وجدنا صوت الفطرة ينادي اليوم في الغرب بإعطاء كل جنس ما يناسبه من الوظائف؛ فقد انطلق هذا النداء نفسه من قبل عندما كتبت "أنا ماذر كروكر" في عام 1818 عن "الحقوق الحقيقية للمرأة" قائلة : إن واجب المرأة الذي خلقت من أجله ومميزها الخاص هو أن تزرع في القلوب الصغيرة البذرة الأولى للفضيلة وحب الله والوطن وكل الفضائل الأخرى"[23]. لقد استبان مما سبق الفرق الجذري والجوهري بين الرجال والنساء من الناحية :

1 ) البدنية                         2 ) معدلات العناصر الحيوية .

3 ) الهرمونية والغدد الصماء .         4 ) تأثير الحيض .

5 ) تأثيرات الحمل والولادة والرضاعة  6 ) الاختلافات الذهنية .

7 ) الإنتاج العلمي .

بحيث يصير التغافل عنه نوعاً من الخطأ العلمي الجسيم ، فضلاً عن مصادمة المحسوس والمشاهد بما لا يقره عاقل ، ونذكر ههنا بخاتمة الدراسة التي قامت بها الريدرز دايجست في ديسمبر 1979م عن التفكير لدى الأولاد والبنات: وإمكان أن يشذ فرد من هذا الجنس أو ذاك عن القاعدة أم لا يلغي القاعدة في ذاتها.. وعلينا ألا نتجاهل الحقائق العلمية البيولوجية فنحاول أن نجعل تربية الفتى مماثلة لتربية الفتاة ، ودور الفتى في الحياة مماثلاً لدور الفتاة ، لأننا فقط نرغب في ذلك.. فهذا التفكير المبني على الرغبات (Wishhul Thinding) يصادم الحقائق العلمية[24].

 

 


[10] - عمل المرأة في الميزان ص55 ـ تأليف الدكتور محمد علي البار ـ الدار السعودية للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة 1407هـ-1987م

[11] - عمل المرأة في الميزان ص66 ، مرجع سابق .

[12] - عمل المرأة في الميزان ص73-74 ، مرجع سابق .

[13] - ففي كتاب (الدمويات عملي) ما نصه : القيم الطبيعية لبعض الفحوصات المخبرية.

- التركيز العددي للخلايا الدموية البيضاء : الرجال 4000-8000 كرية / مم3 ، النساء 4000-7000 كرية مم3 .

- التركيز العددي للخلايا الدموية الحمراء : الرجال 4.5-6 مليون /مم3 ، النساء 3.9-5.6مليون /مم3 .

- الهيموجلوبين : الرجال 13.5-18جم/سم3 ، النساء 11.5-16.5 جم/سم3 .

الكسر الحجمي (    ) : الرجال 40-54% ، النساء 36-47% . وغيرها من الفحوص المختبرية ، وهو ظاهر لغير المتخصص في التفرقة بين الذكور والإناث في كل ورقة فحص مختبري . المرجع "الدميوات علمي" . نزار فبؤاد ، عقاب العزام وزملائهما: دار المستقبل للنشر والتوزيع 1994م ص113-114 .

* - أكثر قدرة على المواجهة البدنية والمعاركة لغيره.

[14]  - أساسيات علم وظائف الأعضاء ، ص357-358 ، د. عبدالمجيد الشاعر، د. حسام كنعان، د. عمار الخطيب، د. عبدالقادر العكايلة ، دار المستقبل للنشر والتوزيع ـ الأردن ـ عمان 1993م .

* - العضلات التي تمارس بها الأعمال والمجهودات الشاقة .

** - الدهون التي تكسب المرأة نعومة وجمالاً .

* - ما يحدث من نزيف في الحيض من العروق الدموية .

[15] - أساسيات علم وظائف الأعضاء ص374-385 ، مرجع سابق .

[16] - ملخص من كتاب عمل المرأة في الميزان ص96-105 ، مرجع سابق .

[17] - هي دورين كيمورا باحثة في الأسس العصبية والهرمونية ، أستاذة عمل النفس، محاضرة فخرية في قسم العلوم العصبية السريرية في جامعة غربي أنتاريو ، زميلة الجمعية الملكية الكندية، في عام 1992م ، منحتها مؤسسة أنتلريو للصحة العقلية جائزة جون ديوي للبحث العلمي المتميز وأتمت مؤخراً كتاباً عن الآليات العصبية الحركية .

[18] - مجلة العلوم الأمريكية مجلد 10 ـ عدد / 5 مايو 1994م ص76-75 .

Seientific American – 75-105May 1994.

والبحث غني بالتجارب الكثيرة على قطاعات مختلفة عن سائر الأعمار بين الذكور والإناث وبأحدث وسال البحث العلمي وشارك فيه عدد كبير من الباحثين ، واستعانت الباحثة بنتائج تجاربهم مثل (V.N واطسون) جامعة غربي أنتاريو ، وكذلك (M. إيك) و(سيلفريان) جامعة يورك ، وكذلك دراسات (L. جوي) جامعة وسكنسون ، ودراسة (S.B ماك أيوين) وزملائه من جامعة روكفر، ودراسة (A.R كورسكي) وزملائه من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس .. وغيرهم .

[19] - عمل المرأة في الميزان ص83 ، مرجع سابق .

[20] - Scientific American – 75-105. May 1994 .

[21] - Scientific American – 75-105. May 1994 .

[22] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية . تأليف سارة م. إيفانز ترجمة أميرة فهمي مراجعة شويكار زكي ص255، وما بعدها. الدار الدولية للنشر والتوزيع القاهرة . الطبعة العربية الأولى .

[23] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص132 ، مرجع سابق .

[24] - عمل المرأة في الميزان ص83 . مرجع سابق .

 


الفصل الرابع

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ

 

*إذا تحقق حساً وعلماً وجود الفوارق بين الزوجين" الجنسين" ، فليكن هذا داعياً لنا لمعرفة دور كل من الزوجين في عمارة الأرض وسير الحياة في طريق تتبع الحكم الشرعي في الدين الإسلامي الموافق للفطرة التي خلق الله الناس عليها .

فقد ندب الله الإنسان ـ بعد أن أوجده في الأرض ـ إلى عمارتها والقيام على نهضتها فقال ـ تعالى : ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا [هود:61][25].

*لكن عمارتها لا تتم إلا بتعاون الزوجين" الجنسين" في الأعمال اللازمة لاستمرار الحياة بما شاء الله لها ، وضبط زمام سننها بما يخدم إعمارها ، ونهضتها دون إحداث الفساد فيها ، أو تدميرها بمصادمة سننها التي جبلها الله عليها .. كما جبل الزوجين "الجنسين" بسنن متلائمة معها ليحدث الإعمار ، ويتحقق معنى الخلافة .

*ومن أجل ضمان قيام كل زوج "جنس" بوظيفته بما يخدم عمارة الأرض ويحفظ مصالح الجماعة البشرية ؛ لا بد من تناسق الأعمال مع تركيب كل زوج "جنس" فطرياً وشرعياً .

*يبدأ التفاعل بين الزوجين "الجنسين" في الحياة البشرية بالزواج الذي ينشأ عنه بيت ، ونسل ، وحاجات يلزم توفيرها .. أما إن لم تقم العلاقة بين الزوجين "الجنسين" على الزواج وتأسيس المنزل وحفظ النسل.. فستكون العلاقة بين الرجال والنساء كعلاقة الحيوانات ، وذلك مشاهد في المجتمعات التي لا تلتزم بعلاقة الزواج بين الرجال والنساء ، وتترك الأمر فوضى.. ففي هذه المجتمعات تختلط الأنساب، وتتبرأ الآباء من الأبناء ، وتتحمل المرأة مؤنة النسل وحدها ، فيحملها ذلك على تحديد النسل ثم قطعه ، مما يقضي على الشعوب ، ويدخل الأمم في سن الشيخوخة ، ويجرها إلى الضعف والهزال بنقص الشباب الناتج عن نفس النسل ، مما حمل الدول التي سارت في هذا الطريق إلى تقديم التشجيعات الهائلة للمرأة، والرواتب المغرية لكل مولود تنجبه المرأة* حتى تحافظ المرأة على نسلها، وتتمكن من القيام بمؤنة أطفالها.. فضلاً عما يصاحب هذه الحياة من عبث، وفساد وأمراض ، وجفاف عواطف ، وضياع البشرية في طفولتها بغياب الأب أو الأبوين عن الأبناء ، وفي شيخوختها بغياب الأبناء عن الأبوين .

*ولذا يمكننا تقسيم الحياة البشرية إلى قسمين رئيسيين يؤسسان عمارة الأرض دون فساد ، ويحفظان استقرار الجماعة البشرية دون هضم، ويضمنان الاستمتاع المشروع بمباهجها.. وهما:

الحياة داخل البيت "الأسرة" .

الحياة خارج البيت " العمل والكسب وتبادل النفع بين الأسر المكونة للمجتمع" .

*وقد تحتم من الناحية الفطرية البشرية والكونية تخصيص أحد الأبوين للحضانة وتوجيه قدرات الأطفال ، وإحياء العمل داخل المنزل ، والقيام بمسئولياته ... وتخصيص الآخر لتوفير الوسائل اللازمة للبيت، والمتطلبات الأساسية للحياة المنزلية، وإتمام عملية التربية ، والقيام بالحماية .

*فإن توسعنا قليلاً مفصلين ما سبق؛ فإن الكلام عن القسمين السابقين يتضمن في مجمله ما يلي:

أولاً : الحياة داخل المنزل:-

الحياة داخل المنزل يحتاج إليها البشر لحياتهم في منازل يسكنون فيها .. وتشهد المدن والقرى وما فيها من منازل عن تلك الحاجة.. لتحقيق المتطلبات الآتية:

1)السكن الحسي والمعنوي: الذي لا يتحقق إلا في مسكن يجمعهما .. وقد أشار القرآن الكريم إلى سكن الزوج لزوجه بقوله : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾[الأعراف: 189] .. انشطرت إلى ذكر وأنثى ، ولا يتم السكن والاستقرار والاطمئنان والأنس وتتوفر اللذة في العيش إلا باجتماع الشطرين في مكان واحد[26].. وإلا في إطار مسكن يعيشان فيه.

2)تربية الأطفال: إذ لا يقدر الطفل الرضيع، والطفل الصغير على الانطلاق في موكب الحياة الزاخرة المتزاحم، بل يحتاجان إلى مكان ينشآن فيه حتى يتأهلا لبداية الاحتكاك بالمجتمع ويستغرق ذلك في الغالب إلى سن السادسة.. ولا يستطيع الأب القيام بهذه الوظيفة.. بل تمارسها الأم برغبة وسعادة فطرية .

ولقد أشار الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى صلاحية المرأة لهاتين الوظيفتين وتأهلها لهما ؛ حيث خطب أم هانئ ـ رضي الله تعالى عنها ـ فقالت : يا رسول الله! لأنت أحب إلي من سمعي وبصري، وحق الزوج عظيم ، وأخشى إن أقبلت على زوجي أن أضيع بعض شأني وولدي ، وإن أقبلت على ولدي أن أضيع حق الزوج . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (إن خير نساء ركبن أعجار الإبل : صالح نساء قريش : أحناه على ولد في صغر وأرعاه على بعل بذات يد)[27] .

3)ترتيب أدوات المنزل وحاجاته: من طعام وشراب وأثاث ونظافة ، والقيام عليه ، وحفظه ، وإصلاحه ، وصيانته ، ولذا بوب الإمام البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ فقال : باب عمل المرأة في بيت زوجها .. ثم ساق حديث علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن فاطمة ـ عليها السلام ـ أتت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى.. وطلبت منه خادماً .. فأمرها بالذكر، وقال : (فهو خير لكما من خادم) .

قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ وهو يشرح الحديث : قال الطبري: يؤخذ منه أن كل من كانت لها طاقة من النساء على خدمة بيتها في خبز ، أو طحن ، أو غير ذلك أن ذلك ـ يعني إحضار خادم ـ لا يلزم الزوج إذا كان معروفاً أن مثلها يلي ذلك بنفسه[28].

4)مسئولية الزوجة عن بيت الزوجية : كما في حديث البخاري وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)[29].

ومما سبق يتبين أنه لا بد من تفريغ أحد الزوجين لرعاية المنزل، كما يتبين تأهل المرأة للقيام بالعمل داخل المنزل ، وبدأت المرأة في الغرب تشعر بهذه الحقيقة.

فقد جاء في جريدة الرياض 29/4/1414هـ بعنوان : المرأة الأمريكية تكتشف أن مكانها هو البيت:-

اكتشفت المرأة الأمريكية باقتناع كامل أن أكثر مكان مناسب لها هو البقاء في المنزل ورعاية شؤون أطفالها وعائلتها بل وأكد 48% منهن أن تحركات النساء ونشاطهن في مجال العمل خلال العشرين سنة الماضية جعل الحياة أكثر تعقيداً وصعوبة فقط ولم يؤد أي خير إطلاقاً .

هذا الاستنتاج جاء في استطلاع للرأي قامت به شركة CNN الأمريكية المشهورة بالتعاون مع صحيفة U.S.Today وأظهرت نتائج ذلك الاستطلاع أن 45% من النساء يعتقدن أنه يتعين على الرجل العمل، والكدح خارج المنزل لتوفير أسباب المعيشة لعائلته ، بينما يجب على المرأة أن تبقى في المنزل وتكريس حياتها ووقتها بشكل كامل وتام لشؤون العائلة. [أما نسبة الرجال الذين تم استطلاع آرائهم بهذا الشأن فإن 40% منهم فقط يؤيد بقاء المرأة في المنزل لرعاية شؤون الأسرة] .. وهذه النسبة تدل على بداية المراجعة لموقفهم الذي كان مؤيداً تأييداً تاماً لخروج المرأة من بيتها .

 ثانياً : الحياة خارج المنزل :

(ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)*

قد اتضح مما تقدم في فصل الفوارق بين الزوجين "الجنسين"[30] الصلاحية الفطرية للمرأة للقيام بأعمال المنزل.. كما استبان كذلك الصلاحية الفطرية للرجل للقيام بالأعمال خارج المنزل، وهي المتعلقة بالكسب والمعاش، ومواجهة طوارئ الحياة، فهو مؤهل بدنياً ونفسياً للسعي في الأرض، والقيام بهذه المهمات.. فالحياة خارج المنزل تتعدد مناحيها لتوفير مستلزمات البيت ، وتحقيق اللقمة الحلال، والستر الدنيوي، وبناء المجتمع من خلال ذلك، ليتفرغ الجميع لعبادة الله بعيداً عن الحرام.. ومن نشاطاتها : الزراعة، والصناعة ، والرعي ، والتجارة ، أعمال البناء، الأعمال الحكومية، الصيد ، المواصلات ، التعليم ، الإسعافات والتمريض، الحرف اليدوية المختلفة، العمل الأمني والعسكري ، الإدارة والحكم .. الخ .

ومن أهم سمات هذه الأعمال في الجملة : احتياجها إلى الصبر ، والقوة ، والمزاحمة ، للوصول على تحقيق مراد ، والعراك المحتاج إلى الجلد، واستمرارية التحرك ، والتفرغ الفطري للقيام بهذه الأعمال، وهذه الأعمال تناسب فطرة الرجل ونفسيته.

وكل هذا : حتى يوفر الرجل النفقة اللازمة مقابل ما تقوم به المرأة من جهد داخل البيت . وقبل النفقة يلتزم بتقديم المهر ، والكسوة ، والسكن . وإذا اشتغلت المرأة ببيتها وأولادها وزوجها أفسحت مجالاً لإلغاء البطالة التي تشكو منها الكثير من الدول، فيجد الرجل عملاً ، وتجد المرأة النفقة من وليها .

وقد بوب البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في صحيحه : باب وجوب النفقة على الأهل والعيال:

ثم ساق حديث أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (أفضل الصدقة ما ترك غني ، واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول : تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أ، تطلقني ويقول العبد أطعمني واستعملني ويقول الابن أطعمني إلى من تدعني) وعند مسلم عن جابر (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) .

ويمكن بذا الوصول إلى نتيجة شرعية وفطرية هي : الأصل في العمل داخل البيت هو المرأة ، والقيام بالوظائف الداخلية للمنزل مناط بالمرأة كما أن الأصل المناسب للعمل خارج البيت هو الرجل . وإمكانية وجود تداخل نسبي في ذلك أي أن يعمل الرجل بعض أعمال المنزل مخالفاً الأصل فيه ، وأن تعمل المرأة بعض الأعمال الخارجية مخالفة الأصل فيها أمر لا يلغي القاعدة بل هو تداخل نسبي يقدر بقدره ، كما جاء ذلك مبيناً في حديث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ القائل :

(قد أذن أن تخرجن في حاجتكن)[31].

فقرار المرأة في البيت لا يعني عدم جواز خروجها لحاجة .. بل ذلك جائز ، لكن لا بد من مراعاة آداب الخروج وشروطه . وقد ذكرها الإمام النووي ـ رحمه الله تعالىـ[32] فقال:-

في شرط خروجها إلى المسجد:

"لكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث وهو : أن لا تكون متطيبة ، ولا متزينة ، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها ، ولا ثياب فاخرة ، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها ، وألا يكون في الطريق ما يخاف به مفسدة ، ونحوها ، وهذا النهي عن منعهن من الخروج محمول على كراهة التنزيه إذا كانت المرأة ذات زوج أو سيد ووجدت الشروط المذكورة، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد حرم المنع إذا وجدت الشروط" .

فيؤخذ مما تقرر في الأدلة الشرعية ، وهو ما لخصه الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ أن شروط خروج المرأة من بيتها هي :

الشرط الأول : أن لا تمس طيباً :

ودليله :

1- قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية)[33].

2- وحدث أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ عند مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة) فهذا وهي خارجة إلى عبادة الله ، فكيف الخارجة إلى الأسواق وغيرها؟ فالنهي يشملها من باب أولى .

3- وفي مسلم ـ كذلك ـ عن زينب الثقفية ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) .

4- وجاء من حديث فضالة بن عبيد ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (ثلاثة لا تسأل عنهم ـ وذكر منهم ـ امرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده)[34] والأدلة غير هذه كثيرة .

 الشرط الثاني : أن لا تكون متزينة :

ودليله : قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (شر نسائكم المتبرجات المتخيلات وهن المنافقات)[35] .

 الشرط الثالث : ألا تكون ذات خلاخل يسمع صوتها " ومثله ما يصدر صوتاً من المرأة كأحذية الكعب العالي" :

ودليله: قوله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾[النور:31].

الشرط الرابع : عدم الاختلاط بالرجال :

ودليله : حديث أبي أسيد الأنصاري ـ رضي الله تعالى عنه ـ : أنه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو خارج من المسجد ، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

(استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن* الطريق . عليكم بحافات الطريق) فكانت المرأة تلتصق بالجدار، حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به[36].

 الشرط الخامس : الحشمة والالتزام بالحجاب :

ودليله : ما أخرجه البخاري(1/146) من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها قال : (كان النساء المؤمنات يشهدن الفجر مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ متلفعات بمرطهن ما يعرفهن أحد من الغلس) .

ومنه قوله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الأحزاب:59] .

وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (أيما امرأة وضعت ثيابها في غير بيتها فقد هتكت ستر ما بينها وبين ربها)[37] .

الشرط السادس : عدم الخلوة بالرجال:

ودليله :

حديث ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم)[38].

 الشرط السابع : أن يكون خروجها للحاجة :

ودليله قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ :

(قد أذن أن تخرجن في حاجتكن)[39].

ومن أمثلة هذه الحاجة المشروع الخروج لأجلها:

1-الصلاة : لقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)[40].

وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (إذا استأذنت امرأة أحكم إلى المسجد فلا يمنعها)[41].

2-الحج: وهذا جائز لها بمحرم، كما جاء عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذي محرم) وفي رواية (يوم وليلة)[42].

3-الصدقة : وذلك بالشروط المتقدمة وأمن الفتنة .

4-التعليم : بالشروط المتقدمة مع أمن الفتنة والاختلاط .

ويدل على هذين الأمرين ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في أضحى أو فطر على المصلى ، ثم انصرف فوعظ الناس وأمرهم بالصدقة، فقال : (أيها الناس! تصدقوا) ، فمر على النساء فقال : (يا معشر النساء ! تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فقلن : بم ذلك يا رسول الله؟! قال : (تكثرن اللعن ، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء!) ثم انصرف فلما صار إلى منزله ، جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه ، فقيل له : يا رسول الله! هذه زينب . فقال : (أي الزيانب) فقيل: امرأة ابن مسعود ، قال : (نعم! ائذنوا لها) فأذن لها، قالت : يا نبي الله! إنك أمرت اليوم بالصدقة ، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به ، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم؟ فقال النبي  ـ صلى الله عليه وآله وسلم : (صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)[43].

 5-العلاج والتمريض وقضاء الحاجة والعيدين وغير ذلك مما هو من حاجة المرأة بالشروط المتقدمة .

ومع الخروج ، فقد احتاط الإسلام ووضع ما يمنع الفتنة ، لأن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم : يقول : ( ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء)[44].

ومن ذلك ما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ( يا علي لا تتبع النظرة النظرة : فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)[45].

ومنه غض البصر، قال تعالى : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾[النور30] .

وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (إياكم والجلوس في الطرقات) قالوا : يا رسول الله ! ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها . فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (إن أبيتم إلا الجلوس في الطرقات فأعطوا الطريق حقه) قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[46].

الشرط الثامن : إذن الزواج :

ودليله ، قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) رواه الشيخان .

وسيأتي مزيد ذكر لهذا*.

وهذا محل اتفاق بين العلماء .

 الشرط التاسع : الالتزام بآداب الحديث :

ودليله :

قوله تعالى : ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾[الأحزاب:32] فإن كل هذا في زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغيرهن من باب أولى كما سيأتي عن القرطبي والآلوسي وابن كثير والشوكاني وغيرهم من المفسرين** ـ رحمهم الله تعالى ـ .

 الشرط العاشر : عدم ضياع البيت :

إذ الأصل المحافظة عليه ، والعناية به واجب عيني ـ كما قال الفقهاء ـ فلا يجوز تضييع الواجب العيني إذا ازدحم مع غيره كما هو مقرر في الأصول . قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ تعليقاً على حديث (والمرأة راعية في بيت زوجها) : (ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصاله لحقوقهم ، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك)[47].

 

 


[25] - يراجع لتحقيق معنى الخلافة والعمارة : الكشاف 1/61 ، مرجع سابق ، حاشية الصاوي على تفسير الجلالين 1/39 قدم له وأشرف على تصحيحه : صدقي محمد جميل ، دار الفكر للطباعة والنشر 1414هـ - 1993م .. إذ الخلافة بمعنييها تستلزم العمارة.

* - (النفقة) أي أنهم يتجهون إلى الالتزام بنفقة المرأة التي تقوم على إنجاب الأجيال .

[26] - يراجع : الكشاف 2/109 ، مرجع سابق ، حاشية الصاوي 2/137 ، مرجع سابق .

[27] - أخرجه ابن سعد في الطبقات وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (6 رقم2533) وأصله في البخاري، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمد ناصر الدين الألباني ـ مكتبة المعارف للنشر والتوزيع ـ الرياض ـ الطبعة الأولى .

[28]  - فتح الباري 9/507 ، مرجع سابق .

[29] - البخاري 1/304 ، مرجع سابق . 

* - رواه مسلم عن جابر ـ رضي الله تعالى عنه ـ انظر : صحيح مسلم لمسلم بن الحجاج النيسابوري ، مراجعة : محمد فؤاد عبدالباقي ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ 1374هـ - 1954م .

[30] - راجع الفصل الثالث ص6 وما بعدها .

[31] - البخاري 1/67 ، مرجع سابق .

[32] - شرح صحيح مسلم 4/162 ، لمحي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الشافعي ، راجعه فضيلة الشيخ خليل الميس، دار القلم ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الأولى .

[33] - أخرجه أحمد والنسائي والحاكم عن أبي موسى وهو حسن صحيح الجامع رقم 2701 .

[34] - رواه الحاكم والطبراني ، وهو في صحيح الجامع الصغير ، رقم 3058 ، انظر : صحيح الجامع الصغير وزيادته . تأليف: محمد ناصر الدين الألباني ، اشرف على طبعه : زهير الشاويش ، المكتب الإسلامي ، الطبعة الثالثة 1408هـ-1988م .

[35] - رواه البيهقي عن أبي أذينة ـ رضي الله تعالى عنه ـ انظر : صحيح الجامع 3330 ، مرجع سابق .

* - تحققن : تذهبن في وسط الطريق .

[36] - أخرجه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 4392 .

[37] - أخرجه أحمد 6/41 والترمذي ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 1246 ، مرجع سابق، وانظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل الشيباني ، مؤسسة قرطبة ـ مصر. 

[38] - أخرجه البخاري 3/1094 ، مرجع سابق .

[39] - البخاري (مع الفتح) 1/336، مرجع سابق .

[40] - متفق عليه : البخاري 1/305 ، مرجع سابق ، مسلم 1/327 ، مرجع سابق ، من حديث ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهماـ .

[41] - متفق عليه : البخاري 1/297 ، مرجع سابق ، مسلم 1/326 ، مرجع سابق ، من حديث ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما-.

[42] - وهو متفق عليه : البخاري 3/369 ، مرجع سابق ، ومسلم 2/975 ، مرجع سابق ، وفي رواية أبي داود 2/140 (بريداً) ، وانظر : سنن أبي داود لسيمان بن الأشعث السجستاني الأسدي مراجعة : محمد محي الدين عبدالحميد . دار الفكر.

[43] - البخاري 2/531 ، مرجع سابق .

[44] - متفق عليه : البخاري 5/1959 ، مرجع سابق ، ومسلم 4/2094 ، مرجع سابق .

[45] - أخرجه أحمد ، مرجع سابق ، وأبو داود 2/246 ، مرجع سابق ، والترمذي 5/101 ، عن بريدة ـ رضي الله تعالى عنه ـ وحسنه الألباني ، وهو في صحيح الجامع الصغير ، رقم 7953 ، مرجع سابق . وانظر : الجامع الصحيح (سنن الترمذي) لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي السلمي ، مراجعة : أحمد بن شاكر وآخرون ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت . 

[46] - متفق عليه : البخاري 2/870 ، مرجع سابق ، ومسلم 2/1024 ، مرجع سابق .

* - انظر الفصل الخامس ص30 .

** - انظر الفصل العاشر ص62 .

[47] - فتح الباري 15/6 . مرجع سابق .

 


الفصل الخامس

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ

 

*تبين في الفصل السابق أنه لا بد من إقامة الأسرة والبيت الذي يسكن فيه الإنسان، ولا بد من رعاية المرأة لشئون المنزل ، وقيامها بمستلزمات تلك الرعاية، وأنها مؤهلة لذلك من حيث التكوين الفطري والتكليف الشرعي ، ولابد : أن يكون أحد الزوجين قيما على البيت ، أميراً على حركة الأسرة . والقيادة تحتاج إلى حزم ، وبذل للمال ، وحسن تقدير للأوضاع داخل البيت وخارجه. وقد شهدت الفطرة كما شهد الواقع بأن الرجل هو الأكثر حزماً ، والأكثر شجاعة ، والأقوى بدناً ، والأكثر مناسبة للاحتكاك بالناس خارج المنزل ، فهو بذلك المؤهل تأهيلاً فطرياً لقيادة هذه الأسرة فلا يصلح البيت بدون قائد إلى جانب أن الرجل لا تكتمل سعادته إلا بامرأة مطيعة، كما أن المرأة تجد سعاتها في كنف زوج قوي .

*ولأن الأصل في المرأة بقاؤها في المنزل ، والاصل في الرجل هو الخروج للكسب والنفقة، وهو بذلك الأقدر على تقدير الأمور والنفقات المترتبة عليها في ضوء قدرته على الكسب، فيكون بذلك هو صاحب الحق المشروع في اتخاذ القرار داخل البيت .

*ولذا فقد جعل الله القوامة والقيادة للرجال على النساء في البيوت فقال تعالى : ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾[البقرة:228] وبين القرآن هذه الدرجة فقال سبحانه: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾[النساء:34] .

قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ : " (قوام) فعال للمبالغة من القيام على الشيء، والاستبداد بالنظر فيه، وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها قبول أمره وطاعته ما لم تكن معصية ، وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[48].

وقال الزمخشري ـ رحمه الله تعالى : "يقومون عليهن آمرين ناهين كما يقوم الولاة على الرعايا ، وسموا قواماً لذلك" . وقال ـ رحمه الله تعالى ـ : "بما فضل الله بعضهم على بعض أي بسبب تفضيل الله بعضهم وهم الرجال على بعض وهم النساء ، وفيه دليل على أن الولاية إنما تستحق بالفضل لا بالتغليب والاستطالة والقهر ، وقد ذكروا في فضل الرجال : العقل والحزم والعزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي ، وأن منهم الأنبياء وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى والجهاد والأذان والخطبة والشهادة في الحدود والقصاص وزيادة السهم والتعصيب في الميراث..الخ[49].

وقال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ :"الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[النساء:32] .

*وعلة هذا التفضيل: أمران ذكرهما الله في الآية هما العلتان السابقتان وظاهر أن أحدهما وهبي والآخر كسبي، فالوهبي أمر خلقي يتعلق بإرادة الله في إنشاء نوعين بشريين لا نوعاً واحداً .. أحدهما أصل للآخر، ومن ثم فالتفضيل حتمي.. لكنه بقدر ما يقتضي مزيد مزية فهو يقتضي زيادة أثقال من حيث الواجبات المناطة به.

قال أبو السعود ـ رحمه الله تعالى ـ : "الخبر ﴿قوامون على صيغة المبالغة للإيذان بواقعهم في الاتصاف بما أسند إليهم ورسوخهم فيه ، أي شأنهم القيام عليهن بالأمر والنهي قيام الولاة على الرعية ، وعلل ذلك بأمرين وهبي وكسبي فقال ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ الباء سببية متعلقة بـ ﴿قوامون أو بمحذوف وقع حالاً من ضميره ، وما مصدرية، والضمير البارز لكلا الفريقين تغليباً ، أي قوامون عليهن بسبب تفضيل الله تعالى إياهم عليهن، أو ملتبسين بتفضيله تعالى ، ووضع البعض موضع الضميرين للإشعار بغاية ظهور الأمر وعدم الحاجة إلى التصريح بالمفضل والمفضل عليه أصلاً، ولذلك لم يصرح بما به التفضيل من صفات كماله التي هي كمال العقل ، والتدبير، ورزانة الرأي ، ومزيد القوى في الأعمال والطاعات ، ولذلك خصوا بالنبوة والإمامة والولاية وإقامة الشعائر والشهادة في جميع القضايا ووجوب الجهاد والجمعة وغير ذلك"[50].

*ومن ثم فلترس قاعدة واضحة في تحديد علة القوامة هي : "الرجولة" وصاحبها المتفق بها قوام على النساء لعلة الأنوثة ، فمناط الحكم في هذه المسألة دائر حول وصفي الرجولة والأنوثة ، وهو الوارد في بقية الأدلة ـ التي ستأتي إن شاء الله ـ كحديث (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فالعلة هي الأنوثة . هذا الوصف ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان أعني الرجولة علة للقوامة والأنوثة علة للتي يقام عليها.

لذا قال أبو حيان ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره : الذي يظهر أن هذا إخبار عن الجنس ـ يعني قوله تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ـ لم يتعرض فيه إلى اعتبار أفراده كأنه قال : هذا الجنس قوام على هذا الجنس ـ قال ـ وقوام صفة مبالغة ويقال قيام وقيم وهو الذي يقوم بالأمر ويحفظه ، وفي الحديث (أنت قيام ـ وفي رواية قيوم ـ السموات والأرض ومن فيهن) والمراد بالبعض الأول الرجال وبالثاني النساء، والمعنى أنهم قوامون عليهن بسبب تفضيل الله الرجال على النساء ، فقالوا : وعدل عن الضمير فلم يقل بما فضلهم الله عليهن لما في ذكر ﴿بعض من الإيهام الذي لا يقتضي عموم الضمير، فرب أنثى فضلت ذكراً، وفي هذا دليل على أن الولاية تستحق بالفضل لا بالتغلب والاستطالة ، وذكروا أشياء مما فضل الله به الرجال على النساء* فالعقل والرأي وحل الأربع ، وملك النكاح ، والصلاحية للنبوة والخلافة والإمامة والخطابة والجهاد..الخ[51].

*ولذا يقول ابن عباس كما في تفسير ابن كثير 4561 : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ يعني أمراء عليهن"[52].

ويقول الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ : "والمراد أنهم يقومون بالذب عنهن كماتقوم الأحكام والأمراء بالذب عن الرعية ، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن .و جاء بصيغة المبالغة ﴿قوامون ليدل على أصالتهم في هذا الأمر ، والباء في : ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ للسببية ، والضمير للرجال والنساء أي إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله الرجال على النساء بما فضلهم الله به من كون فيهم الخلفاء والسلاطين والحكام والأمراء والغزاة وغير ذلك من الأمور"[53].

ومثله ذكر الألوسي 5/23 ، وابن الجوزي 2/74 ، وغيرهم في تفسيرهم ـ رحمهم الله تعالى ـ .

وبمثل ما قال المفسرون يقول كثير من المفكرين والأطباء :

فقد قال العقاد في كتابه " المرأة في القرآن" فليست شواهد التاريخ الحاضرة المستفيضة بالظاهرة الوحيدة التي تقيم الفارق بين الجنسين ؛ إذ لا شك أن طبيعة الجنس أدل من الشواهد التاريخية والشواهد الحاضرة على القوامة الطبيعية التي اختص بها الذكور .

وقال البروفيسور طلعت في كتابه "علم الفسيولوجيا" [إن الرجل قد صمم ليحتوي المرأة] .

قال الدكتور البار تعليقاً : وما هذا الاحتواء إلا القوامة.. وقد أوضحت العلوم الحديثة أن كيان المرأة قد بني وصمم لتكون أماً وربة أسرة وأن كيان الرجل قد صمم وبني لمعترك الحياة[54].

ونختم هذا المبحث بما قال الدكتور أوجست فوريل تحت عنوان "سيادة المرأة".

يؤثر شعور المرأة بأنها في حاجة إلى حماية زوجها على العواطف المشعة من الحب فيها تأثيراً كبيراً، ولا يمكن للمرأة أن تعرف السعادة إلا إذا شعرت باحترام زوجها وإلا إذا عاملته بشيء من التمجيد والإكرام ويجب أيضاً أن ترى فيه مثلها الأعلى في ناحية من النواحي: إما في القوة البدنية ، أو في الشجاعة ، أو في التضحية ونكران الذات ، أو في التفوق الذهني ، أو في أي صفة طبية أخرى وإلا فإنه سرعان ما يسقط تحت حكمها وسيطرتها أو يفصل بينها شعور من النفور والبرود وعدم الاكتراث .. ولا يمكن أن تؤدي سيادة المرأة إلى السعادة المنزلية لأن في ذلك مخالفة للحالة الطبيعية التي تقضي بأن يسود الرجل المرأة بعقله وذكائه وإرادته ، لتسوده هي بقبلها وعواطفها[55].

 *ومن ثم نقول: قد جاءت الآيات وأكدت الأحاديث أن القوامة داخل البيت حق للرجل بصفته رجل لا لأي صفة أخرى فهو قيم المرأة والقائم على البيت، وعلى هذا أجمع مفسروا كتاب الله تعالى ، وأكدته عبارات شارحي الحديث وتلاقى في ذلك الشرع مع الفطرة التي خلقها الله تعالى ، ومن أراد نقضاً لهذه القاعدة فليراجع نفسه وليتذكر قول الله تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63] .

*وقد جاءت أحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ تؤكد هذا المعنى:

فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها) قال الترمذي وفي الباب: عن معاذ بن جبل، وسراقة بن مالك، وعائشة ، وابن عباس، وعبدالله ابن أبي أوفى ، وطلق بن علي، وأم سلمة، وأنس، وابن عمر[56] . وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لامرأة : (أذات زوج أنت؟) قالت : نعم قال : (كيف أنت له؟) قالت : ما آلوه إلا ما عجزت عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (انظري أين أنت منه فإنه جنتك ونارك)[57].

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ محدداً الوظائف الهامة في حياة المرأة المسلمة : (إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)[58].

بل كانت طاعة الزوج هي أبرز ما أوصت به الشريعة المرأة من حيث كونها امرأة، قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة)[59].

كما روى الترمذي وابن ماجه مرفوعاً : (لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو دخيل يوشك أن يفارق إلينا)[60].

ـ وأخرج أحمد عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن رجلاً أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر لكان نولها* أن تفعل)[61].

قال الحافظ أبو العلاء المباركفوري : "قوله : (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) أي لكثرة حقوقه عليها وعجزها عن القيام بشكره، وفي هذا غاية المبالغة لوجوب إطاعة المرأة في حق زوجها فإن السجدة لا تحل لغير الله"[62].

ـ وروى أحمد وابن ماجه عن عبدالله بن أبي أوفى ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : لماذا قدم معاذ من الشام سجد للنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال: (ما هذا يا معاذ؟) قال: أتيت الشام فوافيتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوددت في نفسي أن أفعل ذلك لك . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (فلا تفعلوا فإني لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه)[63] ـ أي طلبها إلى فراشه وهي على قتب** فليس لها أن تمنعه ـ .

ـ وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) . وفي لفظ له : (كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) .

قال النووي : هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي وليس الحيض بعذر في الامتناع لأن له حقاً في الاستمتاع بها فوق الإزار[64].

ـ بل إن حق الزوج مقدم على العبادات الطوعية حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) رواه الشيخان (البخاري 5/1994 ، مسلم 7112) .

قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ تعليقاً على الحديث : " في الحديث أن حق الزوج آكد على المرأة من التطوع بالخير لأن حقه واجب والقيام بالواجب مقدم على القيام بالتطوع"[65].

ولقد أبان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن أهم أسباب دخول النار في حق النساء كفران العشير أي الزوج حين قال : (ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط، ورأيت أكثر أهلها النساء) قالوا : لم يا رسول الله؟ (يكفرن) . قيل : يكفرن بالله؟ قال : (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط)[66].

من ثم كانت خير النساء في عرف الشريعة التي حدد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ صفاتها ومناحي نشاطاتها الأساسية بقوله (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره)[67].

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (خير النساء التي إذا نظرت إليها أسرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها) وقرأ هذه الآية ﴿قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ.

" وقد فسروا قوله تعالى : ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ بما حفظه لهن من مهورهن . وإيجاب النفقة لهن.. ويمكن تأويلها بأن الباء في ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ صنو باء (لا حول ولا قوة إلا بالله) أي بالحفظ الذي يؤتيه الله إياهن بصلاحهن فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة ، قوية على حمل الأمانة أو حافظات بسبب أمر الله يحفظه فهن يطعنه ويعصين الهوى" من كتاب حقوق النساء في الإسلام[68].

وما جعلت القوامة بيد الرجل إلا لأنه الذي يستطيع توفير الحماية للبيت وللمرأة بشكل خاص وقد قال ـ صلى الله عليه وآلة وسلم : (كل نفس من ابن آدم سيد فالرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها)[69].

وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً : ( ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والصديق في الجنة ، والشهيد في الجنة ، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله ـ عز وجل ـ ونساؤكم من أهل الجنة: الودود الولود العؤود التي إذا غضب زوجها جاءت حتى تضع يدها في يد زوجها وتقول : لا أذوق غمضاً حتى ترضى)[70].

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخل حائطاً من حوائط الأنصار ، فإذا فيه جملان يضربان ويرعدان فاقترب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فوضعا جرانهما* بالأرض ـ يعني: سجداً له ـ فقال من معه : نسجد لك ؟ فقال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ: (ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد، ولو كان أحد ينبغي له أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لما عظم الله عليها من حقه)[71].

ومن الحقوق التي للزوج على زوجته : المتابعة في المسكن كما قال تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾[الطلاق:6] .

ومن حقوقه عليها أيضاً ألا تأذن لأحد في بيته إلا بإذنه فعن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال : (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته لأحد إلا بإذنه) رواه الشيخان.

قال القاري ـ رحمه الله تعالى ـ : " ( لا تأذن ) بالنصب عطفاً على (تصوم) أي: ولا يحل أن تأذن لأحد من الأجانب أو الأقارب حتى النساء، وقد جاء في بعض الروايات (وهو شاهد إلا بإذنه) فقال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ : هذا القيد لا مفهوم له ، بل خرج مخرج الغالب وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته ، بل يتأكد عليها حينئذ المنع لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على المغيبات أي من غاب عنها زوجها، ويحتمل أن له مفهوما ..."[72].

 

 


[48] - الجامع لأحكام القرآن 5/169 ، مرجع سابق .

[49] - الجامع لأحكام القرآن 5/169 ، مرجع سابق . 

[50] - تفسير أبي السعود 1/692 ، انظر : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (تفسير أبي السعود) لأبي السعود ابن محمد العمادي الحنفي ، تحقيق : عبدالقادر أحمد عطاء، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض ـ الطبعة الثانية 1402هـ1982م .

* - حقيقتها تكليفات لا تشريفات فهي واجبات أكثر منها حقوق ، وإن كان التكليف لا ينفي زيادة التشريف .

[51] - البحر المحيط 3/239 ، انظر البحر المحيط تأليف : أثير الدين أبي عبدالله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف ابن حيانا لأندلسي الغرناطي ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الثانية 1411هـ-1990م .

[52] - تفسير ابن كثير 1/456 ، مرجع سابق .

[53] - تفسير الشوكاني 1/531 ، انظر : فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، تأليف : محمد ابن علي الشوكاني ، اعتنى به وراجعه ، يوسف الغوش ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الأولى 1415هـ-1995م .

[54] - عمل المرأة في الميزان : 16/55 مرجع سابق .

[55] - عودة الحجار 2/99 ، انظر : عودة الحجاب ، جمع وترتيب : محمد بن أحمد بن إسماعيل ـ دار طيبة ـ الرياض ـ الطبعة الثالثة 1418هـ-1988م .

[56] - قال الألباني عن رواية الترمذي : حسن صحيح .

[57] - أخرجه النسائي في الكبرى 5/311 ، وأحمد 6/419 ، مرجع سابق، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة المجلد السادس برقم 2612 ، مرجع سابق .

[58] - رواه أحمد 1/191 ، مرجع سابق ، وابن حبان 9/471 ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح انظر: صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان لأبي حاتم محمد بن حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ، تحقيق : شعيب الأرنؤوط ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1414هـ-1993م .

[59] - رواه الترمذي 3/466 ، مرجع سابق ، وابن ماجه 1/595 ، وضعفه الألباني عندهما ، ورواه الحاكم 4/191 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، انظر : المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن عبدالله بن البيع الحاكم، مراجعة : مصطفى عبدالقادر عطا ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت 1411هـ-1990م وانظر : سنن ابن ماجه لأبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني ، مراجعة ، محمد فؤاد عبدالباقي ـ دار الفكر ـ بيروت .

[60] - رواه الترمذي 3/476 ، مرجع سابق ، وابن ماجه 1/649 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني .

* - نولها : في شرح سنن ابن ماجه للسيوطي : أي ينبغي لها أن تفعل و(نولها) : بفتح النون وسكون الواو، ونوالك، ومنوالك، أي ينبغي لك أن تناوله .

[61]  رواه ابن ماجه 1/595 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني .

[62] - تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 4/271 لأبي العلا محمد عبدالرحمن المباركفوري ـ دار الكتب العلمية ـ الطبعة الأولى 1410هـ-1990م .

[63] - رواه ابن ماجه 1/595 ، مرجع سابق ، وقال الألباني : حسن صحيح .

** - القتب : جاء في النهاية في غريب الحديث (4/11): القتب للجمل كالإكاف لغيره ، ومعنى الحديث : الحث لهن على مطاوعة أزواجهن ، وأنه لا يسمعهن الامتناع في هذه الحال فكيف في غيرها وقيل أن نساء العرب إذا أردن الولادة جلسن على قتب ويقلن أنه أسلس بخروج الولد ، قال أبو عبيدة : كنا نرى أن المعنى وهي تسير على ظهر البعير. اهـ انظر: النهاية في عريب الأثر لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري ، مراجعة : طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطباخي ـ بيروت 1399هـ-1979م . 

[64] - شرح النووي على مسلم 10/258 ، مرجع سابق .

[65] - فتح الباري 9/289 ، مرجع سابق .

[66] - البخاري 1/19 ، مرجع سابق ، ومسلم 1/86 ، مرجع سابق .

[67] - رواه النسائي 6/68  وقال الألباني : حسن صحيح ، مرجع سابق .

[68] - بواسطة عودة الحجاب 2/168 ، مرجع سابق .

[69] - رواه ابن السني وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 4/183 ، مرجع سابق .

[70] - أخرجه تمام الرازي في الفوائد وعنه ابن عساكر وغيرهما، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 287، مرجع سابق .

* - جران : جاء في (النهاية في غريب الأثر) 1/263، مرجع سابق : الجران : باطن العنق ، ومنه حديث (حتى ضراب الحق بجرانه) أي : قر قراره واستقام ، كما أن البعير إذا برك استراح ومد عنقه على الأرض.

[71] - رواه  ابن حبان ، وحسنه الألباني في إرواء الغليل برقم 1998م ، وقال شعيب الأرنؤوط في التعليق على انب حبان 9/470، مرجع سابق، حديث صحيح، إسناده حسن ، وانظر : إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. تأليف : محمد ناصر الدين الالباني، إشراف : محمد زهير الشاويش ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت  الطبعة الثانية، 1405هـ-1985م .

[72] - فتح الباري 9/295 . بواسطة : عودة الحجاب 2/236 ، مرجع سابق .

 


الفصل السادس

نتائج خروج المرأة من البيت

 

لقد خرجت المرأة من بيتها في الغرب منذ أكثر من مائتي عام ، وتبعتها المرأة المسلمة حذو القذة بالقذة، فماذا كانت نتائج هذا الخروج على المجتمع؟ لنترك الأرقام تخربنا عن تلك النتائج:

1-لقد تفككت الأسرة بسبب تعارض متطلبات العمل مع متطلبات البيت ، وبسبب الفتنة والتعلق بالنساء وكثرة الطامعين في المرأة من الزملاء والرؤساء .

ففي تقرير نشرته مجلة الطب النفسي الأمريكية عن الاعتداء الجنسي خلال العمل ذكرت 42% من النساء العاملات يتعرضن له ، وأنه أقل من 7% من الحوادث يرفع إلى الجهات المسئولة وأن 90% من المعتدى عليهن يتأثرن نفسياً ، و12% منهن يذهبن لطلب المعونة الطبية النفسية[73].

*وقد تزايدت حالات الطلاق في الولايات المتحدة بشكل مضطرد، كما أن أمريكا تعتبر الأولى في العالم من حيث عدد الأسر الأحادية المكونة من أم وأطفالها أو أب وأطفال فقط وأدى هذا التفكك الأسري إلى تزايد حالات الانحراف، وتزايد حالات العنف . وقد بلغ عدد المجرمين عام 1991م أكثر من 3 ملايين سجين، وأصبح 50% من الشعب الأمريكي يتعرض لشكل من أشكال الإجرام: القتل أو يقع ضحية من الضحايا اليومية لتفشي الجريمة[74].

2-ضياع الأطفال رضاعة ورعاية وتربية .. وعند أخذ الطفل إلى ملاجئ الأطفال لا يكتسب خبرة الحياة إذ كل من حوله إنما هم أطفال كما لا يجد حنان الأم فتجف عواطفه .

وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط عدد 525 خبراً أن 60% من أطفال الحضانات يعانون من المشاكل النفسية، أهمها العناد، والعدوانية.

كما نشرت الجريدة ذاتها عدد 15/9/1400هـ خبراً عن مطلقة بريطانية اسمها مانيس جاكسون عرضت ابنها الوحيد للبيع بمبلغ ألف جنيه والمبلغ يشمل الطفل وألعابه ، وقد قالت إنها ستبيع ابنها لأنها لا تستطيع الإنفاق عليه وليس لديها دخل لإعاشته .

لقد بدأ صوت الفطرة يعلو في الغرب:

-فقد ظهرت مؤخراً منظمات "النساء اللاتي يردن أن يكن نساء " وسعادة الأنوثة" "والنساء المعارضات للمساواة" وأعلنت هذه المنظمات أهدافهن المعارضة للمساواة بين الجنسين، وفزن بزعيمة قوية ذات مهارات تنظيمية رائعة في عام 1972م عندما أسست فيليس شلافيلي وهي من زعيمات الجناح اليميني منظمة " أوقفوا قانون حق المساواة" وبدأت وابلاً لا ينقطع من النقد في الخطب العامة، وفي الرسالة الإخبارية التي يصدرها تقرير فيليس شلافلي . وقد وصفت المناديات بالمساواة بأنهن مجموعة من النساء المتعصبات اللاتي ينشدن علاجاً دستورياً لمشاكلهن الشخصية ، وقادت شلافلي ببراعة هجوماً صاعقاً أعد لإثارة المخاوف الكامنة في الأعماق.

ووصفت شلافلي المناديات بالمساواة " بأنهن لا ينتمين لاي من الجنسين وأنهن خطرات انظري بنفسك إلى مظهرهن المهمل وإلى الشواذ والراديكاليات والاشتراكيات" ، ورأت وآخرون معها أنهن نساء رفضن الأنوثة ورفضن دور الزوجة والأمومة التي أعطاها الله إياهن .

وأدى الافتراض بأن المناديات بالمساواة نساء أردن أن يكن رجالاً إلى دعم تأويلات لقانون حق المساواة حيث وجد المؤيدون استحالة الرد على مستوى معين من الحديث السياسي المنطقي. وحمل الأطفال الصغار لافتات تقول " من فضلك لا ترسل أمي للحرب"[75].

-واتهم المعارضون من الجناح اليميني أن قانون حق المساواة يؤدي إلى عدم تجريم الاغتصاب كما يؤدي إلى إعطاء الصفة القانونية للشذوذ الجنسي ودمج دورات المياه العامة ويضمن حقوق الإجهاض[76].

-وربطت شلافلي في أول هجوم لها على قانون حق المساواة بينه وبين مجلة المرأة وحركة تحرير المرأة قائلة إن مجلة المرأة ضد الأسرة وضد الأطفال وتؤيد الإجهاض.. وهي سلسلة من شكاوي نساء غير متزوجات يتسمن بسلاطة اللسان وعلو النبرة والتباكي.. وهن يعتبرن البيت سجناً والزوجة والأم إماء.. إن تحرير المرأة اعتداء تام على دور المرأة الأمريكية كزوجة وأم وعلى الأسرة باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع.. وهن يشجعن على إنشاء مراكز رعاية فيدرالية للأطفال بدلاً من البيوت، ويشجعن إجراء عمليات الإجهاض بدلاً من تكوين الأسر[77].

3)وجود البطالة: إذ فرص العمل قليلة مع منافسة المرأة للرجل في ميدانه فانتشرت البطالة التي تشكو منها جميع الدول والتي معناها وجود رجال بدون أعمال ونساء يشغلن تلك الوظائف، ولا يستطيع الرجل أن يقوم بدور المرأة في البيت.

-وقد أرسل أحد الرجال إلى أحد أعضاء الكونجرس في عام 1931م خطاباً جاء فيه:

لو أنه أعطي للنساء عدد أقل من الوظائف فسيؤدي ذلك إلى إفساح المجال أمام العديد من الرجال العاملين في هذا البلد.. وفي النهاية فإن مكان المرأة الحقيقي هو البيت حيث تستطيع أن ترعى أطفالها رعاية صحية بينما يتفرغ الرجل لكسب العيش.. ذلك هو ما أملته الطبيعة وإنني لعلى ثقة أننا لن نحظى بحياة طبيعية* ومزدهرة إلا إذا عادت النساء إلى بيوتهن[78].

*وقد أكدت استطلاعات الرأي الاعتقاد الشائع بأن النساء المتزوجات اللاتي يعملن خارج بيوتهن يشغلن وظائف الرجال . ورغم الزيادة المطردة في نسبة النساء المتزوجات في قوة العمل منذ نهاية القرن الماضي فإن أكثر من 80% من الأمريكيين أعربوا عن اعتقادهم بأن هؤلاء النساء مكانهن الصحيح هو البيت[79].

4)ضعف الأداء لما تقوم به المرأة: فهي تتعرض لحالة عصبية ونفسية كما سبق الإشارة إليه في الفصل الثالث أثناء مرحلة الحيض والحمل، ولا تستطيع أن تتصدر الأعمال الشاقة التي تحتاج إلى مجموعة عضلي ، وهي في أثناء مرحلة الحمل في حالة اضطراب بدني ونفسي في الأشهر الأربعة الأولى ، ومثقلة لا تطيق الحركة في الأشهر الخمسة الأخيرة ، وفي أثناء النفاس معطلة ، وفي فترة الإرضاع قلبها وفكرها معلق بابنها الذي ينتظر ثدي أمه كما تنتظره كي تضمه إليها. وكل ذلك يؤثر على جودة الأداء . وتنتهز المرأة أثناء ممارستها لوظيفة الرجل إذا تضمن ذلك تحديات أو مواجهات مع منافسين أو عابثين للأنظمة والقوانين ومقدرات الوظيفة .

وقد جاء في تقرير لنتائج التحقيق الذي أجراه مجلس الشيوخ الأمريكي في ديسمبر 1950م : أن فرداً واجداً مصاباً بالشذوذ الجنسي يمكن أن يلوث مكتباً حكومياً بأكمله. وفي تحليل أحد أطباء هارفارد عن آثار الحرب النووية نشر في جورنال الصحة الاجتماعية، أكد على أن الفوضى الاجتماعية والجنسية هما محل الاهتمام الأول للمسئولين عن الصحة العامة. وقال إنه بدون تدابير وقائية صارمة ستزيد الأمراض التناسلية بنسبة 100% وأن المجتمع ستتفشى فيه الدعارة ، والاتصالات الجنسية غير الشرعية ، وشرب الخمر . وزاد بصورة لم يسبق لها مثيل الاعتقاد بأن المخاوف من الجنس تجيء من المرأة التي تتمتع بالأنوثة ، والتي كان يطلق عليها بلغة الحرب الباردة "القذائف المتفجرة"[80].

وفي الوقت نفسه كانت المرأة إذا ما وضعت في مكانها الصحيح تمثل رمزاً للأمن والأمان سواء للأسرة أو للعالم.. وقد عبرت "أجنس إميير" في مقالة مجلة "اتلانتك مانثلي" بعنوان "النساء ليسوا رجالاً" عن ذلك بقولها : إن للمرأة للعديد من المهن ولكن لها وظيفة واحدة الأمومة.. وإنها مطالبة باعتبارها أما ـ سواء كانت ذلك في الواقع مجازاً ـ باستعادة الأمن لعالمنا غير الآمن .

وكانت الكتابات الموجهة إلى الفتيات قبل سن العشرين تكشف عن القلق المغلق بالنصائح .. في مجلة" سفنتين" وتحت عنوان "كيف تصبحين امرأة".. يقول المقال للمرأة الشابة إنها "رفيق الرجل.. وليست منافسة له أو عدوته أو لعبته.. ورفقتكما ستنتج في معظم الأحوال أطفالاً ، وستعملان معاً أنت والرجل على خلق أمان، وبيت وطريق للحياة لكما ولأطفالكما"[81].

5)نتج عن هذا تبديد مقدرات المرأة والأمة في أدوات الزينة والتجميل.. وتبديد جزء كبير من دخل المرأة .

6)ازدحام المواصلات العامة والطرقات الذي كان يمكن أن يوفر نصفه إذا قامت المرأة بدورها في بيتها وخرجت لحاجتها فقط. كما أن ازدحام النساء مع الرجال في المواصلات العامة يسبب مآس هائلة حيث تمارس العملية الجنسية بالإكراه.. وبصورة تثير تقزز حتى أولئك الكتاب والأدباء المتحريين الذين لا يهتمون بالتدين، مثل الأستاذ أنيس منصور والدكتور يوسف إدريس وغيرهما حيث قاموا بنشر مقالاتهم في الأهرام والأخبار وغيرهما من الصحف المصرية يعلنون اشمئزازهم واحتقارهم لهذا الوضع المهين والمشين الذين بلغته المرأة في مصر بخروجها. وكان أنيس منصور ـ وهو كاتب وجودي مشهور ـ أكثرهم تشنيعاً وسخرية من عمل المرأة في الدواوين والمكاتب حيث ينخفض الإنتاج بوجود المرأة ودلل على ذلك بالأرقام التي حصل عليها من الإدارات الحكومية، وقام بتحقيقات صحفية بارعة أثبت فيها أن المرأة في المكتب تقوم بإضاعة الوقت بالثرثرة ووضع المساحيق والنظر في المرآة، وما زاد عن ذلك من وقت تزجيه في أعمال الديكو، وما تأخذه من دراهم قليلة تنفقها وأثر منها في المواصلات، وفي أدوات الزينة ، واللبس المناسب للخروج، وفي أجر الخادمة والمربية للأطفال، وتكون النتيجة خسارة اقتصادية فادحة .. أما الخسارة الاجتماعية فأعتى وأشد[82].

7)كثرة الطلاق بسبب وجود الاستقلال الاقتصادي للمرأة وتزاحم الرجال عليها.

8) الميل إلى تحديد النسل بسبب رفض الرجال أن يتحملوا مسئولية أبنائهم لشكهم في نسب الأولاد ، واضطرار المرأة إلى تحديد النسل لعجزها عن تحمل المسئولية وحدها مما ادخل الشعوب مرحلة الشيخوخة ، وأصبح عدد المواليد كعدد الأموات أو قريباً منه ، وأصبحت المجتمعات تتكون من نسبة عالية من الشيوخ والعجزة.

وذكر كاتب أمريكي في مجلة أمريكية كبرى أن إحصائيات عام 1979م تدق ناقوس الخطر فعدد اللواتي يلدن سنوياً من دون زوج شرعي وفي سن المراهقة لا يقل عن ستمائة ألف فتاة بينهن لا أقل من عشرة آلاف فتاة دون سن الرابعة عشرة من العمر ، وإذا أضيف عدد اللواتي يلدن بدون زوج بعد سن المراهقة فإن عدد الإجمالي يتجاوز المليون.. ومما يزيد في حجم الكارثة ارتفاع نسبة الطلاق، فقد بلغت في عام 1979م ما يقرب من 40% من جميع حالات الزواج[83].

9)ضياع البشرية في مرحلتي الضعف (الطفولة والشيخوخة) : حيث يتخلى الآباء عن أبنائهم بعد سن الثامنة عشرة ، ومن أنجب وهو متزوج والدولة تلزمه بالإنفاق على ابنه أو ابنته فإنه سرعان ما يتخلص من ابنه أو ابنته إذا بلغ أحدهما سن الثامنة عشرة لعدم مؤاخذة القانون له ويضيع الشباب بعيداً عن آبائهم وأمهاتهم، وعندما يكبر الأبوان لا يجدان أحداً من أبنائهما بجوارهما يعينونهما على متاعب الحياة ومشاقها ، وهكذا تضيع البشرية في مرحلتي الضعف (الطفولة والشيخوخة).

*وقد أصبحت وسائل منع الحمل في أمريكا ـ مثلاً ـ أمراً شائعاً في الطبقات الوسطى بل أصبحت قانونية في عام 1936 ، ولكن الغرض الرئيس منها كان منع ولادة أطفال العائلات غير قادرة على تحمل مسئولياتهم . وانخفضت بصورة حادة معدلات الخصوبة حتى وصلت في عام 1932م إلى حد لم يبلغه بعد ذلك إلا في أواخر الستينات. وكتبت "ميراديل لوسير" التي كانت في شبابها من الراديكاليين وأصبحت بعد ذلك أما بدون زوج قصصاً عن اليأس الذي تعيش فيه الشابات اللاتي أدركن أنه لا يوجد عمل للرجال ولا يتصورن أنفسهن في وضع من يتكسب رزقه : لا أريد أن أتزوج، لا أريد أطفالاً، هكذا يقولون جميعاً. لا أطفال لا زوج . إنهم يحتضنون الوحدة ويعيشون في وحدة. ولقد اصبح الرجل الآن قليل الحيلة لا يستطيع إعالة أحد. وإذا أنجب فإنه لا يستطيع العناية بصغاره.. لقد أصبحت مخاطر الحياة بالغة الهول وكتبت عليهم الهزيمة في أوضح صورة[84].

ولذا ظهرت الدعوة في أمريكا للحياة المنزلية مجدداً؛ فقد كانت المرأة مسئولة عن الأطفال والبيت والسلوك الأخلاقي . كما أصبحت الدعوة للحياة المنزلية في نطاق الطبقات الوسطى الحضرية جزءاً لا يتجزأ من نظرية عالمية أهم . وكانت كايرين بيتشر" ـ وهي واحدة من أبرز المناديات بها ـ تجادل بأن البيت يمكن أن يكون قوة للوحدة الوطنية في الأوقات العصبية وأزمات الانقسام. فالنساء بوضعهن مربيات وزوجات مطيعات يمكنهن الحفاظ على النظام الاجتماعي الديمقراطي[85].

10)كثرة حوادث الاغتصاب للنساء عنوة فضلاً عن انتشار الزنا واشتهاره بين المجتمعات الأمر الذي يدمر الأخلاق ويقضي على النسل وينشر الأمراض الجنسية الخطيرة . ففي فرنسا ارتفعت نسبة الجرائم 156%[86] وذكرت "الفرانس سوار" أنه في اليوم الواحد تغتصب 30 امرأة أو فتاة ، يقتل 19 شخصاً، يعذب 30 شخصاً كل دقيقتين وكل 20 ثانية تحدث سرقة[87].

*وأصبحت الولايات المتحدة بلا منازع الدولة الأولى في العالم من حيث حالات الاغتصاب فرغم شيوخ الجنس وسهولة العلاقات الإنسانية فإن ذلك لم يؤد إلا إلى تزايد الاغتصاب بحيث أن 21% من كل النساء يتعرضن للاغتصاب[88].

11)تعرض المرأة لمخاطر الاعتداء عند اشتباكها مع الرجال أو اختلافها معهم، فتتعرض للاغتصاب أو الضرب أو القتل وما تنشره أفلامهم شاهد على ذلك.

*وقد جاء في مجلة "النهضة" عدد 118 في 1/12/1410هـ تحت عنوان: "شرطة ما نشستر تدعو النساء إلى الحجاب" وفي الخبر أن الهيئة العامة للشرطة تنظم حملة متعددة الجوانب للحد من هذه الجرائم.. "حوادث الاغتصاب" .

فأصدرت كتابين : الأول منهما يحمل عنوان "نصائح بسيطة للمرأة عن العنف الجنسي" والثاني بعنوان "نصائح بسيطة للرجل لتحاشي العنف الجنسي مع النساء" وركز كل كتاب على إزالة دواعي الاغتصاب ولا سيما الملابس التي ترتديها المرأة سواء كانت طفلة أو فتاة وطريقة ارتدائها لها بل يصل المؤلف إلى حد لوم المرأة على الخلاعة والكشف عن المفاتن إلى الحد الذي يثير الصعاليك والمهووسين جنسياً ويقول المؤلف أنه إذا اقتربت المرأة أو الفتاة من الحجاب فلن يلهث وراءها أحد وإلا فالمرأة أو حتى الطفلة هي الملومة أولاً وأخيراً لما يحدث لها.

وأخيراً فلنذكر ما قالته من جعلها البعض دليلاً على إمكانية المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة ـ هي رئيسة وزراء بريطانيا " مارجريت تاتشر" ـ حيث أقيم لقاء تلفزيوني معها في بدايات 1990م وجاء في كلامك : تضاعف عدد الرجال والنساء المرتبطين بعلاقة غير شرعية ثلاثة مرات في الفترة من 1979 حتى 1987م والمحصلة 400.000 طفل غير شرعي ، وهذا دفع المعلقين إلى المطالبة في إعادة النظر في العلاقات الإنسانية .

-الحكومة سوف تتخذ من الإجراءات ما يجبر هؤلاء الآباء على تحمل نصيبهم من المسئولية .

-المرأة هي الخاسرة وهي التي تتحمل العبء الثقيل لهذا التحرر المزعوم[89].

وفي هذا الصدد يعبر علماء الغرب عن فداحة خروج المرأة عن وظيفتها الجبلية، فيقول سامويل سمايلس الإنجليزي: "إن النظام الذي يقضي بتشغيل المرأة في المعامل مهما نشأ عنه من ثروة في البلاد، فإن نتيجته كانت هادمة لبناء الحياة المنزلية، لأنه هاجم هيكل المنزل وقوض أركان الأسرة، ومزق الروابط الاجتماعية، فإنه بسلبه الزوجة من زوجها ، والأولاد من أقاربهم ، صار ينبوعاً خاصاً لا نتيجة له إلا تسفيل أخلاق المرأة إذ وظيفة المرأة في الحقيقة هيا لقيام بالواجبات المنزلية مثل ترتيب مسكنها ، وتربية أولادها ، والاقتصاد في وسائل معيشتها ، مع القيام بالاحتياجات المنزلية، ولكن المعامل تسلخها من كل هذه الواجبات، بحيث أصبحت المنازل غير منازل واضحة ، والأولاد تشب على عدما لتربية" . وقالت الخبيرة الأمريكية الدكتورة "إيدا أولين" : "إن سبب الأزمات العائلية في أمريكا ، وسر كثرة الجرائم في المجتمع هو أ، الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة فزاد الدخل وانخفض مستوى الأخلاق. وتنادي الخبيرة الأمريكية المذكورة بضرورة عودة الأمهات فوراً إلى البيت، حتى تعود للأخلاق حرمتها، وللأولاد والأبناء الرعاية التي حرمتهم منها رغبة الأم في أن ترفع مستواهم الاقتصادي ، ثم قالت : إن التجارب أثبتت أن عودة المرأة إلى منزلها هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه"[90].

 

 


[73] - مترجم عن مجلة الطب النفسي الأمريكية ـ يناير 1994م ص10- بواسطة : أساليب العلمانيين في تغريب المرأة المسلمة د.بشر البشر ص79 .

[74] - السياسة الدولية ، السنة الثانية والثلاثون عدد 124 إبريل 1996م ص45 في مقال بعنوان النظام العالمي الجديد: الحقائق والأوهام.

[75] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص386، مرجع سابق .

[76] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص386 ، مرجع سابق .

[77] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص387 ، مرجع سابق .

* - على حد تعبيره.

[78] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص257 ، مرجع سابق .

[79] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص312 ، مرجع سابق .

[80] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص312 ، مرجع سابق .

[81] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص312 ، مرجع سابق .

[82] - عمل المرأة في الميزان ص121 ، مرجع سابق 

[83] - عمل المرأة في الميزان ص131 ، مرجع سابق .

[84] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص256 ، مرجع سابق .

[85] - الحرية ونضال المرأة الأمريكية ص124 ، مرجع سابق .

[86] - المجتمع العاري ص93 ، طبعة دار الفتح الأولى 1413هـ-1993، من إصدارات جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي بالإمارات .

[87] - المجتمع العاري ص77 ، مرجع سابق .

[88] - Timeisex in American',oct, 13, 1999 بواسطة السياسة الدولية عدد 124 السنة 32 إبريل 1996م.

[89] - الشرق الأوسط 21/1/1990م.

[90] - المرأة بين الفقه والقانون للدكتور / مصطفى السباعي 253 ، المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ الطبعة الخامسة .

 


الفصل السابع

أعمال المرأة للمساهمة في دفع عجلة الحياة

 بعد أن اتضح أن المنزل هو المكان المناسب للمرأة وعملها ، وأن لها أن تخرج لقضاء حوائجها ، وتساهم في تطور مجتمعها وبنائه قبل ذلك ، بشروط تحفظها من الانحلال والاعتداء عليها؛ فإن تطور المجتمع قد قدم عدداً من الأعمال التي يمكن أن تمارسها المرأة لخدمة المجتمع، وهي في منزلها ، بعيداً عن فراق أبنائها، وإهمال بيتها ، وزحام غيرها في المواصلات والطرقات. ومن هذه الأعمال ما يلي : "إلى جانب الأعمال المعتادة" :

1-المشاركة في إنتاج الملابس بالخياطة اليدوية والآلية البسيطة والمعقدة وما تحتاج إليه من معرفة بعلم النسيج ، والتذوق الملبسي ، وتاريخ النسيج ، وأعمال الديكو، والتطريز ، والنسيج المتقدم ، وتصميم أزياء متقدم، ومعرفة ألياف النسيج، وعلم الماكينات ، وكيمياء النسيج ، وطباعة الملابس، وتحتاج إلى دراسة متقدمة في الأزياء الوطنية ، وإلى معرفة المشكلات المتصلة بالملابس والنسيج، ومعرفة النواحي الاجتماعية والسيكولوجية في الملابس ودراسة التربية الملبسية ، وتصميم معاطف ، وتكنولوجيا الملابس الحديثة .. وغيرها كما يمكنها دراسة المواد المتعلقة بالأعمال المرتبطة بهذا الجانب كمادة تسويق الملابس. حيث يمكنها ترويج ما تقوم به في أسواق خاصة[91] ومما يلزم تعلمه هنا اقتصاديات الملابس .

2-المشاركة في صناعة أجزاء خاصة من ماكينات وأجهزة بمعدات توزع على عدد من الأسر ثم تجمع كما حدث في اليابان وغيرها .

3- المشاركة في الطباعة عن طريق جهات تنظم ذلك، وهذا يستلزم تعليم المرأة للحاسوب ، ونواحي الاستفادة من تقنياته ، وكيفية التعامل معه .

4-يمكن للمرأة القيام بإمداد المطاعم من خلال العمل في البيوت ، كما قد بدأت بتنفيذه بعض الشركات في الدول المتقدمة مادياً .

هذا كله يستلزم تعليم النساء مجالات متخصصة مثل المدخل لعلم الاقتصاد المنزلي، أسس التغذية ، أدوات وأجهزة منزلية ، مقدمة في البرمجة وعلم الحاسوب، صحة عامة وإسعافات أولية ، تغذية إنسان، رعاية أم وطفل ، إدارة منزل، مبادئ إعداد الأطعمة ، فن الديكور في المنزل، تاريخ التربية ، تغذية فئات حساسة، تأثيث منزل ، الفن في البيت والبيئة ، طهي تجريبي ، تربية صحية ، وسائل وتقنيات تعليمية ، مناهج وطرق تدريس الاقتصاد المنزلي ، تغذية متقدمة ، علم نفس النمو ، توجيه وإرشاد نفسي ، توجيه موارد أسرية ، أشغال فنية، مشاكل المستهلك في الدول النامية ، دور حضانة ، تقويم حالة غذائية ، أصول التربية، صحة غذاء ، علم نفس تربوي، أشغال فنية وجلدية ، كيمياء التغذية، تحليل الأطعمة، تغذية المرض، تربية غذائية ، تغذية جماعات ، تكنولوجيا الأطعمة، علم نفس... أساليب تقويم طفل الروضة ، التقنيات التربوية في رياض الأطفال، سيكولوجيا التعليم والتعامل مع أطفال الروضة ، التقنيات التربوية في رياض الأطفال.

ويمكن للمرأة أن تساهم في بعض الأعمال خارج المنزل مع ملاحظة الشروط والآداب الشرعية التي تحفظها وتصونها ، ومن هذه الأعمال ما يلي:

1-المشاركة في الخروج لتعليم بنات جنسها من البنات في كل المستويات وإقامة المؤسسات التعليمية الخاصة بالمرأة

2-المشاركة في علاج المرأة ، وتقديم الخدمات النسوية في أسواق خاصة ونوادي خاصة بالمرأة ، بل ويمكنها الاشتراك في الزراعة والصناعة في مصانع ومعامل خاصة..

3-المشاركة في جمعيات نسائية تعليمية وخيرية واقتصادية وتربوية .

4-تخول المرأة بالإشراف على دور الحضانة.

وهذا كله يدعو إلى إنشاء الجامعات الخاصة بالمرأة والتي تشمل التخصصات المختلفة الكفيلة بتخريج المرأة العاملة المتخصصة في أحد المجالات السابقة .

5- المشاركة ـ عند الضرورة ـ وبأحكام خاصة ـ فيما يحتاج له المجتمع في حالات الحرب والسلم .

 


[91] - يراجع ـ على سبيل المثال ـ دليل كلية البنات التابعة لجامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا .

 


الفصل الثامن

الحقوق العامة للمرأة في الإسلام

 إن معيار السمو الذي تصله المرأة يؤسس على مدى منحها الحقوق التي ترعاها وتكرمها وتصونها وتشرفها وقد أعطى الإسلام للمرأة حقوقاً عامة تتمثل في الآتي:

أولاً : الحقوق الإنسانية :

1-حق الحياة : قال تعالى : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾[الأنعام:151] . ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ(8)بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾[التكوير: 8-9] فهي في هذا الحق كالرجل سواء بسواء ، بل الوصية بها أقوى وآكد[92].

2-حق الكرامة الآدمية : قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾[الإسراء:70] وقد شمل هذا الزوجين "الجنسين" البشريين (الرجل والمرأة) سواء بسواء ، بل إن الإسلام جعل حق الأم مقدماً على حق الأب[93].

3-المساواة بين الذكر والأنثى في الجزاء الدنيوي والأخروي : كما قال تعالى : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾[آل عمران: 195] .

قال: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾[النساء:124] ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[النحل: 97] .

4-حق إبداء الرأي والمشورة : كما ثبت ذلك في قصة أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ ورأيها في يوم الحديبية ، حيث روى البخاري[94] أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لما فرغ من قضية الكتاب ـ يعني في صلح الحديبية ـ قال لأصحابه : (قوموا فانحروا ، ثم احلقوا) قال : فوالله ما قام منهم رجل ، حتى قال ذلك ثلاثاً ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة : يا رسول الله! أتحب ذلك ؟ اخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة، حتى تنحر بدنك ، وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلم أحداً منهم ، حتى فعل ذلك: نحرد بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلما رأوا ذلك، قاموا فنحروا، فجعل بعضهم يحلق بعضاً ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً.. الحديث، ومجادلة المجادلة لرسول الله صلى الله عليه وآسله وسلم ؛ فأنزل الله ـ تعالى ـ قوله : ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾[المجادلة:1] .

 ثانياً : الحقوق الاقتصادية :

خولت الشريعة للمرأة الرشيدة جميع الحقوق المدنية المتصلة بأملاكها، فقد منحتها كامل حريتها في أن تدير شئونها بنفسها مال وأملاك وتجارة ، ويدخل في ذلك حرية التصرف في مهرها إن كانت متزوجة ، ومنه عقود البيع والشراء والإجارة والشركة والرهن .. كما قال الله ـ تعالى ـ :

﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾[النساء:6] وهذا يشمل الذكور والإناث .

 ثالثاً :الحقوق الاجتماعية :

أ-الحقوق الاجتماعية المعنوية :

1-العشرة الحسنة: أختاً أو بنتاً أو أماً أو زوجة أو جدة فقد قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ " (ليس أحد من أمتي يعول ثلاث بنات ، أو ثلاث أخوات فيحسن إليهن إلا كن له ستراً من النار)[95].

وقال ـ سبحانه ـ في الأبوين : ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾[لقمان:15] والأمر أشهر من أن ينكر.

2-حق التعليم : وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ للشفاء : (ألا تعلمين هذه ـ يشير إلى حفصة ـ رقية النملة* كما علمتيها الكتابة)[96].

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (إن خيركن التي تسأل عما يعنيها)[97] وقد قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)[98] ويدخل في ذلك الرجل والمرأة ، وكان الصحابة يتعلمون من أزواج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

3- حق اختيار الزوج : فقد روى الجماعة إلا البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها) وروى البخاري أن خنساء بنت خدام الأنصارية زوجها أبوها وهي ثبت فكرهت ذلك فأتت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فرد نكاحها ، وعند أحمد وأبي داود نحو القصة في جارية بكر .

4-وللزوجة حق طلب الفرقة لسبب مشروع .

ب ـ الحقوق الاجتماعية المادية :

1-حق النفقة : كما قال تعالى : ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾[البقرة:233] .

وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهند بنت عتبة (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)[99] كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم : (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم كسبكم) وكما قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم : (ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم أحداً ممن تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهم في كسوتهم وطعامهن)[100].

2-حق الميراث : حيث قال ـ تعالى ـ : ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾[النساء:7] . على تفصيل في ذلك معروف .

3-حق المهر: كما قال ـ تعالى ـ : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً الآية وكذا قال سبحانه : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾[النساء:20] .

4-حق الاستمتاع : قال ـ قال صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (إن لأهلك عليك حقاً)[101].

5- حق الرضاعة والنفقة عليها : كما قال ـ تعالى : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾[البقرة:233] .

6-حق الحضانة لابنها: كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (أنت أحق به ما لم تنكحي)[102].

7-حق نفقة المعتدة : على تفصيلات معروفة .

8-حق المرأة في العمل : والأصل أنه داخل البيت كما تقدم تجسيداً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم) فالرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد.. والخروج من البيت عند الحاجة أو الضرورة للعمل جائز بضوابطه .

رابعاً : الحقوق القانونية:-

أن تشترك فيما نشأ في المجتمعات من حق الخصومة والتقاضي فتكون مدعية ومدى عليها وشاهداً وشهوداً عليه منفردة ومجتمعة ، وأن تكون ناظراً وقف ووكيلة وراهنة ومرتهنة وشريكة ومتصدقة وواهبة ومتصدقاً عليها وموهوباً لها ، وقيمة ومحجورة.. كالرجل[103] إلا فيما استثنى . وذلك كالشهادة فيما لا يخص المرأة غالباً ، حيث شهادة المرأة نصف شهادة الرجل .

وقد ظهر اليوم السر في ذلك ، والحكمة من هذا التشريع ؛ عندما عرف أن للرجل مركزاً في مخه للكلام في أحد الفصين، ومركزاً للذاكرة في الفص الآخر.. فإذا اشغل مركز الكلام عند الإدلاء بالشهادة، فلا يؤثر على المركز المتخصص بالذاكرة، لكن المرأة لها مركزان في فصي المخ مختلطان يعملان لتوجيه الكلام للذاكرة، فإذا تكلمت المرأة اشتغل المركزان بالكلام، وقد يؤثر ذلك على الجزء من الذاكرة التي فيه المعلومة المطلوبة للشهادة. ونرى الإشارة إلى ذلك في قوله ـ سبحانه : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ .. الآية [البقرة:282] .

انظر إلى الصورة في الفصل الثالث لتبيين وجود مركز الكلام عند الرجل في فص واحد ، ووجوده عند المرأة في كلا الفصين. بينما يبقى المركز المتخصص بالذاكرة عند الرجل غير مشغول أثناء كلامه وأدائه للشهادة .

 


[92] - كما في مسلم 2/109 ، مرجع سابق عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (واستوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوجاً ، فاستوصوا بالنساء خيراً) . وانظر : معنى " ضلع" ص1 من هذا البحث .

[93] - كما روى البخاري 5/2227 ، مرجع سابق عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقال : يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال: (أمك) قال : ثم من ؟ قال : (ثم أمك) قال : ثم من؟ قال : (ثم أمك) ، قال: ثم من ؟ قال : (ثم أبوك) .

[94] - البخاري 2/974 ، مرجع سابق .

[95] - رواه البيهقي عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ انظر : صحيح الجامع الصغير رقم 5372 ، مرجع سابق .

* - النملة : قروح تظهر في الجنب ، فكانت نساء اعرب ترقيها بالكلمات التالية مرات صباحاً ومساءً : العروس تحتفل ، وتختضب وتكتحل ، وكل شيء تفتعل ، غير ألا تعصي الرجل .. رواه أبو داود ، انظر : التاج الجامع للأصول 3/214 تأليف: منصور علي ناصر ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ لبنان ـ الطبعة الرابعة 1406هـ-1986م .

[96] -رواه أبو داود 4/11 ، وصححه الألباني ، مرجع سابق .

[97] - رواه الدارمي 1/251 ، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة 6/861 ، مرجع سابق ، انظر : سنن الدارمي لأبي محمد عبدالله ابن عبدالرحمن الدارمي ، مراجعة : فواز أحمد زمرلي ، وخالد السبع ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت 1407هـ-1987م.

[98] - انظر تخريجه في الفصل الثاني عشر ص95 من هذا البحث .

[99] - البخاري 2/796 ، مرجع سابق .

[100] - رواه أبو داود 3/289 ، مرجع سابق ، والترمذي 3/639 ، مرجع سابق ، والنسائي 7/241 ، مرجع سابق ، وابن ماجه 2/768 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني .

[101] - رواه أبو داود 2/48 ، مرجع سابق ، والترمذي 4/608 ، وقال الألباني : صحيح .

[102] - رواه أبو داود 2/283 ، مرجع سابق ، وحسنه الألباني .

[103] - من هدي القرآن ، الشيخ شلتوت 306 .

 


الفصل العاشر

حكم تولي المرأة للولاية العامة

 

تبين مما سبق بالدليل الفطري عدم ملاءمة المرأة للولاية العامة ، وإليك الأدلة  الشرعية المانعة من تولية المرأة ولاية عامة ، وهذه الأدلة مستقادة من القرآن والسنة والإجماع والقياس والمصلحة وسد الذرائع، وها هي ذي تفصيلاتها:

 أولاً : أدلة القرآن :

(1) ـ قوله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ الآية [البقرة:228] .

وجه الدلالة : اختص الله الرجل بدرجة قوامة الدولة والبيت فلا يكون للمرأة مدخل في السلطات العامة ، إذ الدرجة المذكورة في الآية ـ وإن كانت مجملة غير مبين المراد منها ـ إلا أن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضاً فيكون معنى الدرجة هو ما ذكر في قوله ـ تعالى ـ : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ وقوله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية [النساء:32] ، وحكمها العام هو قوامة الرجل على المرأة وما فضله الله به عليها ، فاختصه دونها لصفاته الخلقية وقدرته الكسبية ، وتكليفه بما هو موضوع عنها برئاسته عليها في البيت ورئاسته على الأمة والدولة ، وغيرها من مناصب الولاية العامة الأهلية قيامه عليها دون النساء كما هو شأن قيام الرجال على النساء على البيوت .

وعبر ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عن ذلك بقوله : " ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والقيام بالمصالح في الدنيا والآخرة، كما قال ـ تعالى ـ :

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ الآية : [النساء:34]"[112]

وقال الطبري ـ رحمه الله تعالى ـ : "روي عن زيد بن أسلم قوله : ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾أمارة"[113].

وقال الفخر الرازي ـ رحمه الله تعالى ـ : "إن الرجل أزيد من الفضيلة من النساء في أمور وذكر منها صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة"[114].

فإن قيل : السياق يقصر الدرجة على الأمور العائلية؟* فالجواب:

1-    العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السياق ، كما قرره علماء الأصول .

2-    الإجابة ذاتها في الآيات السابقة ترد هنا فلا داعي للتكرار .

3-    العبرة ـ باتفاق ـ لعموم قصد الشارع الحكيم لا لخصوص الحكم.

وقد قال الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسير هذه الآية : "﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ أي منزلة ليست لهن وهو قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوة ، وله من الميراث أكثر مما لها ، وكونه يجب امتثال أمره، والوقوف عند رضاه ، ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهن خلقن من الرجال لما ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم"[115]. أي لكفت هذه الفضيلة إذ الرجل أصل المرأة فلا بد أن يتميز عنها ، وترى الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ قد فهم العموم من الآية .

وقال عبدالرحمن بن سعدي ـ رحمه الله تعالى ـ " ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي رفعة ورياسة كما قال تعالى : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ومنصب النبوة والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى وسائر الولايات للرجال ، وله ضعف ما لها في كثير من الأمور كالميراث ونحوه"[116].

وقال المراغي ـ رحمه الله تعالى ـ "الدرجة هي الرئاسة والقيام على المصالح والحق في طاعتها له وتأديبه لها عند النشوز"[117].

(2) ـ قوله تعالى ـ :﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾[النساء:34] .

قال الطاهر بن عاشور في تفسيره : " فقوله : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ أصل تشريعي كلي تتفرغ عنه الأحكام التي في الآيات بعده ، فهو كالمقدمة ، وقوله ﴿فالصالحات تفريع عنه من مناسبته لما ذكر من سبب نزول : ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[الآية:32] والحكم الذي في هذه الآية حكم عام جيء به لتعليل شرع خاص، فلذلك فالتعريف في ﴿الرجال و﴿النساء للاستغراق ـ إلى أن قال ـ : فالمراد من ﴿الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل، وهو الصنف المعروف من النوع الإنساني وهو صنف الذكور ، وكذلك المراد ﴿النساء صنف الإناث من النوع الإنساني ـ ثم قال ـ : فهذا التفصيل ظهرت إثارة على مر العصور والأجيال، فصار حقاً مكتسباً للرجال، وهذه حجة برهانية على كون الرجال قوامين على النساء، فإن حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة وإن كانت تقوى وتضعف".

وهذا الذي قرره ابن عاشور من تفسير الآية بأن القوامة لجنس الرجال على جنس النساء قاعدة عامة تشمل القوامة داخل البيت وخارجه ، وهو ما ذهب إليه المفسرون كالإمام الزمخشري في كشافه (1/217) والإمام القرطبي في جامعه (5/169) والإمام ابن كثير في تفسيره (1/432) والإمام أبي السعود في تفسيره (1/692) ـ رحمة الله تعالى عليهم جميعاً ـ .. انظر الفصل الخامس ص30 من هذا البحث .

وقال العلامة المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ : "هذا النص يقطع بأن المناصب الرئيسة في الدولة رئاسة كانت أو عضوية مجلس شورى لا تفوض إلى النساء، وحقيقة المجالس التشريعية ليس وظيفتها مجرد التشريع وسن القوانين ، بل هي بالفعل تسير دفعة السياسة في الدولة فهي التي تؤلف الوزارات وتحلها ، وتضع خطة الإرادة وهي التي تفرض أمور المال والاقتصاد، وبيدها أزمة أمور الحرب والحرب. بذلك كله لا تقوم هذه المجال مقام الفقيه والمفتي بل تقوم مقام القوام لجميع الدولة" .

وقال ـ رحمه الله تعالى ـ رداً على من حصر القوامة في البيوت " إن القرآن لم يقيد قوامة الرجال على النساء بالبيوت ، ولم يأت بكلمة (في بيوت) في الآية، مما لا يمكن بدونه أن يحصر الحكم في دائرة الحياة العائلية، ولو قبلنا بذلك القول : أمن شك من أن قوامة الدولة أخطر شأناً وأكثر مسئولية من قوامة البيت؟ فهل أنتم تظنون بالله أنه يجعل المرأة قواماً على مجموعة ملايين من البشر، ولم يشأ أن يجعلها قواماً داخل بيتها" .

فإن قيل : إن سبب نزول الآية أنها نزلت بشأن رجل اختصم مع زوجه، فيخصص الحكم في الآية بسبب نزولها ، فالجواب:

العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وإلا لخصصنا جميع الآيات ، ومن أصرح ما يوضح ذلك أن أدعياء المساواة يستدلون على زعمهم بقوله تعالى : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾[البقرة:228] فإن ادعوا تخصيص هذه الآية ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بسياقها وسبب نزولها في الأمور العائلية ، فنقول لهم : فقوله تعالى : ﴿﴾[البقرة:228] مخصصة بأن سياقها في الحياة العائلية، فإن قالوا: بل هذه الآية ﴿ولهن.. عممها غيرها من الأدلة كحديث (النساء شقائق الرجال)[118] يقال لهم: وهذه الآية : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ عممها غيرها كحديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) . وهذا عند التنزل ، وإلا فالعموم في قوله : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ أظهر من أن يستدل عليه .

وقد جاء في مختصر المزني 9/319 : "قال الشافعي : وفي قول الله ـ تبارك وتعالى ـ : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ وقال: ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ امرأة فصاعداً ، وأصل النساء أنه قصر بهن عن أشياء بلغها الرجال أنهم جعلوا قوامين عليهن حكاماً ومجاهدين، وأن لهم السهمين من الغينمة دونهن وغير ذلك فالأصل ألا يجزن فإذا أجزن في موضع لم يعد بهن ذلك الموضع" .

(3) ـ قوله ـ تعالى ـ : ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾[النساء:32] .

قال ابن عطية ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره : " لا تتمنوا ما حدد الله في تفضيله فإنه تعالى قد جعل لكل أحد مكاسب تختص به فهي نصيبه ، قد جعل الجهاد والإنفاق وسعي المعيشة ، وحمل الكلف ، كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك للرجال ، وجعل الحمل ومشقته ، وحسن التبعل ، وحفظ غيب الزوج، وخدمة البيوت للنساء"[119].

ويقول الطبري ـ رحمه الله تعالى : " يعني بذلك ـ جل ثناؤه ـ ولا تتشهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ، وذكر أن ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال وأن يكون لهن ما لهم ، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة وأمرهم أن يسألوه من فضله ، إذ الأماني تورث أهلها الحسد والحقد والبغي بغير الحق. قال أبو جعفر*: فتأويل الكلام على هذا التأويل : ولا تتمنوا أيها الرجال والنساء الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير ، وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب ، ولكن سلوا الله من فضله"[120].

وبمثل هذا القول قال المفسرون لكتاب الله تعالى**:

فإن قيل : هذه الآية نزلت في المثيرات بدليل الآية التي بعدها؟ فالجواب:

إن سبب النزول ليس في الميراث ، بل سبب النزول أعم من ذلك ، وهو في صلب موضوعنا؛ إذ تمنت النساء أعمال الرجال فأنزل الله ما بين به وجوب لزوم كل إنسان ـ ذكراً أو أنثى ـ ما قسم له خلقاً ، وطبعاً ، وشرعاً ، فقد روى أحمد والترمذي عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت : يا رسول الله! يغزو الرجال ولا نغزو ، ولنا نصف الميراث؟! فأنزل الله : ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾[النساء:23][121].

فها أنت ذا ترى هذا الحديث صريحاً في طلب المرأة ما اختص الله به الرجال، ومنه الجهاد فبين الله لها أن ذلك حكم الله في الخلق ابتداء ، وهو شرع الله الموافق للفطرة والتي خلقها .

قال الأستاذ محمد عبده : "إن الله كلف كلاً من الرجال والنساء أعمالاً فما كان خاصاً بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصاً بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن فيه الرجال، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالأجر، وجعل الخطاب عاماً للفريق ، مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء، ولا أن يعلموا عمل النساء ، وهو الولادة ، وتربية الأولاد ، وال غير ذلك مما هو معروف إنما النساء هن اللواتي تمنين عمل الرجال.. وأي عمل تمنين؟! تمنين أخص أعمال الرجولة، وهو حماية الذمار ، والدفاع عن الحق القوة"[122].

 وقال الجصاص ـ رحمه الله ـ : "من التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل وقوعه ، مثل أن تتمنى المرأة أن تكون رجلاً أو تتمنى حال الخلافة والإمارة ونحوها من الأمور التي قد أعلم أنها لا تكون ولا تقع[123] اهـ، قال الشوكاني ـ رحمه الله تعالى ـ : "فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة"[124].

وعلى هذا فتصوير أمر الولاية في ميدان بحثنا على أنها أنانية من الرجل واستبداد منه، وعنفوان من قبله ـ ما هو إلا نوع مجازفة وانسياق غريب وخطير وراء الإرهاب الفكري والإعلامي الغربي العام ، وذوبان ثقافي في الشعارات الثقافية الوافدة .. وهل التكامل بين الرجل والمرأة بتسخير كل واحد منهما نفسه لما خلق لأجله أنانية من الرجل؟ أليس يؤلمك أن يصور مناط البحث على أنه صراع جنسي بين الزوجين (الجنسين) على نمط نظرية الصراع الطبقي الماركسي الهالكة؟ كيف وربك يقول : ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[النساء:32] .

(5) ـ قوله ـ تعالى ـ : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾[الأحزاب:33] .

كلفت المرأة بالبقاء في البيت كما تدل عليه الآية ، فهو الأصل فيها فلا تخرج إلا لحاجة لأنه الأمر المناسب لفطرتها ، وهناك من ظن أن هذا الأمر الإلهي خاص بنساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد رد العلماء على ذلك:

فقال المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ رداً على من يزعم اختصاص الآية بنساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : " حدد القرآن بهذه الكلمات الصريحة دائرة أعمال المرأة ، فإن اعتراض بالقول : هذا الأمر إنما يخص نساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فنحن نسأله : هل كان بنساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عجز دون سائر النساء لا يدعهن يقمن بالأمور خارج البيت ؟ وهل تفقهن سائر النساء في هذه الناحية؟ ، وإذا كانت جميع آيات القرآن بهذا الصدد مختصة بأهل بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فهل أذن الله لسائر المسلمات أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، أن يكلمن الرجال ويخضعن لهم بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض؟ ، وهل يرضى الله أن يكون بيت كل مسلم غير بيت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مدنساً بالرجس؟"[125].

إن المصلحة العليا التي أردها الشارع من تشريع هذا الحكم مصلحة عائدة إلى جهتين: المرأة فمصلحتها فردية ، بحفظ كرامتها وعرفتها وشرفها، والمجتمع بدرء خطر الانحلال الجماعي المسبب للعقوبة العامة ، والموت العام كما يقول ابن القيم في الطرق الحكمية ..

وقال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ رداً على من يزعم اختصاص هذه الآية بنساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء البيوت، والانكفاف عن الخروج إلا لضرورة"[126].

وقال الآلوسي ـ رحمه الله تعالى ـ : "والمراد على جميع القراءات أمرهن ـ رضي الله تعالى عنهن ـ بملازمة البيوت، وهذا أمر مطلوب من سائر النساء"[127].

وأجاب الشوكاني على من زعم تخصيص آية الحجاب بأزواج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بقوله : ولا يخفى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"[128].

ومن أصر ـ بعد هذا ـ على ادعاء الخصوصية في هذه الآيات بأزواج النبي صلى عليه وآله وسلم يقال له : فقد قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فهذه خاصة بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، ثم قال الله : ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فهل يقول قائل: بأن ما بعدها من الأمر بالعفو والاستغفار والشورى خاص بالنبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ؟! وكذلك الأمر في قوله تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وهل يقول قائل بأنه يجوز لغير نساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى وألا يقمن الصلاة وألا يؤتين الزكاة وألا يطعن الله ورسوله؟! ولذلك نص العلماء على أن دلالة الاقتران يضعف فيها اتحاد الحكم أي قد يقترن واجب بمندوب بحرف عطف ، كما قد يقترن خاص بفرد مع أمر عام كما في هذه الآية[129].

ومما سبق يتبين من الآيات الكريمة أن قيادة الأسرة والمجتمع هي من اختصاص الرجال ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ.

 ثانياً : أدلة السنة :

(1) ـ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)[130].

*قال الصنعاني ـ رحمه الله تعالى ـ : "فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات ، ولا يحل لقومها توليتها لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب"[131].

*ومعلوم أن إيراد الطلب على صورة الخبر أبلغ في الطلب كقوله تعالى : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾[البقرة:228] والمعنى ليتربصن ـ كأن فعلهن لشدة الامتثال قد وقع.. وكذلك هنا فالمراد لا تولوا فإن وليتم لن تفلحوا ، فوجب ألا يولوا أمرهم إلا الرجل لجلب الفلاح.

*وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى منها : (لا يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)[132] (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة)[133] (لا يفلح قوم تملكهم امرأة)[134].

(ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة)[135]. (لن يفلح قوم تملكهم امرأة)[136].

وقد دل عمل الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وصحابته وتطبيقهم الواقعي على تفسير هذا النص القولي حيث لم يثبت أنه قد وليت امرأة ولاية عامة في القرون الفاضلة مع وفرة الدواعي وانتفاء الموانع ، فكان هذا من أوضح الأدلة على حرمة تولي المرأة للولاية العامة..

*وقد يقول قائل : إن قوله (تملكهم) فيه دلالة على أن المراد الإمامة العظمى فيرد عليه من وجهين:

أحدهما : إن الروايات الأخرى جاءت بلفظ : (أسندوا ، يلي أمرهم) وهي ظاهرة في الإمامة الصغرى والعظمى وما انبثق عنهما من الوظائف السياسية، ومعلوم أن الروايات المتعددة يفسر بعضها بعضاً ، وتفسير لفظ هذا الحديث برواياته المختلفة قد جاء عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بتطبيقه العملي حيث لم يول امرأة ولاية عامة صغيرة أو كبيرة ، وكذا فعل أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ ومن بعدهم .

وثانيهما : ما فهمه راوي الحديث الصحابي أبو بكرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ فإنه يوضح المراد من الحديث ، حيث قال : لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيام الجمل بعد ما كدت ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم ـ قال ـ لما بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى : (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة)[137]. زاد في المستدرك (3/128) : فعصمني الله به.. ولم يدع أحد أن عائشة ـ رضي تعالى عنها ـ كانت ولايتها على الجيش من باب الإمامة العظمى، بل كانت ولاية عامة على قوم مخصوصين فحسب .

*فإن قيل : بل المراد في الحديث الإمامة العظمى ، إذ يفهم هذا من اسم الجنس المضاف في قوله النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (أمرهم) والمعنى كل أمورهم،

فالجواب :

هذا فهم بعيد؛ إذ قد قرر علماء أصول الفقه أن الاسم المضاف إلى معرفة يفيد العموم الصادق بواحد من جزئياته[138]، هذا إذا كان اسماً مفرداً ، فكيف إذا كان اسم جنس؟ وإفادته للعموم تعني شموله لسائر أفراده المندرجة تحته سواء جمعت أو أفردت واحدة واحدة .. وذلك كقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن البحر (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)[139] إذ المفهوم إجماعاً كما هو المعمول به اتفاقاً أن هذا الحكم ـ طهارة ماء البحر ـ يشمل كل جزء من ماء البحر كما يشمله كله، لا أنه لا يكون طهوراً إلا إذا جمع ماؤه كله ، فهذا لم يقل به أحد من العلماء ، ولا فرق بين اسم الجنس المضاف في قوله : (ماؤه) واسم الجنس المضاف في قوله (أمرهم).

وقد استدل علماء الأصول لتقرير هذه القاعدة[140] بقوله تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[النور:63] عام في كل أمر من أوامر الله ـ سبحانه ـ ولم يقل أحد من العلماء إن المقصود هو مخالفة جميع أوامر الله ليكون المعنى فليحذر الذين يخالفون جميع أوامر الله فقط! أمامن خالف أمراً أو عدداً من الأمور فلا خوف عليه! بل المقصود من الآية: فليحذر الذين يخالفون كل أوامر الله مجموعة أو مفردة واحداً واحداً باتفاق العلماء، وكذلك الأمر في قول رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) أمرهم كله أو أي أمر من أمورهم العامة أو الخاصة، ما داموا قوماً وما دامت امرأة إلا ما استثناه الشرع كالوصاية والوكالة ونحوهما، وغير خاف عليك ألا فرق ههنا بين الأمر الذي جمعه أوامر كما في الآية، والأمر الذي جمعه أمور كما في الحديث من حيث انطباق حكم اسم الجنس المضاف .

كما استدل علماء أصول الفقه[141] بقوله ـ تعالى ـ : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾[البقرة:187] فإنه عام يشمل كل ليالي الصيام مجموعة أو مفردة واحدة واحدة، كذلك (أمرهم) الواردة في الحديث يدل على جميع أمور المسلمين مجموعة أو مفردة .

وكذلك قوله ـ تعالى ـ : ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ فقوله ـ تعالى ـ : ﴿أَوْلَادِكُمْ اسم جنس مضاف ، وهو يشمل مجموع الأولاد جميعاً (مجتمعين) أو فرداً فرداً، وهو كقول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فقوله : (أمرهم) هو اسم جنس مضاف يشمل جميع الأمور، كأن يولونها الإمامة العظمى ، كما يشمل بقية أمورهم أمراً أمراً .

وقد تفهم نوح ـ عليه السلام ـ ذلك حيناً قيل له : ﴿ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فقال : ﴿ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ففهم من المضاف في قوله وأهلك عموم أهله فيدخل فيه أفرادهم حتى ابنه الهالك ، ولذا راجع فيه ، وكذلك فهم إبراهيم ـ عليه السلام ـ ذلك حينما قيل له : ﴿ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ فقال : ﴿ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ففهم من المضاف في قوله ﴿ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ عمومهم فيدخل فيه لوط[142].

فقوله ـ تعالى : ﴿ وَأَهْلَكَ و ﴿ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ كقول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الحديث : (أمرهم) يشمل جميع أمورهم أفراداً وجماعة، وهو استدلال قائم على أن المضاف يفيد العموم .

*قالت لجنة كبار علماء الأزهر في شرحها للحكم المستنبط من هذا الحديث: "وظاهر أن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يقصد مجرد الإخبار عن عدم فلاح هؤلاء القوم الذين يولون المرأة أمرهم لأن وظيفته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بيان ما يجو لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح ، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسارة، وإنما يقصد نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة ، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على خلاصهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم، ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في كل عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة ، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه كما يفيده المعنى الذي كان من أجله المنع. وهذا ما فهمه أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وجميع أئمة السلف ، لم يستثنوا من ذلك امرأة ولا قوماً ولا شأناً من الشؤون فهم جميعاً يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى والقضاء وقيادة الجيوش وما إليها من الولايات العامة"[143].

*فإن قيل : لا نسلم بأن الإضافة في قوله : (أمرهم) للعموم ، بل هي للعهد الذكري أو الحضوري أو الذهني[144] ، بدليل سبب قول هذه المقالة ، وهو تولي بنت كسرى الولاية العظمى ، فالجواب :

 بل هي للعموم لا للعهد لوجوه :

أ ـ لما سبق ما بينا من الأدلة .

ب ـ الأدلة الأخرى التي تمنع المرأة من الولاية في أصغر الوحدات الاجتماعية وهي الأسرة ، وهذه مسلمة لا يجادل فيها أحد .

ج ـ الإجماع العملي منذ عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى نهاية قرون قوة المسلمين إذ لم تول امرأة على صغير أو كبير إلا شذوذات التاريخ مما لا يصلح دليلاً ، أو ما يكون قصصاً وهمية لا مستند لها كقصة الشفاء كما سيأتي.

د ـ فهم السلف وعلى رأسهم الخلفاء والصحابة كأبي بكرة ـ راوي الحديث ـ والتابعين. كالأحنف بن قيس فقد استدلوا من الحديث على عدم صحة الانضمام إلى معسكر عائشة ـ رضي الله عنها ـ مع أنها لم تدع غيرها أنها أرادت الخلافة بل كانت المطاعة لفئة من المسلمين لا غير .

*فإن قيل : إن قضايا المسائل الدستورية ذات أهمية وخطورة تستوجب اليقين في معرفة أحكامها لا مجرد الظن ، وهذا الحديث لا يخرج عن كونه حديث آحاد يفيد الظن فلا يقبل في هذا الباب ، فالجواب :

أ ـ هذا مزلق خطير يؤدي إلى رد القسم الأعظم من أحكام الإسلام ، وقد سده الإسلام لأول وهلة ، حيث أسسه على قاعدة قطعية هي : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[البقرة:286] فمن استطاع اليقين فنعم ونعمة عين ، ومن لم يستطع سوى الظن فهو وسعه لا يلزم بما لا يستطع وعلم أصول الحديث ومصطلحه يقوم على هذه القاعدة كغيره من العلوم ، ولا يلزم من قولهم (إن حديث الآحاد يفيد الظن) عدم العمل به ، بل يجب العمل به بإجماع ، كما نقل الرازي في المحصول ، وكما قال الزركشي ـ رحمه الله تعالى ـ في البحر المحيط : " قال ابن دقيق العيد: والحق عندنا في الدليل بعد اعتقاد أن المسألة علمية أنا قاطعون بعمل السلف ، والأمة بخبر الواحد ، وبأن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد ورد منه ما يقتضي العمل بخبر الواحد، وهذا القطع حصل لنا من تتبع الشريعة وبلوغ جزئيات لا يمكن حصرها"[145].

ب ـ وقد استدل الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ على ذلك بإرسال الله ـ تعالى ـ أفراداً إلى قومهم فلم يحتج عليهم قومهم ـ مع وفرة الدواعي ـ بأن خبرهم عن السماء خبر آحاد يفيد مجرد الظن وهذا في أصول الرسالة والنبوة فضلاً عما تنبثق عنها من فروع .

ج ـ وانظر هذا في أصل أصول العبادات الإسلامية وهي الصلاة كيف استجاب الناس بقباء لمن أخبرهم بتغيير القبلة وهو فرد ، ولم يحتجوا عليه بطلب إثبات القطع في مقالته كما رواه البخاري عن البراء بن عازب ، وخذ مثالاً مشابهاً لموضوع بحثنا يتعلق بالمسألة الدستورية حيث أننا نعامل المجوس معاملة أهل الكتاب، مع أن الحديث الثابت فيهم حديث آحاد وهو حديث عبدالرحمن بن عوف مرفوعاً (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)[146].

د ـ وأما ما روي من عدم قبول أبي بكر خبر شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد بن مسلمة (روى ذلك أبو داود والترمذي) وعدم قبول عمر خبر أبي بكر الأشعري ـ رضي الله تعالى عنهم ـ كما روى ذلك البخاري؛ فليس من باب رد خبر الآحاد ، بل من باب الحيطة والتثبت حيث يمكن التثبت آنذاك ، كيف وعمر هو الذي قبل خبر عبدالرحمن بن عوف في الطاعون ـ كما رواه مسلم ـ بعد أن لم يعرفه المهاجرون والأنصار ومسلمة الفتح..

*ومع هذا كله ، فقد تحدث العلماء عن الدليل الذي يشبه المتواتر المعنوي، وهو الذي تجتمع الأدلة الكثيرة على مساندته والدلالة على معناه استقلالاً وتبعاً، بشكل مباشر وغير مباشر:

هـ- فيشير الإمام الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ في موافقاته إلى أن ما أقسام المتواتر المفيد لليقين ما سماه : الشبيه بالمتواتر المعنوي ، وهو ما يستفاد من الاستقراء في موارد الشريعة[147] كمثل مسألتنا هذه ، فلو جمعنا هذا الحديث إلى غيره من الأحاديث والأدلة لأفاد القطع بحكمه كمثل الآيات السابقة والأحكام الجزئية التي قيدت فيها المرأة ومنأعظم الأدلة على إفادة هذا الحديث القطع بحكمة ولاية البيت التي قررناها سابقاً بل إن الإجماع قد أخذ صورة دليل الواقع العملي، حيث عمل الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بدلالة هذا الحديث كما عمل أصحابه من بعده ثم من بعدهم مع وفرة الدواعي وانتفاء الموانع ـ في صورة يصبح رداً مثل هذا بحجة عدم السابقة التاريخية نوعاً من اللغو .

*إن نفي الفلاح في الحديث بـ(لن) يعني الاستمرار للنفي في حين أن الفاعل (قوم) نكرة ، والنكرة أشمل من المعرفة بـ(ال) كقولك: (لن ينجح رجل) يكون نفي الفلاح عن كل رجل بخلاف (لن ينجح الرجل) إذ قد يعهد للسامع ، ثم إن النفي للفعل المضارع ، وفعل جملة الصفة (تملكهم) مضارع أيضاً مما يجعل نفي الفلاح مستقبلاً عن قوم تملكهم الآن أو مستقبلاً ، فلا يقال ـ بعد ـ : العبرة بخصوص السبب ، كيف وقد قرر جمهور علماء الأصول أن العام يحمل على عمومه ، لأن خصوص السبب لا يقضي على عموم اللفظ ، والأحكام تستقي من نصوص التشريع لا من الحوادث الخاصة التي وردت عليها[148] إلا بقرينة قائمة أو حجة جازمة .. على أن إصرار البعض على اعتبار خصوص السبب قدح في الشريعة لا تحمد عقباه إذ يؤدي إلى بطلان كون الشريعة عامة . ثم إن عدول الشارع عن الخاص المسئول عنه أو عن الحادثة الخاصة إلى العموم دال على إرادة التشريع العام[149].

*نختم هذا بالإجابة عن الشبهة التي أوردها البعض من تولية عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ للشفاء بنت عبدالله أمر السوق ، حيث استدلوا بإيراد ابن حجر لها في الإصابة ، وذكر ابن حزم لها في المحلى ، إذ يجاب عن هذه القصة:

أـ هذه القصة لا زمام لها ولا خطام إذ لم يذكر سندها البتة ، فيسقط ذكرها فضلاً عن الاحتجاج بها .

مع أن ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ ينفي حجية راي الصحابي فيسقط هذا الاستدلال على مذهبه .

ب ـ لاحظ بعض الباحثين تناقض ابن حزم مع نفسه إذ أنه لم يجز للمرأة تزويج نفسها كما في المحلى حيث قال: (ولا يحل نكاح المرأة ـ ثيباً كانت أم بكراً ـ إلا بإذن وليها ) فيقال لابن حزم : القاضي يزوج غيره ، فمن باب أولى أن يزوج نفسه فكيف تزوج المرأة القاضية غيرها ولا تزوج نفسها؟!.

ولذا قال ابن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ عن خبر تولية الشفاء أمر السوق: ولم يصح*، فلا تلتفتوا إليه فإنما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث[150].

وقال الدكتور محمد أبو فارس: وما ذكره ابن حزم من أن عمر ولى الشفاء فلا يصلح حجة في هذا المقام فالخبر لم يثبت ، فقد ساقه غير مسند وبصيغة التمريض، وهذه الصيغة لا تؤهل النص ليحتج به ، كيف وفكرة الحجاب هي فكرة عمر**، وهو الغيور عليها كما هو معلوم[151].

(2) ـ قوله النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب للرجل الحازم من إحداكن) رواه الشيخان ، واللفظ للبخاري .

وقد بين الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن نقص الدين في رفع الصلاة والصيام عن المرأة مدة حيضها، وأن نقص عقلها بأن جعل الله شهادة الرجل بشهادة امرأتين . وقد بينا السر الذي كشفه علم الطب في أن المرأة إذا تكلمت قد ينشغل مركز الذاكرة عندها بكلامها ، فتضل عليها المعلومة التي تريد أن تؤديها للشهادة، بينما مركز الكلام في مخ الرجل منفصل عن مركز الذاكرة.

وجه الدلالة :

1-قال صديق حسن خان : "ومن كان كذلك لا يصلح لتدبير أمر الأمة ولتولي الحكم بين عباد الله ، وفصل خصوماتهم بما تقتضيه الشريعة المطهرة ، ويوجبه العدل، فليس بعد نقصان العقل والدين شيء، والولاية تحتاج إلى اجتهاد الرأي وكمال الإدراك والتبصر في الأمور ، والتفهم لحقائقها ، وليست المرأة في ورد ولا صدر من ذلك ، ولا تقوى على تدبير أمر العباد بل هي أضعف من ذلك وأعجز ، ويؤيده حديث أبي بكرة في نفسي الفلاح"[152].

 وإذا قلنا : إن العقل بمعنى الحزم ، فإن للمرأة عاطفة جياشة تؤثر على مقاييس الحزم والعدل .

2-قالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: "الحق أن المرأة بأنوثتها عرضة للانحراف عن مقتضى الحكمة والاعتدال في الحكم ، وهذا ما عبر عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بنقصان العقل ، ورتب عليه ـ كما جاء في القرآن ـ أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل"[153].

*فإن قيل: قد رأينا جمعاً منهن أوفر عقلاً من الرجال وأكثر ذكاء ، فالجواب:

أـ إن المنفي عنهن كماله هو العقل والدين ، والعقل لا يعني الذكاء بقدر ما يعني الحزم والقدرة على التذكر، والتجميع أثناء الكلام وأداء الشهادة ، ونقصان الدين فسره ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بما هو معلوم .

ب ـ ثم إن الحكم للعموم لا للشواذ .. وهل يحتج بالشواذ على حكم قرره من يوحي إليه اللطيف الخبير؟!.

ولذا قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ وهو ينبه على نكتة مهمة في الحديث: "وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومهن على ذلك لأنه من أصل الخلقة، ولكن التنبيه على ذلك تحذيراً من الافتتان بهن"[154].

(3) ـ قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)[155].

وجه الدلالة : بيان أن أهم واجبات المرأة العامة التي تسأل عنها بين يدي الله تعالى (ديانة) هي على مسئوليتها عن بيتها، وهو صريح في أن هذا هو الواجب المقدم على غيره، ثم قام بالمنع من غيره في الولاية العامة ما تقدم من الأدلة، ويعضد هذا: صيغة الحديث من مبدئها حيث بينت مسئولية الواجبات على أفراد المؤمنين رجالاً ونساءً في الجملة ـ أعني الواجبات الاجتماعية بين الناس مع بعضهم ـ إذ قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته ، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته ، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته، والمرأة..) .

قال البغوي في شرح السنة : معنى الراعي هنا الحافظ المؤتمن على من يليه؛ أمرهم النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بالنصيحة فيما يلونه وحذرهم الخيانة فيه بإخباره أنهم مسئولون عنه ، فالرعاية : حفظ الشيء وحسن التعهد ، فقد استوى هؤلاء في الاسم (الراعي) وإن كانت معانيهم فيه مختلفة فرعاية الإمام: ولاية أمور الرعية، والحياطة من ورائهم وإقامة الحدود والأحكام فيهم، ورعاية الرجل أهله : بالقيام عليهم في النفقة وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها بحسن التدبير في أمر بيته والتعهد لخدمته وأضيافه"[156].

والحديث ظاهر في أن الأصل في المرأة العمل داخل البيت لا خارجه، وما عداه فيحتاج فيه إلى المبرر على الخروج، والولاية العامة قد علم الناس جميعاً أن الأصل فيها الخروج والبروز لا البقاء في البيت، وللطبراني من حديث أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (ما من راع يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه)[157] ولابن عدي بسند صحيح ـ كما قال ابن حجر (13/113) ـ عن أنس : (إن الله سائل كل راع استراه حفظ ذلك أو ضيعه)[158].

ويؤيد هذا الأصل المفهوم من الحديث ما قرره ابن حجر ـ رحمه الله ـ في شرح هذا الحديث : "قوله (المرأة راعية في بيت زوجها) إنما قيد بالبيت لأنها لا تصل إلى ما سواه غالباً إلا بإذن خاص". فإن تولته تكون مضيعة ـ في الغالب ـ لواجبها الأهم.

ولقد جعل الإمام السيوطي هذا الحديث بمثابة تحديد الوالي والمولى عليه آخذاً ذلك من لفظ (راع) المستدعي رعيته ، فقال : "كلكم راع أي حافظ مؤتمن صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره"[159].

(4) ـ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء)[160].

فإن كانت والية عليهم فلا بد لها من مخالطتهم ، والخلوة ببعضهم فيقع بذلك من الفتن الشيء الكثير نتيجة للاختلاط بين الجنسين.

(5)التحذير من الاختلاط:

الاختلاط هو: اجتمع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له ، اجتماعاً يؤدي إلى ريبة، أو هو : اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد، يمكن فيه الاتصال فيما بينهم أو الكلام أو الإشارة بالاحتكاك بالأبدان من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد .

والأصل فيه : المنع ، ومن أدلته قوله تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾[الأحزاب:33] فخير حجاب للمرأة بيتها .

ومن أدلته : قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ (المرأة عورة ، فإذا خرجت  استشرفها الشيطان ، وأقرب ما تكون من ربها وهي في قعر بيتها)[161].

وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق : استأجرن ، فليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافات الطريق) .

فكانت المرأة تلتصق بالجدار ، حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به[162]. ومعنى تحقن، أي تذهبن في وسط الطريق.

وقد بينت أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أن النساء كن إذا سلمن قمن وثبت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وممن صلى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قام الرجال[163].

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ : وفي الحديث كراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلاً عن البيوت[164].

وعن أم حميد الساعدية ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أنها جاءت إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت : يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك. فقال: (قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك ، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك ، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي) فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله جل وعلا[165].

وعن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قيل له : أشهدت العيد مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته. حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت ، فصلى ثم خطب ، ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن، وذكره وأمرهن بالصدقة[166].

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ تعالى : قوله (ثم أتى النساء) يشعر بأن النساء كن على حدة من الرجال غير مختلطات بهم ، وقوله : (ومعه بلال) فيه أن الأدب في مخاطبة النساء في الموعظة أو الحكم ألا يحضر من الرجال إلا من تدعو الحاجة إليه من شاهد ونحوه، لأن بلالاً كان خادم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومتولي الصدقة ، وأما ابن عباس ، فقد تقدم أن ذلك اغتفر له بسبب صغره[167].

وعن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال : شهدت الفطر مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأبي بكر وعمر وعثمان ـ رضي الله تعالى عنهم ـ يصلونها قبل الخطبة ، ثم يخطب* بعد ، خرج النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ، ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء[168].

قوله : (يجلس الرجال بيده) وذلك كي لا يختلطوا بالنساء.

ولقد حرصت الصحابيات على عدم الاختلاط بالرجال في أشد الأوقات زحاماً في أعظم المناسك في الحج، فعن ابن جريج قال : (أخبرني عطاء ـ غذ منع هشام النساء الطواف مع الرجال ـ قال : كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع الرجال؟ ، قال قلت : أبعد الحجاب أو قبل؟ ، وقال : أي لعمري ، لقد أدركته بعد الحجاب ، قال : قلت : كيف يخالطن الرجال؟ ، قال : لم يكن يخالطن ، كانت عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ تطوف حجره ـ أي معتزلة ـ ، وفي رواية حجزة ـ أي محجوزاً بينها وبين الرجال ـ قال : تطوف حجره من الرجال ، ولا تخالطهم ، فقالت امرأة : انطلقي نستلم أم المؤمنين! قالت: انطلقي عنك . وأبت. يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال ، ولكنهن كن إذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن وأخرج الرجال)[169] أي ينتظرون حتى يخرج الرجال.

ودخلت على عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ مولاة لها ، فقالت لها : يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعاً واستلمت الركن مرتين أو ثلاثاً ، فقالت لها عائشة : لا أجرك الله .. لا أجرك الله ، تدافعين الرجال ، ألا كبرت ومررت؟[170].

قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ : "روى الفاكهي من طرائق زائدة عن إبراهيم النخعي قال : نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء، قال : فرأى رجلاً معهن فضربه بالدرة"[171].

وقد يقال : لكنهن يصلين مع الرجال ، ويخرجن في العيد معهم ، ويباح لهن الشراء من الأسواق.. وقد حدث ذلك كله في عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ مما يدل على جواز الاختلاط ، والمشاركة الفاعلة للمرأة في الحياة الاجتماعية ، فيجاب عن مثل هذا: بأن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قد جعل خير صفوف النساء آخرها ، وشرها أولها ، والعكس بالنسبة للرجال، كما رواه البخاري ، وأما العيد فلو أمكنه أن يخصص لهن مصلى منعزلاً خاصاً بهن لفعل ، وقد حدث هذا حيث كان لهن مصلى منعزل ، لذا لما أتم خطبة الرجال فظن أنه لم يسمعهن ذهب إليهن فوعظهن .. الخ . وقد خصص لهن في المسجد النبوي باباً مستقلاً يدعى (باب النساء) حيث جاء عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (لو تركنا هذا الباب للنساء؟)، قال نافع : فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات[172]، وهو دال على أنه لو أمكن إيجاد مصلى خاص بالنساء مع تمكنهن من رؤية الإمام لكان أفضل.

وفي هذا إشارة واضحة إلى فعل كل ما من شأنه منع اختلاط الرجال بالنساء ، وشرع للرجال ـ أئمة ومؤتمين ـ ألا يخرجوا فور التسليم من الصلاة إذا كان في الصفوف الأخيرة من المسجد نساء ، حتى يخرجن وينصرفن إلى دورهن قبل الرجال لكي لا يحصل اختلاط بين الجنسين ، ولو بدون قصد إذا خرجوا جميعاً ، فعن أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إذا سلم مكث قليلاً ، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال.

قال ابن شهاب : فنرى ـ والله أعلم ـ لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم . وقالت أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها : كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ[173] .

 إن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي شاع فيها الاختلاط ناطقة بل صارخة بخطر الاختلاط على الدنيا والدين .

ولخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني الذي كان سريع الخاطر حاضر الجواب عندما سأله بعض عشرائه من رجال السياسة في أوروبا في مجلس في إحدى تلك العواصم قائلاً : لماذا تبقى نساء الشرق في بيوتهن مدى حياتهن من غير أن يخالطن الرجال ويغشين مجامعهم؟ ، فأجابه في الحال قائلاً : لأنهن لا يرغبن أن يلدن من غير أزواجهن .

ولما وقعت فتنة الاختلاط بالجامعة المصرية، كان ما كان من حوادث يندى لها الجبين ، ولما سئل طه حسين عن رأيه في هذا ؟ قال : لابد من ضحايا. ولكنه لم يبين بماذا تكون الضحية؟ وفي سبيل ماذا لا بد من ضحايا؟ وأي ثمرة يمكن أن تكون أغلى وأثمن من أعراض المسلمين؟[174].

وبعد : فهل يتوافق ما ذكر من النصوص الشرعية مع قبول اختلاط المرأة بالعاملين حال كونها مسئولة عنهم أو ذات ولاية عامة؟ ، وبعض الحالات تقتضي السماع من العمال على انفراد ، وهذا يؤدي إلى الخلوة المحرمة شرعاً ، أما إذا كانت الولاية العامة على مجتمع نسائي فإن بعض المخاطر قد تزول .

ولننظر فيما قاله الأستاذ البنا حول الاختلاط:

قال الأستاذ حسن البنا ـ رحمه الله تعالى ـ : "يرى الإسلام في الاختلاط بين الرجل والمرأة خطراً محققاً ، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج ، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي ، لا مجتمع مشترك .

قال : سيقول دعاة الاختلاط : إن في ذلك حرماناً للجنسين من لذة الاجتماع ، وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، والتي توجد شعوراً يستتبع كثيراً من الآداب الاجتماعية من الرقة ، وحسن المعاشرة، ولطف الحديث ، ودماثة الطباع .. الخ ، وسيقولون: إن هذه المباعدة بين الجنسين ستجعل كلاً منهما مشوقاً أبداً إلى الآخر ، ولكن الاتصال بينهما يقلل من التفكير في هذا الشأن، ويجعله أمراً عادياً في النفوس (وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا) وما ملكته اليد زهدته النفس.

قال ـ رحمه الله تعالى ـ : كذا يقولون! ويفتتن بقولهم كثير من الشبان، ولا سيما وهي فكرة توافق أهواء النفوس، وتساير شهواتها ، ونحن نقول لهؤلاء : مع أنا لا نسلم بما ذكرتم في الأمر الأول ، نقول لكم : إنما يعقب لذة الاجتماع وحلاوة الأنس من ضياع الأعراض ، وخبث الطوايا ، وفساد النفوس ، وتهدم البيوت، وشقاء الأسر ، وبلاء الجريمة ، وما يستلزمه هذا الاختلاط من طراوة في الأخلاق، ولين في الرجولة، لا يقف عند حد الرقة ، بل هو يتجاوز ذلك إلى حد الخنوثة والرخاوة ، وكل ذلك ملموس ، لا يماري فيه إلا مكابر .

قال ـ رحمه الله تعالى ـ : كل هذه الآثار السيئة التي ترتب على الاختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر منه من فوائد، وإذ تعارضت المصلحة والمفسدة ، فدرء المفسدة أولى ، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تعد شيئاً بجانب هذا الفساد .

قال ـ رحمه الله تعالى ـ : أما الأمر الثاني فغير صحيح ، وإنما يزيد الاختلاط قوة الميل ، وقديماً قيل : إن الطعام يقوي شهوة النهم ، والرجل يعيش مع امرأته دهراً، ويجد الميل إليها يتجدد في نفسه ، فما باله لا تكون صلته بها مذهبة لميله إليها؟، والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، ولا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها ، وهذا أيضاً أثر اقتصادي من أسوأ الآثار التي يعقبها الاختلاط ، وهو الإسراف في الزينة والتبرج المؤدي إلى الإفلاس والخراب والفقر .

قال ـ رحمه الله تعالى ـ : لهذا نحن نصرح بأن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي ، وأن للرجال مجتمعاتهم وللنساء مجتمعاتهن ، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط له شروطاً شديدة: من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به ، فلا تشف ولا تصف، ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما تكن الظروف وهكذا.

ثم قال ـ رحمه الله تعالى ـ : كل ذلك إنما يراد به أن يسلم الرجل من فتنة المرأة، وهي أحب الفتن إلى نفسه، وأن تسلم المرأة من فتنة الرجل، وهي أقرب الفتن إلى قلبها. ثم قال بعد كلام كثير: يقول كثير من الناس: إن الإسلام لم يحرم على المرأة مزاولة الأعمال العامة ، وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا، فأتوني بنص يحرم ذلك، ومثل هؤلاء مثل من يقول : إن ضرب الوالدين جائز، لأن النهي عنه في الآية أن يقال لهما: (ألف) ، ولا نص على الضرب.

إن الإسلام يحرم على المرأة أن تكشف عن بدنها ، وأن تخلوا بغيرها وأن تخالط سواها ، ويحبب إليها الصلاة في بيتها، ويعتبر النظرة سهماً من سهام إبليس، وينكر عليها أن تحمل قوساً متشبهة بالرجل، أفيقال بعد هذا الإسلام لا ينص على حرمة المرأة للأعمال العامة"[175].

 وقد بين الدكتور عبدالكريم زيدان ـ أيضاً ـ بناء على أن المرأة بالنسبة للرجل ليست كالرجل للرجل، وأيد كلامه بعدة أدلة، منها:

1-منع سفر المرأة وحدها ، وخلوة الأجنبي بها، ثم أورد الحديث وأورد تعليق الإمام النووي عليه، ونصه: قال أصحابنا : ولا فرق في تحريم الخلوة ـ حيث حرمناها ـ بين الخلوة في صلاة أو غيرها ، ويستثنى من هذا كله ، مواضع الضرورة بأن يجد امرأة أجنبية منقطعة في الطريق، أو نحو ذلك ، فيباح له استصحابها ، بل يلزمه ذلك إذا خاف عليها لو تركها ، وهذا لا اختلاف فيه .

2-حكم الجهاد بالنسبة للمرأة ، حيث قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما في البخاري : (جهادكن الحج) . قال ابن بطال كما ينقل عنه ابن حجر : دل الحديث على أن الجهاد غير واجب على النساء ، وإنما لم يكن واجباً عليهن، لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال اهـ[176].

قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح الحديث الأول : "إن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ الآية ، فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل، وقد روى مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعاً : (واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)[177].

وقد جاء في لفظ ابن حبان (13/308) للحديث : (ما تركت بعدي فتنة أ×وف على الرجال من النساء).

وإذا علمنا أن أكثر من 20% من نساء أمريكا يغتصبن رغم إرادتهن ، فكم اللائي يقعن في الزنا بإرادتهن؟! إذا علم ذلك، فهمنا معنى حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ سابق الذكر .

(7) ـ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا إذا كان ثالثهما الشيطان )[178].

وجه الدلالة : إن الرجل ممنوع من الخلوة بالمرأة ، والولاية العامة تستلزم في كثير من قضاياها الخلوة .

وفي الصحيحين عن ابن عباس قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يخطب : (ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فقام رجل فقال : يا رسول الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وانطلقت امرأتي حاجة ؟ قال : (انطلق: فحج مع امرأتك)[179].

(8) ـ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (من ولاه الله من أمر الناس فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم ، احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره)[180].

وجه الدلالة : يأمر الحديث من يتولى أمر الناس أن يخالطهم، وألا يحتجب دونهم، والمرأة مأمورة بالاحتجاب عن الأجانب غير محارمها ، منهية عن المخالطة، لذلك لا تصلح لولاية أمرهم.

(9) ـ قوله عليه الصلاة والسلام لأبي ذر حين سأله الإمارة : (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة) رواه مسلم (3/1457).

قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : "هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف الولاية".

ووجه الدلالة هنا : حجب النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الولاية عن الضعيف، وقد نص على ضعف النساء كما في قوله صلى الله عليه آله وسلم: (إني أحرج في حق الضعيفين : اليتيم والمرأة)[181].

قال المناوي ـ رحمه الله تعالى ـ : "وجه تسميتها بالضعيفين ظاهرة ، بل محسوسة".

ومن النصوص التي تدل على ضعف المرأة قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حجة الوداع : (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان)[182].

وقد قام الدليل على أنه لا يولى من كان أصل طبعه الضعف كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾[القصص: 26] .

وتشهد دور النساء والزوجات المضروبات المنتشرة في الغرب في كل المدن على ذلك الضعف.

(10) ـ قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة : رجل عمل الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل قضى في الناس على جهل، فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار)[183].

إذ قال مجد الدين بن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : "وهو دليل على اشتراط كون القاضي رجلاً" ، وأقر الشوكاني ، إذ قال في النيل : " دل بمفهومه على خروج المرأة اهـ أي من جواز أن تكون قاضية لقول الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (رجل علم الحق، ورجل قضى في الناس على جهل ، ورجل عرق الحق..)"[184] .

(11) ـ عمل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حيث لم يول أحداً من النساء من أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات ، مع وفرة الدواعي وانتفاء الموانع.. وهذا هو التطبيق العملي لحكم الدين. والسنة العملية في مثل هذه المسألة : ممارسة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حتى توفاه الله تعالى .

ثالثاً : دليل الإجماع :

قال ابن قدامة المقدسي : " ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان ، ولهذا لم يول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا أحد من خلفائه، ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً"[185].

وقالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر : "الولاية العامة ، ومن أهمها عضو البرلمان وهي ولاية سن القوانين والهيمنة على تنفيذها ، فقد قصرتها الشريعة الإسلامية على الرجال إذا ما توافرت فيهم شروط معينة. وقد جرى التطبيق العملي على هذا من فجر الإسلام إلى الآن ، فإنه لم يثبت أن شيئاً من هذه الآيات قد أسند إلى المرأة لا مستقلة ولا مع غيرها من الرجال ، وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات ، وفيهن من تفضل كثيراً من الرجال كأمهات المؤمنين ، ومع أن الدواعي لاشتراك النساء مع الرجال في الشئون العامة كانت متوافرة لم تطلب المرأة أن تشترك في شيء من تلك الولايات، ولم يطلب منها الاشتراك، ولو كان لذلك مسوغ من كتاب أو سنة لما أهملت مراعاته من جانب الرجال والنساء باطراد"[186].

وقد روى البخاري (2/959) ومسلم (3/1343) من حديث عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ : أن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية لمسلم : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد) ولأبي داود (4/200): (من صنع أمراً على غير أمرنا فهو رد).

قال ابن رجب ـ رحمه الله تعالى ـ : "وهذا الحديث اصل عظيم من أصول الإسلام ـ حتى قال ـ وكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث من دين الله ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء".

وقال ـ رحمه الله تعالى ـ : "فهذا الحديث بمنطوقه يدل على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود ، ويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود. والمراد بأمره هنا دينه وشرعه ، وكالمراد بقوله في الرواية الأخرى: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . فالمعنى إذاً : أن من كان عمله خارجاً عن الشرع ليس متقيداً بالشرع فهو مردود . وقوله : (ليس عليه أمرنا) إشارة إلى أن أعمال العاملين كلهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة، فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها ، فمن كان عمله جارياً تحت أحكام الشريعة موافقاً لها فهو مقبول ، ومن كان خارجاً عن ذلك فهو مردود"[187].

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : "وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام ، وقاعدة من قواعده ، فإن معناه : من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه".

  ثم قال الحافظ : "فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهي عنها ، وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها ، وفيه رد المحدثات ، وأن النهي يقتضي الإلغاء ، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها"[188].

وقال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : "هذا الحديث ينبغي أن يعتنى بحفظه استعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به كذلك"[189].

ووجه الدلالة : أنه ما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ولا عن الخلفاء بعده ، ولا عن الصحابة ، ولا أمراء الأجناد والأنصار أنهم ولوا النساء ولاية من ولايات المسلمين ، أو قلدوهن إمارة قلت أو جلت، فمن عمل ذلك فهو محدث في دين الله بدعة ضلالة ترد عليه .

وتطبيقه على هذه المسألة ما أشارت إليه لجنة فتوى الأزهر : من أن الدواعي موجودة في عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ والخلفاء الراشدين خاصة، والنساء هن أفضل نساء المسلمين والموانع منتفية ومع ذلك لم تسند إليهن ولاية من الولايات فدل ذلك على أن هذا هو الدين .

وبعد: فلا ينبغي مصادرة هذا الإجماع الصريح والتام بحجة أن عدم السابقة التاريخية ليس دليلاً ، بل نقول إن منع المرأة من الولاية العامة كان بفعل النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان.

رابعاً : دليل القياس :

قالت لجنة فتوى الأزهر : "إذا حكمنا القياس وهو إلحاق النظير بالنظير لاشتراكهما في علة الحكم لكان الواجب هو حرمان المرأة من الولاية ، والوظائف العامة ، لأن كثيراً من الأحكام في الشريعة الإسلامية تميز بين الرجل والمرأة، وعلتها هي (ضعف) الأنوثة، لأن مهمة الأمومة حضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثير خاص بدواعي العاطفة ، وهي مع ذلك تعرض لها عوارض طبيعية تكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية ، وتوهن عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به والقدرة على الكفاح، لذلك جعلت القوامة على النساء للرجال، وجعل حق الطلاق للرجل دونها ، ومنعتها الشريعة من السفر من غير محرم أو زوج أو رفقة مأمونة ، ولو كان سفرها لأداء فريضة الحج".

فإذا كان الفارق الطبيعي بينهما قد أدى في نظر الإسلام إلى التفرقة في هذه الأحكام التي لا تتعلق بالشئون العامة للأمة، فإن التفرقة بمقتضاه في الولايات العامة تكون من باب أولى أحق وأوجب لأن كثيراً من الأحكام تعفي المرأة من معالجة ما هو دون السياسة والحكم من أمور وواجبات خارج البيت منها قول الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد مملوك ، أو امرأة أو صبي أو مريض)[190] ونقل الخطابي الإجماع على أن النساء لا جمعة  عليهن ـ يعني واجبة ـ .

 خامساً : دليل المصلحة :

إن الأساس في الولايات والوظائف العامة هو الكفاءة الدائمة ، فالمرأة ـ كما أثبت علماء الأحياء ـ تتميز بخصائص جسمانية ونفسية معينة تجعلها أقل كفاءة من الرجل، فضلاً عن أنها تمر بعوارض متكررة من شأنها أن تعدمها الكفاءة أو تقلل من كفاءتها .

ومبدأ المصلحة يقوم على أساس رفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ، ولا يتحقق هذا المبدأ إلا بمنع المرأة من مزاولة الولاية العامة ، ولننظر إلى المفاسد التي يجلبها اشتغال المرأة بالولاة العامة ، مثل:

1-غياب المرأة المتكرر للعوارض الفطرية التي تتعرض لها المرأة من حمل وإرضاع ، مما يضيع الكثير من مصالح الأعمال التي تحت قيادتها.

2-تقلب المزاج والعاطفة؛ بسبب ما تتعرض لها المرأة حمل عادتها الشهرية ، كما سبق بيانه في (ص9 من هذا البحث) .

3-ضعف المرأة في مواجهة تحديات العمل الشاقة ، والخصومات الحادة مما يؤثر على مصلحة العمل، ويجلب الخسائر .

4-اشتغال الرجال بالمرأة إن كانت جميلة ، واشتغالها بمن تخالطهم من مرؤوسيها إن كانوا من أصحاب الوسامة ، فيؤثر ذلك على مصلحة العمل.

5-إهمالها لبيتها ولزوجها ولأولادها .

6-مزاحمتها للرجال في ميادين أعمالهم التي يجيدونها ولا يجيدها.

7-تفكك الأسرة ، وضياع نسلها ، وحرمان الأسرة من بهجة الحياة الأسرية المملوءة بالحب والإيثار والتضحية .

وانظر الجدول المبين لحال المرأة العاملة في الغرب ص60 .

قال الفقيه القاضي أبو بكر بن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ : "إن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها ، وإن كانت متجاهلة ـ عجوزة كبيرة ـ برزة ـ تبرز للناس لكبرها ـ لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ، وتكون منظرة لهم ، ولم يفلح قط من تصور هذا ، ولا من اعتقده"[191].

إن محاولة إقحام المرأة في كل المجالات الرجال سيؤول في نهاية الأمر إلى الاعتراض على الخالق في خلقه زوجين (نوعين) بشريين لا نوعاً واحداً، وهو الذي حدث فعلاً في أوروبا ، حيث نشأت الحركات الداعية إلى إلغاء التمييز بين الرجال والنساء واعتبار الكل نوعاً واحداً .

سبحان الله! لكأنما كان عبثاً أن يخلق الله نوعين بشريين لا نوعا؟ً واحداً.

 سادساً : دليل سد الذرائع :

لقد جعل الله رغبة ومودة فطرية قوية جاذبة بين الجنسين (الذكور والإناث) لاستمرار البيوت ورعاية الأطفال ، وبقدر ما يكون اللقاء ميسوراً وسهلاً فإن هذه القوة تزداد استعاراً وتولي المرأة للولاية العامة يفتح باب المخالطة والبروز للرجال على مصراعيه مما قد يؤدي إلى الفتنة التي حذر منها الشرع، ولقد تنبهت أخيراً وزارة الدفاع الأمريكية إلى هذا المعنى حيث بدأت بتنفيذ خطة الفصل بين المجندين والمجندات بهدف الحفاظ على قواعد الأخلاق والسلوك في الجيش الأمريكي حسب ما أعلن وزير الدفاع (وليام كوهين) الذي قال : إن المرحلة الأولية من خطته تقضي بضرورة عزل المجندين عن المجندات بحواجز وجدران في المباني المشتركة التي يسكنون بها حالياً ، على أن يتم فصلهم فيما بعد في مباني مستقلة، كما أصدرت قيادة سلاح البحرية الأمريكية تعليمات مشددة لجميع المجندين التابعين لها بضرورة الالتزام بها ، وتتضمن حظر انفراد مجند ومجندة وراء باب مغلق، واعتبرت هذه التعليمات قواعد يجب على كل فرد اتباعها ، وأكد وزير الدفاع الأمريكي أن الهدف من هذه الإجراءات هو توفير أكبر قدر ممكن من الخصوصية والسلامة وآداب السلوك للمجندين والمجندات ، وضمان تمكنهم من التركيز على القيم العسكرية والتدريب العسكري لإعدادهم جنوداً ومجندات على أعلى مستوى للمهمات التي يكلفون بها[192].

ومن المعلوم أن مبدأ سد الذرائع في الشريعة الإسلامية من أعظم المبادئ التي تميز بها التشريع، وإذا كان يعني أن درء المفاسد يجب أن يقدم على جلب المصالح ، وأن ما أدى إلى مفسدة فهو محظور، وما أدى إلى شر فهو مبتور قبل البدء فيه ، فإن لم يستعمل في قضية النساء فإني له أن يستعمل؟! إذ يقول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء) .

على أن استسهال التعامل مع أمر النساء قد يؤدي إلى عواقب وخيمة أبانتها تجارب الدول الأخرى، وقد جاء في كتاب (ذكريات من أتاتورك) سرد لبداية إفساد المرأة التركية ، وكيف بدأت ذرائع الفساد والإفساد ، حيث قال :

"كان المعلمون قد عقدوا اجتماعاً في أنقرة واشتركت في الاجتماع بضعة معلمات جلسن في مكان آخر من الصالة ، ولم يستسغ نواب المجلس من المعممين اشتراك المعلمات في هذا الاجتماع، فذهبوا إلى الغازي (مصطفى كمال) ليشتكوا إليه .

غضب الغازي وقال : من هو رئيس جمعية المعلمين ؟ أجلبوه لي .

وما إن أتى (مظهر مفيد) بعد عدة دقائق حتى قابله بصوت كالرعد: ما هذا الذي عملته في اجتماع المعلمين؟ يا للعيب!! . وقف (مظهر مفيد) ذهلاً إذ هل كان هذا متوقعاً من الغازي؟ أما المعممون فقد كانوا يبتسمون ببشاشة وكانوا فرحين، وكان صوت الغازي يدوي بنفس القوة : شيء غير معقول أبداً غير معقول أبداً!!

كان (مظهر فيد) لا يزال واقفاً لا يدري ماذا يقول ، ويحاول أن يجد جواباً:

ـ والله يا أفندم! .

 ـ لا .. دع عنك هذا ، إنني أعرف كل شيء لقد دعيت المعلمات كذلك إلى الاجتماع ، ولكن لماذا جعلتهن يجلسن في صفوف أخرى؟ ألا تتقون في أنفسكم ، أم لا تتقون في فضيلة المرأة التركية؟ لا أريد أن أرى بعد الآن مثل هذه التفرقة والتمييز هل فهمت؟

كان المعممون المبتسمون كمن أصيب بالشلل"[193].

وغير خاف ما آل إليه أمر المرأة التركية بعد ذلك .

وعليه فصيانة الأعراض والنسل والأخلاق يجعل من المتعبين علينا ألا نعرض المرأة لهذا المنزلق وعملاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)[194].

فسداً للذرائع الشيطان علينا أن نغلق هذا الباب الذي فتحه غيرنا، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه.

وهذه صيحة أخرى للفطرة يطلقها الزعيم السوفيتي السابق (ميخائيل جورباتشوف) حيث يقول في كتابه (البريسترويكا) : "وغالباً ما ينظر إلى درجة تحرير المرأة، كمقياس للحكم على المستوى الاجتماعي والسياسي للمجتمع. لقد وضعت الدولة السوفياتية حداً للتمييز ضد المرأة الذي كان سائداً في روسيا القيصرية بتصميم ودون مساومة. وكسبت المرأة مكانة اجتماعية يضمنها القانون ، وتتساوى مع مكانة الرجل، ونحن نفخر بما قمته الحكومة السوفياتية للمرأة : نفس الحق في العمل كالرجل، والأجر المتساوي للعمل المتساوي، والضمان الاجتماعي. وأتيحت للمرأة كل فرصة للحصول على التعليم ، ولبناء مستقبلها ، وللمشاركة في النشاط الاجتماعي والسياسي. وبدون إسهام المرأة وعملها المتفاني ، ما كان بمقدورنا أن نبني مجتمعاً جديداً أو نكسب الحرب ضد الفاشية.

ولكن طول سنوات تاريخنا البطولي والشاق عجزنا عن أن نولي اهتماماً لحقوق المرأة الخاصة ، واحتياجاتها الناشئة عن دورها كأم وربة منزل، ووظيفتها التعليمية التي لا غنى عنها بالنسبة للأطفال. إن المرأة تعمل في مجال البحث العلمي، وفي مواقع البناء، وفي الإنتاج والخدمات ، وتشارك في النشاط الإبداعي، لم يعد لها وقت للقيام بواجباتها اليومية في المنزل (العمل المنزلي وتربية الأطفال، وإقامة جور أسري طيب) لقد اكتشفنا أن كثيراً من مشاكلنا (في سلوك الأطفال والشباب وفي معنوياتنا وثقافتنا وفي الإنتاج) تعود جزئياً إلى تدهور العلاقات الأسرية، والموقف المتراخي من المستويات الأسرية. وهذه النتيجة متناقضة لرغبتها المخلصة المبررة سياسياً لمساواة المرأة بالرجل في كل شيء.

والآن في مجرى (البريسترويكا) بدأنا نتغلب على هذا الوضع ، ولهذا السبب فإننا نجري الآن مناقشات حادة في الصحافة ، وفي المنظمات العامة ، وفي العمل والمنزل، بخصوص مسألة ما يجب أن نفعله لنسهل على المرأة العودة إلى رسالتها النسائية البحتة"[195].

إن المطالبة بتولي المرأة للولاية العامة يتصادم مع الدين الإسلامي ، كما يتصادم مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها ويجر إلى مفاسد كثيرة يصرخ منها المفكرون.

أما أن تنطلق الدعوة إلى مخالفة شرع الله باسم مصلحة الدعوة! فنقول لهؤلاء: لا تكون الدعوة إلى الله بمخالفة شرعه. وهل نسمح بمزاحمة المغنيات، والراقصات، وعارضات الأزياء، وملكات الجمال باسم مصلحة الدعوة؟! .

فتنبوا أيها المسلمون! وتذكروا قول الله ـ تعالى ـ : ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾[المائدة:49].

 


[112] - تفسير ابن كثير 1/278 ، مرجع سابق .

[113] - تفسير الطبري 2/275 ، مرجع سابق .

[114] - مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير 3/81 للإمام فخر الدين الرازي ـ دار الكتب العلمية ـ الطبعة الأولى 1411هـ-1990م.

* - انظر بحث : تخصيص العموم بالسياق ، وترك العموم لأجل السياق في البحر المحيط للزركشي 3/380 ، فيه قال الشيخ تقي الدين في (شرح الإلمام) : نص بعض أكابر الأصوليين على أن العموم يخص بالقرائن. ـ قال ـ ويشهد له مخاطبات الناس بعضهم بعضاً ، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناء على القرينة اهـ . وانظر أيضاً لاستظهار الفرق بين التخصيص بالقرائن (ومنها السياق) والتخصص بالسبب، انظر : البحر المحيط في أصول الفقه لبدر الدين محمد بن بهادر الزركشي ، مراجعة : د. عمر سليمان الأشقر ـ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الكويت ـ الطبعة الثانية 1413هـ-1992م.

[115] - رواه البخاري 3/1212 ، مرجع سابق ، ومسلم 2/1091 ، مرجع سابق عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ .

[116] - تفسير السعدي 1/183 : تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ، تأليف : عبدالرحمن بن ناصر السعدي، تقديم: محمد زهري النجار ـ دار المدني ـ جدة.

[117] - تفسير المراغي : 21/167 .

[118] - رواه أبو داود 1/61 ، مرجع سابق ، والترمذي 1/189 ، عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ وصححه الألباني .

[119] - تفسير ابن عطية 2/45 : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لأبي محمد بن عبدالحق بن عطية الأندلسي ، تحقيق وتعليق: عبدالله بن إبراهيم الأنصاري وآخرون ـ الطبعة الأولى ـ الدوحة ـ رمضان 1402هـ-1982م .

* - عنى نفسه .

[120] - تفسير الطبري 5/30/ مرجع سابق .

** - كالإمام الماوردي : (النكت والعيون) 1/477 ، والطاهر بن عاشور في (التحرير والتنوير) 5/29 ، والآلوسي في : (روح المعاني) 4/28 ، وأبي حيان في : (البحر المحيط) 3/235 ، والشوكاني في : (فتح القدير) 585 ، وابن كثير في : (تفسير القرآن العظيم) 1/429 ، والزمخشري في : (الكشاف 1/364 ... وغيرهم ..

[121] - رواه أحمد 6/322 ، مرجع سابق والترمذي 5/237 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني، ولفظ الحاكم 2/235، مرجع سابق، عن أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أنها قالت : يا رسول الله أيغزو الرجال ولا نغزوا ولا نقاتل فنستشهد ، وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله : (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض) . قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة ، وقال الذهبي في التلخيص : شرط البخاري ومسلم .

[122] - تفسير المنار ، 5/58 ، انظر : تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا ، دار المعرفة ـ بيروت ـ الطبعة الثانية 1393هـ-1973م.

[123] - أحكام القرآن 3/143 .

[124] - تفسير الشوكاني 1/585 ، مرجع سابق .

[125] - نظرية الإسلام 319 .

[126] - تفسير القرطبي 14/117 ، مرجع سابق .

[127] - تفسير الآلوسي 22/6 ، انظر : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي ، قرأه وصححه : محمد حسين العرب ـ دار الفكر 1414هـ-1993م .

[128] - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار 9/243 ، لمحمد بن علي الشوكاني ـ دار الكتب العملية ـ بيروت ـ لبنان الطبعة الأولى 1403هـ - 1983م .

[129] - يراجع : ضعف دلالة الاقتران على اتحاد الحكم في كتب الأصول ، وانظر نموذج ذلك في الفروع عند ذكر الخلاف في حكم غسل الجمعة في نيل الأوطار 1/231 ، مرجع سابق .

[130] - رواه البخاري 4/1610، مرجع سابق ، والنسائي 8/227 ، مرجع سابق ، والحاكم 3/128 ، مرجع سابق وغيرهم بهذا اللفظ.

[131] - سبل السلام شرح بلوغ المرام 4/1496 ، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني ، صححه وعلق عليه: محمد عبدالعزيز الخولي، مكتبة عاطف .

[132] - رواه أحمد 5/47 ، مرجع سابق .

[133] - لفظ أحمد 5/38 ، مرجع سابق ، وكذلك لفظ أبي داود الطيالسي 118.

[134] -  لفظ أحمد 5/43 ، مرجع سابق ، وهو كذلك في مسند الشهاب 2/51 .

[135] - لفظ أحمد 5/50 ، مرجع سابق .

[136] - لفظ أحمد 5/51 ، مرجع سابق ، وهو كذلك عند ابن حبان 10/375 ، مرجع سابق ، والحاكم 4/324، مرجع سابق .

[137] - اللفظ مع القصة للبخاري 4/1601، مرجع سابق .

[138] - لمعرفة : انطباق حكم الكل على مجموع الأجزاء ، وانطباق حكم الكلية على جميع الجزئيات ، والفرق بينهما وكذلك الفرق بين الكل المجموعي والكل الجميعي ، انظر : حاشية على شح السلم للملوي ص78 ، تأليف: أبي العرفان محمد بن علي الصبان – مطبعة مصطفى البابي الحلبي ـ الطبعة الثانية 1357هـ - 1938م ، وانظر أيضاً ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة ص34 وما بعدها لعبدالرحمن حسن حبنكه الميداني ـ دار القلم ـ دمشق ـ الطبعة الرابعة 1414هـ-1993م .

[139] - رواه الأربعة وابن أبي شيبة ، وصححه ابن خزيمة والترمذي ، ورواه مالك والشافعي وأحمد، انظر : بلوغ المرام مع سبل السلام ) ص16 ، مرجع سابق 

[140] - انظر لتقف على تفصيل ذلك : نهاية السول في شرح منهاج الأصول للأسنوي 2/327 تأليف : الإمام جمال الدين عبدالرحيم الأسنوي – عالم الكتب – الطبعة : بدون .

[141] - انظر : هداية العقول إلى غاية السؤل في علم الأصول ، تأليف : الحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد 2/208 ـ المكتبة الإسلامية ـ الطبعة : بدون

[142] - للاستزادة : تراجع كتب أصول الفقه مثل : التحصيل 1/344 ، البحر المحيط للزركشي 3/107 ، شرح جمع الجوامع 1/413، مختصر ابن الحاجب 111 ، نشر البنود 1/208 ، روضة النظر 2/123 ، الكوكب المنير 3/136 .

[143] - راجع نص الفتوى في مجلة العربي سبتمبر 1970م ص32 .

[144] - هذه أقسام لام التعريف التي للعهد ، لمعرفة معاني لا التعريف وأنواعها وأقسام كل نوع ، انظر : حاشية العلامة الشيخ/ مخلوف انب محمد البدوي المنياوي على شرح حلية اللب المصون للعلامة : أحمد الدمنهوري على الرسالة الموسومة بالجوهر المكنون في المعاني والبيان والبديع ، توزيع مكتبة اليمن الكبرى ـ صنعاء ـ الطبعة : بدون ، وقارن بـ: البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ، مرجع سابق ، 2/293 .

[145] - البحر المحيط 4/259 ، مرجع سابق .

[146] - رواه مالك 1/278 ، والطبراني في الكبير 19/437 ، والشافعي في مسنده 209 ، وأبو يعلى في مسنده 2/168 ، وقال الشيخ : حسين أسد : رجاله ثقات إلا أنه منقطع . انظر : مسند أبي يعلى الموصلي لأبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، تحقيق : حسين سليم أسد ، مراجعة : دار المأمون للتراث ـ دمشق 1404هـ-1984م .

[147] - الموافقات في أصول الشريعة 1/30 المقدمة الثالثة وما بعدها لإبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي المعروف بالشاطبي ، وعليه شرح الشيخ : عبدالله دراز ـ دار المعرفة ـ بيروت .

[148] - المرأة والحقوق السياسية 201 ، مرجع سابق .

[149] - المناهج الأصولية 654 ، بواسطة : المرأة والحقوق السياسية 210 ، مرجع سابق .

* - يشير إلى قصة الشفاء .

[150] - أحكام القرآن 3/1457 لأبي بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي ، تحقيق : علي محمد البجاوي ـ دار الجيل ـ بيروت ـ لبنان 1408هـ .

** - يعني أن  عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان قد اقترح على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عدداً من الاقتراحات، أوصلها بعض العلماء إلى خمسة عشر اقتراحاً ، فوافقه القرآن فيها كمثل قوله : لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت الآية توافقه وهكذا ، ومن هذه الاقتراحات إشارته على النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يحجب نساءه ، فوافقه القرآن في ذلك أيضاً وهو الذي عناه الدكتور بكلامه.

[151] - القضاء في الإسلام ص40 ، د.محمد عبدالقادر أبو فارس بواسطة : المرأة والحقوق السياسية ص366 ، مرجع سابق .

[152] - إكليل الكرامة 108 ، بواسطة : المرأة والحقوق السياسية 185 .

[153] - مجلة العربي ( مرجع سابق) .

[154] - فتح الباري 1/407 ، مرجع سابق .

[155] - رواه الشيخان : البخاري 1/304 ، مرجع سابق ، واللفظ له ، مسلم 3/1459 ، مرجع سابق ، ولفظه : (والمرأة راعية على بيت بعلها وولده ، وهي مسئولة عنهم).

[156] - شرح السنة 10/62 ، للإمام الحسين بن مسعود البغوي ، حققه وعلق عليه : شعيب الأرنؤوط ، المكتب الإسلامي ـ الطبعة الثانية 1403هـ-1993م .

[157] - ورواه أحمد 2/15 ، مرجع سابق عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وفيه : (حتى يسأله عن أهل بيته خاصة).

[158] - ورواه ابن حبان 10/344 ، مرجع سابق، وقال الشيخ : شعيب الأرنؤوط : إسناده على شرطهما.

[159] - الديباج على صحيح مسلم ابن الحجاج 4/446  لأبي الفضل عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي ، مراجعة : أبي إسحاق الجويني الأثري ـ دار ابن عفان ـ الخبر ـ السعودية 1416هـ-1996م.

[160] - متفق عليه : البخاري 5/1959 ، مرجع سابق ، مسلم 7/2097 ، مرجع سابق .

[161] - رواه الترمذي 3/476 ، مرجع سابق ، وقال الألباني : صحيح ، وكذلك رواه ابن حبان 12/413 واللفظ له كلاهما عن ابن مسعود ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم.

[162] - رواه أبو داود 4/369 ، مرجع سابق ، عن أبي أسيد الأنصاري ، وقال الألباني : حسن .

[163] - رواه البخاري 1/295 ، مرجع سابق ، والنسائي 3/67 ، مرجع سابق .

[164] - فتح الباري 2/337 ، مرجع سابق .

[165] - رواه ابن حبان 5/595 ، مرجع سابق ، وقال الشيخ شعيب : حديث قوي ، والحديث ورد عن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أيضاً من قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بلفظ عام . انظر صحيح الجامع الصغير رقم 5039 ، مرجع سابق.

[166] - رواه البخاري 1/331 ، مرجع سابق .

[167] - فتح الباري 2/466 ، مرجع سابق .

* - يخطب : على البناء للمجهول ، انظر: فتح الباري 2/469 ، مرجع سابق .

[168] -البخاري 1/332 ، مرجع سابق .

[169] - رواه البخاري 2/585 ، مرجع سابق ، وهو من سنن البيهقي الكبرى 5/78 .

[170] - رواه الشافعي في مسنده بواسطة : عودة الحجاب 2/55 ، مرجع سابق .

[171] - فتح الباري 3/480 ، مرجع سابق .

[172] - رواه أبو داود 1/1265 ، رجع سابق ، وقال الألباني : صحيح .

[173] - رواه البخاري 1/290 ، مرجع سابق .

[174] - عودة الحجاب 2/60 ، مرجع سابق .

[175] - المرأة المسلمة الشيخ حسن البناء 11-18 ، مطابع دار الكتاب العربي .

[176] - المفصل في أحكام المرأة 4/فقرة 4220 د. عبدالكريم زيدان ـ مؤسسة الرسالة ـ الطبعة الأولى 1413هـ-1993م.

[177] - فتح الباري 9/138 ، مرجع سابق .

[178] - رواه الترمذي 3/474 ، مرجع سابق ، عن عقبة بن عامر ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب وقال الألباني: صحيح، وهو عند أحمد 1/18 ، مرجع سابق ، عن عمر ، وعند ابن حبان 10/436 ، مرجع سابق ، وقال الشيخ شعيب : رجاله ثقات من رجال الصحيح .

[179] - رواه البخاري 3/1094 ، مرجع سابق ، ومسلم 2/978 ، مرجع سابق .

[180] - رواه أبو داود 3/135 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني .

[181] - رواه ابن ماجه 2/1213 ، مرجع سابق ، وحسنه الألباني .

[182] - رواه مسلم 2/1091 ، مرجع اسبق ، وابن ماجه 1/594 واللفظ له ، مرجع سابق .

[183] - رواه أبو داود 3/299 ، مرجع سابق ، والترمذي 3/613 ، مرجع سابق ، وابن ماجه 2/776، واللفظ له ، مرجع سابق، وقال الألباني : صحيح .

[184] - نيل الأوطار 8/264 ، مرجع سابق .

[185] - المغني مع الشرح الكبير 11/380 تأليف : موفق الدين أبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ توزيع دار الباز ـ مكة المكرمة .

[186] - راجع مجلة العربي ـ نص فتوى الأزهر ـ سبتمبر 1970م .

[187] - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم ص66 ، لأبي الفرج عبدالرحمن بن شهاب الدين بن أحمد بن رجب الحنبي ، تحقيق ، د. يوسف البقاعي ـ المكتبة العصرية ـ صيدا ـ بيروت ـ الطبعة الثانية 1416هـ-1996م .

[188] - فتح الباري 5/357 ، مرجع سابق .

[189] - شرح صحيح مسلم 12/258 ، مرجع سابق .

[190] - رواه أبو داود الحاكم عن طارق بن شهاب ، انظر : صحيح الجامع الصغير رقم 3111 ، مرجع سابق .

[191] - أحكام القرآن 3/1458 لابن العربي ، مرجع سابق .

[192] - مجلة الأسرة العدد 59 صفر 1419هـ .

[193] - الرجل الصنم 352 ترجمة عبدالله عبدالرحمن تأليف ضابط تركي سابق .

[194] - رواه الترمذي 4/668 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح، مرجع سابق ، وقال الألباني : صحيح .

[195] - كتاب البريسترويكا لميخائيل جورباتشوف ص132 بواسطة تحرير المرأة في عصر الرسالة . لعبدالحليم محمد أبي شقة. 2/455 ـ دار القلم ـ الكويت ـ الطبعة الأولى 1411هـ - 1991م .

 


الفصل الحادي عشر

الحقوق السياسية للمرأة في الإسلام

 

أولاً : حق المشاركة في اختيار الحاكم:

لدراسة هذا الأمر فلا بد من دراسة الأساس الذي يقوم عليه هذا الحق ، وهو البيعة:-

البيعــة

لا بد من البيعة لانعقاد الإمامة وتولي الحكم .

تعريفها : لغة المبايعة والطاعة ، وقال أبن منظور : عبارة عن المعاقدة والمعاهدة كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره[196].

واصطلاحاً : قال ابن خلدون : البيعة هي البيعة على الطاعة كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر من المنشط والمكره[197].

وقال ابن حجر : فالمبايعة عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيهاً بالمعارضة المالية كما في قوله تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾[التوبة:111] .

 أنواع البيعة :

أولاً : البيعة على الإسلام : وهي آكدها وأوجبها ونكثها كفر كما في حديث جرير ابن عبدالله قال : (بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم)[198]. وكما في حديث ضماد رضي الله عنه وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(هات يدك أبايعك على الإسلام) . فبايعه[199] الحديث.

ثانياً : البيعة على النصرة والمنعة : كما في بيعة العقبة حيث روى أحمد (3/322) – قال في الفتح (7/223) بإسناد حسن وصححه الحاكم ـ من حديث جابر : (مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في المواسم بمنى وغيرها يقول : من يؤويني ، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتى بعثنا الله له من يثرب فصدقناه ـ فذكر الحديث ـ حتى قال : فرحل إليه منا سبعون رجلاً ـ وذكر في حديث كعب : ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ـ فوعدناه بيعة العقبة فقلنا على ما نبايعك؟ فقال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب، فتمنعوني مما تمعنون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة) الحديث .

وهذه بيعة تشترك فيها النساء بما يقدرن عليه .

ثالثاً : البيعة على الجهاد : كما وردت في سورة التوبة : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾[التوبة:111]

وكما في حديث الحديبية في بيعة الرضوان ؛ حيث روى البخاري (4/1529) عن يزيد ابن أبي عبيد : قلت لسلمة ابن الأكوع : على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية؟ فقال : (على الموت) وفي رواية لمسلم (3/1483) من حديث جابر : (إنما بايعناه على ألا نفر) .

وهذه بيعة خاصة بالرجال كما سيأتي في حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما طالبت المرأة أن يسمح لها بالجهاد ـ جهاد الطلب ـ فقال ـ عليه وعلى آله الصلاة والسلام ـ : (جهادكن الحج)[200].

رابعاً : البيعة على الهجرة : كما في حديث مجاشع بن مسعود، حيث قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة. الحديث[201].

وهذه البيعة تكون للرجال والنساء ـ كما قال تعالى ـ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾[النساء:97] .

إلى قوله : ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.

خامساً : البيعة على السمع والطاعة : وتكون للمتولي إمارة حاكماً أو غيره كما في حديث مسلم (3/1490) عن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : كنا نبايع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ على السمع والطاعة، يقول لنا : (فيما استطعت)[202].

سادساً : بيعة النساء لولي الأمر: تختلف بيعة المرأة عن بيعة الرجل في أنها لا تكون مبايعة تستحق النساء من خلالها حق التولية والعزل؛ إذ التولية والعزل من حقوق الرجال وواجباتهم فحسب كما تقدم في الفصل السابق من الأدلة التي تمنع المرأة من الولاية.

وكانت بيعة النساء على إقامة الدين وأحكامه وطاعة الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما قال ـ جل ذكره تعالى ـ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا...[الممتحنة: 12] وحتى قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

قال : الإمام محمد أبو زهر : "ما نوع هذه البيعة؟ ـ يعني البيعة الواردة في الآية ـ أهي مبايعة على الولاية؟ كلا كان يبايعهن على ألا يشركن بالله ولا يزنين ولا يأتين بفاحشة ، فهي معاهدة على القيم الدينية ، وليست معاهدة على الولاية بأية صورة من الصور"[203].

وفي ضوء ما سبق نرى أن بيعة النساء للحاكم اختيارية ؛ لقوله ـ تعالى ـ : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ أي : إذا جاءت المرأة للمبايعة فبايعها ، وليست البيعة التي ينصب بها الحاكم والإمام واجبة على النساء*؛ لاكتفاء النساء في عهد الخلفاء الراشدين ببيعة الرجال ـ ولا يجتمعون على ضلالة ـ ولم يثبت في سيرة الخلفاء الراشدين اشتراك المرأة في بيعتهم ، ولا في بيعة من جاء بعدهم مع وفرة الدواعي التي تؤيد مشاركة المرأة وانتفاء الموانع في ذلك الوقت حين بلغت المرأة شأواً عظيماً برفع الإسلام لمكانتها حيث قال عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما رواه البخاري (5/2197) : فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأين لهن بذلك حقاً علينا من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا[204].

فيكون عدم مشاركتهن إجماعاً من الصحابة ومن بعدهم من المسلمين ، وقد قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (عليكم بستني وسنة الخلفاء  الراشدين المهديين من بعدي عضو عليها بالنواجذ)[205]. إلا أنه قد روي أن سيدنا عبدالرحمن بن عوف ـ رضي الله تعالى عنه ـ : المكلف باختيار الخليفة الثالث قد استطلع رأي النساء ـ إلا أن بعض العلماء يرى أن هذه الرواية شاذة ، وجعلها محل نظر ـ .

لكن الإمام ابن حبان ـ رحمه الله تعالى ـ يقول في صحيحه[206]: ذكر ما يستحب للإمام أخذ البيعة من نساء رعيته على نفسه إذا أحب ذلك... ثم ذكر حديث أميمة بنت رقيقة أنها دخلت في نسوة تبايع ـ يعني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقلن : يا رسول الله ! ابسط يدك نصافحك. فقال: (إني لا أصافح النساء ، ولكن سآخذ عليكن) ، فأخذ علينا حتى بلغ : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾. الحديث[207].

وقال المهدوي : " أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا والأمر بذلك ندب لا إلزام " نقل ذلك القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ[208] وعلى هذا فلا تكون البيعة (الانتخاب) واجبة على المرأة من حيث الأصل؛ لأن معركة السلطة هي أقسى المعارك التي تنشأ بين أفراد الأمة الواحدة والدولة الواحدة ويستعمل فيها المتنافسون أقوى أسلحتهم ضد خصومهم فتستعمل فيها:

أ ـ الدعايات الظالمة والتي قد تزلزل حياة المرأة الأسرية إن تعرضت لها.

ب ـ المصادمات التي قد تكون بالاشتباكات اليدوية والعصي وغيرها مما لا تحتمله المرأة .

ج ـ المكر والمكايدة وهذا أمر يعرض المرأة إلى مخاطر جسيمة .

د ـ الاعتقالات السياسية والتعذيب التي تشل حياة أفراد الأسرة ولا تطيقها المرأة.

هـ- الحرب الأهلية فربما تفاقمت الخلافات والصراع على السلطة مما يؤدي إلى قيام حرب أهلية ترهق فيها المرأة وتخسر كثيراً فضلاً عن عدم التأهيل النفسي والبدني الذي جبلت عليه المرأة لخوض هذه المعارك .

و ـ ولأن العاطفة تغلب المرأة فهي أكثر ميلاً مع دوافع العاطفة لاختيار أحد المتنافسين بينما يتطلب الأمر حزماً يقتضيه منصب القيادة العامة .

ولكن طبيعة المعاركة الدائرة بين الحق والباطل في عصرنا قد تجعلها مندوبة أو واجبة استهداء  بمشاركة النساء في بيعة العقبة الثانية، إذ أن مشاركة المرأة في انتخاب الحاكم قد يكون في بعض الأحوال داخلاً ضمن صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة الإسلام .

ويمكن تنظيم ذلك : بإنشاء مؤسسة شورية للنساء تمكن المرأة من تنظيم هذا الحق والمشاركة فيه ، إلى جانب تنظيم مشاركتهن في التعبير عن قضاياهن وآرائهن كما روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه : أن امرأة أتت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فقالت : غلبك علينا الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك .. الحديث .

وكذلك نرى تغلب الرجال على المجالس النيابية ـ اليوم ـ في كل دول العالم ، فلم لا ننشئ سياسية نسوية موازية لمجلس النواب (انظر الفصل الثالث عشر من هذا البحث) .

وتقوم هذه المؤسسة الشورية النسوية باختيار القيادات النسائية التي يحتاج إليها في تنظيم شؤون المرأة في المجتمع ، وتنظيم مشاركة المرأة للمجتمع في حقوقها السياسية وفق أحكام الشريعة ، مع التزام الحاكم أو من ينوبه بالحضور في أوقات محددة لاستماع قضاياهن وطرح المستجدات عليهن .

صور البيعة :

1-المصافحة والكلام : كما في بيعة الرضوان ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾[الفتح:10] .

2-الكتابة : كما ذكر في بيعة النجاشي أصحمة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويؤكده ما رواه البخاري (6/263) أن عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ كتب إلى عبدالملك بن مروان : بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد : لعبد الملك بن مروان، أمير المؤمنين ، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأقر لك بالسمع والطاعة على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت .

3-الكلام فقط: كبيعة النساء حيث قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما رواه البخاري (6/2637)  : كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية ﴿ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها ، وفي لفظ له (4/1856) : ولا والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما يبايعهن إلا يبايعهن إلا بقوله : قد بايعتك على ذلك .

قال ابن حجر ـ رحمه الله تعالى : " كأن عائشة أشارت بذلك إلى الرد على ما جاء عن أم عطية ؛ فعند ابن خزيمة وابن حبان والطبري عن أم عطية : فمد يده من خارج البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال : (اللهم اشهد) ، وروى البخاري عنها أيضاً : فقبضت منا امرأة يدها . فإنه يشعر بأنهن كن يبايعنه بأيديهن. ويمكن الجواب عن الأول : بأن مد الأيدي إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة ، وعن الثاني : بأن المراد بالقبض التأخر عن القبول، أو كانت المبايعة تقع بحائل"[209].

ويقال تأكيداً لكلام ابن حجر السابق : قد جاء حديث أميمة بنت رقيقة ـ رضي الله تعالى عنها ـ موضحاً هذا المعنى ، حيث دخلت في نسوة تبايع ، فقلن : يا رسول الله : ابسط يدك نصافحك ، فقال (إني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن)، فأخذ علينا حتى بلغ ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ . الحديث[210].

وذكر ابن هشام عن ابن إسحاق قوله : فجميع من شهد العقبة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان ، زعموا أنها قد بايعتا ، وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يصافح النساء ، إنما كان يأخذ عليهن ، فإذا أقررن قال : (اذهبن فقد بايعتكن) ونحوه نقل ابن حجر في الإصابة 4/479 .

قال الدكتور : عبدالكريم زيدان ـ حفظه الله تعالى ـ في مفصله[211]: "النساء يبايعن دون مصافحة" ، ثم ساق بعض ما تقدم من الأدلة.

وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي بذلك ـ حرمة مصافحة النساء للرجال ـ . ويؤكد هذا حديث الطبراني بإسناد حسن (لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط خير له من أن يمس امرأة لا تحل له)[212].

ثانياً : حق المشاورة وإبداء الرأي:

للمرأة الحق في إبداء رأيها ومشاورة الحاكم في القضايا العامة للأمة؛ كما دل على ذلك عموم قوله تعالى : ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ولا مخصص لهذه الآية بالرجال دون النساء، وكما ثبت عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بإشارة أم سلمة في صلح الحديبية ـ فيما رواه البخاري ـ حين امتنع الصحابة من أن يلحقوا وينحروا فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج ثم لا تكلم منهم أحداً حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك.. الحديث .

كما أن من حقها الكتابة في الصحف ، وإرسال الرسائل إلى المسئولين، وغير ذلك من وسائل التعبير عن الرأي .

 

ثالثاً : حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (الرقابة والمحاسبة):

ويدل على ذلك عموم النصوص ؛ كما في قوله تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ الآية [آل عمران:110] .

وقوله : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ الآية [التوبة / 71] وقد عمت هذه النصوص الرجال والنساء، وشملت الجانب السياسي في مراقبة الحاكم ومحاسبته ومساءلته ؛ وانظر مثال ذلك في قصة عمر والمرأة التي ناقشته في المهر وقد روى هذه القصة ابن كثير وجود إسنادها .

 رابعاً : حق مقاضاة الحاكم إذا اعتدى أو ظلم :

وهو حق مشروع كفله الشرع للرجال والنساء؛ كما في عموم قوله تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾[النساء:59] .

والرد إلى الله ورسوله هو الرجوع في الأمر المتنازع فيه إلى حكم الله وحكم رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ

خامساً : حق العزل للحاكم المسيء:

كما سبق بيانه فإن اللائق تجنيب المرأة مواطن الصراع السياسي الساخن الذي لا يرحم أحداً من المشاركين والخائضين فيه ، ويعرض النساء لكثير من المخاطر، ومعركة العزل للحاكم الظالم أو المنحرف واحدة من هذه المعارك التي يتحمل مسئوليتها الرجل فقط.. فعزل الحاكم يصاحبه مواجهات مريرة معه ومع أنصاره، وقد تسفك فيها الدماء ، ويزج فيها بالمعارضين في السجون ، وتشوه فيها السمعة، وتغمز فيها الأعراض ، وتستباح فيها الأساليب الدنيئة الخسيسة، كما يحتاج فيها من جهة أخرى إلى الجلد والقوة والصبر والتفرغ الفطري والشرعي. ولذلك كله رفعت الشريعة عن المرأة تكاليف هذه المعركة ولم توجب عليها الاشتراك فيها كما تقدم عند الكلام عن الحق الأول. وهو حق المشاركة في تنصيب الحاكم ، وقد قرر جمهور العلماء بأن على الرجال أن يصبروا على ظلم الحاكم الجائر ، إذا كان عزله سيؤدي إلى ما هو أنكر من الفتن والدماء، فالمرأة من باب أولى إلا إذا أمنت الفتنة وتوفرت الشروط فتكون مشاركتها في عزل الحاكم الفاسد أمراً اختيارياً ، ويكون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الأمانة إلى أهلها . وقد يكون واجباً إذا كان في ذلك نصرة للإسلام في مواجهة الكفر والنفاق .

مشاركة المرأة في الجهاد:

الجهاد قسمان :

1-جهاد دفع : كما فعلت صفية رضي الله تعالى عنها ـ حيث روى الحاكم عنها ـ قالت : أنا أول امرأة قتلت رجلاً ؛ كنت في فارع ـ حصن حسان بن ثابت ـ وكان حسان معنا في النساء والصبيان حين خندق النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قالت صفية : فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن ، فقلت لحسان: إن هذا اليهودي بالحصن كما ترى ، ولا آمنه أن يدل على عوراتنا ، وقد شغل عنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأصحابه ، فقم إليه فاقتله ، فقال: يغفر الله لك يا بنت عبدالمطلب ، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا! قالت صفية: فلما قال ذلك ، ولم أر عنده شيئاً احتجزت وأخذت عموداً من الحصن، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، ثم رجعت إلى الحصن فقلت يا حسان! انزل فاستلبه ، فإنه لم يمنعني من أن أسلبه إلا أنه رجل . فقال: ما لي بسلبه من حاجة[213].

فهذا النوع من الجهاد لا مرية من اشتراك المرأة فيه. ويؤيد هذا أن بيعة العقبة التي اشترك فيها امرأتان إنما كانت بيعة على النصرة المنعة لا على الحرب إذ كانت بيعة الحرب بعد ، كما حققه ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في الفتح[214] حيث قال : الصواب أن بيعة الحرب بعد بيعة العقبة لأن الحرب إنما شرع بعد الهجرة.. ويدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخوف من عدم قتال الأنصار في بدر حين استشارهم حيث أنهم لم يبايعوه إلا على المنعة النصرة في المدينة (جهاد دفع، وهي البيعة التي اشتركت فيها المرأتان) ولذا كان يكرر ويقول: (كيف ترون؟)[215].

2-جهاد طلب : وهذا لا يجب عليها الاشتراك فيه ، بالكيفية نفسها التي يمارسها الرجل ، وهذا ما بينه النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حينما استأذنه النساء في الجهاد فقال (جهادكن الحج) رواه البخاري ، بل تشترك فيه بمهام محدودة ووظائف معلومة تناسبها حيث اقتصرت مهام النساء في جميع غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مداواة الجرحى وسقاية المرضى وإعداد الطعام للمقاتلة أي بلغة عصرنا الحديث على سلاح (التمريض والخدمات الطبية والتموين الغذائي) بتحضير أرزاق المقاتلة ، وكن في الصف الخلفي للجيش إلا إذا هجم العدو، ولقد غضب أبو طلحة من حمل أم سليم السلاح في غزوة حنين فبينت له أنها حملت السلاح للدفاع عن نفسها فحسب فقد روى مسلم (3/1442): أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجراً فكان معها فرآها أبو طلحة ـ رضي الله عنه ـ فقال : يا رسول الله هذه أم سليم ومعها خنجر! فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ما هذا الخنجر؟) قالت : اتخذته إن دنا أحد من المشركين بقرت بطنه . فجعل ـ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ يضحك . الحديث.

وروى البخاري ومسلم : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا فيستقين الماء ، ويداوين الجرحى . أورده البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ في كتاب الجهاد من صحيحه (3/1055) ـ باب: غزو الناسء وقتالهن ـ .

فبين نوع غزو المرأة وأنه مغايرة لغزو الرجال حيث أورد تحت هذا الباب حديث أن ـ رضي الله تعالى عنه ـ : لما كان يوم أحد انهزام الناس عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال : ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقران القرب ـ وقال غيره ـ تنقلان القرب ـ على متونهما ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فمتلآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أقواه القوم .

وقد روى أبو يعلى والبزار عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال : أتت النساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلن : يا رسول الله! ذهب الرجل بالفضل بالجهاد في سبيل الله ، فما لنا من عمل ندرك به عمل الجهاد في سبيل الله؟ فقال: (مهنة إحداكن في بيتها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله)[216].

فلا يتوهم من ترجمة البخاري مشروعية اشتراك المرأة في جهاد الطلب على الهيئة التي يؤديها الرجل مطلقاً، وقد روى مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ كان النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يغزو بهن فيداوين الجرحى.

ولذا فإن الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ أورد استشكال ابن المنير لترجمة البخاري هذه ـ باب غزو النساء وقتالهن ـ ثم نقل عن ابن المنير قوله : بوب على قتالهن ، وليس هو في الحديث فإما أن يريد أن إعانتهن للغزاة غزو، وإما أن يريد أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى ونحو ذلك إلا وهن بصدد أن يدافعن عن أنفسهن ، وهو الغالب اهـ. وأيد الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ جواب ابن المنير الثاني بحديث أم سليم السابق الذي رواه مسلم .

على أن المتابع لترجمات البخاري ـ رحمه الله تعالى ـ يلمح هذا وهو أن اشتراك المراة في جهاد الطلب يختلف نوعاً عن اشتراك الرجال فيه ، ولذا بدأ بحسب ترتيب أبوابه في كتاب الجهاد فقال : باب جهاد النساء: وذكر تحت هذه الترجمة حديث عائشة : ـ رضي الله تعالى عنها ـ استأذنت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في الجهاد ، فقال : (جهادكن الحج) . ثم قال البخاري: باب غزو المرأة في البحر ، وذكر حديث أم ملحان ـ رضي الله تعالى عنها ـ التي سألت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن يدعو أن تكون ممن يركبون البحر الأخضر في سبيل الله ففعل . فبين هنا أن منع المرأة من جهاد السيف لا يعني عدم خروجها لأداء المهمات الخلفية المذكورة للجيش .

ثم جاءت أبواب البخاري بعد ذلك كالتالي : باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو : ذاكراً حديث عمر في أم سليط وأنها كانت تزفر القرب لنا يوم أحد، وباب مداواة النساء الجرحى في الغزو : ذاكراً حديث الربيع بنت معوذ : كن مع النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة، ثم باب رد النساء الجرحى والقتلى : ذاكراً الحديث ذاته..

وترى المقال في مثل هذه المسألة قد طال بسبب اللبس الذي يتوهمه من يكتفي بالنظر إلى ترجمة البخاري الأولى المذكورة دون تتبع لما تحتها وما قبلها وما بعدها، حيث يجد ـ إن فعل ـ أن الشريعة قد فرقت بين جهاد المرأة وجهاد الرجل في النوع حال كون هذا الجهاد جهاداً طلبياً. وبهذا نجمع بين ما روي هاهنا وما فهمه الصحابة والعلماء من هذه الأحاديث، وبين الأحاديث التي جاء فيها المنع صريحاً للمرأة من الجهاد كما روى الطبراني في الأوسط عن أم كبشة ـ امرأة من بني عذرة ـ أنها قالت : يا رسول الله! إني لا أريد القتال ، إنما أريد أن أداوي الجرحى وأقوم على المرضى . قال : (لولا أن تكون سنة يقال خرجت فلانة لأذنت لك ، ولكن اجلسي في بيتك)[217]. قال الحافظ عقبة في تخريج المختصر: هذا حديث حسن غريب أخرجه الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حميد بن عبدالرحمن لكن صورة سياقه مرسل ، وله شاهد من حديث أم ورقة قالت : لما خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إلى بدر قلت يا رسول الله! ائذن لي أن أغزو معك، قال : (قري في بيتك) أخرجه أبو داود[218]، ولفظ الحديث عند ابن سعد:

(اجلسي لا يتحدث الناس أن محمداً يغزو بامرأة).

وهكذا لا نضرب أقوال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بعضها ببعض ، ولا نضرب أقواله بأفعاله ، بل نجمع بينها على ما سبق . وقد قال الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : فيه خروج النساء في الغزو بهن في السقي والمداواة لمحارمهن وأزواجهن، وما كان منها لغيرهم لا يكون فيه مس بشرة إلا في موضع الحاجة[219].

وبهذا البيان أيضاً تتفق الأحاديث مع حكم الآية العام في لزوم المرأة بيتها ، وكونه الأصل ولزوم اللباس الشرعي الساتر في الأحوال العادية، أما في حال الحرب فإن الرخصة في إبداء المرأة المجاهد لبعض جسمها من نحو اليد والذراع والوجه، وكذا لبس البنطال الطويل الفضفاض لسرعة النهوض والحركة محمولة على الضرورة ، وتقدر بقدرها[220].

 خروج عائشة - رضي الله تعالى عنها-:

لم يكن خروج عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ إلا للمطالبة بدم عثمان ، ومحاولة الإصلاح ، على أنها أخطأت في اجتهادها كما أخطأت في خروجها ولذلك فلا مجال للاستدلال بخروجها على جواز المشاركة في الولاية العامة بل هي من باب المشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

ولذا قالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر: "إيراد هذا الواقعة على هذا الوجه ليس فيه إنصاف للحقيقة والتاريخ فإن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ لم تخرج محاربة ولا قائدة لجيش محارب، وإنما خرجت داعية للمطالبة بدعم عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقد دفعها إلى ذلك أنها كانت ساخطة كغيرها من أهل عثمان وأشياعهم على خطة التريث والتمهل وعدم المبادرة بالبحث عن كل شيء عن قتلة عثمان والاقتصاص منهم[221]، وهذا أمر ـ أي خروجها ـ ليس من الولاية العامة في شيء كما قلنا. على أن صنيع السيدة عائشة هذا؛ ليس فيه دليل شرعي يصح الاستناد إليه فإنه كان عن اجتهاد منها ، وكانت مخطأة فيه . وقد أنكر عليها بعض الصحابة هذا الخروج، فاعترفت بخطئها وندمت على خروجها" . وفي ذلك يروي الحافظ ابن حجر كما في فتح الباري فيقول : أخرج عمر بن شيبة من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن أن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ أرسلت إلى أبي بكرة تدعوه إلى الخروج معها ، فقال : إنك لأم ، ,إن حقك لعظيم ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول : (لن يفلح قوم تملكهم امرأة) ولم يخرج معها أبو بكرة وورد كذلك من طريق قيس بن أبي حاتم قال : لما أقبلت عائشة فنزلت بعض مياه بني عامر، فنبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا؟ فقالوا: الحوأب. فقالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال لها بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون، فيصلح الله ذات بينهم. فقالت: إن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لنا ذات يوم : (كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب)[222].

وورد من طريق عصام بن قدامة عن عكرمة عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لنسائه : (أيتكن صاحبة الجمل الأدبب؟ تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة ، وتنجو بعد ما كادت)[223].

وأخرج أحمد (6/393) والبزار بسند حسن (كما في الفتح 13/55) من حدث أبي رافع ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ قال لعلي : (إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر) : قال : علي فأنا أشقاهم يا رسول الله؟ قال : (لا ، ولكن وإذا ذلك فارددها إلى مأمنها) . ومن هذه الأحاديث المتعددة الطرق يتضح لمن اشتبه عليهم الأمر أن موقف السيدة عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في واقعة الجمل، كان عن اجتهاد منها ، لم يقرها عليه كثير من الصحابة ، وأنها تذكرت ما أنبأ به النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فندمت واعترفت بخطئها .

وقول بعض العلماء الفضلاء : إن ندمها ليس لأن خروجها غير مشروع، بل لأن رأيها في السياسية خطأ ـ صحيح ، لكنه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا من باب الولاية العامة أو جهاد الطلب ، لكن يستفاد من خروجها جواز الخروج للمرأة من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بضوابطه، وإن كان خروج عائشة لأجل هذه القضية المعينة خطأ، ولكن مطلق الخروج للاحتساب مشروع ويبقى التفصيل في سبب هذا الاحتساب، ومع هذا كله فقد ندمت عائشة ـ رضي الله عنها ـ على خروجها فقد روى الطبراني بسند صحيح عن أبي يزيد المديني قال : قال عمار بن ياسر لعائشة ـ رضي الله تعالى عنهما ـ : لما فرغوا من الجمل : ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليكن ـ يشير إلى قوله تعالى : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ـ فقالت : أبو اليقظان؟ قال : نعم، قالت : والله إنك ما علمت لقوال بالحق . فقال : الحمد لله الذي قضى لي على لسانك ، فهي تعترف بخطئها ، وتقر عماراً على إنكاره لصنيعها .

هذا إلى ما قدمناه من أن خروج السيدة عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ في هذه الواقعة ليس من باب الولاية العامة فلا يتصل بموضوعنا..

ولقد أجاب الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ وهو البرلماني المعروف عن هذه الشبهة بقوله : "لا يمكن أن يتخذ عملها هذا دليلاً عن انشغال المرأة المسلمة بالسياسة في تلك العصور كما يزعم بعض المتهورين لأنها حادثة فردية أردكت فيها عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ خطأها"[224] . والسيدة عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ لم تخرج قط عن بيعة سيدنا علي ولا لمحاربته في البصرة لكن رجاها الناس أن تخرج لمعاقبة قتلة سيدنا عثمان بن عفان ـ رضي الله تعالى عنه ـ وللإصلاح بين الناس فاجتهدت رأيها ، وقد أيدها في رأيها طلحة والزبير ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وخرجا معها . قال ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ : " وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة ومن كان معها فما أبطلوا إمامة علي قط ، ولا طعنوا فيها ، ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ، ولا أحدثوا إمامة أخرى ، ولا جددوا بيعة لغيره ، هذا ما لا يقدر أحد أن يدعيه بوجه من الوجوه ، فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافاً عليه ولا نقصاً لبيعته . إنما نهضوا لسد الفتق الحادث من قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله تعالى عنه ـ ظلماً"[225].

قال ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ : وظننت عائشة في خروجها مصلحة للمسلمين ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى ، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها[226].

وفي ذلك يروي ابن سعد في الطبقات الكبرى عن ابن عمير حدثني من سمع عائشة أنها إذا قرأت هذه الآية ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ بكت حتى تبل خمارها .

 


[196] - للاستزادة : راجع لسان العرب لابن منظور مادة بيع 8/26 ، انظر : لسان العرب لابن منظور ـ دار إحياء التراث العربي ـ مؤسسة التاريخ العربي ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 1416هـ .

[197] - مقدمة ابن خلدون 209 ، بواسطة : الإمامة العظمى لعبدالله بن عمر الدميجي 199 .

[198] - متفق عليه : البخاري 2/757 ، واللفظ له ، مرجع سابق ، مسلم 1/75 ، مرجع سابق .

[199] - رواه مسلم 2/593 ، مرجع سابق .

[200] - انظر ص107 .

[201] - رواه البخاري 4/1566 ، مرجع سابق .

[202] - للتوسيع : أنظر : الإمامة العظمى لعبدالله بن عمر الدميجي 206 وما بعدها .

[203] - بواسطة : المرأة والحقوق السياسية في الإسلام 313 ، مرجع سابق .

* - وقد تجب في حقها إذا كان ذلك مما يتحقق به نصرة الإسلام على الكفر ، كما في بيعة العقبة، أو كانت البيعة على الإسلام كما قال الشيخ أبو هريرة.

[204] هذا لفظ البخاري 5/2497 ، مرجع سابق ، ولفظ أبي داود الطيالسي ص6: قال عمر : كنا في الجاهلية لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في شيء من أمورنا ، فلما جاء الله عز وجل بالإسلام ، وأنزلهن الله تعالى حيث أنزلهن ، وجعل لهن حقاً من غير أن يدخلن في شيء من أمورنا ، انظر : مسند أبي داود الطيالسي لابي داود سليمان بن داود الفارسي البصري ـ دار المعرفة ـ بيروت.

[205] - رواه أبو داود 4/200 ، مرجع سابق ، والترمذي 5/44 ، مرجع سابق ، وقال : حديث حسن صحيح ، وقال الألباني: صحيح ورواه الحاكم 1/174 ، مرجع سابق ، وقال : صحيح ليس له علة ، وكذلك قال الذهبي .

[206] - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان 10/417 ، مرجع سابق .

[207] - رواه ابن ماجه 2/959 ، مرجع سابق ، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 526 ، مرجع سابق، ورواه ابن حبان 10/417 ، مرجع سابق ، وقال الشيخ شعيب : إسناده صحيح على شرط الشيخين ، وفي رواية لأحمد 6/357 ، مرجع سابق قلنا : يا رسول الله ! ألا تصافحنا؟ قال : (إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة) ولم يصافح رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ منا امرأة ، وقد روى أحمد 2/213 ، مرجع سابق، عن عبدالله بن عمرو قال : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لا يصافح النساء في البيعة. انظر : سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم 527، مرجع سابق.

وبذا : فلا تواجه هذه النصوص الصريحة بمحض ظنون تلوح من نص آخر.

[208] - تفسير القرطبي : الجامع لأحكام القرآن (18/76) مرجع سابق .

[209] - فتح الباري 8/637 ، مرجع سابق.

[210] - انظر تخريجه ص 100 من هذا الحديث .

[211] - المفصل في أحكام المرأة (4/342) مرجع سابق .

[212] - فضمن أسئلة قدمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ومقره واشنطن إلى مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي كان هذا السؤال : السؤال الثامن عشر : بعض المسلمات يجدن حرجاً في عدم مصافحتهن للأجانب الذين يرتادون الأماكن التي يعملن فيها أو يدرسن فيها فيصافحن الأجانب دفعاً للحرج ، فيما حكم هذه المصافحة؟ وكذلك الحال بالنسبة لكثير من المسلمين الذين تتقدم إليهم نساء أجنبيات مصافحات ، وامتناعهم عن مصافحتهن يوقعهم في شيء من الحرج ، على حد ما يذكر ويذكرون؟

الجواب  مصافحة الرجل المرأة الأجنبية البالغة ممنوعة شرعاً ، وكذلك العكس . اهـ ، وكان الجواب ضمن قرار رقم 11 بشأن استفسارات المعهد العالي للفكر الإسلامي في دورة المجتمع الثالثة بعمان في 8-13 صفر 1407هـ / 11-16 أكتوبر 1986م.

انظر : الفقه الإسلامي وأدلته 9/551 ، تأليف : د. وهبة الزحيلي ـ دار الفكر ـ دمشق ـ الطبعة الأولى 1417هـ-1996م .

[213] - قال الحاكم 4/56 ، مرجع سابق ، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يرجاه ، وقال الذهبي عن رواية أخرى لهم. غريب وقد روي بإسناد صحيح .

[214] - فتح الباري (1/67) ، مرجع سابق .

[215] - راجع : فقه السيرة للغزالي ، وتخريجها للألباني 239 .

[216] - قال الهيثمي : رواه أبو يعلى والبزار ، وفيه روح بن المسيب ، وثقه ابن معين والبزار ، وضعفه ابن حبان وابن عدي، وله شواهد في الصحيح كحديث (جهادكن الحج) .

[217] - قال الطبراني : لا يروى عن أم كبشة إلا هذا الإسناد ، تفرد به الحسن بن صالح ، قال الألباني في المجلد السادس من الصحيحة رقم 2740 : هو ثقة من رجال مسلم ، ولم يتفرد به بل تابعه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف وأخرجه ابن سعد في الطبقات وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ، والطبراني في الكبير ، ثم قال الألباني : وهذا إسناد صحيح.

[218] - قال الألباني : وهذا إسناد حسن ـ في الموضع السابق .

[219] - شرح مسلم (12/188) ، مرجع سابق .

[220] - المودوي : الحجاب (348).

[221] راجع تفصيلاً فتح الباري (13/60-60) ، مرجع سابق ، وكتاب (استشهاد عثمان ووقعة الجمل) لخالد محمد الغيث ـ دار الأندلس الخضراء ـ جدة ـ الطبعة الأولى 1418هـ - 1998م .

[222] - قال انب حجر : أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار والحاكم ، وصححه ابن حبان ، وسنده على شرط الصحيح فتح الباري (13/59) . مرجع سابق .

[223] - قال ابن حجر : رواه البزار ورجاله ثقات . تفح الباري (13/59) ، مرجع سابق .

[224] - المرأة بين الفقه والقانون للسباعي 152 ، مرجع سابق .

[225] - الفصل في الملل والأهواء والنحل 4/238 ، تأليف: أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الأندلسي الظاهري، وضع حواشيه : أحمد شمس الدين ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت 1416هـ-1996م .

[226] - المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي 222 ، بواسطة : المرأة والحقوق السياسية 147 ، مرجع سابق .

 


الفصل الثاني عشر

مشاركة المرأة في مجلس النواب

 

لقد تبين مما سبق من الفصول ، أن الله تعالى ـ خلق البشر من ذكر وأنثى ، واشتراكهما في الخلق البشري أدى إلى اشتراكهما في بعض الخصائص الفطرية ، والواجبات التكليفية ، وكونهما زوجان اثنان أدى إلى أن يجعل لكل منهما خصائص تكمل بها حياة الآخر ، وتستقيم بها الحياة البشرية .

وجعل سبحانه وظائف فطرية لكل من الذكر والأنثى ، تتناسب مع فطرة كل منهما. وأنزل إلى الناس ديناً يدلهم على المنهج القويم .

وإذا أردنا أن نعرف : هل للمرأة الحق في المشاركة في مجلس النواب؟ ، فعلينا: أن ننظر في مسئوليات مجلس النواب وأعماله .

وهل فطرة المرأة تتناسب مع تلك الوظائف والمسئوليات التي يقوم بها المجلس النيابي؟

وهل تتفق تلك المشاركة مع أحكام الدين وشريعة الإسلام؟

وإذا كانت المسئوليات التي تقوم بها هذه المجالس خليطاً من الوظائف والاختصاصات ، فبعضها مما يمكن للمرأة المشاركة فيه ، بل إن الدين يحثها على القيام بها ، وبعضها لا يتناسب لا مع فطرة المرأة ولا مع ديننا ـ فما هو الجواب ؟ وما هو الموقف الواجب؟

هل يسمح لها بدخول المجالس النيابية للقيام بالمسئوليات التي تناسبها ويقرها الدين؟

أم نمنعها من المشاركة صيانة لها من الأعباء التي لا تطيقها ولا تناسب الفطرة والدين؟

أم أن علينا أن نزيل هذا الاختلاط الوافد علينا من الغرب؟ فننشئ مؤسسة سياسية موازية لمجلس النواب تكون خاصة بالمرأة لتمارس فيها كامل حقوقها السياسية بعيداً عن مزاحمة الرجال، ونجتنب ما لا يتناسب المرأة من المشقات والفتن.

ولنبدأ بالتعرف على اختصاصات مجلس النواب ، ولنأخذ مثلاً في ذلك: الدستور اليمني.

مسئوليات ومهام مجلس النواب :

يمكن إجمال مهام مجلس النواب ومسئولياته في المهام الآتية:

1-    التشريع وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية .

2-    الرقابة والمحاسبة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

3-    الولاية العامة نيابة عن الشعب .

فيها ننظر إلى الوظيفة والمهمة الأولى وهي : التشريع ، وصلاحية المرأة له :

 

المرأة والتشريع :

إن التشريع يتطلب علماً بالدين وأحكام الشريعة كما يتطلب رأياً ومعرفة بالوقائع وقدر على الاستنباط. وهذا كله مما لا يتعارض مع فطرة المرأة ومما لا يتعارض مع الدين الذي أمر بالعلم ، وحث على التفقه لجميع المسلين ـ رجالاً ونساءً ـ فقال تعالى : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[الزمر:9] وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)[1]، سواء كان ذكراً أو أنثى ، وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه ، وعالماً أو متعلماً).

وقد أخذ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ شطراً من الدين بسؤال أمهات المؤمنين ـ زوجات النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

فمن حق المرأة إذاً المشاركة في التشريع والفتيا . وأما ما يتعلق بالأوضاع العامة، فمن حقها إبداء رأيها كما فعلت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ في صلح الحديبية[2].

المرأة والرقابة والمحاسبة (الحسبة):

إن مراقبة المسئولين ومحاسبتهم هي صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به الأمة ، ووصفها به ويشمل ذلك الرجل والنساء كما قال الله سبحانه : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران:104] وقال سبحانه : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران:110]، وقال تعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ الآية [التوبة:71] .

وإليك ما قاله المفسرون في هذه الآية:

قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ : " ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي قلوبهم متحدة في التواد والتحاب والتعاطف . وقال في المنافقين : ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ لأن قلوبهم مختلفة ولكن يضم بعضهم إلى بعض في الحكم"[3].

وقد قال في موضع آخر : " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدمة ، وهو قائد الرسالة وخلافة النبوة وأخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"[4].

وقال الآلوسي ـ رحمه الله تعالى ـ : " ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً بعد بيان حال أضدادهم عاجلاً وآجلاً"[5].

وقال الطاهر بن عاشور ـ رحمه الله تعالى ـ : "عبر في جانب المؤمنين بأنهم أولياء بعض للإشارة إلى أن اللحمة الجامعة بينهم هي ولاية الإسلام ، فهم فيها على السواء ليس واحداً منهم مقلداً للآخر ولا تابعاً له على غير بصيرة لما في معنى الولاية من الإشعار بالإخلاص والتناصر بخلاف المنافقين فكان بعضهم ناشئ من بعض في مذامهم"[6].

قال سيد قطب ـ رحمه الله تعالى ـ : " ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض"[7].

وقال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ : " ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي : يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وفي الصحيح (مثل الؤمنين في توادهم ، وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تدعى له سائر الجسد بالسهر والحمى والسهر)"[8].

وقال أبو حيان ـ رحمه الله تعالى ـ في قوله تعالى : " ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ... : قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم فليس المؤثر حصول هذه الزيادة بل المؤثر كونهم أقوى حالاً في الأمر والنهي، وإنما الإيمان شرط للتأثير"[9].

وقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه) الخ الحديث[10]، وقال ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ، هم أعز وأكثر ممن يعمله، ثم لم يغيروه إلا عمهم الله تعالى بعقابه)[11]، (إن الناس إذا رأوا الظالم ، فلم يأخذوا على يديه ـ أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه)[12].

وهذه النصوص تعم الرجل والمرأة إذ لا مخصص لها.

ومن ثم فالرقابة والمحاسبة حق مكفول للمرأة تمارسه بضوابطه الشرعية.

 

المرأة والولاية العامة :

سبق البيان أن المرأة لا تصلح للولاية العامة على الرجال؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ الآية ، وقال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ، وتطبيق النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لهذا المبدأ عملياً مع وجود أفاضل نساء الأمة من أمهات المؤمنين، وابنته فاطمة ـ رضي الله تعالى عنهن ـ وسائر نسائر المهاجرين والأنصار، وكذا تطبيق الخلفاء والصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، وما قرره الأئمة ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ فيما عدا الخلاف من بعض الأحناف في نفاذ حكم القاضية المتولية في غير مسائل عليهم ـ فيما عدا الخلاف من بعض الأحناف في نفاذ حكم القاضية المتولية في غير مسائل الدماء مع تقريرهم تأثيم من ولاها*، وما قرره أئمة التفسير وشراح الحديث من عدم جواز ولاية المرأة مما قدمناه لك في الفصل العاشر حتى ليكاد هذا الحكم ـ منع المرأة من الولاية العامة ـ ليصل إلى مرتبة القطعية بتضافر الأدلة عليه ، ولو لم يكن فيه إلا أن المرأة منعت من القوامة العامة في الدولة (رئاسة الدولة) باتفاق من يعتد باتفاقه ، كما منعت من القوامة في الأسرة ، فقد منعت بهذا من القوامة في أكبر الوحدات الاجتماعية (رئاسة الدولة) وأصغر الوحدات الاجتماعية (الأسرة) فتمنع فيما بينها ذلك .

وسبق البيان بأن الولاية العامة تحتاج إلى تخصيص وصفات لابد من توفرها لنجاح صاحبها ، ومنها:

1-    الحزم ، والمرأة تغلبها العاطفة .

2- التفرغ ، والمرأة يشغلها الحمل والنفاس والإرضاع الذي يتكرر مع المرأة معظم وقتها أثناء فترة وقدرتها البدنية .

3- سلامة النفس ، والمرأة تتعرض للكآبة والضيق في فترة الحيض، التي تساوي ربع فترة الحياة، إذا لم تحمل .

4- مخالطة التابعين والمرءوسين لمعرفة سير عملهم ، وما يتعرضهم من المشاكل، والمرأة منهية عن البروز للأجانب أو الخلوة بهم.

5- القدرة على الحركة في أي وقت ، والمرأة المطالبة برعاية بيتها (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها) . ولا نستطيع الحركة في الليل بأمان ، أو السفر بغير محرم.

6- ولا تستطيع المرأة الصمود في معركة التنافس على الولاية والقيادة أمام الرجال لما يصاحب هذه المعارك من مواجهات ، وحيل ، وكما سبق بيانه.

وقالت لجنة فتوى كبار علماء الأزهر وهي تذكر نوعاً مما يثيره اشتغال المرأة بالأمور السياسية ، وما يجلبه اهتمامه بالولاية من ضرر ينافي مفهوم الآية فقالت: "إذا نظرنا إلى ما يلازم عملية الانتخاب المعروفة والترشيح لعضوية البرلمان من مبدأ التفكير فيه إلى نهايته ، فإنا نجد سلسلة من الاجتماعات والاختلاط والأسفار للدعاية والمقابلات وما إلى ذلك مما تتعرض فيه المرأة لأنواع الشر والأذى، ويتعرض لها فيه أرباب القلوب المريضة الذي ترتاح أهواؤهم وتطمئن أنفسهم لمثل هذا الاختلاط بين الرجال والنساء . فهذه مواقف لا ينبغي للمرأة أن تزج بنفسها في معركتها غير المأمون ، ويجب عليها أن تنأى حفاظاً لكرامتها، وصوناً لسمعتها.. وهذا واقع لا ينبغي إغفاله أو التغافل عنه ، ويجب تقدير الأمور وتقرير الأحكام على أساسه"[13].

ولنذكر ها هنا ما قرره الدكتور مصطفى السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ في بيان المصالح التي تفوت على الأمة ، والمفاسد التي يقع فيها الناس عندما تشتغل المرأة بولاية عامة ، مثل النيابة في مجلس النواب ، إذ يقول ـ رحمه الله تعالى ـ[14] .

-       رعاية الأسرة توجب على المرأة أن تتفرغ لها ولا تنشغل عنها بشيء .

-       واختلاط المرأة بالأجانب عنها محرم في الإسلام ، وبخاصة الخلوة مع الأجنبي .

-       وكشف المرأة غير ما سمح الله بكشفه .. محرم في الإسلام .

-       وسفر المرأة وحدها خارج بلدتها دون أن يكون معها محرم منها لا يبيحه الإسلام .

ـ وهذه الأمور الأربعة التي تؤكدها نصوص الإسلام تجعل من العسير بل من المستحيل أن تمارس المرأة النيابة في ظلها ، ففي النيابة ترك للبيت أكثر النهار والليل، وفيها اختلاط بالنواب في غير قاعة المجلس النيابي ، وفيها تضطر المرأة أن تكشف ما حرم الله إظهاره من زينتها وجمسها ، وفيها سفر خارج بلدتها إن كانت من غير بلد العاصمة ، وليس معها أحد من محارمها وقد تسافر في مؤتمرات برلمانية في دول أجنبية . مثل هذه المحرمات لا يجرؤ المسلم أن يقول بإباحتها . وقال : إن الإسلام يجعل للمصلحة العامة الاعتبار الأول في تشريعه، فما كانت تقتضيه المصلحة إباحة ، وما لا تقتضيه منعه أو حذر منه ، ونيابة المرأة من حيث المصلحة العامة مضارها أكثر من فوائدها ، فمن مضارها:

أ ـ إهمال البيت وإهمال شئون الأولاد .

ب ـ ومن ذلك إدخال الخصومات الحزبية إلى بيتها وأولادها.

ج ـ واشتغال المرأة بالسياسة من المشكلات التي لا ينكرها منصف ، فهي عاطفية .

د ـ ونضيف إلى ذلك احتمال أن تكون جميلة ، فتستعمل جمالها سلاحاً لإقناع الرجال بانتخابها ومن عانا من الدعايات الانتخابية وعناء المرشحين في الطواف على بيوت الناخبين وقراهم ، ومواصلتهم سهر الليل مع النهار أدرك أي شقاء وتعب وهموم ستتعرض لها المرأة المرشحة ، ثم ماذا تفعل بالأمومة؟ وهل نحرم النائبة أن تكون أماً؟ وذلك ظلم لفطرتها وغريزتها ، وظلم للمجتمع نفسه، أم نسمح لها بذلك على أن تنقطع عن عملها النيابي مدة ثلاثة أشهر كما تفعل المدرسات والموظفات؟ وهل نسمح لها أن تقطع أيام الوحم، وقد تمتد شهرين فأكثر، وطبيعة المرأة في تلك الأيام غير هادئة ، ولا هانئة ، بل تكون عصبية المزاج تكره كل شيء ؟ فماذا بقي لها بعد ذلك من أيام العمل الخالصة؟، وقد تكون الدورة البرلمانية خلال هذه الأشهر التي تنقطع فيها عن العمل الخارجي، ويقول: أنا لا أفهم ما هي الفائدة التي تجنيها الأمة من نجاح بضعة مرشحات في النيابة: أيفعلن ما لا يستطيع الرجال أن يفعلون؟! أيحللن من المشاكل ما يعجز الرجال عن حلها؟! ألأجل أن يطالبن بحقوقهن؟ إن كانت حقوقاً كفلها الإسلام فكل رجل مطالب بالدفاع عنها ، وإن كانت حقوقاً لا يقرها الإسلام فلن تستجيب الأمة لهن، وهي تحترم دينها وعقائدها . يقولون: إن الفائدة من ذلك إثبات كرامة المرأة ، وشعور المرأة بإنسانيتها! ونحن نسأل: هل إذا منعن من ذلك كان دليلاً على ألا كرامة لهن ولا إنسانية؟ إن مصلحة الأمة قد تقضي تخصيص فئات منها بعمل لا تزاول غيره ، وليس في ذلك غض من كرامتها أو انتقاص من حقوقها فلماذا لا يكون عدم السماح للمرأة بالاشتغال بالسياسة هو من قبيل المصالح التي تقتضيها سعادة الأمة كما يقتضي تفرغ الجندي لحراسة الوطن دون اشتغاله بالسياسة. وهل تفرغ الأم لواجب الأمومة أقل خطراً في المجتمع من تفرغ الجندي للحراسة؟!".

لهذه الأسباب ولغيرها فإن المرأة غير مؤهلة ـ من الناحية الفطرية ـ لتولي أمور القوم ، وإن حدث ذلك فهو الخسران وعدم الفلاح، كما سبق البيان بأن المجتمعات التي أعطت المرأة هذا الحق وكتبت ذلك في دساتيرها وقوانينها وربت الرجال والنساء على ـ قبول ذلك قد اصطدمت بالواقع ووجدت نفسها أمام حقائق الفطرة:

1- فالبيوت تهدمت ، وسكينة الزوجين ضاعت ، وحرم الأبناء ـ كما حرمت الأمهات ـ من الرعاية والحنان.

2-    وتعطلت الكثير من الأعمال ، ومالت الشركات إلى تنحية المرأة من المراكز القيادية فيها .

3-    وتأخرت المرأة في احتلال المراكز القيادية في تلك الدول؛ بسبب عجزها أو بسبب تغلب الرجل عليها .

4- سقوط الكثير من الرجال والنساء في حبائل الشيطان[15]، حتى أقيمت نوادي العراة ، ومراكز البغاء ، وما جر ذلك من الأمراض المدمرة واختلاط الأنساب، وقلة النسل الذي يهدد الشعوب التي سارت في هذا الطريق بالانحسار والاضمحلال العددي بين شعوب العالم الأخرى.

*إذاً تبين لنا أن الشريعة الإسلامية منعت أن تتولى المرأة ولاية عامة، فهل تمارس مجالس النواب نيابة عامة عن الأمة؟.

مجالس النواب والولاية العامة :

ينبني هذا على معرفة وظيفة واختصاصات مجلس النواب ومجلس الشورى، وبالرجوع إلى المواد الدستورية التي بين اختصاصات مجلس النواب نرى أن الدستور أعطى المجلس حق الولاية العامة على الحكام نيابة عن الأمة، بل إن ولاية مجلس النواب هي أعظم الولايات وذلك لأنها لا تفتقر إلى السلطتين الأخريين (التنفيذية والقضائية) بينما هما يفتقران إليه ، والمواد التالية في الدستور اليمني تبين أن مجلس النواب هو صاحب الولاية الكبرى، ويمارسها نيابة عن الشعب، كما تنص على ذلك المادة الرابعة من الدستور اليمني:

مادة (4) : الشعب مالك السلطة ومصدرها ، ويمارس بشكل مباشر عن طريق الاستفتاء والانتخابات العامة ، كما يزاولها بطريقة غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية ، والتنفيذية والقضائية ، وعن طريق المجالس المحلية المنتخبة.

فالسلطة ملك الشعب ويمنحها لنوابه ، وهذا أساس الولاية "كما يزاولها بطريق غير مباشرة عن طريق الهيئات التشريعية...".

كما تنص المادة (74) على ما يلي:

مادة (74) : عضو مجلس النواب يمثل الشعب بكامله ، ويرعى المصلحة العامة ولا يقيد نيابته قيد أو شرط .

فالعضوية ممثل للشعب ، وراع للمصلحة العامة ، وهذه هي الولاية العامة .

ولمجلس النواب حق ترشيح من يكون رئيساً للجمهورية ، ففي مادة (107):

مادة (107) : يكون الترشيح والانتخابات لرئيس الجمهورية كما يلي ـ ثم ذكرـ:

ج ـ يتم فحص الترشيحات للتأكد من انطباق الشروط الدستورية على المرشحين من قبل هيئة رئاسة مجلس النواب .

د ـ تعرض أسماء المرشحين الذين تتوفر فيهم الشروط على أعضاء مجلس النواب للتزكية.

هـ- يعتبر مرشحاً لمنصب رئيس الجمهورية من يحصل على تزكية نسبة 10% من عدد أعضاء مجلس النواب.. الخ.

ولا يحق لغير مجلس النواب ذلك .

ومجلس النواب هو الذي يقبل استقالة رئيس الجمهورية، كما في مادة (114)[16].

ومجلس النواب هو الذي يحيل الرئيس إلى المحكمة كما في مادة (126)[17].

ومجلس النواب هو الذي يضع الثقة في الحكومة فتكون شرعية، وإذا لم يضع الثقة فلا تستطيع أن تمارس أي أمر من أمور الحكم كما في مادة (85)[18].

ومجلس النواب هو الذي يسحب الثقة من الحكومة ويسقطها كما في مادة(97)[19].

ومن جهة أخرى فلا يملك الرئيس أو الحكومة أن يتخذ أي شيء نحو عضو مجلس النواب كما في مادة (81)[20].

وعلى هذا فولاية مجلس النواب مهيمنة على الرئيس والحكومة ، فتكون بذلك أعظم الولايات العامة .

الوظائف الأساسية الأخرى لمجلس النواب : (مجلس النواب اليمني نموذجاً كما في الدستور اليمني).

كما أن لمجلس النواب ـ بالإضافة إلى كونه ولاية عامة ـ وظيفتين أساسيتين هما: الوظيفة التشريعية ، والوظيفة الرقابية ..

1-وضع التشريعات ، وسن القوانين (الوظيفة التشريعية) : ويدل على هذا في مجلس النواب مواد الدستور التي تنص على ذلك ـ مثلاً ـ المواد التالية :

مادة (61) : مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة ، وهو الذي يقرر القوانين ويقر السياسة العامة للدولة ، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، والموازنة العامة ، والحساب الختامي ، كما يمارس التوجيه والرقابة على أعماله الهيئة التنفيذية على الوجه المبين في هذا الدستور.

مادة (84)[21] ، مادة (86)[22] مادة (87)[23] ، مادة (90)[24] ، وغيرها من المواد.

2-الرقابة المحاسبية : وينص على ذلك الدستور بالنسبة لمجلس النواب المواد التالية:

مادة (91)[25] ، مادة (92)[26] ، مادة (93)[27]، مادة (94)[28] ، مادة (95)[29] ، مادة (96)[30] .. وغيرها من المواد .

أين المشكلة ؟

يتضح مما سبق أن مجالس النواب وما يماثلها تمارس مهنتين رئيستين من حق المرأة المشاركة فيهما ، وهما:

1-التشريع .

2-الرقابة والمحاسبة.

وتقوم مجالس النواب أيضاً بالولاية العامة ، وقد سبق البيان في عدم جواز ذلك للمرأة في دين الإسلام ، وعدم المناسبة الفطرية للمرأة للقيام بهذه المسئولية.

إن هذا الدمج بين ما يحق للمرأة ومالا يحق لها في اختصاصات المجالس النيابية قد جاءنا من غير المسلمين ، فأوقعنا في حرج : إن قررنا دخول المرأة مجلس النواب، سلمنا لها بأمر الولاية التي لا تجوز لها شرعاً ، ووقعنا في مواجهة مع ديننا وكتاب ربنا وسنة نبينا ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ . وإن منعناها من دخول مجلس النواب حرمناها من حقين أقرهما الإسلام لها وهما:

1-حق المشاركة في التشريع.

2-حق المشاركة في الرقابة.

ومن الناحية الأخرى : لا تعطى المرأة حقها الكامل في التمثيل النيابي بحسب الواقع، بل تعطاه نظرياً وتحرم منه عملياً ، فنسبة المرأة في جميع مجالس النواب في العالم نسبة ضئيلة ، ما بين 2-20% ، وهي نسبة لا تتناسب مع المجموع العددي للمرأة في أي بلد من البلدان إذا نظرنا إلى العدد السكاني للنساء في المجتمعات ، حيث نجد أنهن يمثلن أغلبية في كل المجتمعات لكننا إذا قابلنا ذلك بالتمثيل النيابي لهن في البرلمانات نجد أنه لا يصل إلى عشر عدد الأعضاء في تلك المجالس ، وإذا انتقلنا إلى مجالس الوزراء فإن نسبة النساء فيها لا تكاد تصل إلى 5%، وإذا انتقلنا إلى رئاسات الدول والأحزاب فإنها لا تكاد تصل إلى 2%، وذلك في الدول المتقدمة مادياً ، ويشمل ذلك الدول التي أعطت المرأة كامل حقوق المساواة مع الرجال منذ مائتي عام تقريباً .. وهذا كله يدل على عزوف المرأة وعزها عن تحمل تبعات معارك الوصول إلى الولاية العامة ، فسجلت لها الدساتير هذا الحق نظرياً ، وحرمت منه عملياً بسبب عجزها عن منافسة الرجل في هذا المجال، ولقد فطن الرياضيون إلى تفرد المرأة بخصائصها التي تمنعها من منافسة الرجال، فأقاموا لها مباريات خاصة بالنساء .

كيف نحل المشكلة :

إذا أردنا إنصاف المرأة ، ومنحها حقها كاملاً غير منقوص,

وإذا أردنا الاستقامة على هدي الله تعالى ,

وإذا أردنا الاستقامة على الفطرة الإلهية التي خلق الله الناس عليها ،

فإن الطريق لذلك هو أن ننش هيئة سياسية خاصة بالمرأة تكون موازية لمجلس النواب، وتمنح المرأة من الحقوق السياسية ما يتناسب مع فطرتها ومسئوليتها نحو بيتها، وزوجها وأولادها ، وتستقيم مع أحكام ديننا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والله ـ تعالى ـ يقول : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾[الأحزاب:36] .

دعـــــوة

 

هذه دعوة لكل من يريد للمرأة أن تنال حقوقها في ظل دينها ، وأن تصل إلى حقوقها المناسبة لفطرتها كاملة غير منقوصة، وأن تسهم في تدبير شئون المجتمع بما يحفظ لها دينها وأسرتها وبيتها وخصائصها التي فطرها الله عليها.

وإذا كنا نطالب بهذا المجلس على مستوى الدولة فنحن نطالب به على مستوى التنظيمات السياسية بأن يجعلوا للمرأة مجلساً للشورى خاصاً بها ، يمثلها تمثيلاً كاملاً، ويمكنها من ممارسة أنشطتها الفكرية والسياسية والاجتماعية ، ويجنبها ويلات الصراع على السلطة التي قد تكون فادحة بالنسبة للمرأة سواء كانت بنتاً أم زوجة أم أماً .

نحسب أن هذا المقترح يؤدي الحقوق إلى أهلها ، وينزل كلاً من الرجال والنساء منازلهم الدينية والفطرية، ويجعلها أكثر الأمم إنصافاً للمرأة ورعاية لحقها وحفاظاً عليها ، ويخرجنا من التخبط والضلال والضياع الذي يجرنا إليه التقليد الأعمى لغير المسلمين .

أهداف مجلس شورى المرأة

 

1-تمكين المرأة المسلمة من ممارسة حقها السياسي في ظل الإسلام، وتنظيمه في المجالات الآتية :

أ ـ اتخاذ القرار فيما يتعلق بشئون المرأة والأولاد.

ب ـ المشاركة في مجلس النواب في التشريع.

ج ـ المشاركة في مجلس النواب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يعرف بحق الرقابة ومناقشة المسئولين حول الأمور التي تهم المجتمع.

2-صيانة المرأة عن مزاحمة الرجال في ميادين صراع السلطة ، والصراع عليها، وما يصاحبها من عنف ، ومكر وخداع وخبث، تدفع فيها المرأة أثماناً باهضة على حساب نفسها وأهلها وبيتها وأولادها.

3-إتاحة الفرصة كاملة للمرأة لتمثيل بنات جنسها في مجلس يمثل المرأة 100%.

4-تنظيم عمل المجلس بما يمكن المرأة من ممارسة حقوقها السياسية وفق ضوابط نظامية تراعي حقوقها الأسرية ، وأحوالها الفطرية من حيض، وحمل ، ونفاس، ورضاع ورعاية المنزل والأولاد.

5-صيانة المرأة والمجتمع من مخاطر الاختلاط وفتنه.

6-الدفاع عن حقوق المرأة المهضومة، والتصدي لكل دعوات الإفساد للدين والأخلاق والأسرة والمجتمع.


[1] - رواه ابن عدي والبيهقي عن أنس ـ رضي الله تعالى عنه ـ ، والطبراني في الصغير والخطيب البغدادي عن الحسين بن علي ـ رضي الله تعالى عنهما ـ والطبراني في الأوسط عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ وغيرهم ، وصحه في صحيح الجامع الصغير رقم (3913) ، مرجع سابق .

[2] - رواه البخاري عن معاوية ـ رضي الله تعالى عنه ـ مرجع سابق .

[3] - تفسير القرطبي (8/203) ، مرجع سابق .

[4] - تفسير القرطبي (4/47) ، مرجع سابق .

[5] - تفسير الآلوسي (6/196) ، مرجع سابق .

[6] - تفسير التحرير والتنوير (10/262) ، مرجع سابق. 

[7] -  في ضلال القرآن (3/675) ، مرجع سابق .

[8] - تفسير ابن كثير (2/319) ، مرجع سابق .

[9] - تفسير البحر المحيط (3/29) ، مرجع سابق .

[10] - رواه مسلم ، مرجع سابق ، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنه ـ .

[11] - رواه أحمد وابن ماجه ، هو في صحيح الجامع الصغير رقم (5749) ، مرجع سابق.

[12] - رواه أبو داود والترمذي ، وهو في صحيح الجامع الصغير رقم (1973) ، مرجع سابق .

* - حيث قال صاحب شرح فتح القدير تعليقاً على قول الماتن : " ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود. والقصاص" لما أورد عليه قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فقال في الشرح : الجواب: أن ما ذكر غاية ما يفيد منع أن تستقصي وعدم حله ، والكلام فيما لو وليت وأثم المقلد بذلك أو حكمها خصمان ، فقضت قضاء موافقاً لدين الله أكان ينفذ أم لا؟ لم ينته الدليل على نفيه بعد موافقته ما أنزل الله إلا أن يثبت شرعاً سلب أهليتها ، وليس في الشرع سوى نقصان عقلها ، ومعلوم أنه لم يصل إلى سلب ولايتها بالكلية ، ألا ترى أنها تصلح شاهدة وناظرة في الأوقاف ، ووصية على اليتامى ، وذلك النقصان بالنسبة والإضافة، ثم هو منسوب إلى الجنس فجاز في الفرد خلافه ـ إلى قوله ـ : فكان الحديث متعرضاً للمولين لها، ولهن بنقصن الحال ، وهذا حق ، ولكن الكلام فيما لو وليت فقضت بالحق ، لماذا يبطل ذلك الحق؟ اهـ، انظر : شر فتح القدير 7/279 ، تأليف : الإمام كمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي ثم السكندري المعروف بابن الهمام الحنفي .

وقال الإمام ابن العربي : ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة : أنها إنما تقضي فيها تشهد فيه ، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ، ولا بأن يكتب لها منشور، بأن فلانة مقدمة على الحكم ، إلا في الدماء والنكاح ، ذلك كسيل التحكيم أو الاستبانة في القضية الواحدة ، بدليل قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) . وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير . اهـ ، انظر : أحكام القرآن لابن العربي 3/1457 ، مرجع سابق.

[13] - نص الفتوى في مجلة العربي عدد سبتمبر 1970م ص 32 .

[14] - المرأة بين الفقه القانون 156 وما بعدها ، مرجع سابق .

[15] - وما قصة الرئيس الأمريكي " بيل كلنتون" مع عشيقته المتدربة في البيت الأبيض عنا بعيدة.

[16] - مادة (14) : يجوز لرئيس الجمهورية أن يقدم استقالة مسببة إلى مجلس النواب ، ويكون قرار مجلس النواب بقبول الاستقالة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه ، فإذا لم يقبل الاستقالة فمن حقه خلال ثلاثة أشهر أن يقدم الاستقالة ، وعلى مجلس النواب أن يقبلها.

[17] - مادة (126) : يكون اتهام رئيس الجمهورية بالخيانة العظمى ، أو بخرق الدستور ، أو بأي عمل يمس استقلال وسيادة البلاد بناء على طلب نصف أعضاء مجلس النواب، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء، ويبين القانون إجراءات محاكمته، فإذا كان الاتهام موجهاً إلى رئيس الجمهورية ونائبه، تباشر هيئة رئاسة مجلس النواب مهام رئاسة الجمهورية مؤقتاً حتى صدور حكم المحكمة، ويجب أن يصدر القانون المشار إليه خلال دورة الانعقاد العادي الأول لمجلس النواب التالي لسريان هذا الدستور، وإذا حكم بالإدانة على أي منهما أغفي من منصبه بحكم الدستور، مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى، وفي جميع الحالات لا تسقط بالتقادم أي من الجرائم المذكورة في هذه المادة.

[18] - مادة (85) : يقدم رئيس مجلس الوزراء خلال خمسة وعشرين يوماً على الأكثر من تاريخ تشكيل الحكومة برنامجها العام إلى مجلس النواب للحصول على الثقة بالأغلبية لعدد أعضاء المجلس ، وإذا كان المجلس في غير انعقاده العادي دعي إلى دورة انعقاد غير عادية ، ولأعضاء المجلس ، وللمجلس ككل التعقيب على برنامج الحكومة ، ويعتبر عدم حصول الحكومة في الأغلبية المذكورة بمثابة حجب للثقة .

[19] - المادة (97) : لمجل النواب حق سحب الثقة من الحكومة ..الخ.

[20] -مادة (81) : لا يجوز أن يتخذ أن يتخذ نحو عضو مجلس النواب أي إجراء من إجراءات التحقيق أو التفتيش أو القبض أو الحبس أو أي إجراء جزائي إلا بإذن من مجلس النواب، وفي هذه الحالة يجب إخطار المجلس فوراً ، وعلى المجلس أن يتأكد من سلامة الإجراءات ، وفي غير دورة انعقاد المجلس يتعين الحصول على إذن من هيئة الرئاسة، ويخطر المجلس هند أول انعقاد لا حق له بما اتخذ من إجراءات . [21] - مادة (84) : لعضو مجلس النواب وللحكومة حق اقتراح القوانين ، واقتراح تعديلها على أن القوانين المالية التي تهدف إلى زيادة إلغاء ضريبة قائمة أو تخفيضها أو الإعفاء من بعضها أو التي ترمي إلى تخصيص جزء من أموال الدولة لمشروع ما فلا يجوز اقتراحها إلا من قبل الحكومة أو 20% من النواب على الأقل.. الخ.

[22] - مادة (86) : يكون إقرار مجلس النواب للخطط العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بقانون ، ويحدد القانون طريقة إعداد تلك الخطط وعرضها على مجلس النواب.

[23] - مادة (87) : أ ـ يجب عرض مشروع الموازنة العامة على مجلس النواب قبل شهرين على الأقل من بدء السنة المالية ، ويتم التصويت على مشروع الموازنة باباً باباً وتصدر بقانون .. الخ.

[24] - مادة (90) : يجب عرض الحساب الختامي لموازنة الدولة على مجلس النواب مدة لا تزيد على تسعة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية، ويتم التصويت عليه باباً باباً ، وتصدر مصادقة المجلس بقانون، كما يجب عرض التقرير السنوي للجهاز المختص بالرقابة المحاسبية وملاحظاته على مجلس النواب وللمجلس أن يطلب من هذا الجهاز أي بيانات أو تقارير أخرى.

[25] - مادة : (91) : يصادق مجلس النواب على المعاهدات والاتفاقات السياسية والاقتصادية الدولية ذات الطابع العام أياً كان شكلها أو مستواها ..الخ .

[26] - مادة (92) : لمجلس النواب حق تقديم توجيهات وتوصيات للحكومة في المسائل العامة فإذا تعذر على الحكومة تنفيذ هذه التعوجيهات أو التوصيات وجب عليها أن تبين للمجلس سبب ذلك .

[27] - مادة (93) : يجوز لـ20% على الأقل من أعضاء المجلس طرح موضوع عام لمناقشته واستيضاح سياسة الحكومة فيه وتبادل الرأي حوله .

[28] - مادة (94) : لمجلس النواب بناء على طلب موقع من عشرة أعضاء على الأقل من أعضائه أن يكون لجنة خاصة أو يكلف لجنة من لجانه لتقصي الحقائق في موضوع يتعارض مع المصلحة العامة أو فحص نشاط إحدى الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة أو وحدات القطاع العام أو المختلط أو المجالس المحلية .. الخ.

[29] - مجلس الوزراء مسئول مسئولية جماعية وفردية ، ولكل عضو من أعضاء مجلس الوزراء أو أحد نوابه أو أحد الوزراء أو نوابهم يسألوا في أي موضوع يدخل في اختصاصهم ، وعلى من يوجه إليه السؤال أن يجيب عليه.. إلخ.

[30] - لكل عضو من أعضاء مجلس النواب حق توجيه استجواب إلى رئيس مجلس الوزراء أو نوابه أو الوزراء لمحاسبتهم عن الشئون التي تدخل في اختصاصهم ..الخ.

 


الفصل الثالث عشر

مجلس شورى المرأة

 

إن طريق فلاح المسلمين لا يكون إلا باتباع دينهم الذي جاء من لدن الحكيم الخبير، ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ فهو العليم بمن خلق ، وهو العليم بما يصلحهم ، ويجنبهم الخسران : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14] فدينه الحق وحكمه الفصل : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾[الأحزاب:36] .

وليس من الفلاح أن نتبع كل دعوة تفد من غير المسلمين دون أن نعرف أين تلتقي مع ديننا وأين تفترق . فإن التقت مع هدى الله قبلنا ، وإن خالفت دين الله رددناها، قال تعالى : ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[النساء:65] .

ومجالس النواب تعلن أن من حق المرأة المشاركة في عضويتها ، لكل حقيقة الأمر مخيبة لآمال المرأة ، ولا تعبر عن الحجم السكاني لها ، فتمثيلها في هذه المجالس لا يزيد عن 15% في معظم بلدان العالم .

إن هذه الظاهرة تجعلنا نفكر في أن نعطي المرأة حقها كاملاً 100% في مجلس خاص لبنات جنسها حتى لا يغلبها الرجال على حقها . أليس هذا هو الأفضل لتمكين المرأة من ممارسة حقوقها السياسية .

والمرأة المكرمة المصونة ، مصدر الرحمة ، والمحبة ، والعاطفة ، والرقة ، والرفق، أليس من واجبنا أن نجنبها ميادين الصراع السياسي المرهقة ، والمواجهات المدمرة لاستقرار الأسرة. فلم يحرص بعض الناس على أن يدعو المرأة إلى خوض ميادين المعتركات السياسية ، ثم يغلبون عليها بعد أن تكون قد قدمت تضحيات جسام على حسابها ، وحساب زوجها وأولادها .

من أجل ذلك ، ولكي تتمتع المرأة بكامل حقوقها الشرعية في دين الله، والمتناسبة مع فطرتها التي فطرها الله عليها ، فإننا ننادي بتكوين مجلس شورى خاص بالمرأة، وأن يكون هيئة سياسية موازية لمجلس النواب، ولتحقيق الأهداف الآتية:

 أهداف مجلس شورى المرأة:

1-تمكين المرأة المسلمة من ممارسة حقها السياسية في ظل الإسلام ، وتنظيمه في المجالات الآتية:

أ ـ اتخاذ القرار فيما يتعلق بشئون المرأة والأولاد .

ب ـ المشاركة مع مجلس النواب في التشريع .

ج ـ المشاركة مع مجلس النواب في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر الذي يعرف بحق الرقابة ومناقشة المسئولين حول الأمور التي تهم المجتمع.

2-صيانة المرأة عن مزاحمة الرجال في ميادين صراع السلطة ، والصراع عليها، وما يصاحبها من عنف ، ومكر وخداع وخبث ، وتدفع فيها المرأة أثماناً باهضة على حساب نفسها وأهلها وبيتها وأولادها .

3-إتاحة الفرصة كاملة للمرأة لتمثيل بنات جنسها في مجلس يمثل المرأة 100%.

4-تنظيم عمل المجلس بما يمكن المرأة من ممارسة حقوقها السياسية وفق ضوابط نظامية تراعي حقوقها الأسرية ، وأحوالها الفطرية من حيض، وحمل ، ونفاس، ورضاع ورعاية المنزل والأولاد.

5-صيانة المرأة والمجتمع من مخاطر الاختلاط وفتنه.

6-الدفاع عن حقوق المرأة المهضومة، والتصدي لكل دعوات الإفساد للدين والأخلاق والأسرة والمجتمع.

إن هذه الأهداف هي عبارة عن مشروع أهداف لمجلس شورى المرأة تحتاج إلى مناقشة ومحاورة مع العلماء والمفكرين والقيادات النسوية ، لإثرائها وتنقيحها. فإذا شرح الله الصدور لهذه الفكرة فتقترح الخطوات العملية الآتية لإقامة هذا المجلس:

الخطوات العملية لإقامة مجلس شورى المرأة:

1-عقد مؤتمر للعلماء والمهتمين لتقديم الدراسات العلمية الكافية حول تكوين مجلس شورى المرأة ، وتشمل الدراسات ما يلي:

أ ـ أهداف المجلس .

ب ـ اختصاصاته .

ج ـ علاقته بمجلس النواب.

د ـ علاقته بأجهزة الحكم .

هـ-طريقة انتخابه.

و ـ مدته .

2-توعية الشعب بأهمية هذا المجلس.

3-العمل على إصدار قانون بإنشاء مجلس شورى المرأة .

هذه دعوة لكل من يريد للمرأة أن تنال حقوقها في ظل دينها ، وأن تصل إلى حقوقها المناسبة لفطرتها كاملة غير منقوصة ، وأن تسهم في تدبير شئون المجتمع بما يحفظ لها دينها لفطرتها كاملة وبيتها وخصائصها التي فطرها الله عليها .

وإذا كنا نطالب بهذا المجلس على مستوى الدولة فنحن نطالب به على مسوى التنظيمات السياسية بأن يجعلوا للمرأة مجلساً للشورى خاصاً بها ، يمثلها تمثيلاً كاملاً ، ويمكنها من ممارسة أنشطتها الفكرية والسياسية والاجتماعية ، ويجنبها ويلات الصراع على السلطة التي قد تكون فادحة بالنسبة للمرأة سواء كانت بنتاً أم زوجة أم أماً .

نحسب أن هذا المقترح يؤدي الحقوق إلى أهلها ، وينزل كلاً من الرجال والنساء منازلها الدينية والفطرية ، ويجعلنا أكثر الأمم إنصافاً للمرأة ورعاية لحقها وحفاظاً عليها ، ويخرجنا من التخبط والضلال والضياع الذي يجرنا إليه التقليد الأعمى لغير المسلمين .

 


 

 


الفصل الرابع عشر

عدم شرعية عضوية المرأة في مجلس شورى الإصلاح

 

الذي يطلع على صلاحيات ومهام مجلس شورى الإصلاح، يجده مقابلاً لصلاحيات مجلس النواب بالنسبة للدولة ، فتنظيم الإصلاح يضع أمره بين يدي مؤتمره العام وفق الصلاحيات الآتية:

 

صلاحيات المؤتمر العام (كما في النظام الأساسي) :

مادة (14) : المؤتمر العام هو السلطة العليا في (الإصلاح ويختص بالآتي:

1- انتخاب رئيس الهيئة العليا ونائبه وبأغلبية الحاضرين ، كما يجوز عزلهما بموافقة ثلثي الأعضاء في اجتماع صحيح .

2-    انتخاب أعضاء مجلس الشورى من بين أعضائه .

3-    انتخاب رئيس الدائرة القضائية .

4-    إقرار النظام الأساسي واللائحة العامة وتعديلاتهما.

5-    إقرار برنامج العمل السياسي وتعديلاته .

6-    مناقشة وتقييم أداء هيئات وأجهزة (الإصلاح) من خلال تقرير عام يقدمه رئيس الهيئة العليا .

7-    مناقشة وإقرار خطط وسياسات (الإصلاح) العامة للدورة المقبلة .

8-    إقرار جدول أعماله للدورات العادية والاستثنائية، واتخاذ القرارات والتوصيات اللازمة.

مادة(20) : قرار المؤتمر العام ملزمة لهيئات وأجهزة وأعضاء الإصلاح كافة..الخ.

ويقوم المؤتمر العام باختيار أعضاء مجلس الشورى ليمارسوا المهام التي أسندت إلى المؤتمر نيابة عنه بقية فترة الولاية. ويقوم مجلس الشورى بممارسة المهام الآتية:

صلاحيات واختصاصات مجلس شورى الإصلاح: - (كما في النظام الأساسي)

المادة (23) : مجلس الشورى هو الجهة المسئولة عن بلورة أهداف الإصلاح وقرارات وتوصيات المؤتمر العام ومراقبة الأجهزة المختصة في تنفيذها .. ويختص بالآتي:

1-    انتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين سر المجلس .

2-    انتخاب الأمين العام ، والأمينين العامين المساعدين .

3-    انتخاب أربعة لعضوية الهيئة العليا من بين ثمانية مرشحين تتقدم بهم الهيئة العليا..

4-    انتخاب أعضاء الدائرة القضائية .

5-    متابعة تنفيذ قرارات وتوصيات المؤتمر العام .

6- مناقشة وإقرار الخطط والبرامج التنفيذية الهادفة لتنفيذ برنامج العمل السياسي، وقرارات وتوصيات المؤتمر العام .

7-    اقتراح تعديل النظام الأساسي واللائحة العامة.

8-    مناقشة وإقرار الميزانية السنوية ، والحساب الختامي والتقارير المالية .

9- وضع إقرار لائحته المنظمة لأعماله وفقاً لأحكام هذا النظام واللائحة العامة ومناقشة وإقرار اللوائح التنفيذية المقدمة من الأمانة العامة.

10-                    مراقبة وتقويم الأداء التنفيذي للأمانة العامة .

11-                    التقييم الدوري لأعمال الإصلاح ومراجعة كافة السياسات .

12-      رسم السياسة العامة للإصلاح في كافة المجالات في ضوء النظام الأساسي وبرنامج العمل وقرارات وتوصيات المؤتمر العام .

13-                    إقرار برامج وخطط العمل السنوية للأمانة العامة والأجهزة التابعة لها.

14-      البت في الطعون والاحتساب والشكاوي والدعاوي المتعلقة بأعضائه أو أعضاء الهيئة العليا أو الأمانة أو الدائرة القضائية .

المادة (22) : لمجلس الشورى بناء على ترشيح من الهيئة العليا أن يضيف لعضويته من تدعو إليهم الحاجة من بين أعضاء الإصلاح من أهل الخبرات والتخصصات العلمية المختلفة ، ومن الشخصيات الاجتماعية .

مادة (27) : إذا انتهت مدة مجلس الشورى وحالت ظروف قاهرة دون انعقاد المؤتمر العام لانتخاب مجلس جديد اعتبر المجلس قائماً ويمارس صلاحياته حتى تزول تلك الظروف ، ويتم انتخاب مجلس جديد .

ويظهر من هذه المواد أن مجلس الشورى يمارس في التجمع نفس المهام التي يمارسها مجلس النواب في الدولة:

1-الولاية على التجمع ، والتجمع تنظيم عام: انظر المادة (22) من النظام الأساسي، المادة (23)، فقرة (1) ، فقرة (2) ، فقرة (3) ، فقرة (4) ، فقرة (5) ، فقرة (13) ، فقرة (14) ، فقرة (15) كلها من المادة (23) ، مادة (22) ، مادة (27) . (سبق ذكر هذه المواد والفقرات قبل قليل).

2-التشريع: انظر مادة (23) من النظام الأساسي ، فقرة (7) ، فقرة (8) ، فقرة (9) فقرة (10) من المادة (23) .

3- التشريع: انظر مادة (23) من النظام الأساسي ، فقرة (6) ، فقرة (7) ، فقرة (11) ، فقرة (12) من المادة (23) .

وما قيل في موضوع مشاركة المرأة في مجلس النواب يقال هنا ، فالآيات القرآنية قررت أحكاماً صالحة لأي تجمع بشري ، سواء كان دولة أو مجموعة بشرية كالأسرة أو ما هو أكبر منها كالتنظيم . والحديث الذي يبين عدم الفلاح بتولي المرأة لأمر أي مجموعة بشرية يصدق عليها اسم (قوم) كما هو نص الحديث الشريف (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)[1] فالتجمع قوم ، ومجلس الشورى صاحب الولاية على أولئك القوم ، ويمارسها نيابة عن المؤتمر العام الذي يمارس عمله نيابة عن جميع أفراد التجمع.

ويكفي دليلا على هذا بعد ما تقدم في الفصل العاشر من أدلة منع المرأة من الولاية العامة أن الرجل قوام على المرأة في الأسرة وهي وحدة اجتماعية صغيرة ، ولا يحل للمرأة ـ باتفاق ـ أن تكون قوامة عليه ، وأن الرجل قوام على الدولة في رئاستها (الإمامة العظمى) ، ولا يحل للمرأة توليها باتفاق ، وهي الوحدة الاجتماعية الكبرى ، والتجمع تنظيم بين الدولة والأسرة إذ هو أكبر من الأسرة وأصغر من الدولة فليأخذ حكمها فلا يحل للمرأة أن يكون لها قوامة فيه .

وحري بالتجمع الذي ينادي بإقامة الحياة في جوانبها على المنهج الإسلامي أن يقدم القدرة في ذلك، وأن ينصف المرأة حقيقة لا دعاية . ، بإرضائها بمشاركة العدد القليل من النساء في مجلس الشورى ، بل الأولى هو أن ينشئ التجمع كياناً سياسياً خاصاً بالمرأة موازياً لمجلس الشورى ، يراعى فيه أحكام الدين وخصائص المرأة، كما ذكرنا ذلك في المقترح الخاص بتكوين مجلس شورى المرأة .

فيبادر التجمع بإنشاء مجلس شورى المرأة وفقاً للمبادئ الشرعية، فيكون التجمع بذلك سباقاً إلى الخير.

والله من وراء القصد ...

والحمد لله رب العالمين..



[1] - سبق تخريجه ص 69 من هذا البحث .

 


خاتمة البحث

وبعد :

فإن الله خلق الرجال والنساء ومن تشرف منهم بالإيمان والعبودية لله خضع كل الخضوع لحكم الله وشرعه : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .

وقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق الإنسانية فكفل لهما ثواب العبادات والأعمال الصالحة دون تمييز، وسمح لهما معاً بالعلم والفتيا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن المنكر بما يتناسب مع طبيعة كل منهما..إلخ.

لكنه بالنظر إلى وجود الاختلاف الظاهر بين الرجل والمرأة في التركيب البدني والتشريحي والهرموني والنفسي، فإن الإسلام قد فرق بينهما في عدد من الأحكام ، وزاد الرجل درجة عليهن ، فقال تعالى : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ .

وهذه الدرجة هي القوامة المبينة في قوله تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ... .

وقد هيأ الله الجنسين لمقتضيات الاختلاف الفطري بينهما ، فهيأ المرأة للحمل والولادة، والرضاعة ، ورقة العاطفة المناسبة لجهالات الأطفال ، وشئون البيت، وجعلها راعية فيه ، وهيأ الرجل للسعي والكسب والصراع، والقوامة والولاية، ومنحه ما يحتاجه لذلك من جلد وقوة وحزم .

فالولاية إذاً : وهي المشار إليها في الآية بالقوامة.. من اختصاص الرجل، لأنها تحتاج إلى تفرغ، والمرأة تشغلها وظائفها الفطرية، وإلى قوة وحزم، والمرأة عاطفية وضعيفة بنص الحديث الحسن عند ابن ماجة (اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة) وإلى مخالطة للتابعين والموظفين ، وحل مشاكلهم والخلوة بهم أحياناً ، والمرأة منهية عن ذلك وإلى غياب عن المنزل، وهذا تضييع لحق الأولاد والزوج، وإلى سفر أحياناً ، المرأة لا تسافر إلا مع محرم وإلا إذن من الولي أو الزوج ، وقد لا يأذن لها .

ولهذه التفرقة الفطرية والشرعية جاء الحديث النبوي مؤكداً المنع من الولاية فقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه البخاري : (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة) .. وفي لفظ لأحمد : (أسندوا أمرهم) .. وفي لفظ له أيضاً : (يلي أمرهم).

*فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (لن يفلح قوم) دال على نفي الفلاح ، أي نفي الفوز والنجاة ،و على الخسارة الدائمة في المآل، وينسحب ذلك على الحال كما يفهم ذلك ، مما أورده ابن منظور في (لسان العرب) ، والزمخشري في (أساس البلاغة) .

ولهذا قال الإمام ابن الأمير الصنعاني في (سبل السلام) : فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات ، ولا يحل لقومها توليتها ، لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب .

*وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (قوم) يصدق لغة على الجماعة من الرجال ، وقد تدخل فيهم النساء تبعاً لا استقلالاً ، كما قال علماء اللغة كابن الأثير والجوهري والأزهري وابن منظور ، ومعنى ذلك : أن الجماعة التي هي الرجال أو رجال ونساء لا يجوز لهم أن يولوا عليهم امرأة، أما الجامعة التي هي نساء فقط، فلا يصدق عليها لفظ: (القوم) ولا تدخل في الحديث فيجوز أن يولين عليهن امرأة، ولذلك أجاز الشرع للمرأة أن تؤم النساء ، كما أنه لا مانع ـ كما يظهر في الحديث ـ أن تتولى المرأة على جماعة نساء وصبيان ، أو صبيان فقط، لأنه لا يصدق على هذه الجماعة لفظ : (قوم) لغة.

*وقد يقال ورد في رواية لهذا الحديث عند أحمد : (تملكهم امرأة) ويرد على ذلك بأن ألفاظ الحديث المتعددة كالقراءات المتعددة في الآية يفسر بعضها بعضاً دون تناقض فيحمل لفظ : (تملكهم) ، وقد يكون أورده أحد الرواة بالمعنى الذي فهمه ـ على الألفاظ الأخرى ـ العديدة التي تحمل معنى واحداً وهي (أسندوا أمرهم) (يلي أمرهم) (ولو أمرهم) مع أن اللفظ الأخير هو لفظ البخاري، ولفظ البخاري مقدم على غيره كما هو معروف عند العلماء.. وقد بينت السنة العملية من فعل المسلمين الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ثم فعل صحابته من بعده، ثم إجماع المسلمين قروناً عديدة تطبيق آيات ، وتطبيق هذا الحديث وغيره في منع المرأة من أي ولاية على رجال صغرت هذه الولاية أم كبرت، وقد استدل أبو بكرة رضي الله عنه كما في البخاري بهذا الحديث على عدم جواز الانضمام إلى معسكر عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ مع أنها تولت عليهم ولاية محدودة لغرض الإصلاح بين فئتين من المسلمين لا أكثر .

*فإن قيل قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (أمرهم) إنما المراد به الأمر العظيم ، وهو الإمامة الكبرى ، فالجواب : أن علماء أصول الفقه كما في (نهاية السؤال) للأسنوي و(هداية العقول) للحسين بن القاسم و(إرشاد الفحول) للشوكاني ، قد قرروا أن المفرد المضاف إلى معرفة العموم لكل أجزائه واحداً واحداً ، فقوله : (ولو أمرهم) يشمل جميع أمورهم مجموعة أو مجزأة ، فيدخل في ذلك الأمر الواحد كما في قوله تعالى : ﴿ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ فلفظ (أمره) يشمل جميع الأمور مجموعة أو مجزأة ، فسؤال خالفوا جميع أوامر الله بالكفر التام ، أو خالفوا أمراً واحداً فالتحذير واقع عليهم ، وهم معرضون للفتنة والعقاب ، وعلى هذا فكلمة (أمره) في الآية مثل كلمة : (أمرهم) في الحديث مفرد مضاف، فلا تجوز المخالفة في أمر واحد فضلاً عن كل الأمور ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ يجعل الشورى في كل أمر ذي بال وليس فقط في الأمر العظيم، وهو الإمامة العظمى، ولذلك قالت لجنة كبار العلماء في الأزهر التي حلها النظام المصري في الخمسينيات : (وهذا ما فهمه أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمع أئمة السلف، ولم يستثنوا من ذلك امرأة ولا قوماً ولا شأناً من الشئون ، فهم جميعاً يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة).

وأما ما قيل من أن عمر ولى الشفاء بنت عبدالله أمر السوق ، واغتر بذلك ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ فشذ في الإجماع وأجاز تولية المرأة، فإن ذلك لم يثبت في رواية مسندة صحيحة ، وذكر ابن العربي في أحكامه ، أن ذلك دسائس المبتدعة ويرده قول عمر رضي الله عنه الثابت في صحيح البخاري إذ يقول : (كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً ، فلما جاء الإسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك حقاً من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا).

وعندما تمنت بعض النساء ما هو للرجال ـ وما أشبه ذلك بقضيتنا اليوم ـ حيث روى أحمد والترمذي وغيرهما أن سلمة رضي الله تعالى عنها قالت : يا رسول الله! يغزو الرجال ولا نغزو ، ولنا نصف الميراث .. أنزل الله ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ .

ومما أورده المفسرون عند ذكر قوله تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ... أن الشوكاني قال عن الرجال بأنهم يذبون عن النساء، كما يذب الأمراء عن الرعية، ويقومون بالنفقة ولا مسكن لهن ، وإنهم استحقوا ذلك لتفضيل الله لهم، لأن فيهم الأحكام والأمراء والغزاة، وغير ذلك من الأمور..

وقال الزمخشري : وقد ذكروا ـ أي العلماء ـ في فضل الرجال : العقل والحزم والعزم والقوة والفروسية والرمي ، وأن منهم الأنبياء وفيهم الإمامة الكبر والصغرى والجهاد والأذان .. الخ .

وبنحو هذا قال ابن عطية في محرره والجصاص في أحكامه، والقرطبي في جامعه وابن كثير في تفسيره ، والماوردي في نكته، والظاهر ابن عاشور في تحريره، والآلوسي في (روح المعاني) وأبو حيان في (البحر المحيط) وغيرهم من أئمة التفسير ـ رحمهم الله تعالى ـ وكذلك الفقهاء منعوا من ولاية المرأة واعتبروا ذلك من البدهيات ، فالإمام الحسين في (شفاء الأوام) يذكر أن هناك إجماعاً بين الأمة في اشتراط الذكورة في الولاية ، والشوكاني في (النيل) يقول عن حديث : (لن يفلح) : (فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب).

وقال في (السيل) : وليس بعدم نفي الفلاح شيء من الوعيد الشديد.. ونقل الإجماع أيضاً على منع ولاية المرأة ابن قدامة في (المغني) وقرره وهبة الزحيلي في : (الفقه الإسلامي) ، وذكر صاحب كتاب : (فتح القدير) في الفقه الحنفي أن قضاء المرأة عندهم ينفذ في غير الحدود والقصاص ، مع إثم من ولاها..

وأورد ابن العربي مثل ذلك في أحكامه ، والمعلوم من هذه النقول وغيرها أن جميع فقهاء الشافعية وفقهاء المالكية وفقهاء الحنابلة وفقهاء الزيدية يمنعون من تولية المرأة ومجمعون على ذلك، وحتى فقهاء الحنفية داخلون في الإجماع، لأن من أجاز قضاءها منهم يؤثم من ولاها ، وشذ ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ مغتراً بما ذكره ، والإجماع قبل عصره ، ثم بعد عصره منعقد بين علماء سائر المذاهب على المنع.. ومثل ما قيل عن ابن حزم ـ رحمه الله تعالى ـ يقال عن ابن اجرير ـ رحمه الله ـ فيما نسب إليه .

وأيضاً فإن كبار علماء وقادة الصحوة في العصر الحديث منعوا ولاية المرأة فالإمام المجاهد حسن البنا رحمه الله مؤسس أكبر الحركات الإسلامية في العصر الحديث يقول في كتابه (المرأة المسلمة) : يرى الإسلام في الاختلاط بين الرجل والمرأة خطراً محققاً ، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج ، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك.

ويقول : لهذا نصرح بأن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي ، وأن للرجال مجتمعاتهم ، وللنساء مجتمعاتن.. ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد واشترط شروطاً شديدة.

ويقول : يقول كثير من الناس أن الإسلام لم يحرم على المرأة مزاولة الأعمال العامة، وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا ، فأتوني بنص يحرم ذلك، ومثل هؤلاء مثل من يقول : إن ضرب الوالدين جائز؛ لأن النهي عنه في الآية أن يقال لهما (أف) ولا نص على الضرب .

وقال الإمام المودودي وهو مؤسس الحركة الإسلامية في شبه القارة الهندية في كتابه : (نظرية الإسلام وهديه) : هذا النص ـ يعني وقوله تعالى ـ : (الرجال قوامون على النساء) يقطع بأن المناصب الرئيسية في الدولة رئاسة كانت أو عضوية مجلس شورى لا تفوض إلى النساء ، وحقيقة المجالس التشريعية ليس وظيفتها مجرد التشريع، وسن القوانين، بل هي بالفعل تسري دفة السياسة في الدولة، فهي التي تؤلف الوزارات، وتحلها ، وتضع خطة الإدارة، وهي التي تفرض أمور المال والاقتصاد، وبيدها أزمة أمور الحرب والسلم، بذلك كله لا تقوم هذه المجالس مقام الفقيه والمفتي ، بل تقوم مقام القوام لجميع الدولة.

ومثل هذا الكلام يقال عن مجلس الشورى لجماعة أو تجمع أو حزب لأن هذا المجلس قوام على التجمع أو الحزب ، وتكون له قوامة على شئون الدولة إذا وصل التجمع أو الحزب إلى السلطة.

ويقول المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ رداً على شبهة أن قوامة الرجل على المرأة إنما هي في البيت : .. فهل أنتم تظنون باله أن يجعل المرأة قوامة على مجموعة ملايين من البشر، ولم يشأ أن يجعلها قوامة داخل بيتها.

وحتى لو كانت المرأة واحدة في مجلس شورى فإن صوتها ربما كان مرجحاً عند الاختلاف، فيكون صوتها سبباً في صنع أو إسقاط قرار أو ولاية .

وبمثل ما قال الإمام البناء والإمام المودودي قال الإمام المحدث أحمد شاكر، وقال الدكتور السباعي ـ رحمه الله تعالى ـ والإمام أبو الحسن النووي ـ حفظه الله تعالى ـ . وكما منعت المرأة اتفاقاً من الإمامة العظمى ومنعت اتفاقاً من ولاية الأسرة فأحرى أن تمنع من الولاية العديدة التي بينهما ، ومن ضمنها الولاية في مجلس الشورى ، ويكفي أن المرأة ممنوعة حتى من ولاية تزويج نفسها.

وبعد فهذه شهادة الفطرة ، وهذا قول الله ، وهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتطبيقه العملي ، وهذا فهم الصحابة وتطبيقهم وإجماعهم ثم إجماع المسلمين من بعدهم، وتلك أقوال المفسرين والمحدثين والفقهاء والمذاهب الإسلامية، وتلك تقريرات أئمة الصحوة المعاصرة، وفتوى لجنة الفتوى في الكويت، وهيئة كبار العلماء في الأزهر، وكلها متعاضدة على منع المرأة من عموم الولايات على الرجال ، ومنها دخول مجالس الشورى، ولم تأت الآراء المخالفة لذلك ، وهي قليلة إلا أخيراً، بعد الهجمة الثقافية الغربية على ديار المسلمين، رغم أن الغربيين أنفسهم بذلوا جهوداً غير عادية في إخراج المرأة على فطرتها فغلبتهم الفطرة فلم تزد نسبة النساء في أعلى الحالات عندهم في البرلمانات على 15% وفي الوزارات على 5% ، وفي رئاسة الدولة على 2% وتأكد من واقعهم ما يصدق هدي الإسلام ، فهل يبقى بعد ذلك لمؤمن خيار إلا أن يقول سمعنا وأطعنا ، وبالله التوفيق..

 

حل الإشكال:

إن المشكلة تكمن في أن مجلس الشورى في الإصلاح يمارس ثلاث وظائف رئيسية.. منها اثنتان مما يحق للمرأة المشاركة فيها بالضوابط الشرعية.

الأولى : المشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الثانية : المشاركة في تقديم مشاريع في مجال التقنين والتنظيم للإصلاح.

وأما الثالثة : فهي الولاية العامة على التجمع، والولاية هي تنفيذ القول على الغير رضي أم كره.

وهذا الأمر يسنده التجمع للمؤتمر العام، والمؤتمر العام يسنده بدوره إلى مجلس الشورى كما تنص على ذلك مواد النظام.

فقول مجلس الشورى ملزم لكل القيادات ، بل ولجميع أعضاء التجمع، وهو الذي يختار معظم أعضاء الهيئة العليا، ويختار الأمين العام، وأعضاء الأمانة، ويختار أعضاء الهيئة العليا، ويختار الأمين العام، وأعضاء الأمانة، ويختار أعضاء الدائرة القضائية ، وهذا كله من الولاية ، والله يقول : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ.. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).

ولحل هذا الإشكال نقترح:

1-    تكوين مجلس شورى خاص بالمرأة.

2-    يمارس المجلس الاختصاصات الآتية ـ وهذه الاختصاصات نموذج ـ قابل للإثراء والتنفيح:-

                      ‌أ-        اتخاذ القرار في ما يتعلق بشئون المرأة والأولاد.

                   ‌ب-      المشاركة في تقديم مشاريع اللوائح والنظم إلى مجلس شورى الإصلاح.

                    ‌ج-      المشاركة في مجلس شورى الإصلاح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

                     ‌د-        إتاحة الفرصة كاملة للمرأة لتمثيل بنات جنسها في مجلس يمثل المرأة 100%.

                     ‌ه-        الدفاع عن حقوق المرأة المهضومة والتصدي لدعوات الإفساد.

                    ‌و-       صيانة المرأة والمجتمع من مخاطر الاختلاط وفتنته.

      ‌ز-  تنظيم عمل المجلس بما يمكن المرأة من ممارسة حقوقها السياسية المشروعة، وفق ضوابط تراعي واجباتها الأسرية ، وأحوالها الفطرية وظروفها.

                    ‌ح-      صيانة المرأة من مزاحمة الرجال في ميادين صراع السلطة ، ما يصاحبها من إشكالات وأخطار .

3-    يتم اختيار هذا المجلس من مؤتمر النساء.

4-    يرتبط المجلس بالأمانة عن طريق منسق يكون محرماً لإحدى القياديات ومن مزايا هذا المجلس :

1)    مناسبته لأوضاع المرأة.

2)    اتفاقه مع الدين.

3)    إعطاء الحق الكامل للمرأة.

4)    أن أنظمتهه ستصاغ بما لا يتعارض مع وظيفة المرأة في الحياة، وبما يجنبها الاختلاط والأخطار والفتن..

والله من وراء القصد..

والحمد لله رب العالمين ..


 


تم بحمد الله