كتاب توحيد الخالق الجزء الأول للشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد : أيها القارئ فهذا كتاب توحيد الخالق بأجزائه الثلاثة ، أقدمه إليك ، وقد راعيت فيه أن يكون متمشياً مع أحوال زماننا ، وحرصت على ضرب الأمثلة حتى يتحقق الهدف المنشود الذي طالما حثنا القرآن عليه ، وشدد العلماء عليه في هذا الزمان ، ذلك هو هدف ربط الحقائق الدينية بأدلتها المبثوثة في الكون. كما قال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ صدق الله العظيم. أو كما قال سبحانه : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ صدق الله العظيم .

لذلك فقد يجد القارئ بعض حقائق علمية لم يكن قد عرفها من قبل في ميدان العلوم الكونية ، فلا يمنعه ذلك من معرفتها من المراجع الخاصة بها أو بواسطة الرجوع إلى أساتذة هذه العلوم نفسها . ومن المفيد جداً لاستيعاب هذا العلم : ضرب الأمثلة ، واستخدام وسائل الإيضاح المختلفة ، كما أن بساطة التعبير ، ووضوح الفكرة ، وسهولة البرهان ، أمور هامة جداً لتثبيت العقيدة في قلوب الناس ، كما أن الانتفاع بما جاء من الآيات القرآنية أمر نافع جداً ، فليس هناك ما يثبت المعنى العقلي ويستثير أحاسيس الوجدان كآيات القرآن .

أما أنت أيها الشاب المسلم ، فاعلم أن علم التوحيد هذا هو أصل دينك فإذا جهلت به فقد دخلت في نطاق العمي ، الذين يدينون بدين لا دليل لهم عليه ، وإذا فقهت هذا العلم كنت من أهل الدين الثابت الذين انتفعوا بعقولهم .

قال تعالى : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ صدق الله العظيم .

فإذا انتفعت بهذا العلم ، وبغيره من العلوم النافعة فإن عليك أن تعلم أهلك وأصحابك، فتكون من الدعاة إلى الله الذين قال الله فيهم : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ صدق الله العظيم .

وبهذا أيها الإخوة تكونون مصابيح مضيئة بين أهلكم وأمتكم ينتفع الناس بكم.

أسأل الله أن يجعل العمل خالصاً لوجهه ، وأن يجعله طريقاً موصلاً إلى رضوانه.

نور الإيمان وظلمة الكفر

 ما هو الإيمان؟

قال عليه الصلاة والسلام : (ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل) .

وقال تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:15]

 فالإيمان هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وهو تصديق ثابت مستقر في القلب لا يخالطه شك أو ريب . قد انعكس على صاحبه فأصبح سلوكاً وأعمالاً صالحة مشاهدة .

الركن الأول :

وأول أركان الإيمان وأساسه هو الإيمان بالله الذي هو تصديق المؤمن بأن له خالقاً ، عليماً ، حكيماً أوجه ولم يكن شيئاً مذكوراً . وخلقه من مني يمنى ، وصوره فأحسن تصويره، وجاء به إلى هذه الدنيا كما جاء بأبيه وأمه من قبله .
وإيمان المؤمن بربه وخالقه يقوم على الدليل القاطع والحجة الناصعة ، والبراهين المبثوثة المشاهدة في أرجاء الكون الواسع ، المدعمة بوحي من الله إلينا بواسطة الرسل الصادقين .
وإذا عرف الإنسان خالقه العظيم ، واتصل به ، عرف أنه ملك لخالقه وحده، وأنه وحده الذي يستحق العبادة والطاعة والخضوع ، وبهذا يتحرر المؤمن من كل سلطان غير سلطان الله.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:21] .

والمؤمن يعلم أن الله وحده هو الهادي إلى الحق القويم ، ولن يكون أحد أعلم بحقه منه سبحانه : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ من سورة النجم 32 ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾ من سورة البقرة 140 ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ من سورة الحجرات آية 16 . ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ من سورة الحج 54 .

فيأخذ المؤمن هداه من ربه العليم الخبير فيحيا في كنف ربه وخالقه ، يهتدي بهديه الذي لا يشوبه خطأ أو باطل ، ويخضع لأمر خالقه ومالكه .

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة:257] .

والمؤمن بربه ينجو من جحيم الاختلافات بين المذاهب والطرق البشرية القاصرة الضيقة التي يضعها بشر يزدادون علماً كل يوم ولا يزالون ينتظرون في كل يوم علماً جديداً يزيل عنهم جهلهم. أنه يتلقى الهدى من خالقه كل شيء الذي أحاط علماً بكل شيء ، والذي خلق الناس ومنحهم مقدرة محدودة بها يتعلمون ما جهلوا ، ويهتدون إلى ما غاب عنهم .

﴿قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾[يونس:35،36] .

إن البشر قد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً شديداً أدى بهم إلى الصراع والتطاحن ، وتسفيه بعضهم بعضاً . وإن أهم خلافاتهم الآن تدور حول تقرير أحسن الطرق التي تسير عليها حياة الإنسان أفراداً وجماعات. وقد نسوا أو تناسوا أن خالق الناس ، إله الناس ، رب الناس، ملك الناس، قد أنزل في هذا الأمر هدى يعصمهم من الضلال ، وينقذهم من شر الاختلاف .

﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[النحل:64] .

وهل يحق لقوم أن يختلفوا حول أحسن الطرق التي تسير عليها آلة أو منصع في الوقت الذي قد أرسل إليهم صانع الآلة أو المصنع البيانات الكافية حول هذا الموضوع؟! وكذلك خالق العباد قد بين للناس طريق الحياة بواسطة رسله الصادقين . فهل يحق للناس أن يختلفوا في أمر قد بينه الله العليم الحكيم؟!

الركن الثاني :

والركن الثاني من أركان الإيمان هو الإيمان بالملائكة وهو مترفع عن الإيمان بالرسل الذي أخبرونا عما غاب عن علمنا من الملائكة الذين خلقهم الله ، فمنهم المسبح والساجد، ومنهم من ينزل بالوحي، ومنهم من يقبض الأرواح ومنهم من يعمل في تدبير شئون الخلائق بأمر ربه ومنهم من يرسلهم الله لتثبيت المؤمنين ، ومنهم من يلازمنا لكتابة أعمال الخير والشر .

﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾[الانفطار: 10-12] .

وهكذا يزداد المؤمن علماً ووعياً بما خلق الله من مخلوقات .

وإيمان المؤمن بالملائكة يكسب في قلبه أنساً بملازمة ملائكة ربه له ، كما يلقي في مشاعره حذراً من المعاصي واقتراف الذنوب حتى لا يكتبها الملك المكلف، ولا يزال هذا الإيمان يبعث في نفوس المؤمن رغبة قوية في عمل الخير ، والإتقان في الأعمال حتى يكتبها الملك المكلف بالخير ، قال عليه الصلاة والسلام : (إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم).

وهكذا يبقى شعور المؤمن في يقظة دائمة، لأنه يشعر أن ربه رقيب عليه في كل مكان وأن الملكين الملازمين له يكتبان ما يعمل . تلك هي الرقابة الإلهية التي توقظ في المؤمن كل دوافع الخير وتكبح فيه دوافع الشر، إنها رقابة أدق وأقوى من مراقبة فرقة كاملة من المخابرات والشرطة.

الركن الثالث :

والركن الثالث من أركان الإيمان هو الإيمان بكتب الله التي أنزلت لهداية الناس .

قال تعالى : ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾[فاطر:24] .

وقال تعالى : ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾[الرعد:7] .

ألا ترى أن أي شركة صناعية لا ترسل كتباً وإرشادات موضحة مبينة مع ما تصنعه من آلات تعتبر شركة مقصرة في البيان ناقصة في الإدارة والخبرة جاهلة بما تعمل وما يتطلب ما تعمل؟

﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[النحل:60].

فالله سبحانه قد خلق وأرسل لهم كتباً هادية ، موضحة مبينة ، في كل ما يحتاج إليه الناس من هداية في شئون حياتهم . وإذا كان من الجهالة عدم إرسال الشركة الصناعية لكتب وإرشادات موضحة لما صنعت ، أو ليس من الجهالة الكبرى عدم الانتفاع بإرشادات الصانع بعد وصلها! وإذن أليس من الجهالة الكبرى عدم اتباع الكتب الإلهية والتوجيه الرباني بعد إذ جاءنا؟ والمؤمن تراه منتفعاً بهذا الهدى .

﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[ الأعراف: 203] .

وإذا كانت الكتب الإلهية السابقة قد حرفت وبدلت، فإن الله سبحانه قد حفظ على عباده كتابه الأخير من كل تحريف أو تبديل ذلك هو القرآن الكريم، الذي احتوى على ما سبقه من هدى.

الركن الرابع :

 أما الركن الرابع فهو الإيمان بجميع رسل الله الذين اصطفاهم من بين سائر البشر؛ ليقوموا بحمل الرسالة الإلهية إلى خلقه ، وليعلموا الناس كيف يكون الاتباع ، والتطبيق ، لهذا والنور اللذين أرسلهما الله لتبديد ظلمات الجهل، والحيرة والارتياب .

ألا ترى أن أي شركة صناعية ترسل مهندسيها ومندوبيها لتعليم الناس كيف يستخدمون آلاتها، وكيف يصلحونها عند حدوث أي خلل يطرأ عليها؟ وهكذا رسل الله .

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

يرسلهم الله هداة للبشرية، يعلمون الناس ما يصلح حالهم ويرشدونهم إلى الطريق الحكيمة لإصلاح كل فساد يطرأ على حياتهم ، ويعرفونهم لماذا خلقهم ربهم؟ ولماذا استخلفهم على الأرض؟ وما الذي يرضي خالقهم عنهم؟ وما العمل الذي يغضبه منهم؟ كما يبينون لهم جزاء كل عمل يعملونه، ويبشرون المؤمنين بما أعد الله لهم من نعيم ، وينذرون العصاة والكافرين والمنافقين بالمصير الأليم الذي ينتظرهم.

قال تعالى : ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165]

وإذا كانت العبرة عند الناس بالنتيجة ، فهذا التاريخ البشري قد ازدحمت صفحاته بأسماء الفلاسفة والعلماء والزعماء والمصلحين ، كما سجلت أسماء رسل رب العالمين. فإذا قارنا بين نتائج الدعوات الإلهية ، والدعوات البشرية في مجال إصلاح الأوضاع الإنسانية ، وجدنا الفرق الشاسع. فبينما نجد الإصلاح الإلهي شاملاً لكل جوانب الحياة ، عميقاً ينبع من داخل النفس، دائماً ما دام الناس سائرين عليه ، نجد الدعوات البشرية جزئية لا تشمل جوانب الحياة الإنسانية ، سطحية لا تسيطر على دخائل النفوس ، مؤقتة سرعان ما تنتهي ويتطرق إليها الخلل السريع ، وتختفي أسماء أصحابها. وليس ذلك إلا شاهداً بأن الإصلاح الإلهي هو إصلاح العليم الخبير بما خلق . وإصلاح البشر إصلاح لا يحيط علماً بكل شيء. قال تعالى في أمثال هؤلاء المفسدين :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 11، 12] .

وإيماننا بالرسل يقوم على الأدلة الساطعة ، والحجج الواضحة والبينات النيرة، التي تلزم كل عقل بتصديقهم، والتي تقطع كل حجة للكافرين .

قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ...[من سورة الحديد:25] .

وهكذا نجد حياة المؤمن نور على نور .

فهو يعرف خالقه معرفة تشعر بها الفطرة، وتقوم على الأدلة العقلية ، والراهين التي تملأ صفحة الكون، وتعلم من الرسالات السماوية .

والمؤمن يعرف رسول ربه ، الذي يحمل إليه الهدى ، والنور معرفة تقوم على العلم الصحيح، القائم على البينة والأدلة اليقينية ، والحجج والبراهين العقلية .

وبمعرفة المؤمن لربه ، ولرسول ربه إليه عرف لماذا خلقه ربه ، وعلم بالحكمة من وجوده ، وفهم دوره في هذه الحياة ، وأصبح على بينة من كل ما يعمل، لماذا يعمله، وما هي نتيجة عمله ، وإذا جاءه الموت فإنه يعرف ما يؤول إليه أمره بعد الموت ، فلا يفزع ولا يجزع ، لأنه قد استعد لهذه اللحظة، وعرف ما بعدها ، وأعد لها في حياته الأولى عدتها .

وبهذا الهدى من رب الناس ، ملك الناس، إله الناس، علم المؤمن بمنزلته في الكون ، وبدوره على الأرض ، وبعلاقته بغيره من خلق الله ، فهو على بينة من ربه في كل أمر من أموره العامة والخاصة.

قال تعالى : ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122] .

الركن الخامس :

وأما الركن الخامس فهو الإيمان باليوم الآخر ، فالمؤمن بالله يعلم أن هذه الأرض ليست له بدار بقاء ، إنما هي دار عمل وامتحان .

قال تعالى : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ [القصص:60] .

ويعلم أن الأجل لن يتجاوز به وبجيله أكثر من مائة عام ينتقل بعدها إلى الدار الآخرة.

﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[العنكبوت: 64] .

ويعلم المؤمن أن الطريق إلى الفوز بالسعادة الأبدية في الجنة لا يكون إلا بالعمل الصالح الخاص لوجه الله ، فتجده مجداً في عمل الصالحات. لا يقصد بعمله مصلحة دنيوية فانية ، إنما يقصد بعمله أن ينجو في الآخرة ويرضى عنه ربه وخالقه ومالكه الذي منه البداية ، وإليه النهاية وعليه الحساب.

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية:25، 26] .

إن المؤمن الصادق هو ذو الأخلاق الرفيعة والمعاملة الطيبة برزت في صورة إنسان متحرك، قد تزكى وتطهر من الأخلاق الذميمة وليس ذلك خلقاً صناعياً يريد به انتزاع ثقة الناس لاستغلالهم فيما بعد، وإنما لأن ربه أمره بذلك، وهو يخشى غداً أن يهلك في نار جهنم إن خالف أمر ربه، إن المؤمن دائم الخوف من عقاب ربه ، مؤثر للآخرة على الدنيا ، يؤمن بأن الدنيا خلقت له وأنه خلق للآخرة، فإذا كان هذا الفرد تاجراً فهو التاجر الصدوق الأمين، وإذا كان فقيراً فهو الرجل الشريف العامل، وإذا كان عاملاً فهو العامل المجتهد الناصح، وإذا كان غنياً فهو الغني السخي المواسي،  وإذا كان قاضياً فهو القاضي العادل الفهم، وإذا كان والياً فهو الوالي المخلص الأمين، وإذا كان رئيساً فهو الرئيس المتواضع الحازم الرحيم، وإذا كان خادماً أو أجيراً فهو الرجل القوي الأمين وإذا كان أميناً للأموال العامة فهو الخازن الحفظ العليم ، وعلى هذه اللبنات يقوم المجتمع الإسلامي وتتأسس حكومته الرشيدة ، ولا يكون المجتمع والحكومة بطبيعة الحال إلا صورة مكبرة لأخلاق الأفراد، ونفسيتهم فيكون المجتمع مجتمعاً صالحاً أميناً ، مؤثراً للآخرة على الدنيا ، متغلباً على الأطماع المادية، غير محكوم لها، ينتقل إليه : صدق التاجر وأمانته ، وتعفف الفقير وسعيه، واجتهاد العامل ونصحه، وسخاوة الغني ومواساته ، وعدل القاضي وحكمته، وإخلاص الوالي وأمانته، وتواضع الرئيس ورحمته وحزمه ، وقوة الخادم ، وحراسة الخازن، وتكون الحكومة حكومة راشدة مؤثرة للمبادئ على المنافع ، والهداية على الخيانة ، وبتأثير هذا المجتمع وبنفوذ هذه الحكومة توجد حياة عامة كلها إيمان وعمل صالح ، وصدق وإخلاص ، وجد واجتهاد ، وعدل في الأخذ والعطاء ، وإنصاف النفس مع الغير .

قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[الأنفال:24].

الركن السادس :

والركن السادس من أركان الإيمان ، هو الإيمان بالقدر .

قال تعالى : ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].

والإيمان بالقدر هو ينبوع لسعادة المؤمن فهو يكسب في نفسه الرضا على كل حال ويغمر قلبه بالطمأنينة والراحة ، لأن المؤمن يعلم أن ربه ورب هذا الكون حكيم عليم خبير لا يضع شيئاً إلا لحكمة، وإن غابت الحكمة عن الإنسان فذلك يرجع إلى قصور العلم البشري عن الإحاطة بما علمه العليم الخبير خالق كل شيء. وهكذا يرضى المؤمن بكل حال من الأحوال دون سخط أو تبرم لأنه يؤمن أن لربه حكمة في كل ما يكون. ولكنه مع ذلك يسعى للخروج من أقدار الشر لينعم بأقدار الخير لأن الله كلفه بذلك ، ومنحه سمعاً وبصراً وفؤاداً . ولا يزال التقدم العلمي الذي يبحث في ملكوت الله يقدم الدليل بعد الدليل على صدق إيمان المؤمن بقول ربه:

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾

فما من أمر إلا وقد أحكم نظامه، وحددت أقداره لحكمة معينة ، وتلك سنة إلهية تنطبق على الذرة كما تنطبق على المجرة .

ذلك هو حال المؤمن المغمور بنور ربه، السائر على صراط مستقيم الذين أنعم الله عليهم ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.

ما هو الكفر؟

أما الكفر فهو تغطية للحق الواضح، وهو جحود بما جاء به المرسلون الصادقون.

*فكل كافر يعلم أنه ما خلق نفسه وأن له خالق هو مالكه وسيده ولكن الكافر لا يهتم بمعرفة خالقه. أو تجده قد هام في وثن أصم ، أو أ؛د الطواغيت أو طبيعة جامدة بليدة ، أو توهم وتعلق بتفاعلات كيماوية مقدرة ، مسيرة بنظام ، محكوم بقوانين ، وقد تجده محتاراً في أمره تائهاً كريشة في مهب الريح . وأي عذر للكافر وقد امتلأت الدنيا برسل ورسالاته ، وأي عذر له يوم يسأل غداً:

﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ(65)فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾[القصص:65، 66] .

*والكافر يعرف أن الله قد أرسل رسلاً إلى الناس لهدايتهم وأيدهم بالمعجزات والبينات التي تثبت صدقهم ، وتجد الكافرين إما قد اطلعوا على بينات الرسول:

﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] .

تكبراً واستهزاءً واتباعاً للهوى ، أو تجد فريقاً منهم قد أعرضوا ولم يكلفوا أنفسهم أن يعرفوا ما أنزل ربهم من هدى فتعاموا وتناسوا، فويل لهؤلاء المتغافلين المتعامين عند ما يوجه إليهم غداً هذا السؤال:

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل: 84].

وأي عذر للكافرين وهم يرون أو يسمعون بذلك الموكب الإيمان الكبير الذي يمتد عبر القرون يقوده الأنبياء والمرسلون، وقد التف حولهم وسار خلفهم ملايين الملايين من الناس أمثالهم.

﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى:16] .

*والكافر يعلم أن كل نعمة يتمتع بها في نفسه كالسمع والبصر والعقل والصحة والحياة، وكل نعمة ينتفع بها في الأرض كالنبات والحيوان والماء والهواء والخيرات المختلفة والمعادن، وكل نعمة يستفيد منها في السماء كالشمس والقمر وتقلب الليل والنهار، يعمل الكافر أن كل هذه النعم الظاهرة والباطنة لم يخلقها لنفسه، وأن لها رباً وخالقاً أنعم بها عليه ولكنه يجحد نعمه ويتناسى ويتعامى عن فضل خالقه عليه ويستخدم نعم ربه في المجاهرة بالكفر والمعصية .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: 32-34] .

قال الله تعالى في الحديث القدسي: (إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري)..‍‍

ما لهؤلاء الكافرين ..

﴿ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [العنكبوت:67] .

نعم .. فذلك هو الكفر : باطل وتغطية للحق وضلال .

*والكافر يسبح في ظلمات الجهالة الكبرى لا يعرف خالقه الحق!!

ولا يعلم لماذا خلقه؟! ولا يدري لماذا جاء به إلى هذه الدنيا؟!يستخدم ما سخر له ربه بدون علم بالعمل الذي يريد ربه منه أن يعمله ، والذي يغضبه سبحانه منه إن عمله، قد سخرت الدنيا للناس ، ولكن الكافر لا يدري ما الحكمة من تسخيرها له . يأكل ويشرب ، وينام ويستيقظ ، ويموت كموت البعير.. لا يدري لماذا بدأت حياته؟! ولا يدري لماذا انتهت؟! ولا يدري لماذا عاش على الأرض مدة ذلك الأجل المحدود؟! وتجد الكافر يتعاطى الأشياء مجارفة دون إرشاد من الخالق لها كمن يتعاطى تسيير آلة دون اتباع إرشاد صانعها!! فيفسد في الأرض وهو يظن أنه يصلح بإفساده.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة:11، 12] .

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ [آل عمران: 196].

فما أشبه الحضارة الكافرة التي يعيش فيها الناس بدون إيمان ، بدون هدف ، بدون صلة بالخالق سبحانه؛ ما أشبه تلك الحضارة بصانع سفينة ضخمة ، أنيقة ، جميلة ، قد رتبت فيها أماكن الطعام، وأماكن الرقود، وأماكن اللعب والتسلية، وأخذ صانعها يدعو الناس إلى ركوبها، ويشرح لهم كيف يأكلون وكيف يشربون ، وكيف يرقدون وكيف يلعبون؟ حتى إذا سأله أحد الركاب : وإلى أين تذهب بنا هذه السفينة؟

أجاب: لا أدري!! اركبوا فقط!!

*والكافر لا يعرف إلا دنياه ، ولا يعرف من دنياه إلا مصالحه ولذائذه فهي التي توجه عمله، وتحدد علاقاته بغيره من الناس .

إن الكافرين يبالغون في تقدير هذه الحياة.

﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ [النجم:30].

وترى الفرد منهم يسرف في عبادة ذاته، وإرضاء شهواته، قد انقطعت الصلة بينه وبين ربه لتكذيبه برسالة الأنبياء، وعقيدة الآخرة ، فكان هذا الفرد الكافر هو مصدر شقاء هذه المدينة، فإذا كان تاجراً فهو التاجر المحتكر النهم الذي يحجب السلع أيام رخصها ويبرزها عند غلائها، ويسبب المجاعات والأزمات ، وإذا كان فقيراً فهو الفقير الحاقد، الذي يريد أن ينال ما في أيدي الآخرين بغير تعب ، وإذا كان عاملاً فهو العامل المطفف الذي يريد أن يأخذ ماله ولا يدفع ما عليه ، وإذا كان غنياً فهو الغني الشحيح القاسي لا رحمة فيه ولا عطب ، وإذا كان والياً فهو الوالي الغاش، الناهب للأموال، وإذا كان سيداً[1] فهو الرجل المستبد المستأثر الذي لا يرى إلا فائدته وراحته وإذا كان خادماً فهو الضعيف الخائن، وإذا كان خازناً فهو السارق المختلس للأموال وإذا كان وزير دولة أو رئيس وزارة، أو رئيس جمهورية فهو المادي المستأثر الذي لا يخدم إلا نفسه وحزبه وشيعته ولا يعرف غير ذلك، وإذا كان زعيماً أو قائداً فهو الأناني الذي يعقد مصلحة مواطنيه ويدوس كرامة البلاد الأخرى، والشعوب الأخرى، وإذا كان مشرعاً فهو الذي يسن القوانين الجائرة ، والضرائب الفادحة، وإذا كان مكتشفاً صنع الغازات المبيدة للشعوب المخربة للبلاد، ولقد أصبحت القنابل الذرية أعظم مشكلة. تهدد سلامة العالم كله بين لحظة وأخرى، وإذا كان منفذاً هو المنفذ القاسي منزوع الرحمة، وقد يخرج أفراد من الكفار عن بعض الأوصاف السابقة ولكنها حالات نادرة .

ومن هؤلاء الأفراد الفاسدين تكونت المجتمعات الكافرة فكانت مجتمعات مادية اجتمع فيها احتكار التاجر، وحقد الفقير ، وتطفيف العامل، وشح الغني , وغش الوالي ، واستبداد السيد ، وخيانة الخادم، وسرقة الخازن ، ونفعية الوزراء ، وأنانية الزعماء ، وإجحاف المشرع، وإسراف المخترع والمكتشف ، وقسوة المنفذ ، ومن هذه النفسيات المادية تبعث المشكلات الكبرى في المجتمعات الكافرة وتصاب الإنسانية بويلاتها .

*وترى الكافر يعيش حياة مضطربة لا اطمئنان فيها ولا استقرار ، حياة ساخطة ثائرة، ولكن ذلك السخط والقلق لا يدفعان عنه شيئاً إنما هو العذاب النفسي الذي تكتوي بناره المجتمعات الكافرة في الدنيا .

*والكافر برفضه لعبودية الخالق، سريعاً ما يتحول إلى عبد ذليل لمخلوق مثله ، إما إلى عبد متذلل لطاغية ، أو إلى دكتاتور ، أو زعيم ، أو وثن، وقد يكون عبداً للأهواء، أو الخرافات، والأوهام السخيفة.

جزاء المؤمنين والكافرين غداً :

قال تعالى : ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾[الحج: 19-24] .

وقال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوْ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ [آل عمران: 91] .

وقال تعالى :

﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17] .

الخلاصة :

*الإيمان هو التصديق ـ الثابت ، القوي ـ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وهو يثمر الأعمال الصالحة .

*يقوم الإيمان بالله على الأدلة القاطعة والبراهين القوية ، والمؤمن متحرر من كل عبودية لغير الله، وهو يهتدي بهدى خالقه الحق الذي ينجيه من جحيم الاختلافات البشرية .

*يزيد الإيمان بالملائكة في وعي المؤمن بمخلوقات الله ، كما يسكب الأنس في قلوب المؤمن وينبه فيه مشاعر الخوف من اقتراف المعاصي ، والمسارعة في عمل الصالحات ، وتأثير مراقبة الملكين على المؤمن أقوى من مراقبة فرقة كاملة من الشرطة .

*من الجهالة عدم الانتفاع بإرشادات الصانع ، كما أن من الجهالة الكبرى عدم الانتفاع بكتاب الخالق ـ سبحانه ـ الذي قد حفظ من كل تبديل أو تحريف .

*أرسل الله الرسل ليعلموا الناس كيف يتبعون هدى الله وإذا قارنا بين نتائج دعوات الرسل ودعوات غيرهم، وجدنا الإصلاح النبوي شاملاً لكل جوانب الحياة ، عميقاً ينبع من داخل النفس، دائماً ما دام الناس يهتدون بهدى الله ، ويقوم إيماننا بالرسل على الدليل والبرهان .

*والمؤمن يعرف الحكمة من خلقه ، ودوره في الأرض ، والعمل الذي يرضي ربه ويتجنب ما يغضب خالقه . وهو على علم بالمصير الذي ينتظره بعد موته، والمؤمن عارف بخالقه وبرسول الخالق إليه، أما الكافر فتلفه ياجير الظلام والجهل بكل ما سبق .

*الإيمان باليوم الآخر يدفع إلى عمل الصالحات وإلى التحلي بالأخلاق الفاضلة، وإخلاص العمل لوجه الله ، فترى المؤمن مصدراً لأعمال الخير والصلاح ، والمجتمع الذي يؤلفه الأفراد المؤمنون هو أسعد المجتمعات وأفضلها وأتقاها .

*يبعث الإيمان بالقدر ـ في نفس المؤمن ـ الرضا ، والراحة ، والاطمئنان .

*الكفر هو التغطية للحق ، والكافر لا يؤمن بخالقه ، رغم ظهور آياته في الأرض والسماء، ولا يؤمن برسل ربه رغم ظهو حججهم ، وبراهين صدقهم ، وتراه عابداً لإنسان أو وثن ، ومطيعاً لطاغية أو دجال دون دليل أو برهان .

*بالرغم من أن الكافر لم يخلق لنفسه نعمة من النعم ، فهو يجحد فضل المنعم عليه ، ويستعين بنعم خالقه على ارتكاب معاصيه

*يسبح الكافر في ظلمات من الجهل بالحكمة في خلقه ، ودوره على الأرض ، ومصيره الذي ينتظره ، والعمل الذي ينجيه .

*تعلم الحضارة الكافرة الناس كيف يعيشون فقط ، ولكنها لا تدري لماذا يعيش الناس .

*حياة الكافر كحياة سبع ضار لا يعرف حلالاً أو حراماً ، همة تحقيق مصالحه ، ولذائذه قبل أن يدركه الموت . ولا يبالي أن يهلك الحرث والنسل في سبيل تحقيق أهدافه ، ومن هذه الصورة السيئة للإنسان يتكون المجتمع الكافر .

*يغمر القلق والاضطراب حياة الكافر ، وتراه مقيداً بسلاسل من العبودية لوهم، أو طاغية، أو دجال ، أو هوى .

*يجزي الله المؤمنين رضاه والجنة ، ويعاقب الكافرين بغضبه والنار، أعادنا الله من ذلك .

وجود الله

 

حقيقة فطرية :

أنت موجود .. وهذا الكون الزاخر بخلق الله موجود .

إذن:

ربك ، ورب هذا الكون ، المسير له ، المسيطر عليه، المتصرف فيه لا شك موجود .

قال تعالى :

﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم:10] .

ولقد قال قديماً أحد الأعراب : (إذا كانت البعرة تدل على البعير ، والأثر يدل على المسير، فأرض ذات فجاج ، وسماء ذات أبراج ، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟) .

إيماننا يقوم على الحجة القاطعة :

وإيمان المسلم الصادق يقوم على الحجة القاطعة لكل زيف أو باطل وهو إيمان راسخ بالبراهين والأدلة .

﴿ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ [الأنعام :149] .

ولا يعتبر الإسلام قيمة لإيمان المقلد ، الذي سرعان ما يتزعزع إيمانه وينهار إسلامه بأدنى مجهود من شياطين الجن والإنسان ، لذلك نجد القرآن يستنكر التسوية بين إيمان المبصر الواعي ، وإيمان المقلد الأعمى .

قال تعالى :

﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[الرعد:19] .

فيجب على المسلم أن يكون على علم بدليل إيمانه وبرهان شهادته التي يرددها كل يوم وفي كل صلاة : (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) .

الأدلة على وجود الله :

الأدلة على وجو الله لا تحصى ، وعددها كعدد مخلوقات الله ، فكل مخلوق يحمل أدلة تدلنا على خالقنا وتعرفنا بموجده العليم الحكيم .

قال تعالى : ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية:3] .

وقال الشاعر :

وفي كل شيء له آية       تدل على أنه الواحد

ونعرف وجود الله بطريقين :

أولاً : عن طريق الأدلة المشاهدة في المخلوقات :

وتقوم هذه الأدلة على أسس عقلية لا يخالفنا فيها أحد مهما كان دينه أو جنسه أو علمه أو مكانته وهذه هي الأسس :

العدم لا يفعل شيئاً :

فمن المستحيل أن يوجد فعل بدون فاعل ، ومن المستحيل أن يفعل العدم شيئاً لأنه لا وجود للعدم .

الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته :

إن بين الفعل والفاعل علاقة قوية ، فالفاعل هو المقدمة ، والفعل هو النتيجة ولا يكون شيء في الفعل ليس للفاعل قدرة على فعله . فمثلاً : إذا نظرنا إلى مصباح كهربي عرفنا:

*أن لدى صانع ذلك المصباح زجاجاً .

*وأن الصانع يقدر على تشكيل ذلك المصباح في الشكل الذي تراه (شكل كرة).

*وأن لدى الصانع أسلاكاً من (التنجستن) ذلك لأنه من المستحيل وجود المصباح بزجاجة وأسلاك (التنجستن) التي فيه دون أن يكون له قدرة على تشكيل الزجاج والتنجستن في الشكل الذي تراه في المصباح .

وإذا تأملت جيداً إلى المصباح وتفكرت:

*ستجد الإحكام في الصنع يحدث عقلك أن صانع المصباح حكيم .

*وسترى التصميم الكهربائي يشهد لك أن الصانع خبير بالكهرباء .

وإذا شاهدنا سيارة متحركة، تسير في الطرقات المعبدة، وتتحرك عند اللزوم ، وتتوقف في المكان المعلوم، وتدور في المكان المعد للدوران عرفنا:

*أن سائق السيارة عاقل مفكر .

*وأن له إرادة حكيمة أحكمت توجيه السيارة .

*وأنه على علم بطريقة قيادة السيارة .

* وأنه موجود . فلولا وجوده ما تحركت السيارة تلك الحركات المنظمة الدقيقة.

*هناك علاقة محكمة بين المصنوع والصانع، والفعل والفاعل.

*لا يكون شيء في المصنوع أو الفعل إذا كان الصانع أو الفاعل لا يملك قدرة أو صفة تمكنه من فعل ذلك الشيء في مصنوعه أو فعله .

*كل شيء في المصنوع أو الفعل يدل على قدرة أو صفة الصانع أو الفاعل .

*المصنوع أو الفعل مرآة لبعض قدرة الفاعل وبعض صفاته .

إذن :

*إذا تفكرنا في أي مصنوع أو فعل عرفنا منه بعض صفات صانعه أو فاعله وبعض قدرته.

وكذلك :

*إذا تفكرنا في المخلوقات عرفنا منها بعض صفات الخالق وبعض قدرته سبحانه .

وهكذا عرفنا بعضاً من قدرة الصانع والسائق وصفاتهما من الآثار المشاهدة لأفعالهما أمامنا، وبهذا كان الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته .

فاقد الشيء لا يعطيه:

فنحن إذا شاهدنا مقتولاً في الشارع فإن أحداً منا لا يدعو إلى إلقاء القبض على حجرة بجواز القتيل بتهمة القتل ، لأنها لا تملك القدرة على الفعل ، كما أن الواحد منا لا يزعم بأن حيواناً لا يعقل قد أطلق قمراً صناعياً يدور حول الأرض؛ لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك القمر. وهكذا يحكم العقل حكماً جازماً بأن ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل. وفاقد الشيء لا يعطيه .

تطبيق الأسس العقلية :

1 ـ فإذا طبقنا الأساس الأول : (العدم لا يخلق شيئاً) وشاهدنا ملايين الملايين من الأحداث تحدث كل يوم في هذا الكون الفسيح جزمت عقولنا بأن لكل فعل منها فاعلاً لأن العدم لا يخلق شيئاً.

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾[الطور:35، 36] .

2 ـ وإذا طبقنا الأساس الثاني : الفعل مرآة لبعض قدرة فاعلة وبعض صفاته وجدنا أن هذه الأفعال والأحداث :

*محكمة في نظامها تشهد أنها من صنع حكيم .

*موجهة في سيرها تشهد أنها من صنع مريد .

*عظيمة في تكوينها تشهد أنها من صنع عظيم .

*متناسقة في أعمالها مترابطة في خلقها تشهد أنها من صنع الواحد الأحد.

*خاضعة لنظام موحد تشهد أنها من صنع حاكم مهيمن .

فتجزم كل العقول بأن خالق هذه المخلوقات : حكيم، عليم ، خبير .. الخ .

الوجود :

( أ ) وإذا شاهدنا هذا الملكوت البديع وجدناه دائماً في سيره، مستمراً في نظامه، فيشهد ذلك لكل صاحب عقل، أن حاكمه المهيمن على سيره ، المسيطر على نظامه الثابت المتنوع لا شك موجود دائم .

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ [الزخرف:87] .

﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [العنكبوت:61] .

﴿ قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:84] .

﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون:88] .

﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [يونس:31] .

(ب) إن الصفات السابقة ، التي عرفنا أنها صفات لخالق الكون (حكيم، عليم، خبير، مريد، عظيم، واحد، أحد، حاكم، مهيمن) ، إن هذه الصفات لا تكون صفات لمعدوم إنما هي صفات لا شك للخالق الموجود الدائم .

3 ـ وإذا طبقنا الأساس الثالث : فاقد الشيء لا يعطيه نجد أنه :

لا يوجد بين هذه المخلوقات من يتصف بأنه : الحكيم ، العليم ، الخبير ، المريد ، العظيم، الواحد ، الأحد ، الحاكم ، المهيمن ، الموجود ، الدائم .

إذن :

خالق الكون هو غير الكون المخلوق . هو : الحكيم ، الخبير، المريد، العظيم، الواحد، الأحد، الحاكم ، المهيمن، الخالق، الموجود، الدائم.

قال تعالى :

﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:24] .

وهكذا نجد أن الطريق الأول لمعرفة الله هو التفكر في مخلوقاته. فكلما ازداد الإنسان علماً بمخلوقات الله وأسرار خلقها ازداد إيماناً. لذلك حث الإسلام إلى التفكر وحض على العلم المفيد وأشار خاصة إلى العلوم الكونية التي تبحث في أسرار خلق الله .

﴿ أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:185] .

قال تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر: 27، 28] .

ثانياً : معرفة الله بواسطة رسله:

أنك حقاً قد عرفت بعض صفات صانع المصباح الكهربائي وسائق السيارة ، ولكن هل تستطيع أن تعرف أخلاق صانع المصباح الكهربائي من مشاهداتك لما صنع؟ أهو كريم أو بخيل؟ أهو رحيم أم قاس؟ وهل سيبيع لك المصباح أم لا، وهل هو متواضع أم متكبر؟ وما هي الأشياء التي يحبها والأشياء التي يؤكد لك أن لهذا المصباح الكهربائي صانعاً ولديه الزجاج ولديه أسلاك التنجستن وأنه خبير في الكهرباء وأنه قادر على صناعة هذه المصابيح كما يعرفك بما يعرف هو من أخلاق الصانع السالفة الذكر. ولكنك لا تطمئن إلى شيء مما يقوله مندوب الصانع إلا بعد أن تتاكد أنه حقاً مندوب الصانع، وأنه صادق فيما يقول..

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:60].

وهكذا بالنسبة لكمال معرفتنا بخالقنا ، فنحن نجهل كثيراً من صفات الله التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالاتصال برسل الله الذين يحملون الأدلة التي تثبت حقاً أنهم مرسلون صادقون قد أرسلهم الله. وإن الدنيا لتمتلئ بأخبارهم وقصصهم حتى كاد أن يكون تاريخ البشر هو تاريخهم مع رسل الله.

فالطريق الثاني لمعرفة وجود الله وتأكيد ما عرفناه من مشاهدة مخلوقاته ومعرفة ما غاب عنا من صفاته هو طريق معرفة رسله الذين أيدهم بالمعجزات والأدلة، والبينات، الشاهدة لهم، أنهم رسل رب العالمين حقاً .

قال تعالى : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[الحديد :25] .

جهالة :

وإن تعجب فمن تلك الجهالة المضحكة التي تزعم: أن إيمان المسلم يقوم على مقدمات لم يسلم بها. فهل المقدمات السابقة لا تسلم بها العقول؟!! إن كل عقل سليم من عصبيات الجاهلية لا شك يسلم ويذعن للمقدمات السابقة التي يقوم عليها إيمان المسلم . أما أدلة وبينات رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فستأتي في مكانها .

الخلاصة :

*الإيمان بوجود الله شعور فطري ينبع من النفس .

وعلى المسلم أن يؤيد إيمانه الفطري بالأدلة العقلية القاطعة، والبينات الساطعة، فلا خير في إيمان المقلد الأعمى .

*عدد الأدلة على وجود الله كعدد مخلوقاته، وتنقسم إلى قسمين:

(أ) أدلة مشاهدة في المخلوقات .

(ب) أدلة جاء بها المرسلون.

*القواعد العقلية التي لا يعارضها إنسان هي:

1- العدم لا يخلق شيئاً .

2- الفعل مرآة لبعض قدرة فاعله وبعض صفاته .

3- فاقد الشيء لا يعطيه .

* وبتطبيق هذه القواعد نجد : أن هذه المخلوقات التي تملأ صفحة الكون تشهد بأن لها خالقاً حكيماً ، عليماً ، خبيراً ، مريداً ، عظيماً ، حاكماً ، مهيمناً ، موجوداً .

*استمرار النظام، ودوام السير المحكم يشهد أن خالقه المهيمن على السير والنظام موجود، كما تشهد الصفات المشاهدة آثارها في الكون أنها صفات لخالق موجود، لأن المعدوم ليس له صفات أو آثار .

*لا يوجد مخلوق يتصف بصفات: الحكمة ، والعلم الشامل، والإدارة المطلقة ، والمهيمنة على ما في الكون ، فيشهد ذلك بأن خالق الكون غير هذه المخلوقات المشاهدة.

*آمنا بصدق الرسل لأنهم قدموا لنا الأدلة القاطعة ، والبينات الواضحة على صدق رسالتهم.

*يقوم الإسلام على مقدمات عقلية تسلم بها العقول، ولا يجحدها إل من أصيب بعصبية وجاهلية.

 


 

الله هو المقيت الرزاق

 

قال تعالى :

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس: 24-32] .

نحن والطعام :

هذا الرجل كان بالأمس طفلاً صغيراً فمن أين جاء نمو جسمه؟

هذا الإنسان الذي يتحرك أمامك من أين جاءت له القوة المحركة لأجزائه الساكنة؟!!

من أين جاءت هذه الصحة المشاهدة في الناس؟!!

إن النظرة القاصرة السريعة تجيب فتقول:

الطعام هو الذي نمى الأطفال ومد الأجسام بالطاقة المحركة، وعمل على وقايتها من الأمراض.

فهل يقوم الطعام بذلك حقاً من ذات نفسه بتدبير منه وتقدير، أم أنه يقوم بما سبق بتدبير وتقدير من خالق الطعام؟ وهيا لننظر:

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ

إننا قد وجدنا أنه لكي ينمو الجسم ويتحرك ويكتسب وقاية من الأمراض فهو بحاجة إلى توفير كميات مستمرة إلى داخل كل خلية في الجسد من المواد الآتية: الزلاليات (البروتينات) ، والأملاح، والمواد النشوية، والدهنية، والفيتامينات والماء[2] كما أن كل خلية بحاجة إلى إخراج دائم لبقايا التفاعلات الكيماوية وفضلاتها وإلا أهلكتها تلك البقايا والفضلات .

مشكلات كبرى :

وهنا تبرز أمامنا ثلاث معضلات كبرى :

1 - من أين نتحصل على هذه المواد الخاصة التي يمكن لخلايا أجسامنا أن تتغذى عليها.

2 – من أين لنا كميات هائلة من هذه المواد تكفي لغذاء كل خلية من ملايين الملايين الخلايا في جسم الإنسان باستمرار؟ ثم من أين لبني الإنسان جميعاً وكذا سائر الحيوانات غذاء لكل خلية في كل جسد باستمرار؟ إن الحاجة ماسة إلى كميات خيالية تتوفر باستمرار من المواد الغذائية الصالحة لتغذية الخلايا .

3 – كيف يمكن إمداد كل خلية في جسم الإنسان بهذه المواد سواء كانت تلك الخلية في وسط المخ أو في غلاف الكلية أو في باطن القلب أون في مخ العظام أو في سطح الجلد؟ وكم من الملايين الملايين من الأنابيب الرئيسية والفرعية والشعرية التي يجب أن تمد كل خلية في جسم الإنسان؟ هذه مشاكل كبرى بغير تدبير حل لها نموت .. ويموت كل كائن حي .

أين الحل ومن يصنعه؟

المشكلة الأولى تتمثل في إيجاد المواد الصالحة لغذاء الخلايا وهذه المواد هي :

(أ) الأحماض الأمينية "البروتينيات".

(ب) المواد السكرية "نشويات".

(ج) أحماض دهنية وجلسرين "مواد دهنية" .

(د) فيتامينات.

وهذه جميعاً لا توجد مستقلة على وجه الأرض ، لنذهب إلى مكانها ونأخذ منها حاجتنا.

(و) الأملاح ، وهذه لا توجد مستقلة وإنما توجد مختلطة بالتربة .

(ز) أما الماء فهو يوجد مستقلاً في الآبار والينابيع والأنهار والمياه الجوفية فأين نجد هذه المواد الضرورية لحياتنا؟

إن معظم المواد السابقة توجد في صورة مركبة معقدة في مختلف النباتات أو لحوم الحيوانات، التي تغذت على هذه النباتات ، أو على حيوانات تغذت بالنباتات . فالمصدر الأصلي ـ الخام ـ للمواد السابقة هو هذه النباتات التي تكسو الأرض .

ولكن الموجود في النباتات مواد خام، لا تصلح رأساً لتغذية خلايا الجسم مباشرة . مما يبعث مشكلة جديدة ، وهي :الحاجة إلى أجهزة خاصة ومواد خاصة تقوم بإعداد هذه المواد الخام، وتحويلها إلى مواد صالحة مناسبة لغذاء الخلايا .

أما المواد الخاصة التي تقوم بتحويل الطعام (الخام) إلى طعام صالح للجسم فهي:

( أ ) إنزيمات : الببسين ، الرنين ، التربسين ، الأربسين ، وذلك لتحويل المواد البروتينية إلى أحماض أمينية صالحة لغذاء الخلايا وذلك مثال . وهناك ـ إنزيمات أخرى لتحويل المواد النشوية والدهنية إلى سكر ، وأحماض دهنية وجلسرين. فأين نجد هذه المواد الكيماوية المخصصة بكميات كافية؟

 ما هو الجهاز الذي سيقوم بعملية التحويل هذه؟ ولن نطيل البحث كثيراً عن هذه المواد (الإنزيمات) والجهاز المحول للطعام الخام إلى غذاء مناسب للخلايا لأن الجواب موجود في أنفسنا. إن هذه المواد الكيماوية المخصوصة (الإنزيمات) موجودة في لعابنا، ومعدنا ، وأمعائنا . ولقد خلقت لنا خلايا خاصة (غدد) ونحن في الأرحام ، لتقوم بإنتاج هذه المواد بالكميات الكافية.

وأما الجهاز المحول فهو (الجهاز الهضمي) الذي توجد فيه هذه الغدد المفرزة للإنزيمات الهاضمة. وهو جهاز محكم دقيق قد أعد لوظيفته في غاية الدقة والإتقان، ونحن لا نزال أجنة في بطون الأمهات، ومن دقائق صنع هذا الجهاز أن معدتك تفرز إنزيمات تذيب اللحم. وبالرغم أن المعدة من اللحم إلا أنها قد غطيت بغشاء مخاطي ، يمنع وصول هذه الإنزيمات للحم إلى المعدة .

نحن والنبات :

إذن فمصدر غذائنا الخام هو النبات ، ومصدر المواد الكيماوية الهاضمة التي تعد الطعام الخام ، وتحوله ليكون صالحاً لخلايانا ـ هو تلك الغدد المفرزة للإنزيمات الموجودة في الجهاز الهضمي، الذي أحكم صنعه ، ونحن لا نزال أجنة نتغذى من دماء أمهاتنا .

صنع الغذاء في النبات وتوفيره :

قد علمنا كيف تحصل الخلايا في أجسادنا على المواد الغذائية المناسبة بأخذ الطعام الخام من النبات، وهضمه بواسطة مواد خاصة في جهازنا الهضمي، وبقيت المشكلة الثانية: وهي من أين للنبات كميات الغذاء الهائلة اللازمة لتغذية كل كائن حي؟

وهيا لنتفكر في طعامنا ونتأمل كيف أوجد الرزق الرحيم الحل لهذه المشكلة :

1 – البذور (الأصول النباتية) : نحصل على هذه البذور، والأصول النباتية من نباتات سابقة ، والنباتات السابقة من بذور وأصول سابقة وهكذا حتى نقف وجهاً لوجه مع الأصل الأول لهذه النباتات المتنوعة ، ثم نرى الروعة في إعادة خلقها ، وتكوينها مرة بعد أخرى ، وتوفيرها بكميات هائلة كافية لحاجات كل ما يتغذى على النباتات .

قال تعالى :

﴿ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق: 7-9] .

 المواد الخام :

(أ) التربة: لقد وفرت التربة الصالحة للزراعة بكميات هائلة تكفي لحاجة كل الكائنات الحية.

قال تعالى :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 7، 8] .

(ب) الماء: ولقد وفر الخالق الماء ـ الذي لا يكون زرع إلا به ـ بكميات تكفي حاجة كل الكائنات الحية ، ويسره لنا فنأخذه من الأنهار الجارية , أو العيون ، أو الآبار، أو المياه الجوفية المخزونة قريباً من سطح الأرض. وأصل هذا الماء تلك الأمطار التي تنزل من السحب على الأرض باستمرار بمعدل: (16 مليون طن في كل ثانية) . ومن رحمة منزل المطر أنها تنزل سيولاً هائلة في شكل نطف صغيرة ، لا تضر زرعاً ، ولا إنساناً ولا حيواناً ، وتلك السحب هي: مياه متحركة تحركها الرياح من فوق البحار إلى القارات حيث توجد البذور والتربة.

قال تعالى :

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [السجدة: 27] .

(ج) وبغير الهواء لا تنبت نبتة على وجه الأرض، والهواء الصالح لتكوين الغذاء هو (ثاني أكسيد الكربون) الذي نخرجه من أجسامنا ومن أجسام كل الحيوانات، وبهذا يكون الإنسان والحيوانات مصدراً لمادة من المواد الخام اللازمة لصناعة الطعام، ومن دقائق الخلق والتقدير أن (ثاني أكسيد الكربون) لو بقي في الجو لخنق كل كائن حي ، ولكن النباتات تأخذه باستمرار ، وتخرج لنا (أكسجين) عوضاً عن الذي استهلكناه في أجسامنا .

(د) ومادة الخام الأخيرة هي ضوء الشمس ، الذي يأخذه النبات من الشمس بواسطة المادة الخضراء الموجودة في خلايا النباتات ، والذي يصل إلى وجه الأرض بالقدر الكافي، المناسب للحياة، فلو بعدت عنا الشمس نصف المسافة لتجمد كل نبات وكل حي ، ولو قربت نصف المسافة بيننا وبينها لاحترق كل كائن حي .

قال تعالى :

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ [إبراهيم: 33].

(هـ) المصانع الخضراء في النبات: وفي النبات المصنع الوحيد الذي تدخل إليه هذه المواد الخام (أملاح التربة، الماء ، الهواء، ضوء الشمس) فيصنع من هذه المواد سكراً يتحول إلى مختلف المواد الغذائية: نشويات ، دهون ، بروتينات، فيتامينات. ذلك بواسطة إنزيمات مركبة خاصة، وتفاعلات كيماوية دقيقة مرتبة ، وهذه المصانع الخضراء عبارة عن نقط خضراء صغيرة تسبح في بعض خلايا النبات وخاصة خلايا الأوراق. وينتج النبات من هذه المصانع الخضراء كميات وفيرة هائلة تكفي لتصنيع المواد الخام السابقة إلى أغذية مناسبة صالحة كافية لغذاء كل الكائنات الحية .

قال تعالى :

﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأنعام:99] .

  توصيل المواد الخام إلى المصنع :

إذا عرفنا أن مصانع الغذاء في النبات تتركز في الأوراق والأجزاء الخضراء منه، فإن علينا أن نعرف الآن أن هذه المصانع بحاجة إلى مواد الخام. كما أنها بحاجة إلى وضع تصميم ، وترتيب ، وتنظيم يتم به وصول هذه المواد الخام إلى المصانع الخضراء (البلاستيدات الخضراء) فكيف حل الخالق هذه المشكلة ؟

1 – الماء : قد عرفنا كيف يصل الماء إلى التربة التي تتشربه .

2 – الأملاك : تذوب الأملاح الموجودة في التربة مكونة محلولاً مائياً في الماء والأملاح، وتقوم الماصات الجذرية الموجودة في البذور النباتية ، بامتصاص الماء والأملاح الذائبة فيه بقوة أودعها الله فيها وتسمى بقوة (الضغط الأسموزي) ، ثم تقوم هذه الماصات الجذرية (الشعيرات الجذرية) بتوصيل الماء والأملاح الذائبة إلى أنابيب خاصة موجودة في الجذور قد أعدت لاستقبال الماء والأملاح، ورفعه إلى شتى أجزاء النبات، حيث يصل في فروع صغيرة إلى المصانع الخضراء الصغيرة .

 3 – الهواء : ويدخل الهواء إلى المصانع النباتية بواسطة ثغور صغيرة قد أعدت بإحكام ، وتنتشر في الطبقة السطحية للأوراق، وقد خلق الخالق سبحانه خليتين حارستين أو أكثر تقوم هذه الخلايا بدور البواب الذي يفتح ويقفل بنظام ، وبحسب الحاجة .

4 – الضوء : أما الضوء فيصل رأساً إلى المصانع الخضراء المنتشرة في أجزاء النبات فوق سطح الأرض ، وقد كان تصميم وضع النبات متناسباً مع هذا الطلب منذ أن خرج ذلك الجزء النباتي من البذرة المنبتة الذي شق الأرض وترابها إلى أعلى ، لا إلى أسفل كما يفعل الجزء الثاني الذي سيكون الجذر ، ويحمل معه أصول الأجزاء النباتية العليا من ساق ، وأغصان ، وأوراق ، وأزهار ، وثمار، ولا يخطئ حامل الأوراق هذا في اتجاهه ، كما لا يخطئ الجزء الذي سيكون الجذر حتى لو وضعت البذرة مقلوبة ، فإن حامل المصانع الخضراء يعرف طريقه دائماً إلى أعلى ، حيث يوجد ضوء الشمس.

 الصناعة والتخزين :

  بعد أن وصلت المواد الخام إلى المصانع ، لم تجد أمامها مصنعاً ، أو مصنعين بل استقبلتها ملايين الملايين من المصانع التي تقوم بأخطر إنتاج في العالم وأعظمه ، إنه الإنتاج الوحيد ، من المصانع الوحيدة، القادرة على إنتاج البروتينات ، والدهنيات ، والنشويات ، والفيتامينات ، والأملاح من ماء + أملاح + ثاني أكسيد الكربون (هواء) + ضوء الشمس .

   ومن بديع صنع هذه المصانع أنها تقوم بعملها دون ضجيج أو إزعاج، وتقوم هذه المصانع بعملها في عمليات كيماوية طويلة متلاحقة ، وفي سلسلة متتابعة في الخطوات حتى يكون الناتج هي تلك الثمار اللذيذة الشهية التي ليست إلا مخازن ، خزن فيها الغذاء وأحكم حفظه فيها .

فجئنا نحن نجني هذه الثمار ، ونفتح هذه المخازن وتتغذى عليها ، كما يتغذى كل حي على ما يعده الله في النبات من غذاء .

المعضلة الثالثة :

قد علمنا كيف حلت المعضلتان السابقتان : معضلة إعداد المواد المخصوصة لغذاء الخلايا ، ومعضلة توفير هذه المواد باستمرار وبكميات هائلة وبقيت المعضلة الثالثة وهي : كيف يمكن إيصال هذه المواد إلى كل خلية في جسم الإنسان ، سواء في وسط المخ أو في قشرة الكلية ، أو في سطح الجلد؟ إذ إنه لا معنى لتوفير المواد المطلوبة دون توصيلها إلى المكان المطلوب .

ويجب أن يعرف كل عاقل أن رازقه المقيت الرحيم قد أعد أجهزة كاملة تتعاون لحل هذه المعضلة .

أولاً : الجهاز الهضمي :

فالجهاز الهضمي الذي يبدأ بالفم الذي بغيره ما دخل طعام قط إلى الجوف والذي فيه يقطع الطعام (الخام) إلى قطع صغيرة بواسطة الأسنان التي تحركها عضلات المضغ ثم يطحن الطعام لكي يسهل هضمه ، كما أن هضماً جزئياً يبدأ بواسطة اللعاب الذي تفرزه غدد خاصة موجودة في الفم، والذي يساعد بلزوجته على انزلاق اللقمة ، في المريء إلى المعدة ويقوم اللسان بعملية تقليب الطعام في الفم ليتم خلطه باللعاب ثم قذف اللقمة إلى البلعوم.

ثم ترمي اللقمة إلى الحنجرة حيث يفتح لها لسان المزمار (اللهاة أو شرطي المرور) باب المريء ويسد عليها باب القضية الهوائية ، وتنزلق اللقمة إلى المعدة بواسطة حركات دودية في المريء كما يساعدها على الانزلاق ما يفرزه المريء من إفرازات مخاطية . وفي المعدة تستمر عملية الهضم، حيث يتحول الطعام إلى سائل يسمى (سائل الكيموس) الذي تفتح له فتحة البواب في المعدة ويتجه إلى الاثنى عشر حيث تستمر عملية الهضم التي هي تحويل المادة الخام من الطعام إلى مادة مناسبة صالحة لتغذية خلايا الجسم ، ثم منها إلى الأمعاء الدقيقة ، حيث تستكمل عمليات الهضم النهائية فتصبح المواد الزلالية أحماضاً أمينية ، والمواد النشوية سكراً ، والمواد الدهنية أحماضاً دهنية وجلسرين. ويصبح الطعام بهذه الصورة صالحاً لأن يمتص بواسطة (الخملات) الموجود في الأمعاء ليجري مع تيار الدم.

 ثانياً : الجهاز الدوري :

إن دوريات هائلة ، مستمرة في الدماء ، تقوم بالدوران على كل جزء، وكل نقطة في الجسم، فتأخذ من كل نقطة ومن كل جهاز ما هو مكلف بإعداده. وتقوم هذه الدوريات بإيصاله إلى المكان الخاص الذي أعدله في الجسم. ولذلك فهذه الدوريات تمر على الأمعاء الدقيقة، كما تمر على المعدة والمريء والفم . ولكنها لا تأخذ الطعام إلا من الأمعاء الدقيقة حيث تمت عمليات الهضم، أو بعبارة أخرى : إن الطعام بعد تمام هضمه قد جرى في تيار الدم بواسطة أجهزة خاصة (الخملات) قد أعدت في المكان المناسب الذي تمت فيه كل التفاعلات والتحولات .

ولهذا الجهاز الدوري محطة ضخ مركزية ، هي : القلب الذي يقوم بإرسال هذه الدماء المتدفقة باستمرار . ويمكنك أن تضع يدك الآن على قلبك لتحس عمله الجاد في إرسال هذه الدماء الدائرة إلى استقبالها مرة ثانية وذلك في أضخم شكة مواصلات على الأرض .

  ثالثاً : الجهاز اللمفاوي:

إن المواد الغذائية التي انتقلت من الأمعاء إلى الدم وأرسلها القلب مع تيار الدم إلى كل نقطة في الجسم في حبس داخل الشعيرات الدموية ، وحقاً لقد قطعت هذه المواد الغذائية رحلة طويلة من المصانع الخضراء في النبات إلى أن وصلت الآن إلى قرب الخلية، ولكن ليس إلى داخلها لأن جدار الشعيرة الدموية يمنع انتقالها من الشعيرة إلى الخلية ، فخلق الرزاق المقيت حلاً لهذه المشكلة بخلق جهاز لمفاوي ونحن لا نزال أجنة في بطون الأمهات، ويقوم هذا الجهاز بإعداد سائل اللمف بعملية الوساطة بين الشعيرة الدموية والخلية فيترشح الطعام من الشعيرة الدموية إلى السائل الذي يربط بين الشعيرة الدموية والخلية (سائل اللمف) ويقوم هذا السائل بدوره بإيصال هذه المواد الغذائية إلى الخلية ، وأخذ الفضلات ، والمواد المتبقية من الخلية وتسليمها للشعيرة الدموية التي تقوم بنقلها إلى أجهزة الإخراج العدة لهذا الغرض .

 لهذا كان ذلك الإعداد .

وكل ما سبق ذكره ابتداء من حركات السحب بالماء، وسطوع الشمس بالضوء، وامتصاص الجذور للماء والأملاح ودخول الهواء من ثغور الأوراق وعملية التصنيع في المصانع الخضراء، وانتهائه بدخول (الأحماض الأمينية والسكر والأحماض الدهنية والجليسرين والأملاح الذائبة والفيتامينات) من سائل اللمف إلى الخلية ، كل ذلك ليس إلا توصيلاً للمادة الخام إلى مكان التصنيع الجديد. حيث تحول تلك المواد الغذائية إما إلى عظام أو لحم أو دم أو مخاط أو شمع في الأذن أو مني يمنى أو شعر أو أظافر أو إنزيمات هاضمة وأو هرمونات ، أو أي نوع آخر مما يحتوي عليه جسم الإنسان.

رابعاً : الجهاز الإخراجي:

إن عملية التصنيع السابقة التي تتم في الجسم أو في داخل الخلايا يتخلف عنها فضلات وبقايا. وما لم تطرح هذه الفضلات والبقايا يتعرض الإنسان للهلاك. فخلق الرزاق الرحيم جهازاً خاصاً يقوم بعملية إخراج لهذه المواد المتبقية التي لا فائدة من بقائها . وتبدأ عملية الإخراج عن طريق المعي الغليظ الذي يحمل بقايا الطعام الذي لم يذب في الإنزيمات الهاضمة ويخرجه غائطاً من فتحة الشرج، وتقوم الرئتان بإخراج ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء المتولد في عمليات التصنيع والبناء داخل الخلايا. وأما الغدد العرقية الموجودة على الجلد فمنها يخرج (الملح والبولينا والماء) كما أن هناك كليتين وما يتصل بهما من حالب ومثانة ومجرى بول وعن طريقها ترشح (البولينا وحامض البوليك والماء) من الدماء وتخرج إلى الخارج بواسطة مجرى البول .

 خامساً : الجهاز الهضمي :

وهناك جهاز عصبي في جسم الإنسان يقوم بالإشراف على سير وتنظيم كل عملية من العمليات السابقة وكل عملية أخرى من عمليات الجسم .

 

تفكروا يا أولي الألباب

 

* من أوجد المواد الخام بكميات وافرة تكفي لحاجة كل كائن حي؟ من قدر كميات هذه المواد بما يناسب حياة من عليها؟ من خلق هذه المواد الخام: (البذور، الماء، التربة الصالحة للزراعة، ضوء الشمس، ثاني أكسيد الكربون، المصانع الخضراء)؟ ومن وفرها؟ وما الذي كان يحدث لو كونت الأرض مع نقس مادة من المواد السابقة؟

قال تعالى :

﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾[فصلت:10].

إنه لو زاد سمك الطبقة العليا من الأرض بضعة كليو مترات لاستهلك الأكسجين الموجود الآن كله في تكوين الزيادة في قشرة الأرض، وإذاً لما وجد نبات أو حيوان أو ثاني أكسيد الكربون. كما أن الأكسجين يكون 8و88% من وزن الإنسان في العالم ، والباقي أيدروجين ، فلو أن كمية الأيدروجين زادت الضعف عند انفصال الأرض لما وجد إذن أكسجين، ولكان الماء غامراً الآن كل نقطة في الأرض . ولو يطول اليوم قدر ما هو عليه عشر مرات لأحرقت الشمس كل نبات على وجه الأرض، فمن قدر الليل والنهار على الأرض ليناسب حياة من عليها؟!! مع العلم أن بعض الكواكب نهارها أطول من نهارنا عشرات المرات ، وبعضها قد أصبح جزء منها نهاراً دائماً ، والجزء الآخر ليلاً دائماً .

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [القصص: 71، 72] .

ومن ينظم حركة الأرض مع الشمس بحيث استمرت المحافظة على أصول الأشعة الضوئية بالقدر المناسب للنبات ، وما على الأرض من أحياء ، فلو تبعد عنا الشمس نصف المسافة بيننا وبينها لتجمد كل كائن حي ولو تقرب نصف المسافة لاحترق كل حي؟!.

*ومن يتقن صناعة النبات بحيث يتمكن من استقبال المواد الخام في يسر وسهولة؟ ومن يوصل إليه هذه المواد الخام كما يحدث بالنسبة لنقل الماء إلى البخار ، وتصعيده ، وتكثيفه، وسوقه، وإنزاله، وحفظه، وإيصاله إلى حيث توجد الماصات الجذرية للنبات؟

*من سخر النبات وأمره أن يصنع المواد الوحيدة المعدومة التي تصلح لغذاء الحيوان والإنسان (بروتينات، نشويات ، دهون ، فيتامينات، أملاح) .

قال تعالى :

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾[الملك:21] .

*من أنشأ الملايين الملايين من تلك المصانع الخضراء الصغيرة التي تكسو وجه الأرض بلونها الأخضر الجميل؟ ومن يخلق هذه المصانع الفريدة في كل يوم مع كل نبات ينبت وكل ورقة تتكون؟ ومن منح ذلك المصنع الصغير تلك القدرة العجيبة على تحويل (أملاح التربة، والماء، وثاني أكسيد الكربون ، وضوء الشمس) إلى سكره؟! ثم تحويله إلى المواد المطلوبة لغذاء الإنسان والحيوان؟ ومن أخرج تلك المواد المصنوعة إلى تلك المخازن الغذائية (اللذيذة ليسهل على الإنسان الحصول على أكبر كمية من الغذاء في أصغر حيز؟

*ومن شق لك فمك وعلم أنه في بداية الجهاز الهضمي فزوده بأسنان عظيمة بارزة ، قاطعة، وممزقة، وطاحنة.. والعظام في الجسم مغطاة بلحم إلا في الفم حيث يجب أن تكون العظام مكشوفة؟! وعلم أن تقطيع الطعام وتمزيقه وطحنه وتليينه أمر ضروري لتسهيل انزلاقه في المريء إلى المعدة فخلق العضلات المحركة للأسنان ، وخلق ذلك القلاب الخلاط الماهر: ذلك اللسان ، وأنشأ تلك الغدد اللعابية التي تسكب في الفم لعاباً ، يقوم بجزء من الهضم كما يلين البلعة الغذائية ، ويرابط بلزوجته بين أجزائها؟ ما يا ذوي الألباب؟

قال تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: 8، 9].

من خلق ذلك الفم بما فيه من أدوات في مكانه الصحيح ـ بداية الجهاز الهضمي ـ بالمواصفات المناسبة؟ من يا أولي الأبصار؟!!

*وهيا لنقف قليلاً عند شرطي المرور (لسان المزمار ـ الغلصمة) الذي قف في الحنجرة لينظم دخول الهواء إلى قصبته ، ودخول الطعام إلى المريء ، وبغير خلق هذا الشرطي يحدث الخلل في سير الجهاز الهضمي ، والجهاز التنفسي ، ويموت الإنسان (بشرغة)!! فمن علم بتلك الحاجة الماسة لتلك الزيادة البارزة من لحم ودم (لسان المزمار ـ الغلصمة) ووضعها في المكان الوحيد في جسم الإنسان ـ الصالح لأداء وظيفتها ـ من علم ذلك الإنسان حيث لا يزال جنيناً في بطن أمه وأحاط علمه بأن ذلك الجنين سيخرج من ضيق الرحم إلى سعة الأرض، وأنه سيأكل ويتنفس، وأن الأكل والهواء سيمران من مكان واحد ، وأنه لا بد من إنشاء (لسان المزمار ـ الغلصمة) ، ليقوم بتنظيم سير الطعام والهواء فامتدت به قدرته الرحيمة، وأنشأت ذلك الشرطي الماهر من لحم ودم حسب الوصف المطلوب (تركيباً ، وحجماً ، ووزناً ، ووضعاً) في المكان المحدد المطلوب؟ ألا ترى أن ذلك كله قد تم بعلم وتدبير وحكمة، وتقدير دقيق؟ أم أن في عقلك خللاً كخلل عقول عصبية الجاهلية الذين زعموا أن ذلك قد حدث صدفة، ونشأ بدون علم أو فهم لما يقوم به من وظيفة ودور خطير!! وهل للحم والدم، أو القصبة الهوائية والمريء حكمة أو تدبير، أم أن رحم الأم ، هو صاحب تلك الحكمة البديعة والصنع الحكيم ، والتصوير الدقيق ، وأنه قد علم بما سيؤول إليه أمر الجنين بعد خروجه منه وعلم بحاجته إلى (لسان المزمار ـ الغلصمة) فأنشأه مقدماً؟! وهل يصح في الأفهام وصف الرحم بالعلم، والتفكير، والتدبير؟

قال تعالى :

﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8].

*والمريء قصبة ذات حركات دورية وإفرازات مخاطية ، تعمل بإتقان لتسهيل نزول اللقمة ـ البلعة ـ إلى المكان المعد لها في المعدة ، فمن ربط هذه القصبة (المريء) بالمعدة؟ ولم يربطها بالكبد المجاور للمعدة أو غدة البنكرياس أو إحدى الرئتين؟ ألا يدل ذلك الربط الهادف أن خالق تلك القصبة خبير بما يخلق؟ وليس في الجلد أو العضلات حركات دورية ومخاط يفرز باستمرار ، أما في قصبة المريء من الداخل فذلك موجود لأنه بهذه الحركات الدورية المتجهة إلى المعدة وبتلك الإفرازات المخاطية ، تصل البلعة الغذائية بيسر وسهولة . فهل تم ذلك خبطاً عشوائياً؟ أم أنشء المريء بعلم وخبرة ليقوم بوظيفة محدودة، وهل حدد المريء لنفسه هذه المهمة؟ وهل له علم أو خبرة أو فكر أو تدبير؟ وهل يقدر أن يغير وظيفته حتى تقول : إن له حرية في ترك أو فعل؟

*وهذه المعدة تفرز (إنزيماً) يذيب اللحم ، فمن علم أن لحماً سيأتي إليها فخلق معها تلك الغدد المفرزة لهذا الإنزيم ، وهي بعد قطعة صغيرة من ذلك الجنين الذي يصل إليه غذاؤه جارياً ذائباً مهضوماً مع دماء الأم؟ ومع ذلك فالمعدة أيضاً تتكون من لحم. وإذاً فهذا الإنزيم يشكل تهديداً خطيراً للمعدة نفسها . فمن الخبير بخصائص هذا الإنزيم الذي صنع حائلاً من غشاء مخاطي بين لحم المعدة المخاطي ، من أنشأ هذا الاحتياط العجيب؟ فهل المعدة هي صاحبة هذا التدبير الحكيم، وهل تملك المعدة تفكيراً تحل به المشكلات ، وتصمم الاحتياطات ، وهل يعي ذلك الغشاء المخاطي دوره؟ أم أنه يقوم به كما حدد له خالقه، لا يملك لنفسه تبديلاً ولا تحويلاً . أم أن الخبط الأهوج، والصدف العمياء ، هي التي حددت الوظائف كل جزء في الإنسان ، ووضعت كل شيء في موضعه المناسب، وأقامت هذا النظام المحكم الدقيق كما يتوهم الكافرون؟

انظر ما يقوم أحد أساطين العلوم الحديثة..

إنه "أ. كريسي موريسون" رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك ، وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة سابقاً في كتابه المترجم إلى العربية "العلم يدعو للإيمان" : "..فأولاً نضع في هذا المعمل أنواعاً من الطعام كمادة غفل (خام) دون أي مراعاة للمعمل نفسه ، أو تفكير في كيفية معالجة كيميا الهضم له! فنحن نأكل شرائح اللحم، والكرنب، والحنطة، والسمك المقلي، وندفعها بأي قدر من الماء.. وقد نضيف إلى كل ذلك كبريتا وعسلاً أسود، كدواء في الربيع. ومن بين هذا الخليط تختار المعدة تلك الأشياء التي هي ذات فائدة، وذلك بتحطيم كل صنف من الطعام إلى أجزائه الكيماوية ، دون مراعاة للفضلات ، ويعيد تكوين الباقي إلى بروتينات جديدة تصبح غذاءً لمختلف الخلايا ، وتختار أداة الهضم الجير والكبريت واليود ، والحديد وكل المواد الأخرى الضرورية وتعنى بعدم ضياع الأجزاء الجوهرية، وبإمكان إنتاج الهرمونات,  وبأن تكون جميع الحاجات الحيوية للحياة حاضرة في مقادير منتظمة، ومستعدة لمواجهة كل ضرورة. وهي تخزن الدهن والمواد الاحتياطية الأخرى، للقاء كل حالة طارئة، مثل الجوع.. وحين تتحلل هذه الأطعمة وتجهز من جديد، تقدم باستمرار إلى كل خلية من بلايين الخلايا، التي تبلغ في العدد أكثر من عدد الجنس البشري كله على وجه الأرض. ويجب أن يكون التوريد إلى كل خلية فردية مستمراً وأن لا يورد سوى تلك المواد التي تحتاج إليها تلك الخلية المعينة لتحويلها إلى عظام، وأظافر ، ولحم ، وشعر وعينين، وأسنان ، كما تتلقاها الخلية المختصة .

فها هنا إذن معمل كيماوي ينتج عن المواد أكثر مما ينتجه أي معمل ابتكره ذكاء الإنسان. وهاهنا نظام للتوريد أعظم من أي نظام للنقل أو التوزيع عرفه العالم، ويتم كل شيء فيه بمنتهى النظام! .. ومثل هذه المجموعة من المعجزات لا يوجد، ولا يمكن أن يحدث بأي حال، في غيبة الحياة، وكل ذلك يتم في نظام كامل، والنظام مضاد إطلاقاً للمصادقة. أليس ذلك كله من صنع الخالق؟

*والأمعاء الدقيقة تستلم الغذاء من المعدة وبعضه نصف مهضوم كالمواد الزلالية (البروتينات) التي بدأ هضمها في المعدة ولم يتم فيفرز البنكرياس المادة الكيماوية الوحيدة على وجه الأرض التي تتم هضم المواد الزلالية وتحولها إلى أحماض أمينية . فمن الذي علم أن الأمعاء التي تخلق الآن في ظلمات الأرحام سيصلها في المستقبل غذاء نصف مهضوم من المواد الزلالية والنشوية، فأقام ترتيبات بين النكرياس وهذه الأمعاء تنظم التعاون بينهما لإكمال هضم المواد الناقصة بواسطة إفراز كيماوي (إنزيم) هو الوحيد الذي يعمل على إتمام الهضم؟ وهل يصدق عاقل إذا قيل له إن ذلك الاستعداد المناسب الذي هيئت به الأمعاء في ظلمات الأرحام قد كان بدون علم أو دراية لما سيأتي من المعدة من غذاء؟ وهل تعي الأمعاء هذا الدور الهام الذي تقوم به في سلسلة ترتيبات محكمة قد صممت لإيصال الغذاء الصالح إلى كل خلية في جسمك؟

*والدم يستلم الغذاء من جدر الأمعاء الدقيقة، حيث الهضم قد تم بعد وصول الغذاء إلى الكبد ولا يأخذه من جدر المعدة مع أن العروق الدموية منتشرة في جدرها أيضاً فهل لدى الدم إدراك بأن الهضم لم يتم بعد، وأن عليه أن ينتظر إتمام الهضم الذي سيتم في الأمعاء الدقيقة؟ وما الذي كان يحدث لو طال انتظار الدم لإتمام الهضم حتى يخرج من فتحة الشرج دون أن يؤخذ منه الغذاء؟ فهل عرف الدم المكان الصحيح للامتصاص فوضع أجهزة الامتصاص في المكان المناسب؟ عجباً !! وهل للدم تفكير أو تدبير. وهل يوصف بعقل أو فهم؟ لا شك أن وصف الدم أو طبيعته أو وصف أي جزء من أجزاء جسم الإنسان أو طبيعته بشيء من هذه الصفات لا يختلف عن وصف الأوثان الصماء بالفهم والإدراك والإرادة ، لأن الجميع لا يملك لنفسه تبديلاً ولا تحويلاً . ولا ضراً ولا نفعاً.

*وتلك العروق الدموية التي تكون أضخم وأعقد شبكة في العالم، من مدها إلى كل نقطة من الجسم؟ ومن ربطها بمحطة الضخ العاملة المجدة (القلب) وفروعها دون أن ينسى نقطة في الجسم؟ وهل تم مد تلك الشبكة الدموية في أجزاء جسم الإنسان بوعي أو إدراك أم تخبط ومصادفات؟! وهل تصدق إذا رأيت صورة لهذه الشبكة الدموية وقيل لك : إن هذه الخطوط المترابطة التي تشهدها قد ارتبطت مع بعضها في الصورة بواسطة تفاعلات كيماوية تمت بين الألوان وورق الصورة أو بمصادفات وضعت كل خطة في مكانه؟ إن مد شبكة مياه في إحدى القرى يحتاج إلى مهندسين وفنيين فمن مد هذه الشبكة الكبرى إلى كل نقطة في جسمك وأنت لا تزال جنيناً في ظلمات الرحم؟ وهل قام بذلك التوصيل المحكم الدم واللحم في عضلة القلب؟ وهل لدم أو اللحم وعي أو إدراك؟ أم أن ذلك جاء مصادفة؟ وهل يعي الدم لدوره وما يقوم به من أعمال؟ هل يعلم لماذا يدفعه القلب ليدور على كل نقطة في الجسم ولماذا يدور في الرئة فيأخذ منها (الأكسجين) ويلقي فيها (ثاني أكسيد الكربون) ويمر على الكبد فيأخذ منه (الأنسولين) المنظم لتركيز السكر في الجسم، ويمر على الغدد الصماء فيستلم منها إفرازاتها الدقيقة. ويمر على الأمعاء فيأخذ منها الطعام ويمر على الكلية فيسلمها البول، ويمر على الغدد العرقية فيسلمها العرق لتبريد الجسم عند ارتفاع حرارته يمر على كل جزء من جسم الإنسان فيعطيه حاجته. ويأخذ منه ما يجب توصيله من ذلك الجزء إلى أماكن أخرى في الجسم. فمن جعل هذا السائل الدموي يقوم بوظيفة موزع البريد الماهر؟ ومن حدد له العناوين؟ ومن ربط أعضاء الجسم وأجزاءه به ، وألهمها أنه المؤتمن على إفرازاتها ، وأنه الأمين الذي سيؤدي دوره، ومن قرر المعاش للدم الذي يمكنه من القيام بعمله؟ وأمده بالقوة المحركة الدائمة؟ ومن صمم القلب في غاية الإحكام ليقوم بتحريك الدم؟ وهل يعرف القلب الدور الخطير الذي يقوم به؟ وهل بيده أن يغير وظيفته؟ وإذن فمن الذي يحركه؟!

إن كل عضو وكل جزء في جسم الإنسان يقوم بواجبه الذي لا يقدر على عمل شيء غيره؛ لأنه خلق وركب ليقوم بوظيفته المحددة فليس إلا آلة مسيرة، لا حرية لها ولا إرادة ولا اختيار. فمن الذي قدر سير هذه الأعضاء وحدد وظائفها ونظم بين أعمالها؟ ونسق بينها ذلك التنسيق الهادف المحكم الدقيق؟

قال تعالى :

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ(22)كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ(24)أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25)ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا(26)فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا(27)وَعِنَبًا وَقَضْبًا(28)وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا(29)وَحَدَائِقَ غُلْبًا(30)وَفَاكِهَةً وَأَبًّا(31)مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس:17-32] .

*وسائل "اللمف" بعقده وأنابيبه ، أنه يقوم بتوصيل المواد المختلفة من الخلية إلى الشعيرات الدموية، ومن الشعيرات الدموية إلى الخلايا؛ فلماذا يقوم اللمف بهذه الخدمة للخلايا مجاناً؟ دون أن يعود عليه أي مقابل مباشرة من هذه الخلايا، فهل سخر سائل اللمف نفسه لخدمة الخلايا بإرادته ليحمل إليها الغذاء ويحمل منها الفضلات والبقايا؟ ومن ألهم الخلية وأعلمها أن سائل اللمف يقف على الأبواب فما عليها إلا أن تفتح الأبواب لاستلام التموين وإخراج الفضلات، فمن علمها إخراج الفضلات وإدخال التموين؟!

*وتلك الخلية النشطة العاملة النامية هل قررت القيام بما ألقى عليها من مهام البناء والعمل، ومقاومة الأمراض، بعد أن ضمنت باتفاقية مبرمة بينها وبين كل من يشترك في إعداد غذائها الخاص؟ إن كل الأطراف المعنية ستقوم بواجبها فلا داعي للتوقف أو الإضراب عن العمل!!

وعليه فإن البذور ، والتربة ، والبحار، والرياح، والسحب، وحرارة الشمس، والأنهار ، والعيون، والمياه الجوفية ، والجذور النباتية، والمصانع الخضراء، والضوء القادم من الشمس، وتقلب الليل والنهار، وثاني أكسيد الكربون ، ورئات الحيوانات، وثغور الأوراق، ومخازن الغذاء، والأسنان، واللسان ، والغدد اللعابية، ولسان المزمار (الغلصمة) والمريء وحركاته الدورية وإفرازاته المخاطية، والمعدة (إنزيماتها) وغشائها المخاطي المبطن ، والأمعاء الدقيقة وخملاتها ، وإنزيماتها البنكرياس، والدماء وأنابيب الدماء (العروق والشعيرات) والقلب، واللمف وعقده وأنابيبه ، كل هذه المخلوقات قد قررت الوفاء بشروط الاتفاقية كل فيما خصه لإمداد خلايا الجسم بالغذاء. أم أن هذه المخلوقات تقوم بواجبها الذي قدر لها فقط. وأن هناك خالقاً قادراً عليماً مريداً خبيراً هو الذي خلق خلايا الإنسان محتاجة إلى الغذاء، وهو الذي خلق لها الغذاء وأحكم نظامه وقدر أسبابه. فمن الخالق الرازق؟ العليم الخبير؟ من إلا الله ..

*ألا تشهد كل هذه الأفعال المشاهدة والأحداث التي تقع أمام أبصارنا كل يوم أن لها خالقاً يصنعها؟

*أولا تشهد كل هذه التدابير المحكمة أنها من صنع حكيم مريد؟

*ألا تشهد هذه النظم الرحيمة بحياة الكائنات الحية أنها من فعل الرحيم؟

*ألا تشهد هذه الأقدار المعدة لتدبير أرزاق الكائنات الحية على وجه الأرض أنها من تقدير الرزاق المقيت؟

*إلا يشهد هذا التساند والتنسيق بين كل المخلوقات التي تشترك في صنع وإعداد وتصيل الغذاء إلى كل خلية حية باستمرار أنه من فعل الرزاق الجامع العظيم المحيط علماً بكل ما خلق؟ وأنه خالق الشمس، والتربة والشعيرات الجذرية وأنه مقلب الليل والنهار، وخالق البحار والرياح والسحب والأمطار والأنهار ، وأنه خالق الأرزاق والمصانع الخضراء، وأن خالق تلك البطون الجائعة هو خالق الطعام وخالق الجهاز الهضمي ، والجهاز الدوري والدموي ، والجهاز اللمفاوي ، والجهاز الإخراجي، والجهاز الهضمي ، وأنه خالق واحد ورب واحد بيده مقاليد الأمور؟

بلى .. بلى .. إن كل ما سبق يشهد كما يشهد المسلم شهادة الحق الساطع أن ما سبق ذكره من أحداث وأفعال ، ونظم ، وأقدار من صنع الحكيم ، العليم ، الخبير ، الرحيم ، القادر، الرزاق، المريد، الواحد، الجامع، العظيم.

فمن الذي له هذه الصفات العظيمة، التي تركت آثارها وعلاماتها فيما نشاهده من صنعه وأفعاله؟

*أهو وثن أصم؟

*أم طبيعة عمياء بليدة؟

*أم صدفة عشوائية؟

*أم تفاعل كيماوي لا يملك تدبيراً ، ولا عقلاً ، ولا حكمة ، ولا إرادة ولا يملك لنفسه تبديلاً ولا تحويلاً؟

كلا ... كلا ... إن هذه الأوثان العاجزة لا تقدر على فعل شيء مما سبق بيانه من أفعال هادفة محكمة، وأحداث منسقة بديعة ، وإذن فليست هي الرازقة يا أولي العقول والأبصار.

إنه الخالق ربكم ورب كل شيء .. ليس شيئاً من هذه المخلوقات الضعيفة المشاهدة، إنه العلي العظيم ، الحكيم ، العليم ، الخبير ، الرحيم ، القادر ، الرازق ، المريد، الواحد الأحد، الجامع، العظيم، إنه الله المقيت الرزاق سبحانه. وبهذا تتحدث المخلوقات إلى عقولنا عن خالقنا وتشهد كما يشهد المسلم أنه الله الذي لا إله إلا هو. وصدق الله العظيم القائل:

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور:35-37] .

الخلاصة :

*يحتاج الجسم إلى إمداد دائم بالمواد الغذائية وإخراج للبقايا والفضلات باستمرار ليتمكن من النمو والحركة ومدافعة الأمراض

*المعضلات الثلاثة في أمر تغذية خلايا الجسد هي:

1 – توفير مواد غذائية مخصوصة لا يوجد معظمها على وجه الأرض مستقبلاً .

2 – صنع كميات كافية لحاجة كل خلية حية على وجه الأرض .

3 – توصيل الغذاء إلى كلي خلية مهما كان موقعها في الجسم .

*يقوم النبات بصنع هذه المواد في صورة مواد خام ويقوم الجهاز الهضمي بتحويل المواد الخام إلى المواد المطلوبة، ويصنع النبات المواد الخام الغذائية من مواد خام قد وفرت منذ خلقت الأرض بكميات هائلة كالتربة والماء والضوء الشمس، أو توفر بكميات كافية في كل يوم كالبذور والأصول النباتية وثاني أكسيد الكربون والمصانع الخضراء .

*وقد رسمت طرق محكمة لتوصيل المواد الخام الأرضية إلى المصانع الخضراء داخل النبات، كما أعدت أجزاء من النبات لتخزين المواد الغذائية وتجميعها في أصغر حيز هي تلك الثمار اللذيذة.

*ولقد خلق الرزاق للإنسان وهو لا يزال في بطن أمه أجهزة كاملة تتعاون جميعاً لإيصال المواد الغذائية بعد تحويلها إلى مواد مناسبة إلى كل خلية في الجسد.

*وقد أعد الجهاز الهضمي بالأسنان واللعاب وعضلات المضغ واللسان والخلاط والقلاب والبلعوم ولسان المزمار (الغلصمة) (شرطي المرور) ، والمريء ذي الحركات الدورية والإفرازات المخاطية والمعدة ذات العصارات الهاضمة (الإنزيمات) والأمعاء المتصلة بالنبكرياس ، وعصارتها الهاضمة السابقة وخملاتها الممصتة (أنابيب الامتصاص) للغذاء .

*وتصل دوريات الدم إلى الأمعاء حيث الغذاء المهضوم وحيث توجد المواد المناسبة لغذاء الخلايا، فيحمل معه هذا الغذاء ويدور به كل خلية حيث يحمله سائل اللمف من جدار الشعيرات الدموية إلى الخلايا ويسلم سائل اللمف والبقايا والفضلات التي يستلمها من الخلايا للشعيرات الدموية، لقتوم دوريات الدماء بإيصال كل من هذه البقايا إلى الأجهزة التي أعدت لإخراجها إلى خارج الجسم.

*ويشترك الجهاز العصبي في تنظيم هذه العمليات، وكل عملية من عمليات الجسم.

*إذا تفكرت في العمليات السابقة التي قد أعدت وأجريت، لتحقيق تغذية الخلية الحية، وإذا تأملت في المخلوقات التي قد سخرت للقيام بواجب صنع الغذاء المناسب وتوفيره بكميات هائلة وإيصاله إلى كلي خلية، وإذا نظرت إلى الخطوات المنسقة المترابطة المتتابعة التي تحدث كل يوم واحدة بعد أخرى للوصول بالغذاء إلى حيث الاحتياج له عرفت بعقلك، ووصلت إلى نتيجة منطقية هي أن خالق هذه العمليات الدقيقة المحكمة ومسخر تلك المخلوقات في إعداد الغذاء وتوفيره وتوصيله، ومنشئ تلك الخطوات المحكمة المترابطة المتتابعة التي تحدث كل يوم ـ لا شك ـ أنه خالق عليم ، حكيم ، جامع ، مريد ، رزاق ، رحيم ، خبير ، محيط ، قادر ، عليم ، واحد، أحد .

*وإذا تأملت في كل ما تشاهد من مخلوقات أو في أي وثن من الأوثان المزعومة: كالأصنام أو الطبيعة أو الصدفة أو التفاعل الكيماوي لم تجد من يمكن وصفه بالعلم والإرادة والحكمة، والرزق والرحمة والخبرة والإحاطة والقدرة والوحدانية فيجزم عقلك بأن ليس شيئاً من هذه المخلوقات الضعيفة العاجزة والأصنام البليدة هو صاحب تلك التدابير المحكمة والخلق العظيم الرائع وذلك ما تشاهد على أن خالقه هو غير هذه المخلوقات هو الله الرحمان الرحيم العليم الخبير القادر الرزاق الذي لا إله إلا هو. هو الله باعث الرسل وهادي العقول بآياته التي تملأ الآفاق.
 

حقيقة الإيمان وثمرته

 

الإيمان :

الإيمان بالله يمثل أكرم صلة بين الإنسان وخالقه ، ومن ثم كانت الهداية إلى الإيمان أجل نعمة على الإطلاق، وليس الإيمان مجرد النطق باللسان ، والاعتقاد بالجنان[3]، وإنما هو عقيدة تملأ القلب وتصدر عنها آثارها كما تصدر عن الشمس أشعتها وكما يصدر عن الورد شذاه.

ثمرة الإيمان :

ثمرة الإيمان الأولى ، وأثره الأول : أن يكون الله ورسوله أحب إلى المرء من كل شيء وأن يظهر ذلك في أقواله وأفعاله وتصرفاته .

قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] .

إن الإيمان لا يكمل إلا بالحب الحقيقي: حب الله ، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب الشريعة التي أوحى بها إلى نبيه، وفي الحديث الصحيح، (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:

1 – أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما .

2 – وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله .

3 – وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.

وكما يتمثل الإيمان في الحب في الله يتمثل في الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، والكفاح لرفع راية الحق ، والنضال لمنع الظلم والفساد في الأرض .

قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] .

وأثر الإيمان يبدو واضحاً في خشية الله والخوف منه، فمن عرف الله وعرف عظمته، واستشعر جلاله وكبرياءه، وعرف تقصير نفسه في الواجب نحو ربه خشيه ، وخاف منه.

قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] .

وكلمات كانت المعرفة أكمل كانت الخشية أتم.

والإيمان يربط بين المؤمنين وبين الله برباط المودة والمحبة، ويحدد العلاقة بين المؤمنين وبين أعداء الله الذين يصدون عن الحق، وقد تجلت هذه الصفة في الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم . قال تعالى :

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] .

والعمل الصالح الذي تزكو به النفس، ويطهر به القلب ، وتعمر به الحياة أثر من آثار الإيمان، ولهذا يأتي الإيمان في الآيات القرآنية مقروناً بالعمل الصالح. فالإيمان إذا تجرد عن العمل الصالح كان إيماناً عقيماً، وكان كالشجرة التي لا تثمر ثمراً، ولا تمد ظلاً ، والعمل إذا خلا من الإيمان كان رياء ونفاقاً وهما من شر ما يصاب به الإنسان.

﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [سورة العصر] .

وإذا عرف الإنسان ربه عن طريق العقل والقلب أثمرت له هذه المعرفة ثماراً يانعة وتركت في نفسه آثاراً طيبة ، وسلكت به طريق الخير، وبعثت في نفسه روح الشجاعة ، واحتقار الموت والرغبة فيما عند الله . ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه .

ومن هذه الثمار تحرير النفس من سيطرة الغير، ذلك لأن الإيمان يقتضي الإقرار بأن الله هو المحيي المميت، الخافض الرافع، الضار النافع، قال تعالى معلماً رسوله صلى الله عليه وسلم :

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف: 188] .

والإيمان يبعث على الاعتقاد بأن الله هو الرزاق، لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره.

قال تعالى :

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[هود:6] .

وقال سبحانه :

﴿ وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت: 60] .

وقال عز من قائل:

﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62] .

والإيمان يرفع من قوى الإنسان المعنوية ويربطه بمثل أعلى وهو الله مصدر الخير، والبر، والكمال.

وبهذا يرى الإنسان أن الخير والسعادة في النزاهة والشرف وهذا هو السر في اقتران العمل الصالح بالإيمان بالله.

الطاعة الشاملة لكل ما جاء من عند الله:

وإذا صدق إيمان المرء بربه وخالقه، المالك لكل صغيرة وكبيرة في هذا الوجود، وفي أنفسنا، فإن ذلك يثمر الطاعة الكاملة الشاملة للدين الذين جاء من عند الله .

قال تعالى :

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] .

وقال عليه الصلاة والسلام : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ويجب أن تكون طاعتك لدينك شاملة كاملة ولقد بين الله في كتابه حال المؤمنين والمنافقين فقال سبحانه:

﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ(47)وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ(48)وَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ(49)أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ(50)إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [النور: 47-51] .

وقال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] . فيجب على المؤمن أن يستسلم لخالقه في كل أمر من أمور حياته، وأن يكون الدين الذي أرسله إليه ديناً لعقله ، وقلبه، وعينه ، وأذنه ، ويده، ورجله، وجسده، وبطنه ، وقلمه، ولسانه، وأيامه، ولياليه، ومساعيه، وأعماله.

الدعوة إلى دين الله :

والمؤمن الصادق معتز بدينه، يدعو الناس إليه .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ [فصلت: 33].

وقال تعالى معلماً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدث بصفته وصفة أتباعه:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] .

وبهذا الكلام يكون هم الفرد المؤمن والمجتمع المؤمن نشر مكارم دين ربهم ، وبث محاسنه وفضائله، وبذل الجهد المستطاع في دعوة البشر كافة إلى الإيمان والدخول في دائرته حتى يكون ذلك الدين دين العالم بأسره .

وكما أن الحق لا ترضى طبيعته إلا أن يعيش قاهراً غالباً كذلك من صميم طبيعة عاطفة الحق أن لا يهدأ لها ضجيج ، ولا يقر لها قرار، حينما يتبين لها الحق، إلا بمتابعة الجهود. ومواصلة المساعي لإعلاء كلمة الحق، ورفع رايتها وغلبتها على كل باطل يقوم في وجهها وذلك واجب حمله الله المسلمين بقوله:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143] .

ولن نكون شهداء على الناس كما أراد الله إلا بتبليغ دينه إليهم ، ولقد حمل أسلافنا الصالحون هذا الواجب فساحوا في الأرض شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً يعلون راية الإسلام ويرفعون لواء الإيمان فرددت أرجاء الأرض أصداء دعوتهم وهتاف إيمانهم: الله أكبر. ولا تزال تردد إلى يومنا هذا.

الاتباع وعدم الاتباع:

والمؤمن الصادق يعلم أن الله قد أكمل دينه بما أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فقال تعالى :

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] .

وما بعد التمام إلا النقص، وما بعد الهدى إلا الضلال. فمن زعم أنه سيضيف إلى الدين شيئاً جديداً فقد زعم أن الله لم يكمل هذا الدين ، ويكون بذلك من الكافرين والعياذ بالله، لأنه كذب بالآية السابقة، ومن كذب بآية واحدة فهو كافر .

ولذلك نجد المؤمن الصادق حريصاً على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ [آل عمران: 31] .

موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين:

ومن صفات المؤمن الصادق ذلته على المؤمنين وعزته على الكافرين.

قال تعالى :

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] .

والمؤمن الصادق يعلم أن المؤمنين يسلكون طريق الجنة وأن الكافرين يسلكون طريقاً إلى النار فهو يكره السير في طريق النار ويبذل جهده للابتعاد عن هذا الطريق وأهله، وتراه يوثق صلته بالمؤمنين ويسير معهم في الطريق المستقيم . قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [التوبة:16] .

وقال تعالى :

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:55].

وقال تعالى :

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [التوبة:23] .

وقال تعالى :

﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة :22] .

ومن صفات المؤمنين الصادقين حب كل مؤمن وخاصة السابقين إلى الإيمان من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ الذين كان لهم فضل السبق إلى الإيمان به والنصر له والتأييد. قال تعالى :

﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100] .

وقال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] .

العمل الصالح غذاء للإيمان :

وإذا كان العمل الصالح ثمرة للإيمان ، فهو أيضاً غذاء له ، كما أن النبات يصنع الغذاء ويتغذى على ما صنع . وإذا طرأ خمول على عمل الصالحات ولم يسارع المؤمن إلى التخلص من هذا الخمول فإنه لا يلبث أن يتحول إلى خمول دائم ويضمر الإيمان بقدر البعد عن عمل الصالحات .

قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: 36، 37] .

وأما عمل الصالحات وجاهد نفسه وجاهد الباطل في سبيل الله فإن إيمانه يزداد قوة وقلبه يزداد هداية. قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] .

الخلاصة :

*الإيمان: عقيدة تملأ القلب وتثمر الأعمال الصالحة، وهو أجل النعم وأكرم صلة بين العبد وخالقه.

*يجب أن تظهر آثار الإيمان في الأقوال والأفعال .

*من ثمار الإيمان وعلاماته:

1- أن يكون الله ورسوله أحب إلى المؤمن مما سواهما .

2- أن يحب المرء لا يحبه إلا لله .

3- أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار .

4- الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس .

5- خوف الله ومراقبته وخشيته في السر والعلانية .

6- أن تحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك .

7- العمل الصالح هو الذي تزكو به النفس، ويطهر به القلب، وتعمر به الحياة.

8- التحرر من سيطرة الغير .

9- الإقدام والشجاعة وعدم الخوف إلا من الله .

10- حب الخير والمثل الرفيعة.

*بين الإيمان والعمل الصالح علاقة وثيقة فإذا قوي أحدهما قوي الآخر ومن أهمل عمل الصالحات لا يلبث أن يضمر الإيمان في قلبه ويموت .

الحاجة إلى الرسل وبيناهم

 معرفة الخالق :

أنت  أيها الإنسان مخلوق ، فهل عرفت خالقك؟ وهل عفت صفاته؟

معرفة المالك :

أنت أيها الإنسان لا تملك من نفسك شيئاً، لا تملك يدك، ولا عينك، ولا قدمك ، ولا أصغر عرق أو خلية من جسمك، لأنك لم تخلق شيئاً من نفسك، فهل عرفت مالكك الحق الذي يملك كل شيء فيك؟

معرفة المنعم:

أنت أيها الإنسان لا تملك الماء الذي تشرب ، ولا الهواء الذي تتنفسه، ولا الطعام الذي تأكله ، ولا الأرض الذي تسكن فيها ، ولا تملك شيئاً في كل ما تنتفع به وتستخدمه، وتتصرف به في هذا الوجود ، فهل عرفت مالك كل هذه النعم؟

معرفة الدين :

وأنت أيها الإنسان قد منحت مقدرة على عمل ما تشاء في هذه الأرض، وأعطيت صلاحية التعرف في كثير من الأشياء ، فهل عرفت من الذي استخلفك على هذه الأرض، ومن الذي خولك هذه الصلاحيات؟ وهل عرفت ما الذي يرضيه من عملك؟ وما الذي يغضبه من فعلك؟

﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: 21] .

معرفة الحكمة من الخلق :

وأنت أيها الإنسان محدود المهلة على هذه الأرض ، وأيامك عليها معدودة، وأنت منها خارج كما دخلت عليها:

﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ [الأنعام: 94] .

فهل عرفت لماذا جئت إلى الدنيا؟ إن لأنفك حكمة ولم يخلق عبثاً ، وإن لعينك حكمة ولم تخلق عبثاُ ، وإن لقدمك حكمة ولم تخلق عبثاً ، وإن للعرق الصغير وللشعيرة الدموية في جسمك حكمة ولم يخلقا عبثاً ، ولكن هل علمت ما هي الحكمة من وجودك بأكملك؟ ولماذا جئت إلى هذه الدنيا؟ إنك لن تعرف إلا بتعليم من خالقك وحده ، لأنه هو الذي خلقك وفقاً لإرادته التي أرادها من خلقك ، ولن تعلم إرادته التي خلقك وفقاً لإرادته التي أرادها من خلقك ، ولن تعلم إرادته التي خلقك من أجلها إلا بتعليم منه وحده ، فإرادته سبحانه لا تعلم إلا بتعليم منه ، تماماً كما لا يعلم الناس بالحكمة من أي آلة أو جهاز إلا بتعليم من صانعها وحده .

الجاهلي الأكبر :

ولكي تفهم أهمية معرفة الحكمة من وجودك ما هو رأيك في الشخص الذي لا يعرف الحكمة من عينه. وما رأيك في الشخص الأكثر جهلاً منه الذي لا يعرف الحكمة من عينه وأنفه وأذنه. وما رأيك في الشخص الأكثر جهلاً الذي لا يعرف الحكمة من عينه ولا أنفه ولا أذنه ولا فمه ولا رأسه ولا يده؟ فهل علمت الآن من هو الجاهلي الأكبر؟ إنه ذلك الشخص الذي لا يعرف الحكمة من وجوده على هذه الأرض.

معرفة المصير :

وأنت أيها الإنسان سائر إلى ما سار إليه الأولون ، ومنتقل من هذه الدار كما انتقلت من دار الرحم الصغير ، إلى هذه الدنيا ، فهل عرفت إلى أين المصير؟ وما الذي ينتظرك بعد موتك؟!!

معرفة أسباب النجاح:

وأنت أيها الإنسان لا شك محاسب أمام من استخلفك ، ولا بد أن تجد جزاء عملك الذي علمت في هذه الدنيا ، وأنه لا يمكن لك أن تعلم ما هي الأعمال المرضية لخالقك وما درجتها عنده؟ وما ثوابها؟ ومثلها الأعمال السيئة التي تغضبه سبحانه؟ وما مقدار سوئها؟ وما عقابها؟ فهل تعرف شيئاً من ذلك أيها الإنسان؟

الحاجة إلى الرسل:

إن كل العلوم السابقة تمثل تحدياً للإنسان فمهما أوتي إنسان من ذكاء؛ فإنه لا سبيل إلى معرفة أي شيء مما سبق، إلا بتعليم من الخالق المالك المنعم المحاسب المتصرف، فكل ما سبق لا يمكن لإنسان أن يعرفه إلا بهدي الخالق وحده، لذلك فالبشرية في أمس الحاجة إلى هؤلاء المرسلين ، الذين يطلعهم الله على تلك العلوم السابقة لتعليمها وإبلاغها للناس .

قال تعالى :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26، 27] .

مقتضى الكمال الإلهي:

وإذا كنا نقرر عجز وتقصير أي شركة صناعية ، لا ترسل البيانات الموضحة لفائدة وعمل مصنوعاتها ، عند إرسال هذه المصنوعات للناس، فإن خالق الإنسان المفكر هو الكامل الذي يعجزه ولا ينقصه شيء، ومن كمال قدرته وحكمته أنه لا يخلق إنساناً مفكراً متسائلاً عن خالقه، وصفاته، والحكمة من خلقه ومصيره، وغيرها ثم يتركه لحيرته دون هدى أو بيان، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال تعالى : ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

بينات الرسل :

ولكي لا يكذب أحد رسل الله ، ولكي لا يدعي كاذب النبوة والرسالة ، أيد الله رسله ببينات تشهد لهم أنهم رسله، وتميزهم عن غيرهم ، وتقوم بهذه البينات والدلائل الحجة على الناس .

قال تعالى :

﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[الحديد:25].

فإذا حاج الرسول بعد هذه البينات وخاصمه جاحد ومكابر أجابهم مستغرباً :

﴿ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي [الأنعام:80] .

ووصفهم كما وصفهم الله :

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39] .

من بينات الرسل :

وهذه أمثلة من البينات التي أيد الله بها رسله ، فلقد أيد الله رسوله صالحاً عليه السلام المرسل إلى ثمود بالناقة .

قال تعالى : ﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء:59] .

ذلك أن ثمود طلبوا من رسولهم صالح عليه السلام: أن يخرج لهم ناقة من الصخر لتكون دليلاً على صدق نبوته ورسالته ، فأخرج الله لهم ولكنهم لم يؤمنوا بأجمعهم وما آمن له إلا القليل.

وأما سيدنا إبراهيم عليه السلام ، فقد ألقاه أعداؤه في النار، ولكن الذي قدر في النار خاصية الإحراق، أنقذ رسوله من كيد الكافرين .

قال تعالى :

﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ(68)قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنبياء: 68، 69] .

وأما سيدنا موسى عليه السلام ، فقد أيده الله بتسع آيات بينات عندما أرسله إلى فرعون  ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [من سورة الإسراء:101] .

وقال سبحانه :

﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [النمل: 12-14] .

أما سيدنا عيسى ـ عليه السلام ـ فقد أرسله الله ببينات ذكرها القرآن :

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 110] .

وربما كان لهذه البينات القوية ، كإحياء الموتى التي أيد الله بها عيسى عليه السلام فهم معكوس أعان الجهلة والمحرفين على وصف عيسى أنه ابن الله ـ استغفر الله ـ تلك بعض آيات الله التي أيد الله بها رسله ليعرف الناس ويستيقنوا ، بصدق رسالة الرسل والأنبياء . وأنت تجد هذه البينات قد قامت على أساس أن يستصحب الرسول معه أشياء لا يملكها إلا الله ، حتى يكون ذلك دليلاً على أنه مرسل من لدن صاحب ومالك هذه الأشياء ، تماماً كما ترسل بعض الحكومات مندوبيها ومعهم مصفحات أو سيارات شرطة وضباط وجنود، فيكون ذلك دليلاً كافياً على أن المندوب قد أرسلته الحكومة، وأيدته بما تملك وحدها فيكفي ذلك في تصديقه .

 

السجل الصادق

 

وإذا سأل سائل ما هي معجزات محمد صلى الله عليه وسلم وبينات رسالته التي آمن بها الناس والتي يمكن أن يؤمن بها الناس اليوم؟

 قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف الحقيقة الآتية وهي :

إن المعجزات والبينات التي أجراها الله على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا تزال ظاهرة إلى يومنا هذا شاهدة برسالته كما ستتضح بعد هذا ، إلا أن البينات والمعجزات التي أجراها الله على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والتي انتهت بانتهاء زمن حدوثها كتأييد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرياح والملائكة ، وكنبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم هذه المعجزات والبينات قد سجلت في سجل صادق لا يشك فيه العاقل .

أولاً : القرآن الكريم :

لقد سجل القرآن في صفحاته بعض المعجزات التي حدثت وشاهدها الناس فلقد كان ينزل القرآن منجماً على حسب الأحداث ، ذاكراً لها ، معقباً عليها ، شارحاً لأسبابها مستخلصاً للعبر منها:

قال تعالى :

﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنبياء : 10] .

ولا بد أن يعتقد كل عاقل أن ما سجله القرآن من الأحداث حق لا ريب فيه، حتى ولو لم يكن مسلماً . ذلك القرآن عندا يذكر مثلاً أن الله شتت جموع الأحزاب التي تجمعت لاستئصال المسلمين، ربما أرسل الله عليهم من رياح وجنود لم يرها الناس وأدركوا آثارها .

قال تعالى :

﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9] .

وعندما يسجل القرآن هذه المعجزة البينة ، ويسمع المؤمنون والكافرون ما سجله القرآن أثناء تلاوة القرآن في الصلاة أو المجالس وحلقات العلم ، فإن كان ما سجل حقاً فإن المؤمنين يزدادون ولاء للإيمان .

ولا يجد الكافرون إلا الصمت أو الإيمان . أما لو سجل القرآن ما لم يقع . فسيقول الذين آمنوا به : انظروا أيها الناس فيما يزعم محمد: إنه يزعم أن رياحاً وجنوداً قد سلطت علينا، ولم يحدث شيء من ذلك ، فكيف نؤمن به ونصدق ما يقول وقد ظهر كذبه!!

غير أن الذي حدث هو أن ازداد المؤمنون إيماناً وشكراً لنعمة ربهم ، وتحول الكافرون من عنادهم، وكفرهم، إلى الإسلام وحقائقه الساطعة .

ولقد كان عبدالله بن رواحة أحد الصحابة ينشد قائلاً :

وفينا رسول الله يتلو كتابه
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا

 

 

إذا انشق مكنون من الفجر ساطع
به موقنات إن ما قال واقع

 

كما أن كل عاقل يجب أن يطمئن أن القرآن الذي يقرؤه اليوم هو نفس القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فلو أخذ هذه الآية التاسعة من سورة الأحزاب وذهب إلى لندن وباريس، وموسكو، وواشنطن، وبكين ، وتل أبيب ، وقرى في أذغال إفريقيا ، ومكة المكرمة وأخذ مصحفاً من كل هذه الأماكن ، وفتح على سورة الأحزاب ، بل وما بين دفتي المصاحف جميعاً كلام واحد لم يتغير ولم يتبدل .

قال تعالى :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] .

ثانياً : الحديث النبوي :

لم يوجد رجل في العالم كرسولنا صلى الله عليه وسلم ، اهتم جيله بحفظ أحاديثه كلها عن ظهر قلب، وتدارسها كل يوم ، وعقد حلقات العلم لتدارسها وتعليمها للأبناء ، وإقامة المدارس لمدارستها، وخضوع الناس لمن يحفظ أكبر قدر منها كأئمة المذاهب ، وقيام المئات من رواة الحديث يقضون أعمالها في جمع هذه الأحاديث ، وترتيبها ، وتدوينها ، والسفر من بلاد إلى بلاد للمطابقة بين الأحاديث ، والتحري من ألفاظ الحديث، ورواته وسيرتهم وذلك كالبخاري ومسلم والنسائي وأحمد والترمذي وأبي داود وغيرهم، حتى وجد الرسول صلى الله عليه وسلم بأسانيدها ودرجاتها. ذلك لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم جزء من الدين الذي ينظم السلوك اليومي للمسلم في صلاته وصيامه وزكاته وحجه ، وبيعه وشرائه وزواجه وطلاقه ، وعلاقاته بأسرته وجيرانه كما يوضح للمسلم ما الذي يجب عليه نحو ربه وأمته . هذا الحديث النبوي الذي لقي من المسلمين هذا الاهتمام بعد أن أمرهم ربهم بقوله:

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: 7] .

هذا الحديث النبوي المدون المضبوط ، وثيقة تاريخية ، يقف العاقل أمامها موقف التقدير والاحترام. وسنجد في هذه الوثيقة التي دقق في حفظها معجزات وبينات قد أظهرها محمد صلى الله عليه وسلم للناس . وعلى أساسها آمن الناس وصدقوه .

السيرة النبوية :

وإذا أردت أن تعرف أهمية السيرة النبوية في تسجيل الحقائق ، وأدق تفاصيل وأعمال حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فنأمل في أعظم زعيم اليوم. وسل نفسك هل تعرف اسم أمه أو جده أو بنته؟! وهل تعرف أين ولد هذا الزعيم، وأين تربى ، ومن أرضعته ومن كفله، ومن هم أصحابه، وما أسماؤهم، وكيف كانت بداية صداقته معهم، وما الذي يحب هذا الزعيم من المأكل والملبس والمشرب؟ وما هو رأي هذا الزعيم في أمور الحياة بأجمعها؟ عندئذ أن هناك ألغازاً في حياة الزعيم أنت تجهلها ، بالرغم من الكتب والصحف والإذاعات التي تتحدث عن هذا الزعيم.. وستجد أنك تعرف هذه الأمور بالنسبة لحياة سيدنا محمد صلى الله بل ستجد كتباً قد خصصت لوصف وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وقامته ولونه ، وملبسه ، وشكل حداثة ، وأدق تفاصيل حياته ولست وحدك. بل إن ملايين البشر في كل بقاع الأرض في كل زمن قد علموا بكل تفاصيل حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أدق وأوضح سيرة على وجه الأرض. ولسنا نعرف رجلاً اشتغلت الملايين في قرنه وعهده وما بعدها من قرون، بتفاصيل أعماله ودقائق أفعاله لتجعلها منهاجاً للحياة وشريعة للناس وأدعية في الصلاة والعبادات كما حدث ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فقد أحصيت آثاره ، ونقدت بحذر ومحصت بدقة، وسبب هذه العناية بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وتسجيل كل ما دار وحدث له عليه الصلاة والسلام، أن الاشتغال بهذه العلوم عبادة يؤجر صاحبها وتقربه إلى الله ، وترفعه منزلة اجتماعية ، وتكسبه تقديراً وحباً بين الناس. ونحن نجد أن بعض المعجزات والبينات التي أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم والتي انتهت بانتهاء وقوعها قد سجلت لنا في سجلات صادقة هي: القرآن الكريم والحديث النبوي، والسيرة النبوية، ويمكن لأي إنسان أن يقف على هذه البينات والمعجزات من خلال هذه السجلات الصادقة.

حملة ثقات:

وإذا كانت معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حفظت في سجلات صادقة فإن حملتها هم أوثق من عرفته البشرية، لأن البلاد التي فتحها المسلمون قد أجمعت في شهادتها بصدق إيمان الفاتحين الأرض. فالتحق بهم ودخلت في دينهم، وقاتلت معهم ، وانتسبت إليهم، وتعلمت دينهم ولغتهم ولا تزال إلى يومنا هذا تمجد ذلك اليوم الذي تم فيه فتح أرضها على أيدي المسلمين وخاصة أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الذين علمهم الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه وزكاهم وطهرهم بتوجيهاته وتحت إشرافه، وإذا كانت الأمم قد شهدت للفاتحين من الصحابة والتابعين بصدق الإيمان فانقادت لهم محبة وإكباراً فإن هؤلاء الفاتحين قد شهدوا لعلمائهم الضابطين الأتقياء ووثقوهم بانقيادهم لهم ، واعترافهم بكرامتهم وفضلهم ، وهؤلاء العلماء الضابطون هم الذين حملوا الدين ، وصان الله بهم القرآن وثبت بهم الحديث والسيرة . ويكفينا ما شهد الله به لأصحاب رسوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لنعرف مقدار الدرجة التي وصلوا إليها وأن الله سبحانه قد هيأهم لحمل دينه إلى العالمين . قال تعالى :

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: 110] .

وقال تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾[البقرة: 143] .

وأخبر المولى أنه قد هيأ هذا الجيل لحمل الرسالة فقال سبحانه:

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات: 7] .

وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم :

﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ

وقال سبحانه مبيناً صدق إيمان هؤلاء الصحابة والتابعين وتابع التابعين الذين حملوا هذا الدين فمكن الله لهم في الأرض واستخلفهم .

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾[النور: 55] .

وهذه الأمة الراشدة الصادقة الوسط هي التي حملت هذا الهدى .

الخلاصة :

*إن جهل الإنسان بخالقه ، ومالكه. والمنعم عليه، والدين الذي يرضي ربه، والحكمة من خلقه، ومصيره الذي يسير إليه بموت ، وأسباب النجاح التي تنجيه عند ربه وأسباب الخسران في آخرته. إن الجهل بكل ذلك لا يزيله إلا هدي يأتي من عند الله .

*إن العدل والكمال الإلهي يقتضيان إرسال البيان الشافي لمن خلقهم الله من بني الإنسان المتسائلين عما سبق بيانه .

*ولكي تقوم الحجة على الناس ، ولكي لا يدعي النبوة دجال ، أو كذاب ، فإن الله يؤيد رسله ببينات واضحة ، ومعجزات لا تأتي لبشر تشهد لهم بصدق الرسالة والنبوة .

*من أمثلة بينات الرسل السابقين، ناقة صالح ، ونار إبراهيم، وآيات موسى التسع ، وإحياء عيسى للموتى، وشفاؤه للأعمى ، وغيرها من البينات الأخرى .

*ولقد أيد الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ببينات كثيرة ودلائل دائمة، ومعجزات متعددة، لا تزال باقية ظاهرة ، وأما تلك التي انتهى حدوثها في زمانه ، كتسخير الرياح له ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وتكثير الطعام القليل فقد سجلت في سجلات صادقة .

*يعتبر القرآن سجلاً صادقاً للأحداث التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد كان ينزل منجماً حسب الحوادث ، وكان ما يسجله عن الأحداث لا يتشكك فيه مؤمن، ولا يعارضه كافر، ولو سجل فيه ما لم يقع لعارضه الكافرون، وتشكك فيه المؤمنون .

*ويعتبر الحديث النبوي سجلاً صادقاً أيضاً فلقد كان هم المسلمين حفظ كل حديث يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو كل موافقة منه لأن ذلك جزء من دينهم الذي ينظم سلوكهم الشخصي، وعلاقاتهم بربهم، وأهلهم، وجيرانهم الذي ينظم سلوكهم الشخصي، وعلاقاتهم بربهم، وأهلهم, وجيرانهم ومجتمعهم وكان من يقضي عمره من المسلمين في الاشتغال بعلوم الحديث، ينال الدرجة العالية بين الناس ، وينال رضاء ربه .

*والسيرة النبوية أوضح وأدق سيرة عرفت للإنسان على وجه الأرض فليس فيها غموض، أو لبس، بل هي أوضح بعشرات المرات من سيرة أشهر الزعماء المعاصرين، وقد محصت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بدقة ، وعكف عليها دراسة ، وحفظاً ، وتمحيصاً عبر القرون، وهي بهذا سجل صادق لأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه .

*ولقد حمل هذا الهدى رجال ثقات شهدت لهم الأمم التي كانت تعيش معهم إيمانهم، وصدق قولهم، فاتبعت دينهم وما زالت تتابعهم إلى اليوم، كما شهد القرآن الكريم بصلاحية وصدق هؤلاء الحملة لدين الله من الصحابة والتابعين وتابعيهم .

إشعار سابق

قال تعالى :

﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء:196] .

إشعار سابق :

من بينات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بينة سابقة لظهوره لا دخل له فيها، تلك البينة هي الإشعار السابق من الله سبحانه للناس في الكتب الإلهية السابقة. بأنه سيرسل رسولاً بعد عيسى عليه السلام، حدد الله مكانه وبين علامات زمانه، ووضح أوصافه هذا الرسول لكي يعرف بها عند ظهوره، وعندما بدأت أمارات الزمن تظهر ، أخذ الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى يعلنون عن قرب ظهور النبي المنتظر، وبينما الناس ينتظرون ظهور هذا النبي إذا به يظهر في المكان المحدد وفي الوقت المعلوم، ويأتي علماء النصارى وأحبار اليهود، فيتفرسون في أوصافه صلى الله عليه وسلم، فيعرفون انطباق كل الأوصاف عليه فيعلن الكثير منهم إسلامه وإيمانه ومفارقة دينه، وتحوله إلى الدين الجديد، تلميذاً متعلماً بدلاً من العالم المعلم، وفرداً وتابعاً بدلاً من زعيم متبوع، حتى حاج القرآن المشركين بإسلام هؤلاء العلماء من بني إسرائيل:

﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:197] .

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: 52، 53] .

زمن ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم :

1 – حرفت التوراة والإنجيل فانعدم وجود التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، وبقي لدى اليهود أسفار يدعون أنها التوراة ، وليست إلا كتابات قام بها بعض علمائهم، وينقص هذه الأسفار وجود سند متصل إلى ـ موسى عليه السلام ـ كما أن إنجيل عيسى ـ عليه السلام ـ قد اختفى وضاع من بين أيدي المسيحيين ، واستبدل بدلاً عنه سبعون إنجيلاً اختصرت أخيراً إلى أربعة أناجيل هي : إنجيل متى ، إنجيل مرقص ، إنجيل لوقا، إنجيل يوحنا. وأنت ترى أن كل إنجيل قد نسب إلى صاحبه الذي كتبه. فهذه الأسفار والأناجيل بمثابة سيرة لموسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ وهي أيضاً سير ليست صحيحة كلها ، أو ملزمة ، وقد احتوت التوراة والإنجيل. وبلغ الضياع الديني أوجه عندما انقسم النصارى إلى فرق متعددة يكفر بعضها بعضاً، وكل منهم لا يستند على شيء ثابت كما بلغ الصراع بين اليهود والنصارى درجة كبيرة كل يسفه الآخر ويسخر ، ولقد سجل القرآن الكريم هذا الموقف:

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:113] .

وهكذا خلا العالم من هدى الله ، وتخبط الناس في ظلمات الجاهلية المشركة أو الوثنية ، وهكذا بدا لكل من يعرف سنة الله في خلقه أنه لا بد للهادي سبحانه أن يبعث نوراً يهدي به الناس إلى طريقه القويم ، ولقد جاء في إنجيل (برنابا) في الفصل الثاني والسبعين على لسان عيسى عليه السلام مخبراً للحواريين عن زمن مجيء الرسول الذي من بعده قائلاً : (إنه لا يأتي في زمنكم بل يأتي بعدة سنين حيثما يبطل إنجيلي ولا يكاد يوجد ثلاثون مؤمناً. في ذلك الوقت يرحم الله العالم فيرسل رسوله الذي تستقر على رأسه غمامة بيضاء) .

كثرة أخبار ظهور الرسول صلى الله عليه وسلم :

لما ظهرت علامات الزمان الذي سيظهر فيه الرسول المنتظر. أخذ الأحبار والرهبان لهم اطلاع يكثرون من الإعلان عن قدوم الرسول المنتظر، وقد حفظ القرآن ، وكتب الحديث والسيرة طرفاً من هذه الأخبار.

فهذا سيف بن ذي يزن الحميري يبشر عبدالمطلب بأنه سيأتي من نسله النبي المنتظر بعد أن استمع إلى نسبة المتصل بإسماعيل عليه السلام .

وهذا زيد بن نفيل وجماعة من أصحابه ، قد خرجوا عن دين إبراهيم فوصل زيد إلى راهب بالشام قال لزيد: إنك لتطلب ديناً ما أنت بواجد من يدلك عليه ، ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم فالحق به .

وهذا قس بن ساعدة الإيادي يقول في خطبة له في سوق عكاظ : (إن لله ديناً هو أحب من دينكم ـ يتحدث لقومه العرب ـ ونبياً قد حان حينه وأظلكم أوانه) . أما يهود المدينة فقد أكثروا من الإعلان بمقدم النبي المنتظر وكانوا يتوعدون العرب المشركون بظهوره ، وبأنهم سيتبعونه ويقتلونهم معه قتل عاد إرم . ولقد سجل القرآن موقف اليهود هذا ، وواجههم به ، واحتج عليهم بما كانوا يقولون قبل نزول القرآن، وأخذ المسلمون بدورهم يحاجون اليهود، فلا يجد اليهود إلا أن يعترفوا أمام المؤمنين. وإذا خلا بعضهم إلى بعض تلاوموا. لقد كان اليهود يقولون إذا دهمهم أمر: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة . وسجل القرآن الكريم استفتاح اليهود هذا على العرب المشركين عندما يظهر النبي المنتظر بقوله:

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ  عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة: 89] .

كما سجل القرآن الحوار والجدال اللذين كانا يدوران بين المسلمين واليهود حول ما كان اليهود يعلنون من أن نبياً سيظهر .

قال تعالى :

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة:76، 77] .

فلقد كان اليهود يعترفون بما كان منهم سابقاً ، ويؤكدونه ، وهم يعلمون أن ذلك سيكون عليهم حجة عند ربهم لعدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، لذلك كانوا يلومون بعضهم على ما كانوا يقولون للناس الذين سيشهدون عليهم يوم القيامة بأنهم يعرفون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما آمنوا به ـ فكانوا يصفون أنفسهم على فعلهم هذا بالجنون (أفلا تعقلون) ، ويرسمون طريقاً آخر لكتمان الحقيقة بعدم التحدث عما في التوراة من بشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يعتقدون أن الله لا يحاسبهم إلا بما شهد عليهم به الناس .

﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ .

وهذه المدينة يسلم أهلها قبل إسلام أهل مكة . مع طول لبث الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، ، بسبب ما كانوا يسمعون من جيرانهم من اليهود ـ سكان المدينة ـ من أوصاف وبشارات بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فلقد كان ما قاله أول وفد أسلم من المدينة عندما رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم : إن هذا والله للنبي الذي توعدكم به (يهود) فلا يسبقنكم إليه .

المتحققون :

1 ـ الراهب (بحيرا) :

عندما خرج محمد صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب أثناء سفره الأول إلى الشام، التقيا بالراهب بحيرا الذي تفرس في محمد صلى الله عليه وسلم ورأى معالم النبوة في وجهه ، وبين كتفيه فسأل أبا طالب :

الراهب : ما هذا الغلام منك؟

أبو طالب : ابني .

الراهب : ما يغبني أن يكون أبوه حياً !

أبو طالب : فإنه ابن أخي مات أبوه وأمه حبلى به .

الراهب : صدقت ارجع به إلى بلدك واحذر عليه (يهود)[4] .

2 ـ الراهب (نسطورا) :

وكما تعرَّف بحيرا على محمد النبي أثناء رحلته الأولى إلى الشام، تعرف عليه أيضاً الراهب (نسطورا) الذي رأى الغمامة تظله ـ عليه الصلاة والسلام ـ .

قال تعالى :

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾[المؤمنون : 69] .

3 ـ نجاشي الحبشة (أصمحة) :

عندما سمع النجاشي بعضاً من آيات القرآن يتلوها عليه جعفر بن أبي طالب بكى حتى اخضلت لحيته وقال : (إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة)[5] ولهذا كانت الحبشة مأوى للمسلمين في هجرتهم الأولى والثانية إذا ضاقت بهم أرض العرب ، ولما وصل عمرو بن أمية الضمري بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يدعوه فيه إلى الإسلام ، وضع النجاشي على رأسه ونزل من على سريره تواضعاً ، وكتب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً يعلن فيه: أنه قد آمن. وأرسل النجاشي وفداً من النصارى كان فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام هم: بحيرا الراهب ، وإدريس ، وأشرف وأبرهة ، وثمامة فبكوا حين سمعوا القرآن. وفي هؤلاء العلماء من النصارى الذين اغرورقت عيونهم بالدمع عند سماعهم القرآن نزل قوله تعالى :

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[المائدة : 82، 83] .

4 ـ وفد علماء النصارى إلى مكة :

عندما سمع النصارى بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم أرسل النصارى وفداً إليه مكوناً من عشرين شخصاً فلما جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وسمعوا القرآن وأجوبة الرسول صلى الله عليه وسلم على أسئلتهم ، فاضت أعينهم بالدمع وأسلموا. فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب ، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تطل مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم! ما نعلم ركباً أحمق منكم ـ أو كما قال لهم ـ فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألوا أنفسنا خيراً . وفي هذا الوفد نزل قوله تعالى مسجلاً الحادث :

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ(52)وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ(53)أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(54)وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾[القصص: 52-55] .

عبدالله بن سلام :

وهو من كبار أحبار اليهود ، لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة توجه إليه عبدالله بن سلام يتحقق من العلامات فلما تحقق أعلن إسلامه، ولكنه طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتم إسلامه حتى يسمع رأي اليهود فيه، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود وأخذ يسألهم عن صاحبهم عبدالله بن سلام ـ وعبدالله مختبئ في مكان قريب ـ فقالوا : إنه سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا ، فخرج عليهم عبدالله بن سلام ودعاهم إلى الإسلام والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة ، فرفضوا واستكبروا وفي هذا العالم اليهودي نزل قوله تعالى مخاطباً العرب:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[الأحقاف: 10] .

6 ـ زيد بن سعنة :

وهو من أحبار اليهود الذين أسلموا : لنتركه يروي بنفسه قصة إسلامه قال : لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه[6]:

1 ـ يسبق حلمه جهله .

2 ـ ولا تزيده شدة الجهل إلا حلماً .

فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله فابتعت منه إلى أجل فأعطيته الثمن، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة أتيت فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله يا بني عبدالمطلب لأنتم قوم مطل (مماطلون) .

فقال عمر : يا عدو الله ، أتقول لرسول الله ما أسمع؟ فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك .

ومحمد صلى الله عليه وسلم ينظر عمر في سكون وتؤدة ، وتبسم ثم قال :

(أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر . أن تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن الاقتصاء، اذهب يا عمر فاقضه حقه وزد عشرين صاعاً مكان ما روعته ـ أي بدل ترويعك له ـ ففعل.

فقلت : يا عمر كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما :

يسبق حلمه جهله .

ولا تزيده شدة الجهل إلا حلماً .

فقد خبرتهما ، فأشهدك أني قد رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً[7].

7 ـ سلمان الفارسي :

ولما سمع سلمان الفارسي بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ذهب للقائه وأخذ يمتحن فيه ثلاث علامات :

1- لا يأكل الصدقة .

2- يقبل الهدية .

3- علامة على ظهره كبيضة .. أمارة جسدية بأنه النبي المنتظر ، وكان قد تعلم هذه العلامات من راهب الشام .

فقدم سلمان حفناً من تمر للرسول صلى الله عليه وسلم وقال له : هذه صدقة ، ففرقها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ولم يأخذ منها .. هذه واحدة .

ثم عاد سلمان بحفن آخر وقال له : هذه هدية ، فأخذ منه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال سلمان وهذه الثانية ، ثم أخذ سلمان يحاول رؤية ختم النبوة في ظهر النبي صلى الله عليه وسلم حتى رآه فأعلن إسلامه .

8 ـ مخيريق اليهودي :

وهذا مخيريق اليهودي يتحقق من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيعلن إسلامه ويحارب معه، ويقدم الدليل على إيمانه بأن يوصي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون ماله له إن هو قتل في المعركة، فاستشهد رحمه الله ، وكان ما له من بعده صدقة لفقراء المدينة .

إن ما سبق ذكره أمثلة فقط للآلاف والملايين من أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم وإسلامهم ذكره أمثلة فقط للآلاف والملايين من أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم وإسلامهم عن طواعية ورضا. وذكر القرآن مواقف بعضهم محتجاً على الأعراب الذين لا يزالون يكابرون في الحق .

قال تعالى :

﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾[الشعراء:197] .

وقال تعالى :

﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾[البقرة: 146] .

تغيير  اليهود والنصارى للبشارات :

بعد أن ظهر محمد صلى الله عليه وسلم غير اليهود والنصارى البشارات وبدلوا حتى لا تبقى للمسلمين عليهم حجة . يقول المؤرخ الإنجليزي الشهير (جيبون) في (ج5) من كتابه: إن الأحبار والرهبان صوروا وبدلوا بعد ظهور الإسلام نصوصاً كثيرة في التوراة والإنجيل . ويقول المسيحي الذي هداه الله بشرى زخاري ميخائيل في كتابه (محمد رسول الله هكذا بشرت الأناجيل) : إن الرهبان قد حرفوا وبدلوا ويظهر ذلك من اختلاف الطبعات للإنجيل بفعل أيدي الرهبان حذفاً وتحريفاً . ويبين لنا أحد رجالات المسيحية أنفسهم هو الأب عبدالأحد داود الأشوري (مطران الموصل) في كتابه ( الإنجيل والصلب) نحواً من هذا التحريف الذي حصل فيشير إلى عبارة (الحمد لله من الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة) لم تكن هكذا من الأول بل كانت : (الحمد لله في الأعالي ، وعلى الأرض إسلام ، وللناس أحمد) فانظر كيف فعل التحريف باسم محمد واسم الدين .

بقايا نور :

وبالرغم من التحريف والتأويل . فقد بقي في التوراة المحرفة والأناجيل المحرفة ما يشير إلى قدوم محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن أمثلة ذل :

في أسفار التوراة :

1 ـ جاء في الإصحاح الثامن عشر في سفر التثنية قوله ـ أي موسى عليه السلام ـ : قال لي ربي : قد أحسنوا فيما تكلموا ، سوف أقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوتهم وأجعل كلامي في فمه ، فيكلمهم بكل ما أوصيه به ، ومن لم يطع كلامه الذي يتكلم به باسمي فأنا أكون المنتقم من ذلك أما النبي الذي يجترئ بالكبرياء ويتكلم في اسمي ما لم آمره به بأن يقوله أم باسم آلهة غيري فليقتل (17-20) .

وهذه البشارة ـ كما يقول بشرى زخاري ميخائيل[8] ـ ليست بشارة (يوشع) كما يزعم أحبار اليهود ، كما أنها ليست بشارة السيد المسيح كما يفسر ذلك علماء اللاهوت المسيحي، بل هي بشارة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك لعدة أسباب ذكرها (بشرى زخاري) منها :

أنه جاء في البشارة لفظ مثلك ، ويوشع لم يكن مثل موسى فلم يوح إليه بكتاب. ولقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الرابع والثلاثون : (ولم يقم بعد ذلك نبي في بني إسرائيل مثل موسى يعرف الرب وجهاً لوجه) كما أن المسيح عيسى السلام لم يكن مثل موسى ، فقد ولد من غير أب وتكلم في المهد ولم تكن له شريعة كموسى كما أنه اختلف عن موسى في وفاته فموسى عليه السلام مات وعيسى ـ عليه السلام رفعه الله . كما أن لفظ (من بين إخوتهم) لا ينطبق على (يوشع) الذي كان حاضراً في الأسباط الاثنى عشر فلو كان المقصود (يوشع) أو المسيح لقالت البشارة (منهم) أي من بني إسرائيل ولكن البشارة قالت : (من بني إخوتهم) ولقد كان إسماعيل وذريته ، التي منها محمد صلى الله عليه وسلم إخوة لإسحاق ويعقوب (إسرائيل) وذريته .

ولقد ثبت في إنجيل يوحنا أن اليهود كانوا ينتظرون المسيح ونبياً آخر غير المسيح في زمن ظهور المسيح، جاء في إنجيل يوحنا قوله : (وإن قوماً من الجمع لما سمعوا كلامه قالوا هذا في الحقيقة هو النبي. وقال آخرون هذا هو المسيح) (40- 41) .

وجاء في البشارة قول (سوف أقيم لهم) و(يوشع) كان حاضراً عند موسى داخلاً في بني إسرائيل فكيف يصدق عليه هذا اللفظ؟

وجاء في البشارة لفظ (أن النبي الذي ينسب إلى الله ما لم يأمره به يقتل) فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً لكان قد قتل ، لكن لم يستطع أحد قتله رغم كثرة المحاولات ، ورغم ما أحط بها من دسائس ومؤامرات .

2 ـ جاء في التوراة[9] قوله (هم أغاروني بما ليس إله وأغضبوني بمعبوداتهم الباطلة وأنا أيضاً أغيرهم بما ليس شعب وبشعب جاهل أغضبهم) أي أن الله يقول : إن اليهود أغاروني بعبادة الأوثان كالعجل ، وأنا أغيظهم يجعل الهداية والنبوة في شعب جاهل. وقد كان العرب أشد الناس احتقاراً عند اليهود لكونهم أولاد إسماعيل وهو ابن الجارية وهم أبناء إخوة إسحاق ابن الحرة :

وقد تحققت هذه الإغاظة لليهود بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم .

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[الجمعة:2] .

ولقد حاول بعض علماء اللاهوت كما يقول الأستاذ بشرى زخاري ميخائيل رد هذه الجاهلية إلى الشعب اليوناني ، ويرد الأستاذ بشرى[10] عليهم بقوله : لكن واضح أن اليونان قبل ظهور المسيح بمئات السنين كانوا متفوقين في العلوم والفنون ، وكان اليونانيون في عهده في أعلى مستوى من الكمال في الفنون ، وكانوا واقفين على أحكام التوراة، وسائر كتب العهد القديم.

3 ـ جاء في التوراة الحالية (الترجمة العربية المطبوعة عام 1844م) قوله : (جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير ، وتلألأ من جبل فاران) ويرى المفسرون أن هذه العبارة الموجودة في التوراة تشير إلى أماكن نزول الهدى الإلهي إلى الأرض .

فمجيئه من سيناء : إعطاؤه التوراة لموسى .

وإشراقه من ساعير : إعطاؤه الإنجيل للمسيح .

وساعير : سلسلة جبال ممتدة من الجهة الشرقية من وادي عربة في فلسطين وهي الأرض التي عاش فيها عيسى عليه السلام .

واستعلاؤه من جبل قاران : إنزاله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم ، وفاران : هو الاسم القديم لأرض مكة التي يسكنها إسماعيل عليه السلام ، كما جاء ذلك في التوراة (سفر التكوين 21: 22) .

وقد رأى القس الذي اهتدى أخيراً (إبراهيم خليل أحمد) أن هذه البشارة تتطابق مع قوله تعالى:

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1)وَطُورِ سِينِينَ(2)وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾[التين : 1-3] .

فالله قد أقسم بنفسث الأماكن الثلاثة التي ذكرت في التوراة نظراً لأهميتها؛ فالقسم بالتين والزيتون: مجاز من منابتهما في فلسطين، حيث سكن عيسى عليه السلام ، وتقابل : ساعير.

والقسم بطور سينين : قسم بالجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام .

والقسم بالبلد الأمين : مكة المكرمة وتقابل فاران .

4 ـ وجاء في التوراة[11] وعد من الله لإبراهيم عليه السلام بأن يجعل من ابنه إسماعيل ـ ابن الجارية ـ أمة هادية عظيمة (وابن الجارية أيضاً سأجعله أمة لأنه نسلك) ولم تكن أمة هداية عظمى من نسل إسماعيل عليه السلام ، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ هذه بعض الأمثلة لما بقي من نور التوارة غفل المحرفون عنها ، وهناك بشارات أخرى في التوراة غير هذه.

من الأناجيل :

1 ـ جاء في إنجيل متى حديث من عيسى عليه السلام ـ (يسوع) كما تسميه الأناجيل ـ لقومه : ( ما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناءون ، قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا لذلك أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمة تعمل أثماره)[12] .

في هذا الكلام إشارة إلى أن نور الهداية الإلهية سينزع من بني إسرائيل يهوداً ونصارى، ويعطي لأمة أخرى تعمل به ، وأن هذه الأمة لا ذكر لها ولا ستصبح رأس الزاوية . ولقد قال محمد عليه الصلاة والسلام : (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله ، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البناء فيقولون : ألا وضعت ها هنا لبنة فيتم البناء؟ فأنا اللبنة جئت فختمت الأنبياء)[13] .

2 ـ وجاء في إنجيل[14] يوحنا الإصحاح الرابع (20-24) : نقاش بين يسوع (عيسى عليه السلام) والمرأة السامرية أعلن عيسى عليه السلام في هذا الحوار أن القبلة التي يصلي إليها الناس سوف تغير في وقت آخر إلى مكان آخر . ومن المعلوم أن القبلة لم تغير في وقت آخر إلى مكان آخر. ومن المعلوم أن القبلة لم تغير في وقت عيسى عليه السلام كما أنه من المعلوم أ، القبلة لا تتغير إلا بواسطة رسول يرسله الله ولم تغير القبلة إلا عندما جاء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن البشارة في هذا الإنجيل قد انطبقت على محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ جاء في هذا الإنجيل أن المرأة السامرية قالت ليسوع : (آباؤنا سجدوا في هذا الجبل ، وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه . قال يسوع : يا امرأة صدقيني إنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ، ولا في أورشليم تسجدون لله .. (الله روح) والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا) .

وقال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم :

﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾[البقرة: 144] .

3 ـ جاء في إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر (18) حديث يسوع (لكني أقول لكم إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق يأتكم الفارقليط) ، والفارقليط لفظ معرب للفظ اليوناني (بير كلوطوس) الذي هو قريب من معنى محمد وأحمد وقد استدل علماء الإسلام على النصارى بهذا اللفظ لكن النصارى قالوا : إن الأصل اليوناني هو : (باركلي طوس) الذي هو بمعنى المعزي أو المعلم .

4 ـ جاء في إنجيل يوحنا (16 – 12 – 13) . قول (يسوع) : إن لي كلاماً كثيراً أقوله لكم ، ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن. وإذا جاء روح الحق ذلك هو يعلمكم جميع الحق ، لأنه ليس ينطق من عنده ، بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيأتي . وهذه بشارة برسول يأتي بعد عيسى عليه السلام ولم يكن رسول بعده أخبر بما سيكون في المستقبل حتى قيام الساعة غير محمد صلى الله عليه وسلم . هذه أمثلة لبعض البشارات في الأناجيل الحالية ، وهناك بشارات أخرى .

قبس من النور الأول : (إنجيل برنابا) :

إن التحريف في التوارة والإنجيل قد لعب دوره في إخفاء البشارات التي كانت البشارات في التوراة والإنجيل في زمن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما قبله، والتي أسلم عليها وفود من العلماء من اليهود ، والنصارى وشعوب كثيرة ولكن شاءت العناية الإلهية أن تكتشف قبساً من النور كان البابوات قد عملوا على إخفائه فقد صدر في عام 492م أي قبل ظهور الإسلام أمر من البابا جلاسيوس بتحريم قراءة بعض الكتب وكان من بينها كتاب يسمى (إنجيل برنابا) وصودر هذا الإنجيل من كل مكان غير أن مكتبة البابا لم تخل من هذا الكتاب، وشاء الله أن تظهر آياته على يد راهب لاتيني هو الراهب (فرامينو) الذي عثر على رسائل (الأبريانوس) يذكر فيها إنجيل برنابا ويستشهد به ، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا هذا. وقد توصل إلى مبتغاه لما صار أحد المقربين إلى البابا (سكتش الخامس) فقد كانت مكتية البابا محتوية على هذا الإنجيل وقد كتب باللغة الإيطالية وعلى الورق الإيطالي المعروف بالآثار المائية التي فيه والتي يمكن اتخاذها دليلاً صادقاً على تاريخ النسخة الإيطالية فأخذ الراهب (فرامينو) هذا الإنجيل وأخذ يقرؤه فإذا فيه : أن عيسى عليه السلام ، ليس إلا رسولاً من عند الله ، وأن الرسول المنتظر هو محمد عليه الصلاة والسلام جاء في إنجيل برنابا قوله: (وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله)[15] ولما عرف الراهب (فرامينو) الحق ساطعاً أسلم وعمل على نشر الكتاب وأخرجه من الأسوار المنيعة التي حبسه البابوات بداخلها ، وإلى جانب النسخة الإيطالية فقد عثر على نسخة إسبانية في أوائل القرن الثامن عشر . ويعلن الدكتور القس تشارلس فرنسيس بوتو في كتابه (السنون المفقودة من عيسى تكشف) فيقول: إن إنجيلاً يدعى إنجيل برنابا استبعدته الكنيسة في عهدها الأول ، والمخطوطات التي اكتشفت حديثاً في منطقة البحر الميت جاءت مؤيدة لهذا الإنجيل .

شاهد جديد :

عثر أخيراً على مخطوطات قديمة في حفرة داخل أواني فخارية بجوار البحر الميت وتملك الأردن هذه المخطوطات التي قال عنها الدكتور (د. ف. البرايت) ـ وهو عمدة في علم آثار الإنجيل ـ : (إنه لا يوجد أدنى شك في العالم حول صحة هذا المخطوط، وسوف تعمل هذه الأوراق ثورة في فكرتنا عن المسيحية) وقال عنها القس (أ. باول ديفز) رئيس كنيسة كل القديسين في واشنطن في كتابه (مخطوطات البحر الميت) : إن مخطوطات البحر الميت وهي من أعظم الاكتشافات أهمية منذ قرون عديدة ، قد تغير الفهم التقليدي للإنجيل) . وقد جاء في هذه المخطوطات .

(إن عيسى كان مسيا المسيحيين وإن هناك مسياً آخر) .

وبعد .. لقد أرسل الخالق سبحانه لعباده إشارات سابقة في الكتب المنزلة السابقة ، بأن له رسولاً بعد عيسى اسمه أحمد ، يبين لهم صفاته وصفات بلاده وزمانه ، فلما بدأت علامات زمنه تظهر كثر حديث الأحبار والرهبان عنه ، فلما ظهر جاء المتحققون من الرهبان والأحبار وفوداً وجماعات وأفراداً . فآمنوا به ، وصدقوه ، وسجل القرآن مواقف هذا النفر من علماء أهل الكتاب، وتبعهم إلى الإسلام آلاف من أهل الكتاب. غير أن الذين عاندوا من أهل الكتاب أخذوا يحرفون البشارات ويغيرونها خاصة بعد ظهور الإسلام . وبالرغم من ذلك فقد بقي شيء من النور الضئيل في التوراة والإنجيل الحالية ، يشهد بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشاء الله أن يظهر آياته فجعل أحد الرهبان المقربين إلى البابا يتمكن من الاطلاع على إنجيل برنابا ، فإذا به يجد الحق الذي أخفاه البابوات وألقوه في غياهب سجن مكتبة البابا ، وإذا به أمام حديث (برنابا) أحد الحواريين من أصحاب عيسى عليه السلام يتحدث إليه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فآثر هذا الراهب (فرامينو) الحق على الباطل، وأعلن إسلامه ، ونشر إنجيل (برنابا) وجاءت مخطوطات البحر الميت تؤكد هذا الإنجيل، وبمرور الزمن يبين الله آياته واضحة جلية تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله .

الخلاصة :

*من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، الإشعارات الإلهية السابقة في الكتب السابقة التي بشرت بمجيئه صلى الله عليه وسلم ووضحت اسمه وبلاده وصفاته وصفات زمانه ، ومن البين أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن له دخل في وضع هذه الإشعارات المنطبقة عليه في هذه الكتب الإلهية قبل أن يولد .

*عندما حرفت التوارة والإنجيل ، واختفى هدى الله كان لا بد أن يبعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرت به الكتب السابقة ، وأخذ الأحبار والرهبان يحدثون الناس بموعد قرب ظهور النبي المنتظر، وشاع أمر النبي المنتظر بين الناس وخاصة من كان على صلة بأهل الكتاب كسكان المدينة .

*وفي الوقت المعلوم الذي اشتدت فيه حاجة البشرية إلى نبي بعيدها إلى طريق الله القويم، ظهر محمد صلى الله عليه وسلم وفيه كل العلامات والمميزات التي أعلنتها الكتب المقدسة السابقة، وجاء المتحققون من الأحبار والرهبان يتفحصون هذه العلامات فوجدوها حقاً فتركوا دينهم ، وتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ، وسجل القرآن بعض مواقفهم ومنهم الراهب بحيرا، ونسطورا، ونجاشي الحبشة ، ووفد علماء النصارى ، ووفد علماء نصارى الحبشة والشام ، والحبر عبدالله بن سلام، والحبر زيد بن سعنة ، وسلمان الفارسي ، ومخيريق اليهودي .

*بعد أن ظهر الإسلام عمل الكافرون من أهل الكتاب على إخفاء ما كان في كتبهم من بشارات ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبقي في التوراة المحرفة والإنجيل المحرف بقايا من نور لم يتنبه المحرفون لطمسها تشهد بنبوءة محمد عليه الصلاة والسلام .

وشاء الله أن يظهر للناس قبساً من النور الأول فتمكن الراهب اللاتيني (فرامينو) من الاطلاع على إنجيل برنابا الذي كانت الكنيسسة قد حرمت قراءته قبل محمد صلى الله عليه وسلم والذي بقيت نسخة منه في مكتبة البابا ، فشاهد في هذا الإنجيل البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأسلم وعمل على نشر هذا الإنجيل ، كما جاءت المخطوطات التاريخية في البحر الميت تؤكد ما جاء في إنجيل برنابا .

السبق العلمي للقرآن

 

معجزة جديدة :

إن معجزات وبينات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة ومتنوعة ، ودائمة ، لأنه خاتم الرسل والأنبياء ، ومن بينات رسالة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ما ظهر من إعجاز جديد للكتاب الذي جاء به صلى الله عليه وسلم من عند الله ، وذلك الإعجاز هو السبق العلمي للقرآن الكريم الذي ذكر حقائق في الكون لم تكن البشرية تعلم عنها شيئاً ، وبعد مرور عدد من القرون ، وبعد تقدم أجهزة الكشف العلمي وقف العلماء على طرف من هذه الحقائق التي كان القرآن الكريم قد ذكرها قبل قرون وقرون ، فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن قد أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ، كما يشهد بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله الذي أحاط علماً بكل شيء.

أمثلة :

ومن أمثلة هذا الإعجاز الجديد لكتاب الله ما يلي:

1 ـ الرياح وإثارة السحب: إن أحدث تقسيم للسحب يقوم على أساس نوع الرياح التي تكونها وتثيرها . ولقد عرف علماء الإرصاد أن الرياح تثير السحب من بخار الماء المتصاعد من البحار، كما تثير الرياح الغبار أو التراب ، وعرفوا أن الرياح تحمل معها أجزاء صغيرة من ذرات التراب والغبار ، أو حبوب اللقاح أو الدخان ، فتلقح بهذا الغبار بخار الماء المتصاعد من البخار فتثير بخار الماء ليتجمع حول هذه الجزئيات الدقيقة التي ألقيت فيه ، مكونة أغلفة مائية تنمو وتنمو ، مكونة قطرات ثقيلة. ولقد ذكر القرآن الكريم استثارة السحب بواسطة الرياح في قوله تعالى :

﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[الروم : 48] .

كما ذكر تلقيح الرياح لبخار الماء الذي يكون بعده تكون السحب الثقال ونزول المطر في قوله تعالى :

﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾[الحجر: 22] .

وذكر القرآن أيضاً أن الرياح تستثير السحب وتحملها أيضاً إلى أعلى. قال تعالى : ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا.. ﴾ أي الرياح ، وأقل الشيء لغة : حمله ورفعه وهذا ما كشفه العلم اليوم وأشار إليه القرآن من قبل .

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[يونس: 24] .

2 ـ ملازمة الليل والنهار على الأرض :

هذه الآية الكريمة تتحدث عن الحياة الدنيا ، وتذكر عدة حقائق:

الأولى : أن الدنيا سوف تتزين وتتجمل قبل يوم القيامة وهذا أمر مشاهد .

الثانية :أن الناس سيظنون أنهم لا حاجة لهم إلى الخالق، وأنهم قد بلغت مقدرتهم على عمل كل أمر يهمهم في حياتهم، وكلا الأمرين مشاهد في هذا الزمان، بل إن الكافرين اليوم يزعمون أن الإيمان بالله لا محل له في عصر المصانع فهو لا يليق إلا بالمجتمع الزراعي .

الثالثة : أن الساعة التي ذكرها الله بقوله :

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ستأتي على الأرض إما ليلاً أو نهاراً .

وهنا قد يسأل سائل : إذا كان أمر الساعة كلمح بالبصر فلا شك أنه سيكون إما بالليل أو بالنهار فلماذا لم يقل القرآن : (أتاها أمرنا ليلاً) أو قال : (أتاها أمرنا نهاراً) ، وأن كل إنسان يعرف أنه إذا لم تكن الساعة ليلاً فستكون نهاراً؛ فما الداعي لهذا القول أستغفر الله ـ ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾؟

 والأمر قد وضح بعد تقديم العلم وكشف عن السر الخفي في هذا التعبير القرآني فلو قال القرآن: أتاها ليلاً . لصح لأي إنسان أن يقول إن هذا القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، وبالمثل لو قال (أتاها أمرنا نهاراً) ذلك لأن الساعة التي ستقع كلمح البصر ستقع على الأرض بأكملها. وقد عرفنا أن الليل والنهار على الأرض دائماً ففي الوقت الذي يكون عندنا ليل يكون عند غيرنا نهار وهكذا يأتي أمر الله ﴿ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ﴾ليلاً على الذين عندهم الليل ، ونهاراً على الذين عندهم نهاراً . وصدق الله العظيم القائل :

﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

النطفة :

3 ـ لما تقدم علم الطب وتقدمت أدوات التكبير عرف العلماء أن النطفة التي يتكون منها الإنسان ليست مجموعة المني الذي ينزل عند كل دفقة . وإنما هو جزء صغير جداً منه أفلا يكون ذلك كشفاً لما كان قد أخبرنا به في كتاب الله من قبل مئات السنين .

قال تعالى :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة: 36، 37] .

4 ـ السبب في الذكورة والأنوثة :

كشف العلم الحديث أن السبب في الذكورة والأنوثة هو ماء الرجل، فإذا كان الحيوان المنوي (النطفة التي تمنى) يحمل خصائص الذكورة كان المولود ذكراً وإذا كان يحمل خصائص الأنوثة كان مهيأ ليكون أنثى .

وهذه صورة لمجموع الكروموزونات (حاملات الوراثة التي يتخلق منها الإنسان) هذا الكروموزوم + ينزل من الماء الدافق من الرجل ، وبه يتحدد نوع المضغة وتقبلها للذكورة أو الأنوثة.

 ولقد أشار القرآن الكريم إلى أن الذكورة والأنوثة تتحدد بماء الرجل الذي يمنى ويكون من نصف كثيرة (هي الحيوانات المنوية) قال تعالى :

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى [القيامة: 36، 37] .

 والنطفة التي تمنى تكون في ماء الرجل كما تذكر الآية السابقة ، وهذه الآية تحدد أن نوع الذكورة والأنوثة يتحدد في هذه النطفة التي تخرج من الرجل .

5 ـ النهار ينسلخ من الليل :

لقد كشف العلم الحديث أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان ، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد، وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزئيات الموجودة في الهواء مما يسبب النهار . فيحدث بهذا الدوران سلخ النهار من الليل والله يقول :

﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس: 38] .

6 ـ العظام واللحم في الجنين :

بعد أن تقدم علم الأجنة عرف الأطباء أن الأصول الأولى للعظام تسبق في تكوينها الأصول الأولى للعضلات (اللحم) وذلك ما كان قد أشار إليه القرآن الكريم في قوله :

﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا [المؤمنون : 14] .

وأما الحديث الشريف فنأخذ منه هذا المثال .

الجحر الصحي :

قال عليه الصلاة والسلام عن الطاعون : (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) . هذا هو الحجر الصحي الذي أمرنا به رسولنا عليه الصلاة والسلام، والذي لم تعرفه أوروبا إلا سنة 1370م عندما بدأت مدينة (البندقية) بإيطاليا تنفيذ الحجر الصحي، هذا الذي لم تعرفه أوروبا من قبل ، والذي نفذه المسلمون قبلهم بمئات السنين . هذه أيها الأخ القارئ بعض أمثلة قليلة لما ظهر اليوم من إعجاز علمي للقرآن الكريم، والحديث الشريف في عصر العلم والتقدم العلمي ، تصديقاً لوعد الله القائل :

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53] .

الخلاصة :

*القرآن معجزة متجددة ، وكذلك الحديث فيه بينات شاهدة بأن محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله ، فقد تكلم القرآن بحقائق لم يعرفها البشر إلا بعد تقدم العلوم وأجهزة الكشف العلمي.

*لقد أثبت العلم أن الرياح تعمل على إثارة السحب وتكوينها وذلك ما نطق به الكتاب الكريم.

*ووصف القرآن زينة الأرض وزخرفتها وغرور أهلها بما وصلوا إليه قبل أن تقوم الساعة، وهذا ما نشاهده في أيامنا بعد حديث القرآن عنه بمئات السنين، كما ذكر القرآن أن الساعة ستأتي على من في الأرض ليلاً أو نهاراً ، وهذا ما عرفه الناس اليوم ، إن جزءاً من الأرض فيه ليل والجزء الآخر فيه نهار .

*وأخبر القرآن بأن الإنسان لا يتكون من المني بأكمله ، بل من نطفة منه وهذا ما علم على وجه الدقة في هذا الزمان .

*وأخبر القرآن الكريم أن ما جاء الرجل الذي يمني هو الذي يتكون منه الذكر والأنثى وهذا ما أدركه الباحثون في هذا الزمان .

*وأخبر القرآن الكريم أن ماء الرجل الذي يمنى هو الذي يتكون منه الذكر والأنثى وهذا ما أدركه الباحثون في هذا الزمان .

*وأخبر القرآن أن النهار يشبه الجلد عندما ينسلخ ، واكتشف الباحثون أن النهار هو حالة إضاءة تكون في الغلاف الهوائي الذي يشبه الجلد ، والليل يحيط بالنهار من كل جهة ، وعرف الباحثون في هذا الزمان دقة ذلك الوصف القرآن لعملية انسلاخ النهار في الليل .

*كما أخبر القرآن بأن تكون العظام يسبق تكوين اللحم في الجنين وهذا ما أثبته علم الأجنة .

*ولقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالحجر الصحي الذي لم تعرفه أوروبا إلا بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به بسبعة قرون .

*كل ذلك يشهد أن هذه العلوم التي أخبر بها محمد صلى الله عليه وسلم ، ليست إلا الوحي الذي يأتيه من عند الله الذي أحاط علماً بكل شيء .

 

الإيمان بالغيب .. والمادية

 

الذين يؤمنون بالغيب :

لقد امتدح الله المؤمنين ، بوصفهم أنهم يؤمنون بالغيب :

قال تعالى :

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة : 2، 3] .

والإيمان بالغيب صفة حميدة ، صفة عالية لا يليق بإنسان أن يتخلى عنها فيرتكس وينتكس إلى دنيا الحيوان الذي لا يعلم شيئاً غير ما يقع في نطاق حراسه .

والإيمان بالغيب توسيع للمعرفة البشرية ، والمادية تقضي على العلم ، إن المادي يزعم أنه عدو للمذهب الغيبي ، ويعلن في اغترار وجهالة أنه لا يؤمن إلا بما يرى ، وما لم ير الشيء أن يقع خارج نطاق حواسه فهو لن يؤمن به أو يصدق ، إن هذا المادي لو نظر في ما يقول برهة لامتلكه الخجل، ولعلم أنه قد اختار أسلوب الحيوانات في العلم ، ورغب عن خصائص الإنسان، ما رأيه إذا ولد يتيماً : ينكر أن له أباً لأنه لم يره ولم يحسه بحواسه الخمس لأنه مات قبل أن يولد!!

وهل يثق المادي بما يقوله الإخصائيون في كل فرع في فروع الحياة بالرغم من أن كل ما يقوله الإخصائيون لا يقع داخل نطاق حواسنا ، وهل يصدق المادي كل ما تحتويه كتب الدراسة والعلوم بالرغم من أنها تحتوي على أكثر من 90% من المعلومات التي لا تقع في نطاق حواس المطلع على هذه الكتب؟!

وما رأى المادي فيما تذيعه الإذاعات وتنشره الصحف؟ هل يكذب بكل ما يقوله الناس في هذه الأجهزة لأنه لا يشم رائحة ما أخبروه به ، ولا طعم ذوق ما تحدثوا به إليه ولا لمس أو رأى أو سمع صوت ما يذكرون؟! وما رأى المادي هذا إذا جاء له أخوة أو ابنه يقول له : إن أباك قد أرسلني إليك وهو ينتظرك في المنزل. هل يصدق المادي هذا الخبر؟ وكيف يصدق أن والده في المنزل وهو لم يشم رائحة والده ، أو لا طعم ذوق والده ، ولا لمس والده أو رأي والده ولم يسمع صوت والده الذي بالمنزل؟ إن عليه أن ينهال ضرباً على ابنه أو أخيه هذا الذي طلب منه الإيمان بما غاب عن حسه. كما أن عليه أن يسعى جاهداً لإغلاق محطات الإذاعة ودور النشر والمدارس والجامعات؛ لأن كل هذه المؤسسات تطلب من الإنسان أن يكون على استعداد للتصديق بما تقول، ولو كان ما تخبر به خارج نطاق حواسه. إن هذه المؤسسات مراكز كبرى لترويج (الغيبة) بين الناس. وعلى هذا المادي أن يطلب من كل من يريد أن يضيف إلى معلوماته شيئاً أن يكون على استعداد لأن ينقله إلى المكان أو الشيء الذي يريد أن يحدثه عنه ليرى بعينه أو يسمع بإذنه أو يشم بأنفه أو يطعم بلسانه أو يحس بجلده. وإلا فهي (الغيبة) التي يهرب منها هذا المادي!! إننا لو نلتزم بهذا المبدأ المادي لحكمنا على العلم والمعرفة بالإعدام ولتحولنا إلى عالم الحيوان .

لكن العاقل ـ بل والمادي نفسه ـ لا يسلك هذا السلوك فهو يعلم أن حواسه محدودة، ويعلم أن غيره قد اطلع على معلومات لم يطلع عليها هو . فتراه يذهب إلى المدرسة أو الكلية ليسمع ما غاب عنه من المعلومات ويستمع إلى الإذاعة ليحيط ببعض ما غاب عن حواسه من أحداث، وتراه يقرأ الصحيفة أو الكتاب ليتعرف على ما غاب عنه من معلومات ، وتراه يذهب إلى الأخصائي في الطب والهندسة أو الزراعة أو غيرها، ليستفيد من هذا الأخصائي الذي أحاط بما لم يحط به السائل. إننا نؤمن بأن الحواس محدودة ونطاق عملها محدود كما نؤمن بأن الطريق الوحيد لتوسيع معارف الإنسان هو أن يكون الإنسان منفتحاً لتعلم ما غاب عنه ، وبقدر ما يتعلم الإنسان من غيره بقدر ما تتسع معارفه ويزداد إدراكه لكن شرطاً واحداً يجب أن يتحقق ، وهو التأكد من صدق المصدر الذي نأخذ منه علومنا .

فنحن لا نتعلم في المدرسة أو الجامعة إلا لأننا نثق في صدق معلوماتها . وكذلك الأخصائي لا نصدقه إلا بعد أن نعرف صدقه ومعرفته ، وهكذا تمكن الإنسان من توسيع معارفه، وعلى هذا تقدمت العلوم ، وبهذا امتاز الإنسان على الحيوان .

لا يوجد مادي على وجه الأرض :

وإذا تأملت جيداً في الأمر فلن تجد إنساناً على وجه الأرض لا يصدق إلا بما وقع تحت الحواس، إلا أن يكون مجنوناً .

الذين أطلعهم الله على الغيب :

فإذا كان الباب الوحيد للفوز بالسعادة الدنيوية ، هو أن نتعلم ما جهلناه من أمور دنيانا ، فننمي معارفنا بالتعلم من الذين علموا ما لم نعلم ، فإن السبيل الوحيد للفوز بالسعادة الأخروية هي أن نكون على استعداد كامل للاستفادة بعلوم الذين أحاطوا بما لم نعلم ، وعرفوا ما لم نعرف من أمور المبدأ والمعاد ، والحياة الأولى والآخرة .

قال تعالى :

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن: 26، 27] .

ولكن بشرط :

إننا نقبل على رسول الله بكل حواسنا ، لنتعلم منهم ، ونعرف من أمورنا الهامة ما غاب عنا، ولكنا لا نأخذ منهم هكذا، ولا نقبل منهم رأساً إننا نستوثق أولاً بأنهم حقاً رسل من عند الله، ونستعرض بينات رسالتهم، ونتفحص معجزاتهم ، ثم نشهد لهم بعد ذلك بالرسالة، ونستوثق ثانياً بأن الذي نقرؤه ونتعلمه عنهم حقاً قد قالوه .

وبهذه الصفة الحميدة ينفتح المؤمن على آفاق العلوم الدينية والدنيوية، وينفتح بعلوم غيره من المتخصصين في شتى العلوم والفنون ، ومن الذين اختصهم الله بالهداية والنور. ولكن ذلك كله بعد الثقة من صدق المصدر .

وبهذا ينتفع المؤمن بأذنه التي جعلها الله للإنسان نافذة إلى علم الغيب ، كما ينتفع باللغة التي جعلها الله رموزاً ليعرف بها ما غاب عن حواسه .

الخلاصة :

*الإيمان بالغيب صفة عالية وصف الله بها عباده المؤمنين.

*إن الذي لا يريد الإيمان إلا بما وقع في نطاق حواسه عليه :

أن ينكر والده إذا مات قبل أن يولد ، وأن ينكر كل ما يدرسه الطلاب في المدارس والجامعات، وأن ينكر كل ما يسطره في الكتب والرسائل .

وأن ينكر كل ما يتحدث به الأخصائيون .

وأن ينكر كل ما تتحدث به الإذاعات والصحف .

وأن ينكر كل ما يحدثه به الناس وهو لم يسمع صوته ، أو يشاهد صورته، أو يشم رائحته، أو يطعم ذوقه ، أو يتبين ملمسه .

لأن كل ما سبق يقع 90% منه خارج نطاق الحواس .

*أما العاقل فهو يعلم أن حواسه محدودة وأن هناك ملايين الحقائق تقع خارج نطاق حواسه، وأن عليه أن يوسع علومه ، ويتخلص من جهله ، والانتفاع بما علمه غيره وغاب عنه؛ ولكن بعد أن يثق في صدق المصدر الذي يتعلم منه .

*ورسل الله قد أطلعهم الله على غيوب كثيرة جهلناها وعرفوها فنحن نتعلم منهم، ولكن بعد أن نتأكد من صدق رسالتهم ونشهد لهم بأنهم حقاً رسل الله .

شبهة ماكرة

 

محمد صلى الله عليه وسلم مصلح اجتماعي :

يزعم المستشرقون الذين بذلوا الجهود للكيد للإسلام والمسلمين على ترويج شبهة خادعة، وتبعهم في زعمهم الذين انخدعوا بأقوال المستشرقين ، وبحثوا عن دينهم من أفواه أعداءهم . زعموا كائدين فقالوا : إن محمد صلى الله عليه وسلم ليس إلا مصلحاً اجتماعياً رأى الظلم ، والجور، والفساد فثار على الظلم والجور والفساد , وزعم لنفسه النبوءة حتى يتمكن من طاعة الناس له وعندها يتبعون أوامره ويتجنبون نواهيه .

محمد رسول الله :

ونحن نؤمن أن محمداً عليه الصلاة والسلام خير من أصلح أحوال الناس وهداهم إلى الصراط المستقيم في كل شئون حياتهم ، ولكنه ما قدر على شيء من ذلك إلا لأنه رسول من عند الله، ولم يحفزه إلى دعوته شيء غير إرضاء الله سبحانه .

تفنيد الباطل :

لو كان الداعي لمحمد صلى الله عليه وسلم هو ما يقوله الكائدون أو الجاهلون لوجدنا في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ما يلي :

أولاً : أن أي داع للإصلاح لا شك أنه يتوخى دائماً أن يسلك بدعوته الطريق الذي يضمن لها النجاح. كما أنه يبذل جهده لتعريف الذين يدعو ـ من أجل إنصافهم وإصلاح حالهم ـ بالهدف من دعوته ، ويسعى جهده أن يكسبهم إلى صفه ، فما باله عليه الصلاة والسلام يتوجه بعدائه إلى الأوثان والأصنام يبين باطلها ، وينعي على أتباعها ، فيستثير بذلك كل أفراد المجتمع ضده: الظالم والمظلوم ، القوي والضعيف .

ثانياً : ما باله لم يتراجع بعد أن رأى ثمرة دعوته قد آلت إلى تعذيب كل من تبعه ، أو قتله ، أو تشريده إلى الحبشة غريباً عن أهله ، وبعيداً عن ماله ووطنه؟ ما باله لم يتراجع وها هو ذا نفسه يؤذى، ويسب ، ويرد ويطرد من كل قبيلة يتوجه بالدعوة إليها ؟ ما باله يتراجع إن كان يريد الإصلاح وها هو ذا يرى أن دعوته ما جنت إلا تمزيق وحدة القبيلة ، وتعذيب وتشريد وتغريب البعض الآخر. ما باله لا يتراجع وقد جاء وفد من قريش يعرض عليه المال الوفير أو أن يسودوه عليهم، ولا يقطعون أمراً دونه على شرط أن يتراجع عن سب دين آبائهم وأجدادهم. ما باله يرفض كل مساعي إصلاح شأنه مع قومه، ويرفض الرئاسة والمال، ويرضى بالعذاب والتشريد والاضطهاد من أجل شيء واحد : هو أن يعبدوا الله ويترك الناس عبادة الأوثان . إن حالته البائسة هذه هو وأتباعه قد منعت بعض الناس من الإيمان ؛ خشية أن ينالهم من العذاب ما نال غيرهم ولقد حكى الله ذلك في كتابه :

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾[القصص: 57] .

ثانياً : وإذا كان يريد الإصلاح فقط لأحوال قومه ما له ولأهل الكتاب؟ ما شأنه باليهود والنصارى؟ ولماذا هذه الحملات الفكرية والمناقشات الطويلة وماذا يفيد مثل هذا في محاولة لإصلاح أوضاع العرب الاجتماعية والأخلاقية .

رابعاً : والآن هيا لنقف على ما ينقض هذه الفرية من أساسها فها هو ذا محمد عليه الصلاة والسلام ينتصر، ويتحقق له ما يريد ، فلم هذا التشديد الكبير على أداء خمس صلوات كل يوم والوضوء لكل صلاة في أرض صحراوية يعز فيها الماء؟ وما دخل هذا لأي محاولة لإصلاح الأوضاع الاجتماعية . إن هذه الصلاة هي الفرق بين الكافر والمسلم كما أنها أحد أركان الإسلام .

والصيام .. ما دخل فرض صيام شهر كامل في كل عام ؟ هل هو مجرد محاولة للإصلاح الاجتماعي؟ كيف وهو يقرر أن من أفطر رمضان متعمداً فهو كافر خارج عن دين الله؟!

ثم ما الداعي للحج وجعله ركناً من أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلاً؟ ولماذا هذا الحث على الاغتسال كل يوم جمعة ، وبعد كل جنابة ، وفي كل عيد في بيئة صحراوية يعز فيها وجود الماء؟ وما دخل هذا في محاولة الإصلاح الاجتماعي؟ ألا تكون هذه القيود عائقاً للناس ومانعاً في نظر كل عاقل من الاستجابة لدعوته؟ فلماذا هذا التشديد. وليس الأمر بزعم الكائدين أو الجاحدين إلا محاولة للإصلاح الاجتماعي فقط؟ ثم لماذا هذا التشديد والحث الدائم على قيام الليل وصيام التطوع والإكثار من القيام بشعائر العبادة ؟

ما دخل هذا كله في إصلاح الأوضاع الاجتماعية؟!!

خامساً : وأخيراً نقول للكائدين : إن إيمان المسلم برسول ربه إليه ما قام على غير أساس، بل إيمان المسلم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم تقوم على الحجة القاطعة والبينات الساطعة والبراهين القوية ، فهي أصل الإيمان ، ولا خير في إيمان من لم يعلم : لماذا آمن بأن ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله .

قال تعالى :

﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[الرعد: 19] .

الخلاصة :

*هناك من المستشرقين الكائدين ومن اغتر بهم من يروج أن محمداً عليه الصلاة والسلام ليس إلا مصلحاً اجتماعياً .

*والمسلم يؤمن بأن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قام بأكبر إصلاح اجتماعي لكنه لم يأت له ذلك إلا لأنه رسول الله .

*ولو أراد محمد صلى الله عليه وسلم الإصلاح الاجتماعي فقط ـ لما أخذ يعادي الناس جميعاً من أعز شيء لديهم: دين آبائهم وأجدادهم ، فحاربه الظالم والمظلوم، والقوى والضعف. ولكان تراجع بعد أن بلغ الإيذاء باتباعه أشده وهجروا أهلهم وأموالهم. ومنهم من عذب ومنهم من قتل ، وفي الوقت نفسه تقدمت له العروض بالرئاسة والمال الوفير فرفض كل ذلك، لأنه لا يريد من الناس إلا أن يعبدوا الله وحده .

ولو وجد همه لهدفه الوحيد، وترك أهل الكتاب وشأنهم لوفر على نفسه المشتاق .

ولحاول التسهيل على الناس في طاعته، فلا يحملهم الأمور الشاقة كالصلاة والوضوء والغسل في كل جمعة ، وبعد كل جماع ، والصيام والحج ، وقيام الليل وغيرها من الشعائر، وبعد كل جماع، والصيام ، والحج ، وقيام الليل وغيرها من الشعائر ، وخاصة لمن هم في بيعة صحراوية.

*إيمان المسلم بأن محمداً رسول الله قد قام على الحجة والدليل وما أيد الله به رسوله من بينات ومعجزات .

ما خلق الإنسان عبثاً ولن يترك سدى

 قال تعالى :﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾[المؤمنون: 115، 116] .

خلق الإنسان لحكمة :

كل إنسان يتوهم أن ربه خلقه عبثاً، ليس عليه إلا أن يجرب طمس عينيه ليرى هل خلق الله له العينين عبثاً؟ أو يحاول سد أذنيه ليعرف الحكمة من وجودهما ، أو يقطع أصابعه ، ليرى العبث الذي خلقت الأصابع من أجله ، أو يقطع عرقاً صغيراً ليرى الآلام الشديدة تصرخ في وجهه:

أيها الجاهل لقد أفسدت عمل هذا العرق ، وعبثت بالحكمة التي خلق من أجلها. وإذا تأمل الإنسان في نفسه جيداً وجد أنه بحاجة إلى أن يدرس عدة سنوات في كلية الطب ليتمكن من معرفة الحكمة من كل جزء من أجزاء جسمه، وسيعلم أن جميع كليات الطب في جميع الدول على اختلاف مبادئها وأجناسها تدرس علماً كاملاً اسمه (علم وظائف الأعضاء) .

وإذا سألت ما الحكمة من وجود أي جزء في الإنسان؟ أجاب المختصون بقولهم : القيام بوظيفة لصالح الكيان الإنساني بأكمله ، فالفم يأكل للجسم كله ، والقلب يضخ الدماء للجسم كله وهكذا.

وإذا ما كان كل جزء في الإنسان قد خلق لحكمة .

وهذه الحكمة هي من أجل خدمة الكيان بأجمعه .

فهل يخطر على فكر عاقل بعد هذا أن الإنسان قد خلق عبثاً؟ !

الجهالة الكبرى :

فما هو حكمنا على من لا يعرف الحكمة من البيت الذي يسكن فيه ، أو الفراش الذي يرقد عليه، أو الملابس التي يلبسها؟ لا شك أن موقفنا من هذا الجاهل هو التعجب والسخرية من بلادته وجهله!! لكن هناك من هو أجل منه. إن جهالة الذي لا يعرف الحكمة من عينيه أو فمه أو أذنيه أو رأسه أكبر بكثير من الذي يجعل الحكمة من المنزل، أو الفراش أو الملابس. ومع ذلك فهناك جاهل جهالته أكبر من كل جهالة . ذلك هو الجاهلي الأكبر الذي يجهل الحكمة من كيانه بأجمعه، ووجوده بأكمله!!

الحكمة من خلق الإنسان :

إن الكافرين لن يتخلصوا من حياة الجهالة الكبرى ، لن يعرفوا الحكمة من وجودهم، فتراهم على علم بالحكمة من أصغر جزء في الإنسان، لكن الحكمة من وجود هذه الأجزاء المحكمة المنسقة هم بها جاهلون ، لأن الحكمة من أي مصنوع لا تعلم إلا بتعليم من الصانع أو رسوله، فتراهم قد تاهوا بين سؤالين .

هل نأكل لنعيش ؟

أم نعيش لنأكل؟

أمام المسلم فهو يعلم أن الحكمة من وجوده وخلقه هي طاعة ربه وعبادته فما من مصنوع يصنع إلا ليسير وفق إرادة صانعه ذلك هو الأصل .

قال تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾[الذاريات: 56، 58] .

ولقد شاء الله أن تكون الصورة التي نعبدها عليها ، وتتحقق بها طاعاتنا له أن نكون خلفاء له في أرضه نستخلفها وفق مشيئته ونعمرها وفق إرادته، ونعمل فيها ما يدعونا إلى عمله، ونترك كل ما ينهانا عن فعله .

قال تعالى : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[من سورة البقرة: 30] .

وبهذا الاستخلاف ، اختبار لطاعتنا له فيما استخلفنا عليه ، ويتميز المؤمنون الطائعون من العصاة الكافرين ، وتنتهي المدة المحددة للاستخلاف وقد كسب الإنسان لنفسه الخير ورضا خالقه، أو الشر وغضب سيده ومالكه .

قال تعالى :

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[الكهف :7] .وبعد انتهاء المدة المحددة للإنسان في دار العمل، والاستخلاف يسترد الله منه كل ما استخلفه عليه، ويسترجع منه كل ما خوله له .

قال تعالى :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾[الأنعام: 94] .

والذي خلق بني الإنسان واستخلفهم في أرضه، يخرجهم منها بعد انتهاء المدة المحددة، فيموت الناس، لينتقلوا إلى دار الجزاء ، ويعقبهم قوم آخرون وهكذا حتى تنتهي الأجيال البشرية ويأذن الخالق ببدء الحساب .

قال تعالى :﴿قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(26)وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾[الجاثية : 26، 27] .

لن يترك الإنسان سدى :

وإذا كان كل جزء منا يشهد أنه لم يخلق عبثاً وأن الله قد خلق الإنسان لحكمة، وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان لم تظهر جلية في هذه الحياة الدنيا. فإن العقول لتستنتج أن الحكمة لابد ظاهرة في حياة أخرى هي تلك الحياة التي تسير إليها أجيال البشر جيلاً بعد جيل. وما أشبه هذه الحياة الدنيا بحياة الجنين في بطن أمه. فلو أن ذلك الجنين تفكر في نفسه: لماذا تصنع لي العينان اللتان لا انتفاع بهما الآن (في رحم الأم)؟ لماذا تصنع لي الرئتان اللتان لا قيمة لهما الآن (في رحم الأم)؟ بل لماذا تصنع لي اليدان والقدمان والمعدة والأمعاء والكبد والكلى والأذنان والأنف والفم ولا فائدة لي الآن (في رحم الأم) من كل هذا التكوين ؟! لكنه لو انتظر حتى يخرج من عالم الرحم إلى عالم الأرض لعرف أنه ما من شيء إلا وله حكمة، غير أنها غابت عنه في عالم الرحم ، ولو أنه كان للرحم وعي أو إدراك لأخذ يتساءل : أين ذهب الجنين عند ولادته؟ وسيجد الجواب على حسب علمه المحدود أنه قد ذهب سدى ، لكنه لو قدر له أن يرى ذلك الجنين وهو يسير في الأرض ويعمرها لعرف أن ذلك الجنين ما ذهب سدى . ألا ما أشبه طورنا في هذه الحياة الدنيا، بطور حياتنا في رحم الأم وما أشبه الموت بالولادة، وما أشبه الخروج من الدنيا بالخروج من الرحم!!

قال تعالى :﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾[الحج: 5] .

وإذا كان العاقل يتنزه عن أن يعمل شيئاً عبثاً ، كما يتنزه أن يصنع الشيء ويحسن تكوينه ثم يعود ليهدم ما بنى، وينقض ويحطم ما أعد ورتب ، إن ذلك العمل يتنزه عنه كل عاقل ومن باب أولى؛ فخالق العقل والعقلاء لا شك منزه عن كل العبث، وترك الأمور تذهب سدى .

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾[المؤمنون: 115، 116] .

ولو كان الخالق ينوي أن يذهب الإنسان سدى . فلماذا ينشئه من لا شيء ؟ لقد جاء حين على الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً ، ولو كان مصير الإنسان هو الذهاب سدى لما كان هناك داع لتنشئة الإنسان من تراب ، وتصويره من نطفة ، وتسويته في أحسن تقويم . فلقد كان في الأصل سدى.

قال تعالى :﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى(38)فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى(39)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾[القيامة : 36 ـ 40] .

الثواب والعقاب :

وإذا كان الله يتنزه عن فعل العبث ، كما يتنزه عن ترك الأمور تذهب سدى فإنه سبحانه قد أعد للإنسان حياة بعد هذه الحياة ، كما أعد له حياة على الأرض بعد حياته في بطن أمه، وحياته على الأرض هي مقدمة لحياته الأخرى ، كما أن حياة الرحم مقدمة لحياة الأرض، فما يزرعه الإنسان في الدنيا يحصده في الآخرة .

قال تعالى :﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا(47)وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا(48)وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[الكهف: 47: 49] .

وقال تعالى : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾[الزلزلة : 7، 8] .

مسخ الفطرة البشرية :

والآن ما رأيك في الذي يحول السيارة إلى حانوت؟!

وما هو رأي العقلاء في الذي يحول عينه إلى أصبع؟!

وما رأي الناس في الذي يحول البندقية إلى حطب؟!

وما هو رأي العاقل في الذي يحاول تحويل الأذن إلى فم ليأكل منها؟!

الجواب: لا شك أن كل عاقل يسخر من أي إنسان يحاول أن يستخدم أي شيء في غير ما صنع من أجله أو في غير ما خلق من أجله . لأن تلك المحاولة ليست إلا مسخاً وإفساداً وخسراناً لذلك الشيء الذي أسيء استخدامه .

وهل تعلم الآن أيها الأخ القارئ أن الكافر لا يحاول تغيير الحكمة من أنفه أو فمه أو أذنه أو سيارته أو بندقيته ، بل يقوم بتحويل الحكمة من وجوده بأجمعه ، وحياته بأكملها .

لقد خلق الله الناس لعبادته ، لكن الكافرين يغيرون الحكمة التي خلقهم الله من أجلها؛ فيتكبرون عن عبادته فيخسرون أنفسهم ويمسخون فطرتهم غير أن نتيجة هذا التغيير تكون هناك في دار الجزاء ، حيث يمسخ الكفار أنفسهم في نار جهنم .

قال تعالى :﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(70)إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ(71)فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾[غافر : 70-72] .

﴿فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾[الأعراف: 9] .

العبادة الاستخلاف :

فأنت ترى أيها القارئ أن الصورة التي أراد الله منا أن نعبده بها هي أن نكون خلفاء له في أرضه ، نعمرها، ونزرعها ، ونستثمر خيراتها ، ونسير عليها وفقاً لمشيئته وتبعاً لهداه. فليست العبادة صلاة وصوماً فحسب ، ولكن العبادة أيضاً عمل ، وبناء ، وجد ، وجهاد ، واستخلاف لا في الأرض. وإن أي توجيه للإنسان إلى غير ما خلقه الله من أجله ليس إلا مسخاً للبشرية .

العبادة أنواع مختلفة :

والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، ويشمل كل ما يقصد به العبد وجه الله سبحانه من فعل واجب أو مندوب أو مباح أو ترك محرم أو مكروه .

1-              فمن العبادة أداء الشهادتين .

2-              ومن العبادة أداء أركان الإسلام كما بين الله ورسوله .

3-      ومن العبادة الدعاء والاستعانة والمقصود من هذا دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه أحد غير الله ، أما من استغاث بمن يملك سبباً من الأسباب التي قضى الله إجراء الخير أو دفع الشر بها فلا يكون عابداً لغير الله كاستغاثة الغريق بالسباح .

4-              الاستعاذة فلا تكون إلا بالله .

5-              الإنابة والتوكل على الله . قال تعالى : ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

6-               الخوف والرهبة . قال تعالى : ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

الخوف الفطري كالخوف من الحية والجوع وغيرها فليس عبادة .

7-              النذر لا يكون إلا لله .

8-              الذبح لا يكون إلا لله .

9-              الحكم لا يكون إلا لله .

ولقد خلقنا الله لعبادته فيجب علينا أن نعبده سبحانه ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

الخلاصة :

*كل جزء في جسم الإنسان قد خلق لحكمة تشهد بأن الله ما خلق الإنسان عبثاً .

*ليس الجاهل الأكبر من لا يعرف الحكمة من ملبسه ، أو مسكنه، أو فراشه، أو فمه، أو أنفه، أو عينه، بل الجاهل الأكبر من يجهل الحكمة من كيانه بأجمعه ، ووجوده بأكمله.

*جهل الكفار بالحكمة من خلقهم فتاهوا في حيرة بين سؤالين: هل نأكل لنعيش؟ أم نعيش لنأكل؟ ولكن المسلم يقول : إن ربه خلقه ليعمل وفق إرادته وإن إرادة الله قد شاءت أن يكون الإنسان خليفة لربه على أرضه ، يستخلفها وفق هدى ربه ، فالمؤمن يأكل ليعيش ، ليعمل في الأرض وفق هدى ربه ، ليرضى عنه فيفوز بالجنة وينجو من هذا النار .

*ظهور أن الإنسان قد خلق لحكمة ، وغياب هذه الحكمة في الدنيا شاهد بأن هناك حياة أخرى تظهر فيها الحكمة من خلق الإنسان كاملة جلية، كما تظهر الحكمة من خلق العينين والرئتين والفم والمعدة والقدمين بالنسبة للجنين ، بعد خروجه من عالم بطن أمه إلى عالم الأرض .

*إذا كان العاقل يتنزه عن إهدار ما أعده ، وكونه ، وتضييع ما صنع سدى ، فإن خالق العقل والعقلاء يتنزه عن هذا من باب أولى ، وذلك يشهد بأن خالقنا لن يتركنا بعد موتنا نذهب سدى .

*لو كان لله إرادة في تضييع الإنسان سدى ، فلقد كان قبل وجوده ضائعاً لا قيمة له ، ولما كان هناك مبرر لخلق الإنسان وتصويره في أحسن تقويم وأعدل صورة .

*لقد شاء الخالق أن تكون الدنيا مقدمة لحياة الآخرة ، كما أن الحياة في الرحم مقدمة للحياة الدنيا فكل ما يزرعه الإنسان في الدنيا يحصده في الآخرة.

*إذا عرفنا أن تحويل أي شيء عما صنع له وخلق لأجله ليس إلا إهداراً له ، ومسخاً وتضييعاً، فكذلك كل محاولة كافرة تسعى لجر الإنسان بعيداً عن عبادة ربه ، واستخلاف أرضه وفق مشيئته ليس إلا إهداراً وتضييعاً ومسخاً للإنسان ، ويظهر ذلك جلياً عندما يسخر الكافرون أنفسهم في نار جنهم .

*ليست العبادة صلاة وصياماً فحسب ، بل هي أيضاً جد وجهاد وسعي وعمل وبناء وعمران وسير في الأرض يرضي الله .

وهي أنواع كثيرة ، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .
 

الموت

 ما هو الموت :

 الموت : هو مفارقة الروح للجسد ، وانتقالها إلى الحياة البرزخية[16] وعودة الجسد الترابي إلى أصله الذي جاء منه ، وبخروج الروح من الجسد يتوقف عمل كل جهاز من أجهزة جسم الإنسان ، وكل خلية من خلاياه ، كما تنساح مكونات كل خلية وتختلط مواد الجسم بعضها ببعض ، ويتحول البدن على حالة الجماد الذي لا يحس ، ولاينمو ولا يتغذى ، ولا يتحرك ، ولا يتنفس ولا يفكر، ولايعمل شيئاً . وما أشبه الموت بالنوم، إلا أن الفارق هو بقاء الروح متصلة بالجسد عند النوم، وانفصالها تماماً عنه عند الموت .

قال تعالى :

﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[الزمر: 42] .

ملائكة الموت :

إذا حضرت ساعة الإنسان أرسل الله إليه ملك الموت الموكل به لقبض روحه .

قال تعالى :﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(11)وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾[السجدة : 11 ، 12] .

وقال تعالى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾[الأنعام  : 93 ] .

الموت سنة لا مفر منها :

لقد جاء هذا الجيل من البشر بعد أموات سبقونا ، فقبل مائة عام لم يكن لهذا الجيل وجود على الأرض . وجاء الموت فأخرج من كانوا قبلنا وما ترك منهم أحداً ، وبعد مائة عام نكون جميعاً أهل هذا الجيل في الحياة البرزخية ولن يتمكن أحد من الفرار من الموت .

﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الجمعة: 8] .

وعند مجيء الأجل المحتوم لا يتأخر الموت عن أحد .

قال تعالى :﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[النحل : 61] .

وقد يسأل سائل حول العلاج الطبي ، وهل يدفع الأجل المحتوم؟ والجواب: إن الذي يصاب بمرض معين ، ما أصيب به إلا وقد علمه الله ، وقد علم الله أيضاً أنه سيجد الطبيب، وأن العلاج سيتوفر ، وأنه سيتمكن من وضع العلاج الذي قدر الله فيه الشفاء على المرض الذي قدر الله فيه الانتهاء عند وضع ذلك الدواء علم الله ذلك فكتبه وقدره ، وظن الجاهل أن العلاج قد جاء من وراء علم الله وذلك باطل ، وأما الذين دنت ساعتهم فإنهم يتقدمون للموت مهما كان العلاج ، ومهما كانت العناية الطبية ، كما يحدث لمن يتوفى من الرؤساء والملوك .

بل إن الساعة قد تأتي الرجل الموفور الصحة والعافية ، فتنقله إلى عالم البرزخ دون أي خلل جسماني أو أعراض مرضية كما يحدث في الذين يموتون موت الفجأة : ويسميه الناس (السكتة القلبية).

علامات الموت :

مقياس الموت الحقيقي هو خروج من الجسد. غير أن الروح لا تشاهد بالعين إلا أن خروجها يترك أمارات في جسم الميت ، يستدل من هذه الأمارات على أن الشخص قد مات فمنها :

1-              أن تغمض عيناه .. ولكن النائم تغمض عيناه!!

2-              أن يتوقف النفس .. ولكن الغريق غير الميت يتوقف تنفسه لفترة .

3-              أن يتوقف القلب .. وقد يخفق القلب ويتوقف فترة ويعود للعمل مرة ثانية .

4-      أن يتوقف حركة (الستيوبلازم) داخل كل خلية ، وتفقد كل (نواة) سيطرتها على محتويات الخلية فتنساح المواد في الخلية بعضها في بعض ويتغير تركيب كل خلية في جسم الإنسان .

وإذا كانت الأمارات الثلاثة الأولى لا تكفي للتأكد من خروج الروح ، فإن هذه الأمارة الرابعة أمارة قوية جداً . ومن حكمة غسل الميت أن الغسل بالماء قد ينبه لجسم لو كان ما زال حياً .

شبهة :

يروج بعض الجهلة : بأنه قد أصبح في مقدور الأطباء إحياء الموتى ، وذلك لأنهم يبنون مقدمتهم على باطل فيأتي الباطل في النتيجة .

يقولون؛ إن من توقف قلبه فقد مات ، وليس توقف القلب إلا أمارة تحدث عند الموت وعند أي مرض آخر، كما تغمض العينان عند الموت، وعند النوم على سواء ، فهل يليق بعاقل أن يقول: إنه قد أحيا ميتاً ، لأنه رأى شخصاً قد أغمض عينيه فأيقظه ففتح الرجل عينيه مرة ثانية!!

الخلاصة :

*الموت هو مفارقة الروح للجسد ، وانتقالها من الحياة الدنيا إلى الحياة البرزخية ، والنوم قريب الشبه من الموت .

*يرسل الله ملائكته المكلفة بقبض أرواح العباد عند حلول الأجل .

*العلاج منا لمرض يكون باستخدام الدواء الذي قدر الله فيه الشفاء من ذلك المرض، وعلم الله قد أحاط بكل شيء ، وعلم أن فلاناً سيمرض وسيجد الطبيب والعلاج فيشفى، وأن فلاناً سيمرض وسيجد الطبيب والعلاج ويموت، وأن فلاناً سيمرض ولا يجد العلاج فيموت ، ولا يكون إلا ما قد كتبا لله في سابق علمه .

*للموت علامات: إغماض العينين، توقف النفس، توقف دقات القلب، توقف حركة (السيتوبلازم) في كل خلية من خلايا الجسم، وانسياح مكونات الخلايا بعضها ببعض، واختلال تكوين الجسم ، وهذه هي العلامة الأقوى الدالة على الموت .

*توقف القلب وإعادته للعمل بالعلاج، أو التدليك ليس دليلاً على إحياء الأموات إلا إذا كان فتح العينين بالإيقاظ بعد غمضها بالنوم يعتبر إحياء لمن كان قد نام وغمضت عيناه!! ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الصافات : 180-182] .

~


[1]  السيد هنا هو صاحب النفوذ على غيره بدون ولاية حكومية .

[2]  لأنه السائل الوحيد على وجه الأرض الصالح لإتمام العمليات الحيوية وحدوث التفاعلات الكيماوية والحيوية .

[3]    الجنان : القلب. 

[4]   أخرج هذه القصة : الترمذي (4/296) والجزري والبزار .

[5]  أخرج هذه القصة : ابن إسحاق في المغازي 11و12 من ابن هشام وأحمد (رقم 1740) وأورد القصة القرطبي في تفسيره.

[6]   أخبرهما : امتحنهما .

[7]   الطبري ، وابن حبان والحاكم ، والبيهقي .

[8]    في كتابه : (محمد رسول الله ، هكذا بشرت الأناجيل) .

[9]   الإصحاح الثاني والثلاثون من سفر الاستثناء 11 .

[10]   في كتابه : (محمد رسول الله ..) .

[11]  سفر التكوين 11: 13 .

[12]   إنجيل متى : 21 ، 42، 43 .

[13]   صحيح مسلم .

[14]   إنجيل متى وإنجيل لوقا ، وإنجيل يوحنا المعتمدة الآن عند المسيحيين وأما إنجيل عيسى فمفقود وهي بمثابة سير محرفة لعيسى عليه السلام .

[15]   إنجيل برنابا الباب : 220 .

[16]   حياة البرزخ : هي الحياة التي تفصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى وهي حياة الانتظار ليوم القيامة .

============================