كتاب توحيد الخالق الجزء الثاني للشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله
|
منزلة علم التوحيد والأدوار التي مر بها
منزلة علم التوحيد : إن منزلة علم التوحيد من سائر العلوم بمنزلة الرأس من الجسد . لأنه أصل الدين وأساسه المتين، ولأنه يبحث في أهم القضايا الأساسية التي تتعلق بالوجود الإنسان، وهو أفضل العلوم وأشرفها: لأن شرف العلم بشرف المعلوم . ولأن التوحيد هو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع . وإذاً فلا يكون الإنسان مسلماً ، ولا مؤمناً إلا بمعرفة علم التوحيد معرفة تظهر آثارها في الأقوال، والأفعال، وفي جميع الأحوال وحاجة العباد إلى علم التوحيد أشد من حاجتهم إلى غيث السماء، ونور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس[17] الظلماء . فضرورتهم إليه أعظم الضرورات . وحاجتهم إليه مقدمة على جميع الحاجات، لأنه لا حياة للقلوب إلا به ، ولا سعادة للإنسان إلا إذا عرف ربه ، ومعبوده وفاطره، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، معرفة يقينية ، وعرف رسول ربه إليه وتأكد من بينات ومعجزات رسالته ، وعرف الحكمة من وجوده على الأرض، وعلم بالحلال والحرام وعرف أثر كل فعل في المستقبل الذي يسير بالموت إليه.ومن رحمة الله بعباده ، ومن حكمته جل وعلا أن بعث الرسل ليكونوا معرفين به وداعين إليه، ومبشرين من آمن، ومنذرين من خالف وكفر، وجعل الله مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه. قال تعالى : ﴿إِذْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾[فصلت: 14] . وعلى هذه المعرفة تبنى قواعد الرسالة وكل ما يتعلق بها . الإنسان يتكون من روح وجسم : إن الإنسان يتكون من عنصرين: مادي ينمو ويتحرك وهو الجسم . ثم جوهري بريء من المادة، له تلك المظاهر الخاصة من تفكير ، وعلم ، وإرادة ، وحب ، وبغض ، وخلق كريم ، أو ذميم ، وهو الروح. ولكل من هذين العنصرين رغائب ، يتوق صاحبها إلى تحصيلها في أقصى حدودها، فللجسم رغائب من الطعام والشراب، إلى غيرهما من سائر الشهوات، واللذائذ الجسدية ، وللروح مدارج في الترقي ، يمكن أن تنال منها حظوظاً متفاوتة حسب سعيها ، ومجاهدتها . ولقد اتصلت الروح بالبدن ، وفي هذا الاتصال أنواع من البلاء ، فصار كثير من الناس عبيداً لشهواتهم ، وانحطت بشريتهم ، وإنسانيتهم ، إلى درجة الحيوانية المحضة ، لا يرغبون من الحياة إلا في ألوان الطعام والشراب ، وسائر أنواع الشهوات ، بل بعضهم ينحدر إلى ما وراء الحيوانية المعتادة بما وهبوا من التفكير ، فيكشفون أنواعاً من الشهوات لا يصل إليها إلهام الحيوان . لهذا جاء القرآن بتشريع روحي ، قوامه الإيمان بالله ، والتحقق بمعرفته معرفة يقينية ، لا يشوبها شك ، ولا يخالطها ريب ، معرفة تسمو بالإنسان إلى ذروة الكمال ، وتجعله فرداً صالحاً في المجتمع الإنساني ، وتنقذه من الأزمات النفسية التي تجتاحه اليوم من جراء جهله بربه الذي خلقه ، وخلق ما حوله ، وسخره له . ثم دعا القرآن الإنسان أن يجاهد نفسه ، ويروضها على فعل الخير، وأن يصفي قلبه وينقيه من أدران الشهوة والهوى، والبغض، والحسد ، وسائر أمراض القلب من الأخلاق الذميمة لتجتمع النفوس على المحبة والإخاء والسلام . لا هداية للإنسان بدون علم التوحيد : ولا يمكن للإنسان أن يهتدي إلى الحق في تصرفاته بدون علم التوحيد ولكي تتضح هذه الحقيقة هيا لندرس هذه الظاهرة العجيبة . ينقسم العلم البشري في المدارس والجامعات إلى نوعين من الدراسة : أ ـ دراسات حول علوم المادة (القسم العلمي) وتعتني هذه الدراسات بدراسة المادة ومعرفة أحوالها ثم استخدام هذه المادة لمصلحة الإنسان . ب ـ دراسات حول العلوم الإنسانية (القسم الأدبي) وتعتني هذه الدراسة بالإنسان ودراسة أحواله . وإذا كنا بدون شك نحرص على أن يوفق الإنسان في الدراسات الإنسانية، ولكي يتمكن من إصلاح نفسه ، وإصلاح أمر الإنسان مقدم على إصلاح أحوال المادة. ولكن للأسف الشديد لقد أخفق الإنسان في تحقيق هذا الهدف . لأن ذلك ليس من حقه كما سنرى . مقارنة بين الدراسات المادية والإنسانية :
س : ولماذا اتفقت البشرية على حقائق علوم المادة واختلفت في العلوم الإنسانية ؟
س : ولماذا ظهرت هذه الحقائق في علوم المادة ولم تظهر حقائق العلوم الإنسانية ؟
س : ولماذا أعطى الله الإنسان قدرة على معرفة الحقائق في علوم المادة ولم يعطها له في علوم الإنسان؟
النتيجة : لقد سخر الله للإنسان ما في الأرض ، وأعطاه العلم اللازم لاستخلاف هذه الأرض، ومكنه من معرفة الحقائق في علوم الاستخلاف (العلوم المادية) . ولكنه جعل هذا الاستخلاف تحت توجيهه وهدايته ، فجعل هداية الإنسان بيده سبحانه يتلقى الأوامر من الذي خلقه واستخلفه ، ولا تعرف هذه الحقائب إلا بتعليم من الخالق سبحانه. ولذلك أرسل الله الرسل فتوحدت البشرية على هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم . الأدوار التي مر بها علم التوحيد : أولاً : منذ أن قامت دولة التوحيد ، على يد خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم بقيت عقيدة التوحيد ، تستمد قدسيتها من وحي الله وتعاليم السماء، وتعتمد أول ما تعتمد عليه على كتاب الله العزيز ، وكان منهج القرآن في غرس هذه العقيدة في القلوب، هو أن يعرضها على الناس عرضاً كله السهولة والبساطة ، والمنطق السليم، فيلفت أنظارهم على ملكوت السموات والأرض، ويوقظ عقولهم إلى التفكير في آيات الله ، وينبه فطرهم إلى ما غرس فيها من شعور بالتدين ، وإحساس بعالم وراء هذا العالم المادي ، وعلى هذه السنن مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرس عقيدة التوحيد في نفوس أمته، لافتاً للأنظار ، موجهاً للأفكار وموقظاً للعقول ، ومنبهاً للفطر ، ومتعهداً هذه الغراس بالتربية والتنمية ، حتى بلغ الغاية من النجاح ، واستطاع أن ينقل الأمة من الوثنية، والشرك ، إلى عقيدة التوحيد ، ويملأ قلوبها بالإيمان واليقين كما استطاع أن يجعل من أصحابه قادرة للإصلاح ، وأئمة للهدى والخير ، وأن ينشئ جيلاً يعتز بالإيمان، ويعتصم بالحق، فكان هذا الجيل كالشمس للدنيا ، والعاقبة للناس حتى وصفهم الله بقوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾[آل عمران : 110] . ثانياً : ثم كانت الخلافات السياسية ، والاتصال بالمذاهب الفكرية الأخرى ، وإقحام العقل فيما ليس له فيه مجال ، سبباً في العدول عن منهج القرآن الحكيم، كما كانت سبباً في تحول الإيمان من بساطته ، وإيجابيته ، وسموه ، إلى قضايا فلسفية ، وأقيسة منطقية ، ومناقشات كلامية تافهة ، أو ينهض به الفرد أو تحيا به الأمة ، وكان من أثر العدول عن نهج الفطرة، والتأثر بالمذاهب الفكرية الطارئة، وإقحام العقل في مجال الوحي[18] أن انقسمت الأمة على مذاهب مختلفة مزقتها شيعاً وأحزاباً. ولقد كان هذا الاختلاف ، والتنازع سبباً في ضعف العقيدة الضعف العام في الفرد، والأسرة، وفي المجتمع ، وفي الدولة ، حتى أصبحت الأمة عاجزة عن النهوض بمسؤولياتها داخلياً وخارجياً ، ولم تبق الأمة كما أرادها الله أن تكون صالحة لقيادة الأمم ، وهداية الشعوب . ثالثاً : ثم خلف من بعدهم خلف فترت هممهم ، وضعفت عزائمهم ، فعكفوا على ما ألفه لهم من قبلهم من كتب العقيدة المبنية على الفلسفة ، وجمدوا على ما فيها ، فلا يفكرون إلا بعقول غيرهم، وهذا التقليد منعهم من إطلاق عقولهم ، وعوقهم عن التفكير ، فبنى كثير منهم إيمانه على التقليد ، كان ذلك رغم أن الدين الإسلامي يمنع التقليد من غير وقوف على الدليل واقتناع به؛ ويندد بالمقلدين الذين يجمدون على القديم المألوف . ولو كان غيره أهدى وأجدى . ولقد كان مما أخذه القرآن على الكافرين جمودهم على التقليد . قال تعالى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾[البقرة: 170]. ولما كان هذا الدور هو دول التقليد ، فقد قلد المتأخرون السابقين ، حتى في الخرافات والأباطيل. رابعاً : ثم شاء الله أن تعود هذه الأمة إلى المنهج القويم ، في أخذ عقيدة التوحيد من الكتاب المجيد ، فنهض منها أفراد من العلماء الأعلام ، يدعون إلى العمل بكتاب الله ، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، كما كان عليه السلف الصالح ، ويبينون للناس أن الخير كله في الاتباع ، والشر كله في الجمود والابتداع ، وبذلك تنبهت العقول من غفلتها ، واستيقظت من سباتها فوجدت القرآن يدعوها إلى النظر في هذه الكائنات ، والتفكر في عجائب هذه المخلوقات ، فنظر أولو العقول، وفكروا ، فإذا بالعلوم الحديثة تكشف حقائق كانت من قبل مجهولة غير معلومة ، بيد أن القرآن قد نبه عليها ، وأشار إليها إشارات صريحة ، من قبل أربعة عشر قرناً من الزمان . فكان ذلك تفسيراً عملياً لقوله تعالى :﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت: 53] . وقوله تعالى :﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾[النمل: 93] . كما وجد أصحاب العقول ، أن العلوم الحديثة ، في مختلف اتجاهاتها ، تكشف عن آيات الله التي بثها في مخلوقاته . فإذا كان الأولون يرون أن في خلقهم حكمة تشهد بأن خالقها هو الحكيم ، فإن هذه العلوم الحديثة قد جاءت لتكشف عن دقائق الحكمة الباهرة ، وتقف بالإنسان أمام أسرار عظيمة من الحكمة ، والإتقا. وإذا كان الأولون يرون من السماء ونجومها قوة وإبداعاً ، فلقد جاءت العلوم الحديثة لتعمق إيماننا بالقوى المبدع بما تظهر من ضخامة النجوم، وسعة السماء ، وقوة النظام ، وبديع الإحكام والإتقان . وهكذا يقول الله : ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ(3)وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ(4)وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(5)تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾[الجاثية: 3، 6] . الخلاصة
*علم التوحيد رأس العلوم ، فهو أصل الدين ، ومواضيعه تدور حول أهم قضايا الإنسان ، ولا يمكن الاستغناء عنه ، وبه يتم الإسلام ، ويتحقق الإيمان . *بعلم التوحيد يتحقق الإنسان من معرفته بربه ، ويغذي روحه ، وقلبه وعقله ، بالإيمان القائم على العلم كما يتغذى الجسد على الطعام والشراب . *ولقد مر علم التوحيد بعدة أدوار في أمة الإسلام . 1 – الدور القرآني الذي يعتمد على أخذ الدليل من آيات الله المبثوثة في الكون ، وعلى إيقاف الأحاسيس الفطرية والمشاعر الوجدانية ، وبه أخرجت للناس خير أمة . 2 – دور الفلسفة والجدل ، وفيه حجبت الأقيسة المنطقية ، والمقدمات الفلسفية والتعقيدات الجدلية بساطة الإيمان ووضوح العقيدة فيمن اشتغل بها ، وقسمت المفكرين أولاً ، ثم الأمة ثانية، إلى شيع وفرق وأحزاب . 3 – دور التقليد : وذلك بعد أن فترت الهمم ، وخفت ضوء العلم . وتمزقت الأمة فأخذت العقائد بالتقليد ، رغم أن الإسلام يكره لأهله التقليد ، ولقد أدى التقليد إلى تقليد الحق والباطل. الصالح والطالح دون تفكير . 4 – الدور القرآني مع موجبات العلوم الحديثة . وهو الدور الذي نعيش فيه . وقد جاء هذا الدور عندما شاهد المسلمون أن معطيات العلوم الحديثة ليست إلا تدعيماً للتوحيد وكشفاً لنوع جديد من الإعجاز القرآني . العلم الحق
أهمية العلم الحق : كثير من الناس تسيطر على حياته الأوهام ، أو الخرافات ، أو الظنون وتدفعه إلى ممارسة أعمال باطلة ، ليس لها أساس صحيح يدعمها . فتضيع جهوده عبثاً أو توجه إلى باطل يلحق بالإنسان أكبر الأضرار . قال تعالى : ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾[النساء: 157] . وقال تعالى في المعارضين من اليهود : ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾[البقرة : 78] . وقال تعالى عن المضلين :﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾[الأنعام : 116] . وقال سبحانه :﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[الأنعام: 119] . وسبب ذلك أن هذه الأفكار التي وجهت الإنسان إلى هذا الباطل قد سلكت طريقاً معوجاً إلى نفسه فأوقعت الإنسان في خديعة الظنون الكاذبة لذلك فلقد كان من الضروري معرفة الطريق الصحيح الذي يجب أن نأخذ منه علومنا؛ حتى لا نقع في خداع الظنون والأوهام أو الخرافات . وسائل العلم الحواس الخمس : 1 – اللسان : وهي آلة خلقها الله سبحانه لتمييز طعم المواد المختلفة، وإن أصيب الإنسان ببعض الأمراض فقد يطعم بعض الأشياء على حقيقتها ويتغير طعم البعض الآخر . وحدود عمل اللسان ضيقة جداً فتمييزه للطعم محصور في نطاق ما لامس اللسان . بشرط أن يذوب في اللعاب . وأي علم يأتينا من اللسان فهو علم نقبله مع بعض التحفظات[19].. ولكن العلوم التي نكتسبها بواسطة اللسان محدودة جداً جداً ، وأثرها لا يكاد يذكر في بناء العلوم الإنسانية . 2 – الأنف : وهو جهاز نعرف به روائح المواد ذات الرائحة ويبطل عمله إذا أصيب الإنسان بمرض الزكام . وحدود عمله ضيقة جداً إذ أن قدرته على الشم لا تتجاوز بضعة أمتار ويختص بالمواد ذات الروائح ، وما جاءنا من علم بواسطته نأخذه مع بعض التحفظات . والعلوم التي نكتسبها بواسطته محدودة جداً جداً وأثرها لا يكاد يذكر في بناء العلوم الإنسانية . 3 – الجلد : وهو آلة حسن لما يقع على الجسم من أشياء يقدر على الإحساس بها فيميز بين الناعم منها والخشن ، والثقيل والخفيف ، والحاد وغير الحاد ، والحار والبارد ، وهو لا يدرك من الأشياء إلا ما كان له ثقل معلوم فهو لا يحس بالجراثيم أو الكائنات الدقيقة ، أو الضوء أو الأمواج الإشعاعية كأمواج الراديو واللاسلكي ، وقد يخدر فلا يحس شيئاً ، وحدود عمله ضيقة جداً يحد بحدود الجسم ، وليس له اثر يذكر في بناء العلوم الإنسانية ، فالطالب كل علومه في المدرسة بغير طريق اللمس أو الشم أو الطعم إلا نادراً في بعض التجارب العملية ومعلومات الجلد نقلبها إجمالاً[20]. 4 – العين : هي نعمة كبرى بها نرى الأشياء المختلفة تقدر أحجامها وأبعادها وألوانها وأشكالها وقد تسحر العين أو تخدع كأن ترى الشمس كفرص الخبز وهي كالأرض : (1.350.000)مرة، أو ترى العصا في حوض الماء مكسورة عند سطح الانفصال ، أو ترى المنازل من الطائرة كعلب السجائر، ومجال عملها الواضح محدود بعدد من الأمتار ، لكنه يمتد بصفة مجملة إلى غير حقيقة ، وكل ما يأتينا منها لا نقبله بالتسليم المطلق ، فقد يرينا الساحر التراب ذهباً . ولكنها آلة هامة جداً في بناء العلوم الإنسانية، ومعظم الأشياء المطعومة ، والمشمومة والملموسة، تقع تحت رؤية العين. 5 – الأذن : وهي نعمة كبرى في مجال العلم البشري ، فبها يستفيد الإنسان من علوم غيره، وكأن الأربع الحواس السابقة للناس جميعاً قد أصبحت مسخرة للإنسان ، وذلك بواسطة نقل نتائج عملها إليه عن طريق السماع بواسطة أذنه ، ومجال عمل الأذن واسع جداً، حدوده هي حدود مشاهدة الجنس البشري بأكمله ، وتمتد حدود عمل الأذن إلى ما شاهده المرسلون ، وإلى ما أطلعهم عليه ربهم من غيوب تعلمناها من علم الله المحيط بكل شيء علماً . ولكن الأذن أيضاً تخدع ، إذ أن ما تسمعه من أخبار ومعلومات كثير جداً، ومنه الحق ، ومنه الباطل ، وبهذه الآلة يتعلم طلاب العلم أكثر من 90% من علومهم، كما أن أكثر من 90% من العلوم الإنسانية قد قامت عليها . ونحن لا نأخذ ما جاءنا من علوم بواسطة الأذن بدون تحر أو تدقيق في المصدر الذي يحدثنا بعلم أو خبر ، كل هذا إلى جانب أن الأذن تسمع ـ إلى جانب أصوات اللغة ـ أصوات ما له صوت مما حوله إلى مسافات قريبة، كأصوات الحيوانات وتحرك بعض الجماعات وغيرها. قوة التصور : إن في الإنسان مقدرة على تصور ما يسمع أو ما يفكر فيه تعينه على فهم ما يسمع أو ما يفكر فيه ، وهي نعمة كبرى تمكن الإنسان من التخطيط لحياته ، ووضع الترتيبات لما يريد عمله . كما أ،ها سلاح المخترعين والمهندسين ، فهم يتصورون ما يريدون في عالم الخيال والتصور، ويحولونه إلى عالم الأشكال الهندسية ، ثم إلى عالم الواقع. لكن هناك فرق كبير بين الحقيقة، وما يتصوره الناس من حيث التفاصيل والدقائق . والمادة الأولى لقوة التصور ، هي المعلومات التي تأتي من الحواس الخمس ، الإنسان يركب، ويحلل ما جاءه من الحواس الخمس في صورة جديدة مبتكرة، ولا يستطيع الإنسان تصور شيء لم تأته أصوله عن طريق الحواس الخمس ، فما سمعنا أحد من الأولين يتحدث عن الأشعة الذرية، أو عن أمواج اللاسلكي أو أمواج الراديو ، كما نشاهد أن تصور كل إنسان مرتبط ببيئته إن قوة التصور هي مصدر الخيال الواسع في حياة الإنسان ، ولا يمكن تصديق ما تأتي به قوة التصور إلا بعد فحصه جيداً أمام العقل، ومعظم الأوهام الباطلة التي تتحكم في حياة الناس تنبع من تصورات خاطئة . أما مجال عمل قوة التصور فهو مجال واسع جداً ، يشمل جميع مجالات الحواس الخمس. من القاضي الذي يفصل؟ إذا فكرت في الوسائل السابقة، وجدت أن جميعها عرضة للوقوع في الخطأ، فكيف نميز الحق من الباطل؟ لقد جعل الله لنا عقلاً يميز الحق من الباطل، فهو إذن القاضي الذي تعرض عليه كل المعلومات القادمة من خطأ لا من ذاته ولكن بسبب تغرير به أثناء عرض المعلومات ، كأن تقدم له معلومات ناقصة أو مشوهة، فتأتي أحكامه ناقصة مغلوطة ، مشوهة ، ولكن ذلك لا يرجع إليه وإنما يرجع إلى مؤثرات خارجية، ولكن العقل مع ذلك هو الأساس الذي يقوم عليه العلم الحق. حدود العقل : 1 – حدود في المجال : إذا عرفنا أن الحواس الخمس محدودة في قدرتها في مجالات عملها، وعرفنا أيضاً أن قوة التصور محدودة بالحواس الخمس لأنه لا يعلم شيئاً إلا ما جاء بواسطة هذه الحواس التي هي نوافذه المفتوحة إلى خارج كيان الإنسان ، بحيث أنا لو تصورنا شخصاً قد سلب الحواس الخمس فلا يمكن له أن يكتسب معرفة واحدة بعقله مما يوجد حوله من حقائق وأشياء . 2 – حدود في القدرة : وإذا كان ذلك بالنسبة لحدود مجال العقل؛ فإن هناك حداً للعقل في قدرته فمثلاً : العقل يعجز عن إدراك نفسه، وهو إلى الآن عاجز عن إدراك كيفية عمله: كيف يفهم؟ كيف يميز؟ كيف يعقل ؟ كما يعجز العقل عن إدراك الروح التي تدب في الإنسان أو الإحاطة بها . كما يعجز عن الإحاطة بأكبر عدد ، فإذا سألته ما هو أكبر عدد؟ أجاب: أكبر عدد ما لا نهاية (¤) . فإذا قلت له : اجمع ما يلي : ¤ + ¤ وكم النتيجة؟ كانت الإجابة مضحكة = ¤ (مالا نهاية) !! وإذا قلت له ¤ + 20 مليون كم النتيجة ؟ أجاب إجابة مضحكة = ¤ (ما لا نهاية) . وإذا قلت له ¤ - 300 مليون كم النتيجة؟ أجاب إجابة مضحكة = ¤ ( مالا نهاية) . كما يعجز العقل عن إدراك بداية الزمان أو يحيط بنهايته ، وكذلك يكل ويعجز عن إدراك نهاية للمكان . والعقل يعرف أن أحداثاً ستكون غداً ، ولكنه يعجز عن إدراكها ومعرفتها مع أنها كائنة لا محالة ، ومع أن بعض الرؤى النامية تتفوق على العقل في هذا الباب . فتعرف ما سيكون غداً فيأتي كما رأت أو قريباً منه . كما يعجز العقل عن معرفة ما سيحدث لنا بعد موتنا بثوان وصدق الله العظيم القائل: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾[البقرة: 255] . تلك هي وسائل العلم وأدواته ، فما هي مصادره؟ مصادر العلم 1 – المخلوقات : المطعومة والمحسوسة والمشمومة والمرئية والمسموعة . وهذا المصدر هو مصدر معلوماتنا اليومية التي نكتسبها في كل يوم . ويمكن أن نطلق على هذا المصدر عالم المشاهدة المحسوس. 2 – التعليم الإنساني : بواسطة اللغة . ومن هذا المصدر نأخذ كل العلوم التي يجهلها الإنسان لأنها لا تقع في نطاق حسه مباشرة فيتعلمها الإنسان مما عرفها بواسطة اللغة. وعلى هذه العلوم قامت الحضارة الإنسانية ، وهي تمثل أكثر من 90% من العلوم الإنسانية التي تقدم في المدارس والجامعات وغرها من المؤسسات العلمية . 3 – الوحي : وهو أرقى مصادر العلم ، لأن علومه تأتي من لدن من أحاط علماً بكل شيء ، ولا يكون إلا لمن يصطفيهم الله من عباده ، ويختصهم بوحيه ، ويؤيد الله رسله ، حملة وحية بالآيات، والبينات ، والمعجزات المصدقة لهم أنهم رسل من عنده . وعلوم الوحي أرقى العلوم أو أعلاها وبواسطتها نعرف خالقنا والحكمة من خلقنا على الدنيا، والحلال والحرام، وما يريده الله منا ، ولماذا نموت وما الذي ينتظرنا بعد الموت، كما نعرف بها منزلتنا في الكون والطريق التي نسير عليها في حياتنا المرضية لخالقنا ، وهذه الأمور لا يستطيع العلم البشري معرفتها وحده دون هداية الله ووحيه ، وليس من موقف للعاقل أمام إخبار الوحي إلا الإيمان والتصديق لكل ما جاء به بعد أن صدق ، وآمن ، واستيقن بصدق مصدر الوحي. 4 – الرؤيا الصادقة : وهي مصدر من مصادر العلم والمعرفة ، ولكنها شخصية نادرة ولا تلزم الآخرين بالتصديق . 5 – قد يعتبر ما يسترقه الجن من الملأ الأعلى ويلقونه إلى الكهان مصدراً من مصادر العلم ولكن الجني يخلط مع الحقيقة الواحدة 99 كذبة كما جاء في الحديث، وهذا يلقي لنا الضوء على صدق إخبار بعض الكهان في بعض الأمور ، ولكنه لا يصلح مصدراً للعلم ، بل إن ما يقرب من 99 كذب في كل مائة خبر تجعله مصدراً من مصادر الضلال ، لذلك نهى الإسلام عنه نهياً شديداً .
أساس العلوم الحديثة قانون المعرفة العلمية : لبعض الفلاسفة آراء تثير السخرية والضحك ، إذ أن بعضهم شك في عقله وحواسه ، وزعم أن كل ما نشاهده خيال في خيال ، وبعضهم ألغى العقل وقال : إن الحق هو ما أدركته الحواس فقط. ولقد كان فرنسيس بيكون أول من نقل المبدأ العلمي (قانون المعرفة العلمية) إلى أوروبا ، وهو المبدأ الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة، وذلك من المسلمين المتاخمين لأوروبا في جامعات الأندلس. ولا شك أن المسلمين قد علموا ذلك في قول ربهم :﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء:36] . يقول القانون العلمي للمعرفة: التجربة أو الظاهرة+ المشاهدة + الاستنتاخ العقلي = الحقيقة العلمية، فنحن نشاهد التجربة ، ونراقبها ، ونعرف مقدماتها ، ونتابع سيرها ونلاحظ نتائجها ، ثم بالعقل نستنتج الحقيقة العلمية التي ربطت بين ما شاهدناه أولاً في مقدمات التجربة وبين ما شاهدناه ثانياً في نتائجها . فالحقيقة العلمية إذن هي ما استنتجته العقول مما أدركته الحواس : وإذا كانت بعض الأمور لا تخضع للتجربة كسير الفلك أو عمل الأجسام الحية، فإن الظاهرة المشاهدة تقوم مقام التجربة . إذن الحقيقة العلمية هي ما تستنتجه العقول ولو لم تكن مشاهدة : 1 – الحرارة تذيب الثلج . هذه حقيقة علمية . ثلج + حرارة = ماء . فمن شاهد الحرارة وهي تتحد بجزئيات الثلج وتذيبها ، وتحولها من مادة جامدة إلى مادة سائلة؟ إن الذي شاهدناه أولاً هو الثلج ومصدر الحرارة وقد قرب من الثلج ، وكان الذي شاهدناه هو الماء في حالة سائلة ، فاستنتجت الحقيقة العلمية التي لم نشاهدها وهي أن الحرارة تذيب الثلج . 2 ـ أكسجين + أيدروجين حـرارة ماء . هذه حقيقة كيماوية استنتجناها من مشاهدتين : الأولى مشاهدة : الأكسجين وأيدروجين وإدخال الحرارة عليهما . الثانية تكون الماء بعد إدخال الحرارة على مخلوط منهما . لكن أحداً لم يشاهد أبداً عملية اتحاد الغازين وقيام الحرارة بعملية التوحيد هذه التي ينتج عنها الماء . ذلك لأن الذرات والحرارة لا ترى إلى اليوم . وإذا تعمقنا قليلاً نجد : أن الصورة التي نشاهدها للشيء ليست حقيقته : إنما هي ما فهمه الوعي من الإشارات التي يحملها العصب البصري ، والتي حدثت في العصب البصري بتأثير أضواء الصورة المكونة على الشبكية في العين . ولقد كانت هذه الأضواء نتيجة لتأثير الجسم المشاهد على الأشعة الساقطة عليه من الشمس أو من مصباح . فالرؤية البصرية إذن ليست إلا إدراكاً ، ووعياً ، وفهماً لآثار الألوان المختلفة الساقطة من أي جسم على الشبكية . وكذلك السمع ليس إلا إدراكاً وفهماً ، ووعياً لأثر اهتزازات الهواء على العصب السمعي. والمواد المشمومة لا ندرك حقيقتها ، وصفة تركيب ذراتها من مجرد الشم ولكنا نفهم، وندرك، ونعي آثار هذه المواد في الأعصاب الشمية . والمواد المحسوسة كذلك إنما ندرك ونفهم ونعي آثارها على الأعصاب الحسية . والمواد المطعومة إنما ندرك ونفهم ونعي آثارها على أعصاب الطعم والذوق. وأيما شيء لا يحدث أثراً على أعصاب الرؤية أو السمع أو الشم أو اللمس أو الطعم فإنه لا سبيل لنا لمعرفة أي شي عنه إلا بصنع أجهزة يحدث فيها ذلك أثراً يرى أن يسمع أو يلمس .. الخ . فليس العلم بالحقائق والأشياء ملامسة لها ، أو اتصال العقل رأساً بها . إنما العلم يأتي عن طريق عرض آثار الأشياء والحقائق على الحواس أو غيرها (كالأجهزة العلمية للكشف) ثم وعي ، وفهم ، وإدراك معنى هذه الأشياء وفهم حقائقها بواسطة تلك القوة العظمى ، قوة العقل . العلم بالله إذا كانت الحقيقة تعرف بالاستنتاج العقلي ، مما تدركه الحواس . وإذا كان العلم بالحقائق ليس بملابسة العقل لها ، إنما بعرض آثارها في الحواس مباشرة أو غير مباشرة، فإن علمنا بالله قد قام على هذا الأساس الحق أيضاً ، قائم على استنتاج الإيمان من مشاهدة مخلوقاته ، فإن لله آيات في خلقه وآثار علمه ، وحكمته ، وقدرته ، وعظمته ، مبثوثة في كل أرجاء الكون. فنحن قد علمنا بربنا بإدراك آثاره في مخلوقاته ، ومشاهدة هذه الآثار بحواسنا فأردكنا الحق وآمنا بالله القائل في كتابه :﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾[البقرة: 242] . ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الجاثية: 3] . وكذلك فإن لله رسلاً قد عرفونا به ، بعد أن أظهروا لنا من المعجزات ما يثبت صدق نبوءتهم ورسالتهم . نور يقذفه الله : غير أن العلم بالله هداية ، من طلبها وجدها، وزاده الله منها قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾[محمد:17] . وتزيد المعرفة بالله بزيادة الطاعات قال تعالى : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾[البقرة: 282] . وبواسطة ما يقذفه الله من نور الإيمان والهداية في قلوب العباد المخلصين نجد أن إيمان بعض العامة على قلة علمهم قوي راسخ كالجبال . قانون عام إذا تأملت فيما سبق وجدت أن أهم آلات العلم في الإنسان هي : (أ) العين التي ترى وتشاهد ما يحيط بالإنسان . (ب) الأذن التي تنتقل بها المعلومات عما غاب عنا، ووقع خارج نطاق مشاهدتنا. (ج) العقل الذي يميز بين الحق والباطل . قال تعالى : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾[الإسراء: 36] . *** الخلاصة *يقع كثير من الناس أسرى للظنون ، والأوهام والخرافات لانحرافهم أو إهمالهم لطريق العلم الحق. *خلق الله في الإنسان وسائل يصل بها إلى العلم الحق ، منها الضيق المحدود في عمله كاللسان والجلد والأنف وبهذه الحواس نعرف الطعوم والأثقال وملمس الأجسام والروائح ، ومنها ما ميدان عمله واسع كالعين والأذن ، التي نمت عن طريقهما العلوم الإنسانية ، وهناك فرق هائل بين من فقد الشم والطعم واللمس ، وبين من فقد السمع والبصر في مجال العلم والمعرفة . *الحواس كالأنف واللسان تنخدع إذا أصيب صاحبها بمرض كالزكام . والجلد لا يحس كل شيء ولا يعلم عما لا يلامسه شيئاً ، وقد يخدعه التخدير ، والعين يخدعها السحر والبعد والسراب، والأذن يخدعها الكذب . *وقوة التصور محدودة بما يأتيها من الحواس المحدودة. وقد تخدعها الظنون والأوهام ، وتنخدع أيضاً بما تنخدع به الحواس . *العقل إذن هو القاضي الذي يفصل بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، ولكنه أيضاً محدود بحدود الحواس . فلو تخلينا شخصاً بدون حواس فإن عقله إذن لن يتمكن من معرفة أي شيء، والعقل يعمل بدقة في حدود فإذا تجاوزها خالط أحكامه الضلال ، فهو يعجز عن الإحاطة بأكبر عدد أو بقواعده الحسابية ، كما يعجز أن يدرك حدود الكون ، وبدايته أو أن يحيط ببداية الزمان ونهايته، أو الإحاطة بحقيقة نفسه وهي أقرب الأشياء إليه . *للعلم مصارد هي : 1- الأشياء المطعومة ، والملموسة ، والمشمومة ، والمرئية ، والمسموعة . 2- التعليم من مصادر موثوق بها بواسطة اللغة . 3- الوحي الذي يخص به الله من يشاء ، ونعرف به ما لا نعرف بحواسنا ولا بتعليم الناس لنا. 4- الرؤيا الصادقة وهي قليلة، لا يلزم بها الآخرون . 5- أخبار الكهان ، ولكنها مصدر للضلال، إذ أن كذبها هو الغالب والصدق فيها هو النادر جداً . *الحقيقة العلمية هي : ما يستنتجه العقل مما تشاهده الحواس وفي الغالب لا ترى هذه الحقائق، إنما تستنتج فقط . *وعمل الحواس هو إعطاء آثار ، وإشارات معينة على أعصاب الحس المختلفة يفهم العقل معناها، وليس عمل الحواس ملامسة الحقيقة . *وإيمان المسلم بربه حقيقة تعرف من استنتاج العقل ، وفهمه لآثار قدرة ربه في مخلوقاته ، ويقذف الله نوراً في قلوب العابدين المتقين يزيدهم إيماناً وهدى . *أهم وسائل العلم المسؤولة: سمع ، وبصر ، وفؤاد يعي ويعقل ويفهم . من آيات الله في المادة
المادة التي يتكون منها هذا الكون المشاهد وغير المشاهد بعيداً في أعماق الفضاء الكوني، المادة هذه التي تتكون منها أبداننا كما تتكون منها أجسام الميكروبات الدقيقة، وتتكون منها نسمات الهواء، كما تتكون منها أجرام السماء؛ هذه المادة نجدها على ثلاث حالات ، لا على حالة واحدة، ولكل من تلك الحالات حكمة: الأولى : حالة الصلابة : وهذه الحالة تجعل المادة محافظة على شكلها وهيئتها وقد استفاد الإنسان من هذه الخاصية في المادة في بناء منازله ، لأن الأحجار الصلبة ، والأسمنت المسلح الجاف الجامد يحافظ على شكل المنزل ، كما أن شكل الإنسان الثابت يرجع إلى المادة الصلبة، كالعظام التي تحدد هيكل الإنسان، كذلك ولأن قشرة الأرض صلبة لما كان لنا مقر على الأرض أو حياة ، ولو كانت المادة في صورة صلبة فقط ما حدث تغيير أو تبديل أو تحويل في كثير من تفاصيل الكون والحياة . الثانية : حالة السيولة : من الخصائص الهامة للسوائل أنها تتشكل بشكل الإناء الذي يحتويها، وبهذا تمكن الدم السائل أن يتشكل بأشكال العروق ، والشعيرات الدموية فيجري في كيان الإنسان دون صعوبة كما تشكلت المياه بشكل الوديان فجرت أنهاراً وعيوناً . قال تعالى :﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾[الزمر: 21] . وبخاصية المياه السائلة يدخل الماء إلى جذر وساق وأغصان وأوراق في عالم النبات. ولو كانت المادة في صورة سائلة فقط ما وجد شكل ثابت مستقر . الثالثة : الحالة الغازية : التي من خصائصها الانتشار ، وعدم الاستقرار في مكان واحد، وبهذه الخاصية انتشر الهواء بقدرة الرحمن إلى كل مكان على سطح الأرض ، ولو كانت المادة جميعها في صورة غازية فقط ما استقرت مادة في مكان محدد . ومما سبق نجد : *إن لصلابة المادة حكمة انتفعنا بها في الحصول على مواد بأشكال محددة ثابتة لا تتغير ، فبنى الإنسان بها العمارات والمنشآت ، وصنع الآلات المختلفة ، وكلها كانت تنعدم بغير مادة صلبة ذات شكل ثابت . *وإن لسيولة المادة حكمة انتفعنا بها في إيجاد أي شكل نريده ، كتغير شكل الحديد السائل إلى آلات مختلفة بالأحجار والأشكال المطلوبة . *وإن لغازية المادة حكمة ، فبغيرها لا يوجد هواء ، ولا توجد رياح تسوق الأمطار ، كما أننا ننتفع بغازية المادة في كثير من الصناعات وكثير من المنتجات ، كتحول البنزين إلى غاز نفاث يطير الطائرات النفاثة . فمن قدر هذه الأحوال المحكمة في المادة الواحدة ، ووضع القوانين اللازمة لكل حال من هذه الأحوال؟ هل المادة البليدة هي صاحبة هذه الحكمة ؟ هل المادة البليدة التي لا تملك لنفسها حولاً ولا قوة هي اختارت هذه الحالات؟ كيف والمادة لا تملك حكمة أو تدبيراً؟!! كيف والإنسان ـ خليفة في الأرض ـ يحول المادة من صورة إلى صورة متى شاء وكيفما شاء، وهي لا تملك لنفسها منعاً ولا تحويلاً ولا تبديلاً؟ وإذا لم تكن هذه الحالات المحكمة من صنع المادة فمن صنع من إذن؟ والجواب: لا شك أنه من صنع غيرها . فمن خلق هذه المادة وأحكم حالاتها إلا : ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾[الفرقان : 2 ،3] . تحولات وإذا تأملت أحوال المادة هذه وجدت أنها ليست ثابتة أبدية ، وإنما بالإمكان أن تتحول المادة من صورة إلى أخرى ، ولذلك حكمة أيضاً . الانصهار : إن المواد الصلبة تتحول إلى حالة سائلة بالانصهار كانصهار الثلج أو الحديد بواسطة الحرارة، وبهذا يمكن للإنسان أن يشكل المعادن كيفما يريد . الذوبان : ويمكن أن تتحول المادة الصلبة إلى جزء من سائل بواسطة الذوبان ، كما تصبح قطعة السكر الصلبة جزءاً من سائل (الشاي أو القهوة) ولهذا الذوبان حكمة فبواسطته أمكن إمداد النبات بأملاح التربة بسبب ذوبان أملاح التربة في المادة فتمكنت من الدخول معه إلى كل جزء من أجزاء النبات. ولأن الطعام يذوب في عصارات الجهاز الهضمي سهل وصوله إلى كل جزء من أجزاء الإنسان مع تيار الدم السائل . ولذوبان المواد الصلبة حكمة كبرى في إعداد الطعام وتكوينه . التجميد : وهو تحول المادة السائلة إلى حالة صلبة كتجمد الماء إلى الثلج ، وتجمد المعادن المنصهرة السائلة إلى معادن صلبة ، وبغير تجمد المواد السائلة ما كنا قدرنا أن نحصل على آلة من الآلات المعدنية الحديثة. الترسيب : هو عكس الذوبان ، ويكون بترسيب المادة الذائبة وانفصالها عن السائل الذي ذابت فيه ، ولهذه العملية حكمة عظيمة فبترسيب مادة الكالسيوم ـ من الدم مثلاً ـ في أماكن تكون العظام ينشأ عنه وجود هذه العظام القوية التي تحفظ للإنسان والحيوان شكله وهيكله . وقد انتفع الإنسان بهذه الخاصية في فصل بعض المواد عن غيرها . التبخر : وهو تحول السائل إلى حالة غازية كتحول ماء البحار إلى بخار يتصاعد إلى السماء . ومن مزايا التبخير أن المادة الذائبة في السائل المتبخر تبقى ولا تتصاعد ، وبهذا أخرج الخالق لنا ماء عذباً من ماء أجاج . قال تعالى :﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ(68)أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ(69)لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾[الواقعة: 68، 70] . التكثيف : وبه تتحول المادة إلى الحالة الغازية إلى حالة السيولة، وبهذه العملية يعود الماء الذي تصاعد بخاراً إلى شكل قطرات مائية مكوناً سحباً ثقيلة . إن التحولات السابقة لا تتم بطريقة عشوائية ، وإنما تتم وفقاً لقوانين وأحكام وقواعد بينتها كتب خواص المادة والفيزياء وغيرها مما يؤكد أن الذي قدر هذه التحولات المفيدة في أوصاف المادة وخصائصها؛ إنما قدرها بنظام محكم دقيق يجعل هذه التحولات مفيدة نافعة ضمن خطة عامة حكيمة يسير عليها هذا الكون ، كما أن هذه القوانين الحكيمة ، وهذه التحولات المقدرة تشهد أن ربها حكيم ، عليم ، خبير ، بصير . ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾[الفرقان :2] . تأمل .. وتفكر *لو كان الانتشار من صفات السوائل لطغى ماء البحر على الأرض وأغرق كل شيء . *لو أن الانتشار من صفات المواد الصلبة لدفنت الجبال كل من يعيش على وجه الأرض ولما استقر شيء في مكانه . *لو أن صفتي التجمد أو السيولة من خصائص الغازات لا نحصر الهواء على بقعة ضيقة من الأرض، ولتعسر دخوله إلى الرئتين بيسر وسهولة . *ولو كانت السيولة من صفات المواد الصلبة لما وجدت بيت أو آلة أو كيان ثابت لإنسان أو حيوان . *وإذا كانت هذه الخواص التي نشاهدها في المادة قد أحكمت وقدرت، ونظمت بقوانين صارمة ، نافذة ، محددة ، فمن قدر هذه الخصائص ووهبها للمادة؟ ومن أصدر القوانين المتعددة التي نظمت أوضاع المادة؟ ومن أخضع المواد لهذه القوانين ؟ *إن هذه الخواص الحكيمة المودعة في المادة تشهد أنها من صنع حكيم . *إن وهب هذه الخصائص للمادة يشهد أنه من فعل الوهاب. *إن القوانين المنسقة الدقيقة النافذة تشهد أنها من أمر الحاكم المهيمن على كل شيء . *إن إخضاع المادة للنظام والقوانين يشهد أنه من فعل القوى القاهرة المهيمن. *فمن هذا الخالق الحكيم الوهاب الحاكم المهيمن القوي القاهر؟ إنه هو الله سبحانه وتعالى عما يشركون . *** أصل واحد وإذا سألت عن أصل المادة ، أجابك المختصون : بأن أصغر شيء في المادة هو الذرة ، وأنها أصل كل مادة شوهدت في الأرض أو السماء . إنها لبنة البناء في مادة الكون المشاهد. وقد وجد الباحثون أن الذرة مكونة من جسيمات مادية متعددة ، وكلما تقدم علمهم كشف لهم جسيمات مادة جديدة في الذرة حتى أن بعض هذه الجسيمات لا يعمر في الذرة أكثر من عشرة أجزاء من مليون جزء من الثانية . واسم مكونات الذرة الأساسية هي ما تسمى : (بروتونات) و(نيوترونات) و(إلكترونات) وكل عنصر مادي في الكون يتكون من ذرات، سواء كان حديداً أو غازاً. ولا فرق بين جميع ذرات العناصر المادية المختلفة ، إلا في عدد مكوناتها ، وترتيبها فالحديد أصله (إلكترونات) و(بروتونات) و(نيوترونات) وغيرها والأكسجين مكون من نفس الأشياء، لكنها تختلف في العدد والترتيب فقط . قال تعالى :﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَانِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾[الملك :3] . وباختلاف في العدد والترتيب اختلفت العناصر المادية اختلافاً كبيراً . فمن أوجد أصول العناصر المادية (إلكترونات، بروتونات، نيوترونات، ميزونات..الخ)؟ ومن جمع بينها مكوناً منها ذرات العناصر المختلفة ، وفق نظام محدد وتركيب معين؟ ومن وهبها اختلافاً في الخصائص والصفات؟ المادة نفسها؟! وأي شيء في المادة هو؟ (الإلكترونات) ؟ أم (البروتونات)؟ أم (الميزونات)؟ وأي جسم من هذه الجسيمات هو الذي أوجد باقي أجزاء الذرة ، وربط ووحد بينها في تشكيلات مختلفة؟ إن كل هذه الجسيمات أجزاء من الذرة ، والجزء لا يوجد الكل ، فليس أي جسيم إذن هو المكون للذرة . أم أن الصدفة هي التي أوجدت البروتونات؟ وعلمت الصدفة أنه لا بد لا تزان الذرة (كهربائياً) من خلق عدد مساو من (الإلكترونات) فأنشأت الصدفة أعداداً متساوية متوازنة من الإلكترونات والبروتونات في كل ذرة مما لا يحصى من ذرات الوجود .. صدفة!! وهكذا صدفة وجدت ذرة الأكسجين وكذلك ذرة الأيدروجين بالكمية المناسبة والقدر الكافي، والخصائص المطلوبة لتكوين الماء الكافي لحياة الكائنات الحية!! وبالصدفة تكونت ذرات الكربون والحديد والنحاس وغيرها ليتكون منها هذا الكون المنتظم بالصدفة!! والذي لم يختل له نظام بالصدفة!! فيا أيها العاقل .. هل تصدق إذا قيل لك : إن سيارة من السيارات قد تكونت أجزاؤها (العجلات، الموتور ، المقاعد ، التروس..الخ) بالصدفة ، وأنها قد ارتبطت ببعضها بالصدفة!! وعلى هذا فكتابة هذه الأسطر قد جاءت بالصدفة!! وكذلك .. هل تصدق إذا قيل لك : إن الدرج الذي أمامك قد تكون بالصدفة!! لقد ضرب أحد العلماء مثلاً على بطلان القول بالصدفة فقال: لو أعطينا مليون فرد مليون آلة كاتبة، وقدر لهذه القرود أن تطبع على تلك الآلات ملايين الملايين من السنين . فإنه من المستحيل أن يطبع أحد هذه القرود بالصدفة قصيدة لأحمد شوقي، بل من المستحيل أن يطبع أحد هذه القرود بالصدفة عبارة مفهومة منتظمة. اتحاد محكم وفق نظام دقيق : ويخبرنا علماء المادة : أنه لا يتم تفاعل كيماوي بين المواد إلا وفق قوانين محكمة منظمة، وأن سلطة هذه القوانين تمتد إلى كل مكان في الأرض أو السماء وأنه لا يمكن لأي تفاعل كيماوي أن يتمرد على هذه القوانين ، كما أن أي مادة لا بد أن تستلم وتخضع لأحكام القانون . وهيا نفكر الآن، ماذا يقول لك عقلك عندما تشاهد دولة منظمةيسير كل شيء فيها وفق قانون ونظام؟ هل تنكر أن وراء تلك القوانين سلطة مشروعة سنت تلك القوانين ، وأن تلك القوانين قد نفذت في تلك الدولة بسلطة قوية منفذة للقانون ، وتعمل باستمرار في المحافظة عليه؟! *فمن سن القوانين المحكمة لهذه المواد في شتى أرجاء الكون؟ *ومن حدد أحكام القوانين وقدر أقدارها؟ *ومن أخضع كل مادة في الكون لهذه الأحكام والسنن والقوانين؟ *إن هذه القوانين الدقيقة، المحكمة، النافذة، تشهد لكل عقل أنها من أمر الحاكم، المهيمن، القوي، القاهر. *إن الذرات المختلفة ، ذات الهيئة الواحدة، والنظام الموحد في كل أرجاء الكون ، تشهد أنها من خلق الواحد ، الحكيم سبحانه شبهة : ويزعم بعض الكافرين: أن الإنسان عبارة عن تفاعلات كيماوية ، وأن لا شيء فيه غير المادة، التي تتفاعل مع بعضها كيماوياً فينتج عنه هذا النشاط الإنساني ، فالأكل ، والشرب، والعمل، والكلام، والضحك، والبكاء، والحب ، والكراهية ، والشجاعة ، والجبن وكل سلوك إنساني ليس إلا نتيجة لتفاعلات كيماوية!! ولا يرد هذا القول بأكثر من القول: بأن الإنسان على هذا لا إرادة له في أي عمل يقول به؛ لأن التفاعلات الكيماوية تحدث داخله فتجعله شجاعاً أو جباناً ، كريماً أو بخيلاً، متحركاً أو واقفاً ، ضاحكاً أو باكياً، متكلماً أو صامتاً، محسناً أو مسيئاً. ومعنى هذا أيضاً أنه إذا قتل شخص غيره فلا يسأل عن ذلك ، لأن التفاعلات الكيماوية التي تمت في جسمه هي التي حركت جسمه للقتل!! ولو كان هذا القول الباطل حقاً؛ لكنت تعمل وتتوقف ، تسير وتتحرك، تتكلم وتصمت بطريقة آلية كيماوية ، وبدون إرادة منك أو اختيار ، وذلك أمر ظاهر البطلان . إنك روح وجسد كما قال ربك :﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[الحجر: 29] . روح تتصرف ، وجسد يتحرك تحت تصرف ذلك الروح . *** الخلاصة *للمادة ثلاث حالات، ولك حالة حكمة: (أ) حالة الصلابة : تجعل الأشكال ثابتة فنبني المنازل ، ونصنع الآلات، ونستقر في الأرض. (ب) حالة السيولة: تمكن المادة من تغيير شكلها فيسري الدم في عروقنا، ويجري الماء في أجزاء النبات وأعيته . (ج) الحالة الغازية: تمكن المادة من الانتشار فنجد الهواء قريباً ميسراً في كل مكان . *وتتحول المادة من حال إلى حال وفي كل تحول حكمة: (أ) بانصهار المادة الصلبة إلى سائل نتمكن من تشكيل المواد الصلبة كصناعة الآلات من حديد منصهر. (ب) وبذوبان مادة في أخرى تمكن النبات من الانتفاع بأملاح التربة الذائبة في الماء، ووصل الطعام في كل خلية في أجسامنا مع الدم الجاري في العروق والشعيرات الدموية . (ج) وبالتجمد أخذت المعادن المنصهرة أشكالها الثابتة النافعة وأقلت الأرض من عليها . (د) وبالترسيب تكونت العظام الصلبة من أملاح الكالسيوم التي كانت ذائبة في الدم . (هـ) وبالتبخر ارتفع ماء البحر فوق مستوى الجبال استعداداً لنقله إلى أعماق القارات وتخلص مما فيه من أملاح . (و) وبالتكثيف امتنع صعود بخار الماء إلى النجوم فاستقر سحباً فوق مستوى الجبال . *لكل حالة صفات مناسبة : (أ) فلو كانت صفة الانتشار من صفات السوائل لطغى ماء البحر على كل شيء . (ب) ولو كانت صفة الانتشار من صفات المواد الصلبة لدفنت الجبال كل حي . (ج) ولو كانت صفة تغير الشكل من صفات المواد الصلبة لغصنا في الأرض ولما وجد شكل ثابت. (د) ولو كانت صفة الثبات من صفات السوائل ما جرى دم أو نهر أو ماء في نابت . (هـ) ولو كانت صفة الثبات من صفات الغازات لا نحصر وجود الهواء في مكان محدود . *الذرة لبنة البناء في الكون وتتكون كل الذرات المادية المختلفة من أنواع واحدة من الجسيمات (إلكترونات ، بروتونات، نيوترونات.. الخ) وهي مرتبطة ببعضها البعض، وسبب اختلاف العناصر المادية يرجع إلى اختلاف عدد الجسيمات في الذرة وترتيبها . *إن تلك الأحوال المحكمة للمادة، والقوانين المنظمة لها ، والتحولات البديعة ، والتفاعلات المادية المتقنة ، والأحكام النافذة ، والتركيب الموحد لكل ذرات الكون يشهد أنه من خلق : حكيم، عليم، حاكم ، قوي ، مهيمن ، واحد هو الله سبحانه . *ليس النشاط الإنساني نتيجة لتفاعل مادي كيماوي ، لأنه نشاط حر غير مقيد بحركة آلية، ولأنه يصدر عن إرادة روح حرة وجسم مادي منفذ محدود . قدر فهدى
بدء تكوين الماء : لقد قدر الخالق سبحانه أن الحياة لا تكون بغير الماء فهدى الأرض عند انفصالها عن السماء من أجسام، أن تنفصل بالقدر المناسب من غاز (الأيدروجين، والأكسجين) لتكوين القدر المناسب من الماء لحياة ما على الأرض من حياة وأحياء ، شريطة أن يبقى من الأكسجين القدر المناسب في الجو لتنفس الكائنات الحية ، فتأمل: لو زاد مقدار (الأيدروجين) عند الانفصال لا تحد (بالأكسجين) الموجود الآن في الهواء ، ولزادت كمية ماء البحر فيغطي القارات ويغمرها بالماء ، ولا نعدم (الأكسجين) في الهواء فنموت ويموت كل كائن حي .قال تعالى :﴿أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأنبياء: 30] . إن كل عاقل سليم يستنتج أن انفصال الأرض عما في السماء كان وفق تقدير محكم يشهد أن صانعه عليم ، حكيم ، رحيم . لطف بالأسماك : من المعروف أن الماء إذا زادت درجة حرارته زاد حجمه ، وقلت كثافته ، فيرتفع الماء الساخن إلى أعلى وينزل الماء البارد إلى أسفل . وكذلك الحال في جميع السوائل : حرارة + ماء = زيادة حجم الماء وارتفاعه إلى أعلى والعكس صحيح . برودة + ماء = نقص في حجم الماء وهبوط إلى أسفل . إن هذه السنة الإلهية تعمل كما تعمل باقي السنن الإلهية الأخرى: مقدمة معينة تعطي نتيجة معينة أو مقدمة واحدة تعطي نتيجة واحدة . وعلى هذه السنة الإلهية: التي قضى الله بها أن يرتفع الماء الحار، وينخفض الماء البارد. على هذه السنة كان لا بد أن ينزل الثلج الموجود في البحار المتجمدة إلى القاع ، ويتراكم حتى السطح ، وعندئذ يصبح البحر قطعة واحدة من الثلج وبهذا تتجمد الأسماك وكل حيوانات البحر وتموت. ولكن شيئاً من ذلك لا يحدث فالأسماك وكافة الحيوانات البحرية في المحيط المتجمد الشمالي حية ترزق وتسير وتجيء . ذلك لأن الخالق قد عكس هذه القاعدة عند نقطة الخطر فجعلها: برودة + ماء = زيادة في حجم الماء وصعوده إلى أعلى . ولا تعجب .. كيف كانت المقدمات واحدة . برودة + ماء فأعطت نتيجتين مختلفتين : 1- برودة + ماء = نقص في حجم الماء وهبوطه إلى أسفل . 2- برودة + ماء = زيادة في حجم الماء وصعوده إلى أعلى . ولا عجب من ذلك أبداً أن هذا التغيير في النتيجة كان لا بد أن يحدث لصالح حياة كل حي يعيش في البحار المتجمدة. ومع ذلك الذي سن السنة الأولى ، هو الذي سن السنة الثانية لصالح كل حي يعيش في الماء . وجعل لكل من السنتين السابقتين مجالاً تعمل فيه ، فتعمل السنة الأولى ابتداء من درجة (4ْم) أربع درجات مئوية وهذا مجال ليس فيه ضرر على حيوانات البحر، كما تعمل السنة الثانية ابتداء من درجة الصفر المئوي (0ْم) إلى درجة (4ْم) أربع درجات مئوية وذلك مجال له أثر كبير على أحياء الماء ، لأنه يجعل الثلج من أعلى والماء الرائق الدافئ عند درجة (4ْم) من أسفل فتتحرك فيه الأحياء ، وتستمر لها الحياة مهما كانت طبقات الثلج من أعلى . إن العقول لتستنتج مما مضى : أن الذي نظم الكون بهذه السنن والقوانين لا تقيده السنن أو القوانين ، إنما هو الذي يحددها كما يشاء يضع السنة وعكسها، وكم وقف المتأملون في المخلوقات على مثل هذا فسموه (شذوذاً) وقالوا: لكل قاعدة شواذ ، ويقول المؤمن : إن القاعدة سنة ، والشذوذ سنة ، ولكل حكمة ، والكل شاهد بإرادة الخالق الحر التي لا تقيدها تفاعلات كيماوية أو أوضاع مادية . كما تستنج العقول أن الذي خلق الماء قد هداها ليؤدي دوره في هذه الحياة كما قدر له الخالق، ووضع له سنناً وأحكاماً تسيره فيما قدر له ، سنناً تجعله سحباً طائرة، وسنناً تدفعه في أوراق الشجر وأغصانها ، وسنناً تجعل الماء وسطاً كيماوياً صالحاً لصنع الطعام ، وسنناً تحول الماء جزءاً من الدم الجاري في العروق، وسنناً تجعل الماء بحراً يمتلئ بالأسماك وغيرها من الكائنات الحية، وسنناً تيسر البحر لسير السفن وتسهيل النقل عليه . الاتحاد الكيميائي: إذا تأملت في قوانين الاتحاد الكيميائي ستشاهد : *أن أي مادة لا تتحد إلا بمواد مخصوصة مع أن أصل المواد شيء واحد (الكترونات، وبروتونات، ونيوترونات..) فمن الذي يهدي الأكسجين مثلاً ويعرفه أن هذه المادة (كربون) يمكن أن يتفاعل معها، وأن هذه المادة ذهب لا يتفاعل معها؟ *وأن أي مادة لا تتحد إلا بمقدار معلوم من المادة التي تتحد معها ويسمى ذلك المقدار (الوزن المكافئ) ، فمن يهدي الأوزان المكافئة للاتحاد ويمنع الاتحاد لغير تلك المقادير المحدودة؟ ولماذا هذا التحديد؟ ومن صاحب هذا التحديد والتقدير والهداية ؟ *إن العقل ليستنتج من مشاهدة هذه التفاعلات الكيماوية أن التقدير والتحديد لا يكونان إلا من مريد، وأن التوجيه والهداية لا يكونان إلا من هاد . فمن الذي يقدر هذه التفاعلات الدقيقة المحكمة في شتى أرجاء الكون، ومن الذي يهدي كل تفاعل إلى نتيجة المقدرة له؟ إن العقل ليجزم بأن خالق هذه المواد هو المريد الذي قدر أحكامه، وأنه الهادي الذي سيرها.. إنه الله (الذي قدر فهدى) . ثعابين البحر: يحدثنا أحد رواد العلم الحديث (أ. كريس موريسون)[21] في كتابه المترجم (العلم يدعو للإيمان) فيقول: .. وهناك لغز أصعب من ذلك يتطلب الحل، وهو الخاص بثعابين الماء، فإن تلك المخلوقات العجيبة متى اكتمل نموها هاجرت من مختلف البرك والأنهار وإذا كانت في أوربا قطعت آلاف الأميال في المحيط قاصدة كلها إلى الأعماق السحيقة جنوبي (برامودا)[22] وهناك تبيض وتموت. أما صغارها تلك التي لا تملك وسيلة لتعرف بها أي شي سوى أنها في مياه قفز فإنها تعود أدراجها ، وتجد طريقها إلى الشاطئ الذي جاءت منه أمهاتها ، ومن ثم إلى كل نهر أو بحيرة أو بركة صغيرة.. لقد قاومت التيارات القوية، وثبتت للأمداد والعواصف وغالبت الأمواج المتلاطمة على كل شاطئ، وهي الآن يتاح لها النمو، حتى إذا اكتمل نموها دفعها قانون خفي إلى الرجوع حيث كانت بعد أن تتم الرحلة كلها، فمن أين ينشأ الحافز الذي يوجهها لذلك؟ إن عقولنا لتستنتج من هذه الرحلة الموجهة، ومن كل عمل موجه يظهر في هذا الكون، في الأرض أو السماء ، في البر أو الجو أو البحر، أن وراء ذلك التوجيه المحكم إرادة هاد حكيم. إن ذلك التوجيه توجيه الذي قدر لكل شيء دوره في هذا الكون، وهداه إلى القيام بما قدر له فـ ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى(2)وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾[الأعلى: 1-3] . خلق الإنسان : لقد كان الإنسان نطفة (حيواناً منوياً) ناقصة في خصية الرجل، وكان النصف الآخر نطفة (بويضة) ناقصة في مبيض الأم فكل خلية في جسم الإنسان رجلاً كان أو امرأة تنقسم إلى قسمين: وكل قسم من هذين القسمين يكون خليه كاملة فيها (48) حاملاً وراثياً (كروموزوم) إلا تلك الخلايا المنقسمة في خصية الرجل ومبيض المرأة والتي ينشأ عن انقسامها تكوين (الحيوانات المنوية) في الرجل (نطفة الرجل) والبيضة في الأنثى (نطفة المرأة) فإن الانقسام فيها يكون مخالفاً لسائر الانقسامات في جميع خلايا الجسد ، لأن كل خلية منوية ذكرية أو أنثوية (حيوان منوي أو بويضة) لا يتكون إلا من (24) حاملاً وراثياً (كروموزوم)، فلماذا شذت الخلية التي يتكون منها الحيوان المنوي في الرجل عن سائر خلايا الإنسان في عدد الحوامل الوراثية في كل منها؟ والجواب نعرفه بعد خروج نطفة الرجل من مكانها ، وخروج نطفة المرأة في المبيض والتقاء النطفتين في القرار المكين (رحم المرأة) حيث تتحد النطفتان فتتكون منهما خلية واحدة عدد حواملها الوراثية (48 كروموزوم) ، ومن هنا نعرف لماذا حدث ذلك الاختلاف في انقسام الخلايا المنوية عن سائر خلايا جسم الإنسان ، ذلك لأن كل خلية في جسم الإنسان تعتبر وحدة مستقلة متكاملة، فيجب أن يكون عدد الحوامل الوراثية كاملاً وقدره (48) ، وأما الخلايا المنوية فإنه من المعروف والمفهوم والمعلوم أنها ستتحد مع بعضها لتكوين الجنين فيجب أن يكون في كل منها نصف القدر من الحاملات الوراثية حتى إذا تم الاتحاد تكونت خلية ببشرية كاملة بالقدر الصحيح. فماذا تستنتج أيها العاقل من هذه الآية التي تحدث في كل إنسان بالغ، بل وفي كل حيوان بالغ؟ إن العقل ليستنتج أن الذي يخلق النطفة الذكرية ناقصة في حواملها الوراثية (24) (كروموزوم) يعلم أن مصير هذه النقطة المذكرة أن تتخذ بالنطفة المؤنثة التي تتكون أيضاً من (24) حاملاً وراثياً وبالاتحاد تنتج الخلية الإنسانية الكاملة المكونة من (48) حاملاً وراثياً . فهل تعلم الخصية في الرجل وكذا باقي التفاعلات الكيماوية ما أعد من مبيض الأنثى من تكميل للنقص في عدد الحوامل الوراثية في الخلية المنوية المذكرة التي تنشأ في الخصية؟ وهل تعلم الخصية وكذا المبيض أن مصير ما ينتجانه من خلايا ناقصة هو الاتحاد وتكميل بعضها البعض؟ إن العاقل ليسخر من هذه الأوهام كما أنه لا يشك لحظة أن خالق النطف المنوية المذكرة والمؤنثة عليم بما يصنع في أعماق أحشاء الرجل والمرأة على السواء، حكيم في تقديره وتدبيره، كما لا يشك العاقل في أن الطبيعة ليست هي صاحبة ذلك العلم والتقدير .قال تعالى : ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ(57)أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾[الواقعة : 57-59] .ويقول سبحانه : ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ(17)مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ(18)مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ(19)ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ(20)ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21)ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾[عبس: 17-22] . وتأمل كيف تتحول تلك النطفة المنوية بالغذاء السابح في دماء الأم إنسان كامل التصوير والتكوين والتركيب. فجزء من ذلك الغذاء يكون يداً ، وجزء مماثل يكون اليد الأخرى، وجزء يكون القدم ، وجزء يكون القدم المساوية الأخرى ، وجزء يكون العين ، وجزء يكون العين المساوية الأخرى ، وجزء يكون الرئة وجزء يكون المعدة، وجزء يكون الكبد، وجزء يكون العظام، وجزء يكون اللحم ، وجزء يكون الجلد وهكذا .. فمن يشرف على ذلك التكوين الدقيق ، وعلى عملية البناء المنسقة المتساوية المتوازنة. المتماثلة، المتكاملة؟! إن العقل ليستنتج مما يشاهد في خلق الإنسان وغيره من الكائنات أن خالق الإنسان والحيوان في ظلمات الأرحام أو داخل قبة البيضة لا شك خبير بما يخلق ، عليم بما ينشئ ، بصير بما يصنع. فمن صاحب هذه الحكمة والبصيرة والخبرة والإدراك؟ هل الغذاء السابح في الدم هو صاحب تلك الحكمة والخبرة والبصيرة؟ أم أن النطفة التي تكون المبيض نصفها من غذاء الأم ، وكونت الخصية نصفها من غذاء الأب هي التي نظمت ، وأدركت ، وأحكمت ، ووازنت ، ودققت؟ إن ذلك الغذاء لا يملك إرادة ، أو حكمة ، أو بصيرة . إن تلك الأحشاء والأمعاء لا نعي إلا ما جبلت عليه من الأعمال ، وحدد لها من الأفعال ، دون زيادة أو نقصان . إن تلك النطفة التي صنعتها الخصية في الذكر ، والمبيض في الأنثى لا تدري من أمرها شيئاً ، بل إن الإنسان المتكون عنها لا يزال جاهلاً ، لا يملك بصيرة أو حكمة ، أو صواباً لمدة عدد من السنين بعد ولادته . ولا شك أيضاً أن الشمس أو القمر ، أو الرياح ، أو المطر ، أو النبات أو الحيوانات ، أو النجم، أو المجرة لم تدخل إلى بطن الأم لتصور ، وتركب وتكون ، هذه الآلاف العديدة التي تولد كل يوم من أطفال بني الإنسان وأطفال كل الكائنات الحية ، ولا شك أيضاً أن هذه المظاهر الطبيعية جميعاً لا تملك عقلاً أو بصيرة أو حكمة . فكيف ظن الجاهلون أن الطبيعة البليدة العمياء هي التي منحت الإنسان عقلاً ، وبصيرة ، وحكمة؟! إن فاقد الشيء لا يعطيه . فمن الخالق الخبير ؟ فمن الخالق الحكيم؟ فمن الخالق البصير ؟ أيها العقلاء .. أيها المفكرون! إنه الله رب العالمين القائل في كتابه : ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ(15)ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون : 12-16] . وإذا تفكرت في عملية تكوينك في بطن أمك ، وجدت آيات وآيات . ذلك الجزء الذي يصنع العين لماذا يصنع العين؟ لأنه لا حاجة لك بالعين في بطن أمك!! فهل قد أصبح ذلك الجزء من النطفة ـ في ظلمات الرحم ـ عالماً بما سيؤول إليه أمرك ، خبيراً بنظام الضوء وسننه ، وقوانينه الذي ستلاقيه بعد خروجك من بطن أمك ، فنظم لك جهازاً بصرياً لترى به ما حولك مستخدماً الضوء وقوانينه وسننه؟ ومن أعلم ذلك الجزء من النطفة من بطن الأم أنك ستخرج من بطن أمك ؟ ومن أفهمه أنك ستحتاج إلى عينين بعد خروجك؟ ومن أعطاه درساً في قوانين الضوء وأسراره، وهو لم ير ضوءاً من قبل؟! ومن منحه بعد ذلك مقدرة على تحويل الطعام السابح بين الدماء إلى أغشية بصرية رقيقة، وعدسة محكمة، وماء زجاجي مقدر ، وشبكة تتكون إحدى طبقاتها من ثلاثين مليون عود بصري وثلاثة ملايين مخروط بصري؟ ومن أخبر ذلك الجزء من النطفة أن ينشء العصب البصري ويشق له فتحة بقدره في الجمجمة ، ويصنع مركزاً بصرياً خاصاً في المخ ويربط به ذلك العصب البصري؟ وإذا تأملت في الرئتين اللتين تصنعان لك في بطن أمك وأنت لا زلت جنيناً . لماذا صنعت هاتان الرئتان؟ بل لماذا تصنع ملايين الرئات مع كل المواليد الجدد في كل يوم من أجنة بني الإنسان والحيوان. إنه لا حاجة للجنين إلى الرئتين بل لو دخل إلى الجنين قليل من الهواء إلى القرار المكين لأحدث فيه أضراراً بالغة . فلماذا يصنع إذن هذا الجهاز التنفسي لاستقبال الهواء؟ لا شك أن الذي يصنع هذا الجهاز على علم بمصير الجنين في كل إنسان وحيوان . إن الذي صنع لك الرئتين والجهاز التنفسي لا شك أنه عالم بمصيرك وأنك ستخرج من بطن أمك وأن الهواء سيحيط بك من كل مكان ، وأنك ستكون في أمس الحاجة إليه ، فهو يصنع له طريقاً إلى كل نقطة في جسمك وأنت لا تزال جنيناً في بطن أمك لا تعلم شيئاً . ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾[النجم: 32] . وهو أيضاً يصنع للهواء جهازاً كاملاً هو الجهاز التنفسي . وما قيل في تكوين العين والجهاز التنفسي يقال في تكوين الجهاز الإخراجي ، والجهاز الدوري الدموي ، والجهاز الهضمي، والجهاز العصبي ، فكل هذه الأجهزة لست بحاجة لها وأنت في بطن أمك، ولن تكون لك بها حاجة إلا بعد خروجك من بطن أمك عندئذ تكون ألزم الأشياء وأهمها لبقاء حياتك . ألا تستنتج كل عقل سليم من هذه الأفعال والأحداث التي تجري في بطن أمك أنها تسير وفق خطة مرسومة مقدرة ، وتبعاً لتدبير حكيم خبير عليم بما يصنع ويفعل . وكم يسخر العلماء الذين يطلقون الصواريخ ورواد الفضاء إذا قال جاهل بليد : بأن الترتيبات اللازمة التي يعد بها رائد الفضاء أثناء انطلاقه إلى الفضاء قد جاءت بالطبيعة أو صدفة أو بدون علم علماء وخبرة خبراء!! إن المسلم لا يكفر بالحق الواضح ، والكافر يغطي الحق البين ، إن المسلم يشهد كما تشهد أحداث خلقه وتكوينه أن ربه الخالق ، العليم ، الحكيم ، الخبير ، القوي ، المهيمن ، القادر ، الذي.. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى: 11ٍ] .وصدق الله العظيم القائل :﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ(6)الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ(7)فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾[الانفطار: 6-8] . وهكذا تجد العقول المفكرة أن لكل مخلوق خطة وعملاً قد قدره له خالقه ، ثم هداه إلى القيام بعمله كما هدى الخصية والمبيض وهدى النطفة وأجزاءها إلى ما قدر لها ، وهدى العينين والرئتين، وهدى كل جزء إلى ما قدر له ربه . *** الخلاصة : *لقد هدى الله الأرض عند انفصالها أن تنفصل بمقادير حكيمة فلو زاد مقدار الأيدروجين المنفصل لطغى البحر على الأرض وانعدم الأكسجين وماتت الأحياء . *الماء الساخن يرتفع إلى أعلى ، والبارد ينخفض إلى أسفل ، ولكن هذه القاعدة تتغير عند الدرجة الخطرة بالنسبة لحيوانات البحار ابتداء من درجة الصفر إلى درجة أربعة مئوية فتعكس القاعدة فيرتفع الثلج (الماء البارد) إلى أعلى ويبقى تحته الماء الدافئ لتسهيل حياة كائنات البحر الحية، ويشهد هذا الاختلاف الحكيم في نظام الماء أن خالقه رحيم ، وأن إرادته مطلقة تفعل ما تشاء وليس ما يقال: لكل قاعدة شواذ إلا دليلاً على الإرادة الحرة لمن يضع القاعدة ويضع شذوذها ، والذي قدر للماء دوره في الحياة هداه إلى ما قدر له . *لا يتم تفاعل كيميائي إلا بين مواد معلومة أو وزن محدود فالذي قدر التفاعل بين المواد بتلك المقادير هو الذي يهدي كل تفاعل إلى ما قدر له . *إن الذي قدر حياة ثعابين البحر في برك وأنهار أوروبا وقدر سفرها إلى (برمودا) لتتناسل وتتزاوج وتموت في برمودا هو الذي هدى صغارها إلى العودة إلى مواطن عيش الآباء وعودتها إلى برمودا ثانية لتموت دون أن تضل الطريق . *إن الذي قدر خلق الإنسان من نطفة رجل وامرأة قد هدى خصية الرجل إلى صنع النصف، وهدى مبيض المرأة إلى صنع النصف الباقي المطابق وليس للدماء أو الأحشاء هداية أو علم، لكن ذلك هداية الله جل وعلا ، وهو الذي هدى كل جزء في النطفة إلى القيام بدوره المحدود فكانت النتيجة ذلك الإنسان المخلوق في أحسن تقويم ، وأن تلك الخطة المحكمة ، المتتابعة المراحل في خلق الإنسان تشهد بأن الله هو الذي هدى سيرها وليس الطعام أو الأحشاء هو صاحب تلك الحكمة والهداية والبصيرة . *إن الذي قدر لك أن تخرج من بطن أمك لتسعى في الأرض ، وترى ما حولك هو الذي يخلق لك العينين وأنت ما زلت جنيناً وفق سنن الضوء وأحكامه، وإن الذي قدر لك أن تستنشق الهواء هو الذي هدى ذلك الجزء من النطفة أن يصنع جهازاً تنفسياً بالغ الدقة . إن الذي قدر للإنسان أن يحيا على هذه الأرض هو الذي هدى كل جزء من النطفة إلى صنع جهاز أو عضو ليتم من الجميع ذلك الخلق القويم المهيأ للحياة على هذه الأرض . ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ صدق الله العظيم هل صفات الإنسان كصفات الجماد؟ وهل إذا رأينا إنساناً ينتقل من مكان إلى آخر سألناه من الذي ينقله؟ وما حجة من يسأل : إلا أن الجماد يحتاج ويفتقر إلى من ينقله ، فيقر أن الإنسان كذلك يحتاج ويفتقر إلى ما ينقله ؟ أليس الجواب على من يسأل هذا السؤال هو : أن الإنسان يختلف عن الجماد ، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الجماد ، وعلى ذلك فهو لا يفتقر إلى من يحركه من مكانه فصفات الجماد غير صفات الإنسان . وما هو موقفنا من شخص ينكر أن للإنسان عقلاً وإدراكاً ، وحجته في ذلك أن مصنوعات الإنسان لا تملك عقلاً[23] ولا إدراكاً؟ لا شك أن أي عاقل سيقول له : يا هذا! إن صفات الإنسان وخصائصه غير صفات مصنوعاته وأدواته، فإن كانت لا تتصف بالعقل فليس معنى ذلك أن الإنسان لا يتصف بالعقل أيضاً! وليس كل ما ينطبق على مصنوعات الإنسان يجب أن ينطبق على الإنسان . إنك إذا أنكرت وجود عقل الإنسان فقد أنكرت وجود مصنوعاته التي لم تصنع إلا بتدبير عقل مفكر وهندسة عقل واع. إن كل مخلوق في الأرض والسماء يختلف عن بقية المخلوقات في الخصائص والصفات ، ولولا ذلك الاختلاف لكانت المخلوقات جميعاً شيئاً واحداً ، ولكان الحجر ، والشجر ، والحيوان، والإنسان ، والماء ، والتراب ، والهواء ، والنجم شيئاً واحداً وإذا كانت المخلوقات تختلف عن بعضها في صفاتها وخصائصها ، فمما لا شك فيه أن الخالق سبحانه وتعالى يخالف مخلوقاته التي أوجدها وسيرها فلا بد إذاً أن يخالفها في صفاته الإلهية وخصائصه الربانية . قال تعالى :﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11] . ولو كان شيئاً يماثله لكان إلهاً وخالقاً . قال تعالى : ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾[الأنبياء: 22] . ومع ذلك فالشيطان لا يزال يوسوس بجهالة كبرى ، كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تعتمد هذه الجهالة على أساس باطل: هو التسوية والمشابهة والمماثلة بين الخالق ومخلوقاته في الصفات والخصائص ـ استغفر الله ـ يوسوس الشيطان قائلاً : هذا خلق الله فمن خلق الله؟ ومعنى السؤال : إذا كنا نشاهد هذه المخلوقات أول ما تتصف به أنها مفتقرة إلى خالقها ، ومحتاجة إلى بارئها فلن يكون لها وجود إذا لم يوجد خالقها فكذلك يجب أن يتصف بنفس ما اتصفت به مخلوقاته فهو محتاج مفتقر مثلها . وللجواب على هذه الجهالة الشيطانية نقول : ومن الذي قد قرر أن ما تتصف به المخلوقات لا بد أن يتصف بها الخالق ـ أستغفر الله ـ ؟ من الذي صدق أن كل ما يحتاج ويفتقر إليه المخلوق لا بد أن يكون الخالق مفتقراً ومحتاجاً إليه حتى أصبح الخالق ومخلوقاته شيئاً واحداً ؟ ـ أستغفر الله ـ إن الخالق غير مخلوقاته التي أوجدها وسيرها ، كما أن الإنسان غير مصنوعاته التي صنعها واخترعها ، وما يتصف به الخالق سبحانه من عظيم الصفات يجب أن يخالف ما تتصف به مخلوقاته وإلا لكان الجميع شيئاً واحداً . فإذا كانت المخلوقات فقيرة إلى ربها محتاجة في وجودها إلى خالقها ، فإن الله سبحانه هو الصمد الغني الذي لا يفتقر إلى غيره ، ويفتقر إليه كل مخلوق . تلك الصفات من صفات ربنا ، تخالف صفات مخلوقاته ، ويشهد هذا الكون الزاخر بالمخلوقات التي لا تحصى ولا تعد بأن رب هذا الكون غني لا يحتاج إلى غيره ولا يفتقر إلى سواه . أما من عاند أواصر على وصف الخالق بما يتصف به المخلوق فعقله يلزمه على هذه الجهالة الكبرى أن ينكر وجوده ، ووجود كل ما في هذا الكون الفسيح المشاهد، ذلك لأنه لا يبقى غير الخالق ومخلوقاته إلا العدم المطلق . فإذا كنا نشاهد من حال المخلوقات حاجتها وافتقارها إلى خالقها الذي أوجدناها وأنشأها ، فإن عقولنا تقرر أنه لن يكون لها وجود بغير وجود خالقها، كما أنه لن يكون وجود للسيارة إذا انعدم وجود صانعها فإذا صدقنا بالباطل الذي يصف خالقنا بوصف مخلوقاته ـ استغفر الله ـ وقلنا إن الخالق محتاج مفتقر في وجوده إلى غيره . ولا يوجد غير الخالق ومخلوقاته إلا العدم فعندئذ يكون افتقار الخالق واحتياجه إلى العدم الذي لا يعمل شيئاً ، وإذاً فالخالق غير موجود ، لأن العدم لا يعمل شيئاً ، وإذاً فأنا وأنت وهذه الأسطر وكل ما في هذا الكون لا وجود له . لأن الكفر يريد أن يصف خالقنا باطلاً بما تتصف به المخلوقات ، فيزعم أنه محتاج مفتقر لمن؟ للعدم: لأنه ما بقي غير الخالق ومخلوقاته إلا العدم . لكنا نحن المؤمنين نؤمن أن لله المثل الأعلى ، والصفات العليا وأن أي شيء من مخلوقاته لا يشابهه ولا يكافئه فإذا كانت أول صفات المخلوقات المشاهدة حاجتها وافتقارها إلى خالقها فإن خالقها هو الصمد الغني الذي لا يفتقر إلى غيره، ولا يحتاج إلى سواه ، وإن الله هو الذي أوجد هذا الكون وخلقه . أما إذا افترضنا التسلسل : فإنا سنصل في النهاية إلى ما وصلنا إليه سابقاً إما أن يكون جميع أفراد السلسلة عاجزين فقراء محتاجين إلى من يخلقهم وليس غير هذه السلسلة (سلسلة الخلق) ـ أستغفر الله ـ والمخلوقات إلا العدم ، إذاً ليس موجوداً من يخلق هذه المخلوقات التي نحن منها إذاً فالجميع عدم ولا وجود لهذا الكون، ولا وجود لنا أيضاً ، وإلغاء وجودنا مستحيل وباطل ، وما لزم من المستحيل فهو مستحيل وباطل . وأما انتهاء هذه السلسلة بالخالق القادر الغني عن غيره الذي تفتقر المخلوقات إليه ولا يفتقر إلى غيره الذي له من الصفات العليا ما لا تتصف به مخلوقاته ، وعندئذ تتحول باقي السلسلة (سلسلة الخلق) إلى نطاق المخلوقات لهذا الخالق الصمد الواحد الأحد فلا يكون الأمر إذاً إلا أن مخلوقاته تفتقر في وجودها إلى خالق خلقها وأوجدها ، صمد غني لا يفتقر إلى غيره ، له صفات الكمال العليا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ . ومن أبى الإيمان بهذا فعقله يلزمه أن ينكر وجوده، ووجود كل ما في هذا الكون البديع من مخلوقات ، قل له أيها المسلم إن لقيته كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (آمنت بالله الغني الصمد الواحد الأحد الذي يفتقر إليه كل مخلوق ولا يفتقر إلى أحد) وليس غريباً على العقول أن تؤمن بأن صفات الخالق غير صفات مخلوقاته، بل إن العقول توجب علينا الإيمان بمخالفة صفات الله عن صفات مخلوقاته ، وإلا لكان الجميع شيئاً واحداً ، عندئذ لن يكون هناك خالق أو مخلوق ، ويعبر عن هذا الدكتور (ماريت ستانلي كونجده) عضو الجمعية الأمريكية الطبيعية ، والأخصائي في الطبيعة وعلم النفس فيقول: (ومما لا شك فيه أننا نحتاج في محاولتنا إلى وصف الخالق ومعرفة صفاته إلى مصطلحات ومعان تختلف اختلافاً بيناً عن تلك التي نستخدمها عندما نصف عالم الماديات ، وبخاصة بعد أن تبين لنا أن هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن أن يكون مادة صرفاً وإنما هو مادة وروح ونار ، أو مادة وغير مادة ولا نستطيع أن نصف الأشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها) . إن صفات الله العليا وكماله القدسي حقيقة قائمة ، يشهد بها كل ما في الكون وتتحدث بها الفطرة البشرية ، فكل إنسان منا يشعر أن فيه نقصاً دون الكمال وكما يشعر عندما يرى أي شيء أن هناك ما هو أكمل منه فهذا الشعور الذي نحسه بوجود نقص في كل ما نشاهده ، باعثه الأصلي في النفس إحساس الفطرة بوجود من يتصف بالصفات العليا وله الأسماء الحسنى ، حتى رأت كل شيء ناقصاً إحساساً منها بوجود الكامل العظيم سبحانه ، وتلك هي الفطرة الإنسانية المؤمنة التي فطرها الله على الإيمان . وصدق رسولنا الكريم القائل : (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) أما نحن المسلمين ، فإن علمنا بصفات الله وأسمائه الحسنى يقوم على أساس التعليم المباشر ، والتعريف الكامل منه سبحانه ، وذلك بواسطة رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي نقل إلينا كلام خالقنا عن نفسه وما أراد لنا الخالق أن نعرف عنه من صفات . قال تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾[الشورى : 11] . ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾[سورة الإخلاص] . ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾[البقرة: 255] .﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[آل عمران: 18] . ﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ﴾[الأنعام : 133] .﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾[الحديد: 3] . ﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الأنعام : 102-103] . ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾[الحشر: 24] .﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(15)إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ(16)وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ(17)وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ(18)وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ(19)وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ(21)وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ(22)إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ(23)إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ(24)وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ(25)ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ(27)وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾[فاطر: 15-28] . *** الواحد الأحد دلائل الوحدانية : 1 – من تأمل في نظام الكون المستقر ، وأحداثه المنسقة ، وسيره المنتظم ، وجد أن ما في الكون الثابت يشهد له : أنه تحت نفوذ إرادة واحد وتحت تصرف حاكم واحد . ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾[الأنبياء:22] . 2 – إن هذا الارتباط المحكم ، الدائم بين أجزاء الكون يشهد : بأنه تحت سيطرة مالك واحد ولو كان مع الله آلهة أخرى لفصل كل إله ما خلق، ولشاهدنا عمليات الانفصال ، والتجزئة ظاهرة في هذا الكون . وكم تكون الحياة سيئة لو أن للشمس إلهاً منع عنا ضوءها ، وأن للشجر إلهاً منع عنا ثمارها ، وأن للسحب إلهاً منع عنا قطرها . قال تعالى :﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾[المؤمنون: 91] . 3 – ولو كان مع الله آلهة أخرى ، لحاول بعضهم أن يستعلي على غيره ، وعندئذ يشهد الكون حروباً مروعة ، مدمرة ، ويكون الملكوت ميداناً لصراع جبار بين الآلهة المتنازعة! أو لحاول الضعاف من هذه الآلهة المتنازعة أن يتعاونوا على من له القوة والنفوذ في هذا الملكوت..!! قال تعالى :﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا(42)سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾[الإسراء:42، 43] . الربوبية والألوهية : وإذا كان الله سبحانه هو الخالق الواحد ، فإنه هو الرب الواحد والإله الواحد. ومما يأتي من الآيات الكريمة يتبين لنا ما يريد القرآن من كلمة رب وكلمة إله : قال تعالى : ﴿ قُلْ لِمَنْ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(84)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(85)قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(87)قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(88)سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ(89)بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾[المؤمنون: 84-90] . وقال سبحانه :﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾[الزمر:8] . وقال تعالى :﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾[فاطر:3] .﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾[الأنعام : 46] .﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(70)قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾[القصص: 70-72] . ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾[الزمر:6] . ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60)أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61)أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63)أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾[النمل: 60-64] .﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾[الفرقان: 2، 3]. وإذا تأملنا في الآيات السابقة وجدنا الرب هو : الحاكم المطلق لهذا الكون، وهو مالكه وآمره، ومنشئه وموجهه الواحد الذي لا شريك له . وسترى من الآيات أن الإله هو المالك : الذي يملك جميع السلطات والصلاحيات في السموات والأرض، فالخلق مختص به ، والنعمة كلها بيده والأمر له وحده ، والقوة والحول في قبضته وكل ما في السموات والأرض قانت له ، ومطيع لأمره طوعاً وكرهاً ولا سلطة لأحد سواه ، ولا ينقذ فيها الحكم لأحد غيره وما من أحد دونه يعرف أسرار الخلق ، والنظم والتدبير أو يشاركه في صلاحيات حكمه ، ومن ثم لا إله في حقيقة الأمر إلا هو . *** العبادة : لذلك كله فقد استحق الله وحده العبادة دون سواه . قال تعالى :﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[البقرة:172] . ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى ﴾[الزمر:17] . ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ(5)وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾[الرحمن: 5-6]. ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾[الإسراء: 44] ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[غافر: 66] . ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر: 60] . ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾[هود: 123] . والعبادة قد اشتملت على الشكر والإنابة والسجود ، والتسبيح ، والخضوع ، والاستسلام ، والدعاء ، والتوكل ، كما تشمل النذر ، والاستغاثة الغيبية ، والذبح والخوف من الله . وقد استحق الله العبادة لأنه الخالق الواحد المالك الرب الواحد في هذا الوجود . وقال تعالى : ﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[الأنعام:102] وقال تعالى : ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾[الأنعام:164] . معنى العبادة : وقد وردت العبادة في القرآن بمعاني كثيرة ولعل التعريف الجامع لكل صور العبادة هو أنها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة . لا يجوز صرف شيء من العبادة لغير الله : قال تعالى :﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾[البينة: 5] وقال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي ﴾[الذاريات: 56] . ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾[الكهف:110]. *** الشرك: الشرك ضد التوحيد ومعناه إثبات شريك لله تعالى فيما هو من خصائص الألوهية والربوبية، باتخاذ شريك لله في ذاته القدسية ، أو في صفاته العليا أو في أفعاله . والشرك أنواعه أربعة : 1- عبادة غير الله ، من حجارة ، أو أصنام ، أو أشجار ، أو حيوان ، أو قبور ، أو أجرام سماوية ، أو قوى طبيعية ، أو اتخاذ البشر آلهة ، أو أن الله قد حل ببشر ، أو أن له سبحانه بنين وبنات. 2- إشراك بعض المخلوقات في بعض صفات الله ، كالاعتقاد بالتثليث وأن الابن وروح القدس كما يزعم النصارى لهما صفة الأبدية ، والقدرة الإلهية والعلم الإلهي ، أو أن هناك خالقاً للشر وخالقاً للخير ، أو أن للمادة صفة أبدية التي لا بداية لها كما يزعم الماديون. 3- اتخاذ بعض الناس بعضهم أرباباً ، ويؤثر أنه عندما نزل قول الله تعالى في شأن أهل الكتاب من يهود ونصارى : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾[التوبة: 31] . قال عدي بن حاتم ـ وكان مسيحياً قبل دخوله في الإسلام ـ للرسول صلى الله عليه وسلم : إن النصارى واليهود لم يعبدوا أحبارهم ورهبانهم ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : (بلى إنهم حرموا عليهم الحلال ، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم فدلك عبادتهم إياهم) ذلك لأن الكون مخلوق لله ومملوك له فليس لأحد غيره أن يتصرف في شيء إلا بإذنه ، وليس لأحد من الناس أن يحلل ويحرم في ملك الله بدون إذنه ، وليس لأحد أن يحكم في ملك الله بدون إذن المالك لهذا الوجود. قال تعالى : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾[الشورى:21] . وقال سبحانه : ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾[القصص:70] . وليس لأحد أن يحكم في جزء من ملك الله ومخلوقاته بما يتناقض حكم الله . قال تعالى :﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾[المائدة: 44] . وقال تعالى :﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾[المائدة: 50] .وقال تعالى :﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾[النساء: 65] . وقد ذكر سبحانه الأنواع الثلاثة السابقة في قوله تعالى . ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾[آل عمران : 64] . 4 – اتباع الهوى وطاعته ، فلا يهوى الإنسان شيئاً إلا اتبعه قال تعالى : ﴿ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[الفرقان: 43]. وقد جعل الله اتباع الهوى شركاً ، لأن طاعة غير الله فيما لم يرض به الله تعالى يعد شركاً . الشرك جهالة كبرى : إذا تأمل الإنسان في الكون وجد آيات الوحدانية شاهدة بأن رب هذا الكون واحد، وإذاً فلا يكون الشرك بالله إلا ضرباً من السفه والجنون وسبباً لغضب الله الملك الحق، الإله الواحد سبحانه. قال تعالى :﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾[النساء: 48] . وقال تعالى :﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾[النحل: 86] . وقال تعالى : ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾[النحل: 27] . وقال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ(62)قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ(63)وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ(64)وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ(65)فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُفْلِحِينَ ﴾[القصص: 62-67] . جهالة حول مقام الأولياء : ولقد وقع بعض المسلمين فيما وقع فيه من قبلهم من الأمم ، الذين أخذوا يرفعون من مقام الأولياء والأنبياء والصلحاء ، من درجة العبودية لله تعالى أن درجة تقارب الألوهية ، وتصل إلى مقامها، وذلك باعتقاد أن الأولياء أو الأنبياء أو الصلحاء يتصفون بصفات لا تكون إلا لله : مثل القدرة على الإعانة الغيبية ، وكشف الضر ، ومنح الأولاد ، والإغاثة بقوة غيبية تخرج عن السنن والقوانين التي يسير عليها الكون ، مما يدفعهم ذلك إلى القيام بين أيديهم. أو على قبورهم بشعائر التكريم أو التعظيم مما يكاد يكون تألها وقنوتاً ، ولقد نعى القرآن الكريم على الذين يسلكون هذا المسلك الباطل. قال تعالى :﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ(17)قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾[الفرقان : 17-18]. ولقد قال الطبري في تفسيره لهذه الآية : يقول تعالى ذكره : ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الأوثان ، وما يعبدون من دون الله من الملائكة والإنس والجن.. ولا يغيبن عن ذهنك أن أولياء الله أول من يرفض هذه المكانة التي يرفعهم الجاهلون إليها ، كما أنهم يجب أن يكونوا قدوة لنا نتبع طريقهم ، وننهج نهجهم في عبادتهم لربهم فإن لأولياء الله لدرجة العالية عند الله ولهم البشرى في الحياة الدنيا ويوم القيامة وهم السالمون من الخوف والحزن . قال تعالى :﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[يونس: 62-64] . وأنت ترى من الآية أن الولي هو المؤمن حقاً ، والمتقي حقاً ، والإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل ، والعمل هو اتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه . ذلك معنى الولاية. أما البشرى التي لهم في الحياة الدنيا فقد فسرها حديث صححه الحاكم : بأنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له. رسول الله عيسى عليه السلام : أرسل الله رسوله عيسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأيده بمعجزاته عظيمة كان منها إحياء الموتى، غير أنه لم تنته مدة رسالته على الأرض حتى تعرض علماء النصارى إلى الاضطهاد اليوناني وكان (نيرون)[24] يطلي أجساد العلماء القطران ويشعل النار في أجسادهم ليستضيء لهم في حديقته. وبغياب العلماء وبعدهم عن الجماهير ، أخذت الخرافات تنتشر بين الناس حول شخصية عيسى عليه السلام ، وضاع إنجيل عيسى وظهرت بدلاً منه عدة أناجيل بلغ عددها أكثر من سبعين إنجيلاً. ومنع النصارى تداول الكثير من الأناجيل إلا إنجيل (متى) وإنجيل (يوحنا) وإنجيل (مرقص) وإنجيل (لوقا) ، وظهر أخيراً إنجيل من الأناجيل التي منعت من سابق هو إنجيل (برنابا) وهو يتفق اتفاقاً كبيراً مع ما جاء في القرآن حول كثير من الأمور، وهكذا أخذ النصارى عقائد الوثنيين السابقين وأدخلوها في دينهم . وزعموا أن عيسى ابن الله ، وكانت حجتهم الكبرى أنه قد ولد من أم بغير أب . ولقد رد القرآن على فريتهم هذه فقال سبحانه : ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾[آل عمران: 59] . أي إذا كانت حجتكم هذه أيها النصارى فتذكروا أباكم آدم ، لقد خلقه الله من غير أب وأم . وهل يعني ذلك أنه ابن الله ؟ وهل لا يقدر الله بظنكم أن يخلق إنساناً إلا إذا كان بواسطة أب وأم ، إن قدرة الله أعظم مما تتصورون فهو إذا أراد شيئاً قال له : كن فيكون . فإذا أراد الله إنساناً من غير أب وأم قال له : كن فكان آدم . وإذا أراد الله إنساناً من غير أم قال له : كن . فكان حواء . وإذا أراد الله إنساناً من غير أب قال له : كن . فكان عيسى . نقاش بين علماء المسلمين والنصارى : 1 – قال أحد المسلمين لقسيس : إن بعض الناس أخبرني أن رئيس الملائكة قد مات ، فقال له القسيس : إن ذلك كذب ، لأن الملائكة خالدون لا يموتون ، فقال له المسلم : وكيف؟ وأنت تقول الآن في وعظك : إن الإله قد مات على خشبة الصلب ، فكيف يموت الإله وتخلد الملائكة؟ فبهت القسيس ولم ينطق بكلمة . 2 – وقال أحد العلماء المسلمين : إن عقائد النصارى ضد بديهات العقل فلقد زعموا أن 1=3 لأنهم يقولون : الأب والابن والروح القدس إله واحد . وقال البوصيري في قصيدته : جعلوا الثلاثة واحداً ولو اهتدوا لم يجعلوا العدد الكثير قليلاً 3 – وقال أحد شعراء المسلمين :
ولقد أخذ كثير من علماء النصارى يتراجعون عن التثليث كما ظهرت مخطوطات تاريخية تقول : إن عيسىكان (مسيا)[25] المسيحيين وأن هناك مسياً آخر .. كما أن الله سبحانه قد بين أنه لا يمكن أن يكون إله من كان محتاجاً إلى طعام وشراب ، ثم هو بعد ذلك لا شك يحتاج إلى التخلص من باقي الطعام والشراب من جسمه . ﴿ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾[المائدة: 75] . جهالات وخرافات : 1 – ادعاء علم الغيب : هذه خرافة يمارسها كثير من المشعوذين لابتزاز أموال الناس، ولو كان هؤلاء يعلمون الغيب لكسبوا لأنفسهم الخير الكثير ، ودفعوا عن أنفسهم الشر . ولكنهم يقعون في الخطر كغيرهم ، ويفوتهم الربح وكثير من الخيرات كغيرهم، والله قد بين لنا أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير خلق الله ـ لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله قال تعالى : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾[الأعراف: 188] . ومن صدق عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم . 2 – التعلق بالأحجار أو الأشجار : وهذه جهالة وخرافة أخرى تجعل بعض الناس يظن أن الحجر أو الشجر يضر وينفع لأن فيه بركة فلان أو لأنه مكان مبارك وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فقال تعالى :﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾[الأعراف: 188] . 3 – السحر : وهذا ضلال كبير يقع فيه بعض الجهلة ولقد بين الله أن هذه الأسحار لا تضر المؤمن إلا بإذن الله ، وأن ممارستها من فعل اليهود الكافرين قال تعالى : ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾[البقرة: 102] . الخلاصة من دلائل وحدانية الله : ثبات الكون واستقراره على نظام محكم دون أن يتسرب إليه فساد مما يشهد أنه يسير تحت إرادة واحدة، كما يشهد ترابط الكون وتناسقه أنه تحت يد مالك واحد. وعدم وجود صراع بين أجزاء الكون يشهد أنه لا توجد آلة أخرى غير الله تتصارع على السيادة في الكون. *الرب: هو المالك المطلق، والموجود والمنشئ الوحيد الذي لا شريك له . *الإله : هو المالك الذي يملك جميع الصلاحيات والسلطات في السموات والأرض، فالحق مختص به ، والنعمة كلها بيده ، والأمر وحده والقوة والحول في قبضته ، وكل ما في السموات والأرض قانت له ، مطيع لأمره طوعاً وكرهاً ولا سلطة لأحد سواه . ولا ينفذ في الكون حكم لغير إلا برضاه. وتشتمل العبادة على الشكر ، والإنابة ، والسجود ، والتسبيح والخضوع ، والاستسلام ، والدعاء، والتوكل ، ولا يستحق أحد العبادة سوى الله . *الشرك : هو إشراك غير الله في الذات الإلهية ، أو الصفات الإلهية، أو الأفعال الإلهية وهو أربعة أنواع : 1- عبادة الأوثان كالأحجار والنجوم . 2- اعتقاد أن الله ثاني اثنين ، أو ثلاثة أو أكثر . 3- الخضوع عن رضا لغير حكم الله ، واتباع هدى غير هداه . 4- اتباع الهوى . *الشرك ظلم عظيم للحق وللنفس ، وإن غفر الله ذنوب المذنبين، فإنه لا غفران لمن أشرك بربه غيره وهو يعلم الحق . *غالى الجهال في مقام الأولياء ، والأنبياء ، والصالحين، حتى رفعوهم إلى مقام لا يليق إلا بالله وحده . *بعد أن اضطهد الرومان علماء النصارى، فشت الخرافات بين النصارى وضاع إنجيل عيسى، ونسج الوهم والخيال : أن عيسى ابن الله ، بحجة أنه لا أب له ، وعرف الله النصارى في كتابه، أن الله قادر على خلق إنسان من أم بغير أب ، كما أنه خلق آدم من قبل بغير أب ولا أم ، كما عرف النصارى أن الرب لا يحتاج إلى طعام وشراب وبالتالي قضاء الحاجة ، كما هو حال سيدنا عيسى . *لقد ظهر إنجيل أخفاه البابوات هو إنجيل (برنابا) يتفق مع القرآن في كثير من الأمور: منها نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبشرية عيسى عليه السلام ، وجاءت المخطوطات التاريخية تؤيد ما في هذا الإنجيل . *هناك جهالات وخرافات شاعت بين الناس يحاربها الإسلام مثل : ادعاء علم الغيب ، واعتقاد الضر والنفع في بعض الأحجار والأشجار المباركة (بزعم الجهلة) والسحر والشعوذة . الوثن الأكبر .. الطبيعة أصل الوثنية : كلما انحرف الناس عن عبادة ربهم ، ونسوا إرشاد رسلهم ، حاولوا أن يجعلوا لله رمزاً في الأرض مجسداً ، يعتقدون فيه ، أولاً أن فيه من العناية الإلهية ، أو فيه سر إلهي خاص، فيقدسونه ، وتمر الأيام وهم يزدادون مغالات في تقديس هذه المخلوقات ، حتى ينسب إليها الأعمال الخارقة تجعل شريكاً لله في التقديس والعبادة . كما حكى الله عن مشركي العرب وقولهم عن أوثانهم:﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾[الزمر: 3] . وقد تزداد الجهالة فتتخذ هذه الأصنام آلهة من دون الله ، ولقد حفظ التاريخ البشري أنواعاً متعددة من الوثنيات : كعبادة الفراعنة ، أو عبادة العجول والأبقار ، أو عبادة النجوم ، أو الأحجار، أو البحار ، أو الرعد ، أو الشمس ، أو القمر ، أو المطر ، أو غير ذلك من مظاهر الطبيعة . الوثن الأكبر : ولقد كان الوثن الجديد ، هو مجموعة الأوثان السابقة : الطبيعة التي تحتوي على النجوم بخصائصها ، وعلى القمر بخصائصه ، وعلى الإنسان بخصائصه ، وعلى الحيوان بخصائصه، وعلى الماء بخصائصه ، فجمعت الأوثان السابقة في وثن واحد ، هو الوثن الأكبر . وزعم الوثنيون الجدد أنه الخالق . نظرية التوليد الذاتي : وكان مما ساعد على انتشار الجديدة ، هو ما شاهده العلماء الطبيعيون من تكون (دود) على براز الإنسان أو الحيوان ، وتكون بكتريا تأكل الطعام فتفسده : ها هي ذي حيوانات تتولد من الطبيعة وحدها وراحت هذه النظرية التي مكنت للوثن الجديد في قلوب الضالين ، التائهين بعيداً عن هدى الله الحق ، لكن الحق ما لبث أن كشف باطل هذه النظرية على يد العالم الفرنسي المشهور (باستر) الذي أثبت أن الدود المتكون ، والبكتريا المتكونة المشار إليها لم تتولد ذاتياً من الطبيعة، وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تتمكن العين من مشاهدتها ، وقام بتقديم الأدلة التي أقنعت العلماء بصدق قوله فوضع غذاء وعزله عن الهواء وأمات البكتيريا بالغليان ، فما تكونت بكتريا جديدة ولم يفسد الطعام، وهذه هي النظرية التي قامت عليها فكرة الأغذية المحفوظة (المعلبات) . الإنسان أرقى من الطبيعة : وإذا تأمل الإنسان في نفسه وجد: أنه عاقل ، والطبيعة لا عقل لها . أنه عالم ، والطبيعة لا علم لها . أنه مريد ، والطبيعة لا إرادة لها . أنه سميع ، والطبيعة لا سمع لها . أنه بصير ، والطبيعة لا بصر لها . أنه صاحب مشاعر وأحاسيس والطبيعة لا مشاعر لها ولا أحاسيس. يحكم الأعمال والطبيعة لا حكمة لها ، صاحب خلق والطبيعة لا أخلاق لها . فهل يصدق عاقل أن يكون المخلوق أرقى من خالقه ؟ وهل يعقل أن يكون العقل في الإنسان مما لا عقل له ، والعلم في الإنسان مما لا علم له ؟ والإرادة في الإنسان مما لا إرادة له؟ والسمع في الإنسان مما لا سمع له ؟ والبصر في الإنسان مما لا بصر له ؟ والمشاعر والأحاسيس في الإنسان مما لا مشاعر له ولا أحاسيس؟ وإحكام العمل في الإنسان مما لا حكمة له ؟ والأخلاق في الإنسان مما لا خلق له ؟ كيف وفاقد الشيء لا يعطيه ؟ قال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾[الأنعام: 46] .وقال سبحانه :﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾[المائدة: 76] . الطبيعة في خدمة الإنسان : ولقد سخر الله الطبيعة للإنسان وذللها ، فسخر الهواء والبحار والشمس والقمر والنجوم والتراب والرياح، واستخدم الإنسان المعادن والنبات والحيوانات (قوانين) يسير عليها الكون لمنفعته: قال تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾[لقمان:20] . ولكن الكافرين في غرور وضلال ، يرون أنه قد سخر لهم ما في السموات وما في الأرض فلا يشكرون النعمة للمنعم سبحانه، ولكنهم يقولون : قهرنا الطبيعة في الوقت الذي يزعمون فيه أنها خلقتهم فعجباً لهذا الإله الحقير الذي يخلق من يقهره ويذله ويتحكم فيه كيفما شاء!! إن الإله الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه أذى طفل ليس بإله ، ولقد عاد أحد الوثنيين السابقين إلى رشده عندما شاهد بول ثعلب يقطر من رأس صنمه فأنشد قائلاً : أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾[الحج:73] . وقال سبحانه : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ﴾[فصلت:37] . *** الخلاصة : *تبدأ الوثنية باعتقال باطل أن الله أسراراً في بعض مخلوقاته، فيعظمها الناس ويقدسونها ، حتى يعتقدوا أن لهذه المخلوقات قداسة ذاتية فيشكرونها مع الله وقد تزداد جهالتهم فيعبدونها من دون الله. *عبد الوثنيون السابقون أجزاء من الطبيعة ، وزعم الوثنيون الجدد أن مجموع الأوثان السابقة الطبيعة هي الإله الذي خلقهم . *ساعد انتشار نظرية التوليد الذاتي على نشر وثنية الطبيعة حتى جاء العالم الفرنسي (باستير) وأثبت بطلان هذه النظرية . *في الإنسان عقل ، وعلم ، وإرادة ، وسمع ، وبصر ، ومشاعر ، وأحاسيس وإحكام في العمل ، وأخلاق ولا تملك الطبيعة شيئاً من ذلك ، ومن المستحيل أن تهب الطبيعة ما لا تملك ، ولا أن يكون المخلوق أرقى من خالقه!! *لقد سخر الله الطبيعة للإنسان ، وزعم الكافرون أنهم قهروها فعجباً لمخلوق يقهر خالقه ، وعجباً لخالق لا يستطيع رد الأذى عن نفسه!! من بينات ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم
النبي الأمي : لقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، ولقد كانت أمية الرسول صلى الله عليه وسلم بينة على أنه ما تلقى العلوم التي حيرت العلماء إلا من الله العليم الحكيم، ولقد واجه القرآن المشركين بهذه الحقيقة في حينها ، وسجله الله لنا في كتابه الذي حفظه من كل تحريف، لنوقن كما أيقن الذين عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفوا تفاصيل أحواله قال تعالى :﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾[العنكبوت:48]. أي إنك يا محمد: ما قرأت ولا كتبت كتاباً قط ، وقومك الذين عنت بينهم يعرفون هذا ، ولو أنك قرأت أو كتبت لتشكك المبطلون بأن ما جئتهم به من هدى وعلم ونور إنما هو ثمرة علم اطلعت عليه وحدك، وغاب عن غيرك ، وسمع الكفار هذه الآية فما قال أحد منهم : لقد كذب القرآن ـ أستغفر الله ـ إنه يقول : إن محمداً لم يقرأ ولم يكتب ، ألم يقرأ في ذلك اليوم كتاب كذا ألم يكتب في يوم كذا؟ وكان مثل هذا القول كفيلاً بتكذيب القرآن وتفريق المسلمين من حول محمد صلى الله عليه وسلم ، ونصر أعدائه عليه ، ولكن سلطان الحقيقة الساطعة كان أقوى من كل معاند أو مكابر فلم يقل الكفار . إن محمداً كان متعلماً ، بل قالوا : إن القرآن قد كتب له وإنه يملي عليه بكرة وأصيلاً . وسجل القرآن الكريم قول الكافرين في القرآن المحفوظ ، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5)قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾[الفرقان: 4-6] .وقال تعالى لنبيه : ﴿ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[يونس: 16] . أي يا أيها الناس تعلمون جهلي بما جاء في هذا الوحي من علوم ، وتعلمون أني بقيت فيكم أربعين عاماً ما سمعتم أني أهتم بشيء من هذا، أو أقول شيئاً مما تسمعون أو حتى أفكر فيه فكيف جاءني كل هذا فجأة؟ إنه الوحي من الله أفلا تعقلون؟ المعجزة والبينة القرآنية القرآن يتحدى: فطر العرب على حب البلاغة ، والأدب والشعر والخطابة ، فحسبك أنهم كانوا يقيمون في كل سنة موسماً يتبارى فيه الشعراء ويتنافس الخطباء، وكان يحكم هذه المباراة شعراء فحول ، فمن فازت قصيدته ذاع صيته ، وحسن ذكره ، وعلت كلمته ، وكتبت قصيدته بماء الذهب وعلقت على الكعبة. وما السبع المعلقات وسوق عكاظ إلا دليلان ظاهران في تاريخ العرب على مكانة الفصاحة والبلاغة بين قوم سمعوا لغتهم الفصحى وسموا الأمم الأخرى عجماً ، فكانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم من جهته أقوى ما يشتهر به قومه ويفتخرون ليظهر جلياً أمام عجزهم عن الإتيان يمثل سورة من القرآن أن مراده أنه ليس من قول البشر، ولما كان من عادة العرب أن يتحدى بعضهم بعضاً في المساجلة بالكلام والتحدي بالقصيد والخطب ويعقدون لذلك الندوات ويدعون له الحكام جعل الله بينة محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الكبرى قرآناً يتلى يتكون من نفس الأحرف والكلمات التي يتكون منها كلام العرب، لكن الإنسان والجن يعجزون عن الإتيان بمثله أو بعضه أو سورة منه ، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ، ومن المعلوم لدى العارفين أن الفصاحة والبلاغة وإن كان أساسهما استعداد صاحبهما الفطري إلا أنه لا بد لمن أراد الإجابة فيهما أن يتعلم فنونهما ، وأن يهتم بمراجعة الخطب ومحاورة الفصحاء ومغالبة البلغاء لكن محمداً الذي جاء بهذا القرآن ما قرأ ولا كتب ولا عرف عنه قول مأثور طوال أربعين عاماً . ومع ذلك فهو يتحدى الإنسان والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعضه أو سورة منه ، لأنه يعلم أنه ليس في مقدور المخلوق أن يأتي بمثل كلام الخالق سبحانه . قال تعالى :﴿ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾[الإسراء:88] .﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَا يُؤْمِنُونَ(33)فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾[الطور: 33-34] . ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(13)فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[هود:13-14] . ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[يونس:38] . ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[البقرة:23-24] . *** علامات إلهية في القرآن لقد جعل الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزته كتاباً أرسله معه ، وأودع فيه من العلامات التي لا تكون إلا لكلام الله، حتى إذا رآها الناس ووقفوا عليها قامت حجة ربهم، وظهر صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن هذه العلامات : 1 – الجدة الدائمة : إن كل كلام بشري يبلى إذا كرر ، بقدر ترديده بقدر ما يخلق ، وتسقط مكانته، ويختلف القرآن عن كلام البشر بجدته الدائمة التي لا يؤثر فيها ترديد أو تكرار ، فكم كرر المسلمون ويكررون سورة الفاتحة وقصار السور كل يوم وكم أعادوا وكرروا تلاوة القرآن وكلهم يجمعون على أن القرآن لا يزال جديداً على ألسنتهم ، وهذه علامة تخضع للتجربة من كل إنسان يعرف لغة العرب في أي زمان أو مكان، وهذه علامة إلهية من كل سورة من كتاب الله . ولقد نطق أحد كبار المستشرقين بهذه الحقيقة هو المستشرق (ليون) فقال : (حسب القرآن جلالة ومجداً أن الأربعة عشر قرناً التي مرت عليه لم تستطع أن تخفف ولو بعض الشيء من أسلوبه الذي لا يزال غضاً كأ، عهده بالوجود أمس) . 2 – الروح الإلهية : إن أي كلام من كلام البشر، إنما يكون انعكاساً لشخصية قائله ، وعلمه ومزاجه ونفسيته، وكل كلام يحمل روح قائله لأنه أثر من آثاره . وقهارئ القرآن المتدبر لابد أن يقع في نفسه شعور بأن هذا القرآن كلام الله وأنه مطبوع بروح الخالق سبحانه القائل :﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾[الشورى: 52]. إن في هذا القرآن سراً خاصاً يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها ، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن يشعر أن هناك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هنالك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض الناس غامضاً ولكنه على كل حال موجود. وإنه الإحساس بأن مصدر هذا القرآن هو الله سبحانه . فهذه الروح الإلهية تطالعنا من بين كلمات هذا التنزيل . 3 – الكلام الفريد : إن أي كلام على وجه الأرض يمكن إدماجه بغيره فلا يستطيع أحد أن يميز ذلك الكلام الذي أدمج بغيره ، لأنه بالإمكان أن يقلد الناس كلام أي أديب أو شاعر . غير أنا إذا أخذنا سورة من كتاب الله أو عشر آيات وحاولنا إدماجها في أي كلام لا بد أن تتميز وحدها . إن هذا القرآن كلام فريد وحده في هذا الوجود قال الدكتور طه حسين في كتابه (مرآة الإسلام) : إن القرآن لسي نثراً كما أنه ليس بشعر إنما هو قرآن ولا يمكن أن يسمى بغير هذا الاسم ، ليس شعراً وهذا واضح فهو لم يقيد بقيود الشعر، ولسي نثراً لأنه مقيد بقيود خاصة به لا توجد في غيره وهي هذه القيود التي يتصل بعضها بأواخر الآيات وبعضها بتلك النغمة الموسيقية الخاصة. ولقد أدرك هذا أيضاً المستشرق الفرنسي الدكتور موريس فقال: إن القرآن أفضل كتاب أخرجته العناية الأزلية لبني البشر ، وإنه كان لا ريب فيه . وكان مما قال المستشرق (جيمس متشنر) في مقاله: لعل القرآن هو أكثر الكتب التي تقرأ في العالم ، وهو بكل تأكيد أيسرها حفظاً ، وأشهدها أثراً في الحياة اليومية لمن يؤمن به فليس طويلاً كالعهد القديم ، وهو مكتوب بأسلوب رفيع أقرب إلى الشعر منه إلى النثر . ومن مزاياه أن القلوب تخشع عند سماع وتزداد إيماناً وسموه . 4 – قوة تأثيره : جرب بنفسك واقرأ ما شئت من كلام البشر في موضوع من موضوعات الحياة، ثم اقرأ ما تيسر من كلام ربك في نفس الموضوع عندئذ تشعر أن لهذا القرآن تأثيراً لا يشبه غيره من كلام البشر، أو استمع لوعظ واعظ واستمع إلى حديث وترقب أثر ما يتلو من القرآن على نفسك وأثر ما تسمعه من كلامه، بل جرب أن تعظ الناس بكلامك وجرب أن تعظهم بكلام الله، وستحس الفرق في وجوه المستمعين وفي نفسك بشرط أن تكون قد شرحت بعض الألفاظ القرآن المجهولة المعنى لدى العامة في هذا الزمان . ولقد أدرك هذه العلامة الإلهية المستشرق (س. ل) كما أدركها غيره فقال : (إن أسلوب القرآن جميل وفياض ، ومن العجب أنه يأسر بأسلوبه أذهان المسيحيين ، يجذبهم إلى تلاوته سواء من ذلك الذين آمنوا أم لم يؤمنوا به وعارضوه) . ويكفي المتأمل ما أحدثه من تأثير هائل في حياة العرب الجاهلين حتى جعل منهم خير أمة أخرجت للناس . 5 – علومه : ( أ ) لقد احتوى القرآن على تفصيل تاريخ الأنبياء والمرسلين السابقين ، وهو التاريخ الذي لم يكن يعرف أشتاتاً منه إلا الأحبار والرهبان وكانوا على خلاف فيما بينهم ، أما أمة العرب فلم تكن تعرف عن تفاصيل ذلك التاريخ شيئاً . فجاء النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من بين قومه الجاهلين جاء بتاريخ الرسل مفصلاً واضحاً جلياً ، اعترف به الكثير من الأحبار والرهبان ، وصدقوه فيما روى عن ربه وخرجوا من دين كانوا علماءه وتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم . قال تعالى :﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[هود: 49] . ( ب ) كما كان القرآن ينزل كاشفاً لما يدور في صدور الناس وخاصة المنافقين فيواجههم القرآن بحقيقة ما أخفوا من صدورهم ، ولقد جرب كثير من الأعراب صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، بإخفاء أشياء كان الوحي ينزل فيكشفها فيعترفون ويتوبون ، وكان القرآن كثير ما يذكرهم بهذا . قال تعالى في شأن بعض المنافقين :﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[التوبة: 94] . ومن أمثلة ذلك : 1 – إن بني حارث ، وبني سلمة هموا فيما بينهم أن ينسحبوا من غزوة أحد بعد أن انسحب المنافقون ولكنهم ثبتوا في المعركة وكتموا ذلك في أنفسهم ، فأنزل الله وحياً كشف لهم ما دار في نفوسهم ووضح لهم ما أخفوه فاعترفوا ، وقالوا : وما نحب أنها لم تنزل لأن الله أعلن لهم أنه وليهم جزاء ثباتهم وعدم انهزامهم . قال تعالى :﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾[آل عمران: 122] . وروى البخاري ومسلم عن جابر بن عبدالله قال : فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ قال : نحن الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب ـ أو ما يسرني ـ أنها لم تنزل لقوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾. 2 – كان اليهود يبشرون بظهور نبي قرب زمانه يخرج من بلاد العرب ، وكانوا يتهددون العرب بأنهم سيتبعونه ويقتلونهم مع قتل عاد وإرم فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بالمدينة كان العرب المؤمنون يلقون اليهود ويذكرونهم بما كانوا يقولون من بشارات ، فيعترفون ويعلنون إيمانهم ، ثم إذا خلا بعضهم ببعض أنكر بعضهم على بعض الاعتراف بما يعلمون من أمر الرسول لأن ذلك سيجعل العرب يشهدون عليهم يوم القيامة عند الله ، لأنهم كانوا يظنون أن ما كانوا يقولونه سراً بينهم ، فما كذبوا ما قال الله عنهم وإنما دخل جماعة منهم في دين الله وتركوا دينهم. قال تعالى حاكياً عن اليهود في المدينة :﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(76)أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾[البقرة: 76-77] . (ج) كما أن القرآن الكريم أخبر بغيوب تكون في المستقبل تكون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده فجاء مرور الأيام تفسيراً لما أنبأنا الله به في كتابه ومن أمثلة ذلك : 1 – إخباره بأن الرسوم ستغلب الفرس في أقل من عشر سنوات ، بعد أن فرح الوثنيون بانتصار الفرس على الروم وتأهبوا على كذب ما وعد الله في كتابه ، فما مرت سبع سنوات إلا وتحقق ما وعد الله . قال تعالى :﴿ الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[الروم: 1-6] . 2 – حارب الإسلام الكثير من الناس عند ظهوره ، ولكنهم عادوا فأسلموا وكانوا من خيار المسلمين أمثال عمر ، وخالد ، وأبي سفيان ، وعمروا ابن العاص وغيرهم، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوقع إسلام قومه إلا أن القرآن الكريم أعلن له وللمسلمين عن بعض الأشخاص الذين لن يسلموا أبداً وسيموتون على الكفر أمثال أبي لهب وبالرغم من قرابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتمال إسلامه أقرب من احتمال إسلام عمر إلا أن الله قال في كتابه عنه : ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ(3)وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ فمات وزوجته على الكفر . ومثل الأخسن بن شريق الذي نزل فيه قوله تعالى :﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ(1)الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ(2)يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ(3)كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ(4)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ(5)نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ(6)الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾[الهمزة: 1-7] . فمات على الكفر، ومثل الوليد بن المغيرة قال تعالى في شأنه ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ فمات كافراً . 3 – ومنها إخبار القرآن بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عصمه الله من الناس وتولى كف أيدي الناس عند محاولة قتله : قال تعالى : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾[الإسراء: 60] . وإذا كان العرب لا يسكتون على من سب خيولهم وجمالهم فكيف بهذا الذي جاء فسفه أحلامهم وعاب آلهتهم وضلل آباءهم، ونهوه ولم ينته وتوعدوه بالاستئصال، فإذا بالقرآن يخبر أن ربه قد أحاط بمؤتمرات الناس ولن يفلحوا في قتله ، فكان لا بد من محاولة قتله عند هجرته فأحبط الله كيدهم، وتآمر عليه اليهود في المدينة ليقتلوه فأحاط الله بهم، وحاولت قريش غزوة عدة مرات ففشلت، ودس اليهود السم له في خبير فأنجاه الله ومات أحد أصحابه السم ، وجاء رجل وقد شهر سيفه لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسقط الله السيف من يده ، وذهب عمير بن وهب لاغتياله فما عاد إلا مسلماً ، وهكذا تحقق وعد الله ومات على فراشه بالرغم من أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين بعده قد قتلوا قتلاً. وكان احتمال قتله أكثر من غيره لن وعد الله لا يتخلف . 4 – ومنها قوله تعالى : ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾[القمر: 45] . نزلت هذه الآية بمكنة ولم يكن أحد يعلم معناها. وكان عمر يقول : أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب؟ قال عمر: سيهزم الجمع ويولون الدبر. فعرفت تأويلها يومئذ. وتحقق هذا الوعد بعد الهجرة إلى المدينة وعندما جمعت قريش جيشاً لقتال المسلمين في بدر هزمهم الله وولوا الأدبار . 5 – ومنها قوله تعالى :﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾[المائدة: 67] . إن هذه الآية قد جاءت حاثة الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة ، مصرحة أكثر من صراحة الآية السابقة ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ بأن الله سيعصمه صلى الله عليه وسلم من الناس ولن يتمكنوا منه. قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال : يا أيها الناس انصرفوا عنا فقد عصمنا الله عز وجل ، وبالرغم من كثرة محاولات قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وتيسر أسبابه لأن حجرات نسائه كانت من جريد النخل، وهو بعد نزول الآية أصبح يسير بغير حرس، ومع ذلك فقد عصمه الله من كل محاولة لاغتياله ، بالرغم من قتل الملوك وهم في حصونهم وقصورهم وراء الأبواب الحديد والعبيد والجنود والحارسين . 6 – ومنها قوله تعالى :﴿ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ ﴾[الأنعام: 89] . نزلت هذه الآية تواسي رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كذبه قومه وعشيرته، وتخبره عن أمر في الغيب بأن الله سيقيض للرسالة قوماً يحملونها ولا يكفرون بها ، وجاءت الأيام فإذا بالمهاجرين والأنصار يبرزون من بين الناس لحمل هذه الرسالة كما أخبر تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل. 7 – ومنها قوله تعالى :﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾[النور: 55] . فلقد كان المسلمون يعبدون الله سراً وهم خائفون ، ثم هاجروا إلى المدينة فكانوا يبيتون ويصبحون في سلاحهم فقال أحد الصحابة: يا رسول اله أبد الدهر نحن خائفون هكذا أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لن تصبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه جديدة) ثم نزلت هذه الآية مباشرة بأن الله سيزيل عن المسلمين الخوف، وسيجعلهم قادة الأرض وخلفاءها ، وسينصر دينهم على باقي الأديان ، وتحقق وعد الله في عهد رسوله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده . 8 – ومنها قوله تعالى :﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾[الفتح: 1، 2] . فلقد نزلت هذه الآية عقب إبرام صلح الحديبية الذي كان رأي المسلمين فيه أنه خيب آمالهم ، وأن فيه جوراً على المسلمين ، بما جاء فيه من شروط قاسية غير أن القرآن نزل يذكر أن ما يراه المسلمون هزيمة وانتكاساً إن هو إلا فتح عظيم للدعوة الإسلامية ، ومرت الأيام فإذا بالمسلمين يجنون من وراء صلح الحديبية فتوحاً ، وانتصارات عظيمة دينية وعسكرية وسياسية ، وبه تمكنوا من فتح مكة بعد عامين فقط . فعرف المسلمون بعد ذلك ما أخبرهم القرآن به قبل عامين . 9 – ومنها قوله تعالى : ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(18)وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(19)وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾[الفتح: 18-20] . في هذه الآية وعد الله المؤمنين بثلاثة أمور : 1- فتح قريب . 2- مغانم مع هذا الفتح . 3- مغانم كثيرة في المستقبل . وأخبرهم أن الله فعل هذا ليكون علامة إلهية للمؤمنين ؛ تثبت إيمانهم وتقويه. ولقد تحقق ما أخبر الله به ووعد : 1- فبعد شهر من نزول الآية فتح المسلمون خيبر . 2- وغنموا منها غنائم كثيرة . 3- كما غنم المسلمون بعد ذلك في حنين ، غنموا كنوز كسرى وقيصر . 10 – ومنها قوله تعالى : ﴿ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا ﴾[الفتح: 27] . وعد الله المسلمين في هذه الآية أنهم سيدخلون بيت الله حاجين، محلقين ومقصرين آمنين، لا يخافون من إيذاء قريش، التي حاربت المسلمين وعذبتهم وهاجمتهم مراراً ، وغزتهم في المدينة فتحقق وعد الله وما أخبر به سبحانه وإن كان المسلمون يستبعدون ذلك فإنه قد علم ما لم يعلموا ، فكان ما أخبر الله في كتابه ، وطاف المسلمون بالبيت محلقين رؤوسهم ، ومقصرين آمنين لا يخافون. 11- ومنها قوله تعالى : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحجر: 9] . وقد تحقق هذا الوعد . فخذ مصحفاً من أي بلاد الأرض ، طبع في أي زمان وقارن بمصحفك ستجدها شيئاً واحداً تماماً ، في عدد السور ، وأسمائها ، والأجزاء والآيات ، وأرقامها ، وعددها، وحروفها وستجد أن أي مصحف في الأرض هو نفس المصحف الذي تقرأ فيه وتسمعه من الإذاعات المختلفة، بينما ضاع كل من توراة موسى وإنجيل عيسى عليهما السلام . 12 – ومنها قوله تعالى : ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾[الأحزاب :40] . تعلن هذه الآية أن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، فلا نبي بعده وجاءت الأيام ، وها نحن اليوم في القرآن الرابع عشر، نجد صدق هذا الخبر الإلهي في كتاب الله ، مع أن الأنبياء كانوا يتتابعون في الأرض حتى أنه كان يوجد في وقت واحد أكثر من نبي . 13 – ومنها قوله تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾[الأنعام: 65] . سأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل ستقع هذه الآية؟ فقال عليه الصلاة والسلام : (أماإنها كائنة لم يأت تأويلها بعد) ففسرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها ستكون، ولكن في المستقبل أي عندما يعصي المسلمون ربهم ، يرسل عليهم هذه الأنواع من العذاب. وكان المسلمون يسألون عبدالله بن مسعود رضي الله عنه وهو من أكابر المفسرين عن حقيقة العذاب الذي يأتي من أعلى والذي يكون من أسفل فكان يقول ـ رضي الله عنه ـ : هذه الآية سيفسرها الزمان. ونحن اليوم نشاهد طرفاً من معاصي الناس، وهكذا جاء في القرآن الكثير من الأنباء التي ستكون في المستقبل ، ومرت الأيام وإذا بالأنباء الغائبة تظهر للعيان وصدق الله العظيم القائل ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾[ص: 88] . ولقد جاء القرآن بالشريعة التي أصلحت أمر الإنسان ، فأخرجت خير أمة للناس ، وسعد في ظلها الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم وأوطانهم ، وأوجدت الحلول لكل مشكلة في مختلف البلدان والأزمان، فكانت الشريعة بخصائصها الإلهية قوية في تأثيرها ، عادلة في حكمها، ثابتة في قيمها ، مرنة تستجيب لكل ألوان الحياة المتجددة ولقد شهدت لها المجامع القانونية الدولية في عصرنا هذا ، رغم مخالفة هذه المجامع لنا في العقيدة. ومن أمثلة هذه الشهادات: 1 – قال القانوني (سانتيلانا) في كتابه : إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل : إن فيه ما يكفي الإنسانية كلها . 2 – وهذا أحد كبار رجال القانون الأجانب يقول للمسلمين : إن فقهكم الإسلامي واسع وجداً إلى درجة أني أعجب كلما فكرت في أنكم لم تستنبطوا منه الأنظمة والأحكام الموافقة لزمانكم وبلادكم . 3- ويقول (سليم باز) القانوني المسيحي اللبناني : أعتقد بكل اطمئنان أن في الفقه الإسلامي كل حاجة البشر في عقود، ومعاملات، وأقضية والتزامات . 4 – ويقول القانوني الألماني الشهير (كهلر) : إن الألمان كانوا يتيهون عجباً على غيرهم في ابتكار نظرية الاعتساف والتشريع لها في القانون المدني الألماني الذي وضع 1787: أما وقد ظهر كتاب الدكتور محمود فتحي وأفاض في شرح هذا المبدأ[26] عن رجال الشريعة الإسلامية ، وأبان أن رجال الفقه الإسلامي تكلموا عنه طويلاً ابتداء من القرن الثامن للميلاد فإنه يجدر بالعلم القانوني الألماني أن يترك مجد العمل بهذا المبدأ لأهله الذين عرفوه قبل أن يعرفه الألمان بعشرة قرون؛ وأهله حملة الشريعة الإسلامية . 5 – ويقول (هوكتنج) أستاذ القانون بجامعة هارفارد في كتابه (روح السياسة العالمية) عام 1932م : إن سبيل تقدم الممالك الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب الغربية ، التي تدعي أن الدين ليس له أن يقول شيئاً في حياة الفرد اليومية ، وعن القانون والنظم السماوية ، وإنما يجب أن يجد المرء في الدين مصدراً للنمو والتقدم ، وأحياناً يتساءل البعض: عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أحكام جديدة ، وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تطلبه الحياة العصرية؟ فالجواب عن هذه المسألة : هو أن في نظامه كل استعداد داخلي للنمو ، لا بل إنه من حيث قابليته للتطور يفضل كثيراً من النظم المماثلة ، والصعوبة لم تكن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي وإنما في انعدام الميل إلى استخدمها[27] وإني أشعر بكوني على حق حين أقرر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض. 6 – أما الأستاذ (شيرا) عميد كلية الحقوق في جامعة فينا فقد أعلن في مؤتمر الحقوقيين 1927م قوله : إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد لها ، إذ إنه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي[28] بتشريع سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة. 7 – ولقد وقف الأستاذ (لامبير) في مؤتمر القانون الدولي المقارن المنعقد في لاهاي في أغسطس 1932م : فأعلن تقديره للشريعة من الناحية الفقهية . 8 – وأما المؤتمر الدولي الذي انعقد في لاهاي أيضاً (أغسطس 1937) فقد أعلن ما يلي: (أ) اعتبار الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر التشريع العام ، أي أن الشريعة الإسلامية قد أصبحت مصدراً للمحاكم الدولية ، والقوانين الدولية لا لقوة أهلها ، ولكن لصلاحيتها هي ، وقوتها الذاتية التي فرضت نفسها . (ب) وأصدر المؤتمر إعلاناً بأن الشريعة الإسلامية قائمة بذاتها ، مستقلة عن غيرها ، ليست مأخوذة من غيرها . 9 – أما مؤتمر المحامين الدوليين الذي انعقد في (لاهاي عام 1948) فقد أصدر توصياته بدراسة الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة . 10 – وأما جمعية القانون الدولي العام فقد اعتبرت محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الرائد الأول للقانون الدولي العام . 11 – أما أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في باريس ، فقد وقف فيه نقيب المحامين الفرنسيين، فقال : (لا أدري كيف أوفق بين ما كان يصور لنا من جمود الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي وعدم صلاحيتهما كأساس لتشريعات متطورة ، وبين ما سمعته مما يثبت من غير شك فاعلية الشريعة الإسلامية من عمق وأصالة ودقة ، وكثرة تفريع وصلاحية لمقابلة جميع الأحداث) . وقد قرر المؤتمر ما يلي : 1- اعتبار مبادئ الفقه الإسلامي ذات قيمة تشريعية لا يمارى فيها . 2- اختلاف المذاهب الفقهية يحوي ثروة تشريعية هي مناط الإعجاب ومنها يستجيب الفقه الإسلامي لجميع مطالب الحياة . فليست هذه الشريعة الثابتة المرنة ، التي لم تنل منها الأيام ، والتي تحقق العدل والسعادة للإنسان في كل زمان ومكان إلا علامة ، وبينة إلهية تشهد: أن ربها الله الذي أحاط علماً بأمر الإنسان، وأن النبي الأمي ليس إلا رسولاً يبلغ ما يوحى إليه من ربه . ولا يزال القرآن كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنقضي عجائبه .. ولا تشبع منه العلماء) فكلما مر الزمن ، كلما كشف عن وجه جديد من إعجازه ، فما إن دخل الناس في عصر العلوم الكونية حتى وجدوا في كتاب الله نبأ بأن الله سيريهم آياته في الآفاق . قال تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾[فصلت: 53] . وإذا بالوعد متحقق ، فهناك آيات كثيرة ظهرت لعلماء الكون في الآفاق وكان الله قد أخبر بها رسوله أو بنى عليها حكماً أو أشار إليها . ونذكر هذه الأمثلة للتدليل على هذه الحقيقة: 1- حرم القرآن الزواج من الأخوات في الرضاعة . قال تعالى :﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ ﴾[النساء: 23] . وها هو الدكتور إبراهيم الراوي يشرح لنا سر هذا التحريم فيقول: إن الطب الحديث اليوم ممكن من أن يكشف النقاب عن أسرار تحريم الزواج في الإسلام بين الإخوة في الرضاعة ، لقد أثبتت الدراسة الطبية الحديثة أن الطفل الذي يتغذى على ثدي امرأة ما ، تنتقل إليه عوامل وراثية مكتسبة إضافة إلى الأحاسيس العاطفية والتفاعلات النفسية التي يتأثر بها عند عملية الرضاعة من ثدي المرأة، وضمه إلى صدرها ، كما أن الأنسجة والخلايا الجديدة التي تتكون في جسم الطفل وأعضائه، تنمو كجزء منتقل إليه من جسم المرأة المرضع ، حيث تنتقل إليه في خلاياها ، وأنسجتها عن طريق تراكيب الحليب المعدة لبناء جسم جديد وتكوين أنسجة وخلايا حية مستحدثة . وبهذا تكون العوامل الوراثية للأخوين في الرضاعة موحدة مما يحدث ضعفاً في النسل . 2 – أعمدة الجذب التي لا ترى : وكشف التقدم العلمي أن لكل كوكب نجم في السماء مركز ثقل في داخله غالباً ما يكون قريباً من وسط جوفه ، وبالرغم من أن هذه الكواكب والنجوم في حركة مستمرة إلا أن المسافة بين مراكز الثقل بين هذه الكواكب والنجوم ثابتة لا تزيد ولا تنقص ، مما يشير إلى أن هناك عموداً للجذب لا يرى يحفظ مراكز الثقل في أجرام السماء على مسافات ثابتة من بعضها ، بالرغم من الحركة التي تشمل كل هذه الأجرام . ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الأعمدة التي لا ترى في قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾[الرعد: 2] . 3 – النار السوداء : قبل ثلاث سنوات أي في عام 1973م . اكتشف الباحثون أن في السماء نجوماً سوداء وأنها أشد حرارة من النجوم المشتعلة بلون أبيض ، وأن النجوم البيضاء أشد حرارة من النجوم الحمراء التي تشتعل بلون أحمر . وهكذا عرف الباحثون أن النار السوداء هي أشد أنواع الحرارة التي عرفت حتى اليوم . ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بحديث يحمل هذه الحقيقة في وقت ما كان يتصور فيه أحد من البشر أن هناك ناراً سوداء على الإطلاق. قال عليه الصلاة والسلام: (أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة) . أخرجه الترمذي ، وابن ماجه ، والبيهقي وغيرهم . وصدق الله القائل عن رسوله صلى الله عليه وسلم :﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾[النجم: 3، 4] . 4 – الحاجز بين البحرين : وقد اكتشف الباحثون أن مياه البحار والأنهار لا تمتزج مع بعضها البعض، بل لقد وجدوا أن مياه البحر الأبيض المتوسط لا تمتزج بمياه المحيط الأطلنطي عند جبل طارق فتغطس مياه البحر الأبيض المتوسط لا تمتزج بمياه المحيط الأطلنطي عند جبل طارق فتغطس مياه البحر الأبيض تحت مياها لمحيط لأن البحر الأبيض أكثر ملوحة من المحيط ، ولم يعرف محمد صلى الله عليه وسلم البحر ولم يشاهد ملتقى البحار والأنهار وما كان يملك من أدوات البحث والتحليل ما يفهم به ما تقرره هذه الآية: ﴿ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ﴾[الرحمن: 19، 20] . فهناك التقاء ولكن هناك حاجز وسبحان القائل : ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[النمل: 61] . إن العلامات الإلهية في كتاب الله كثيرة ، ذكرنا طرفاً منها آنفاً وقد جعلها الله في صلب الرسالة ذاتها، في كتاب الله الذي بين الحلال والحرام وفيه البيان لكل ما يحتاج إليه الإنسان من هدى على هذه الأرض ، وهذه العلامات يجدها كل من تدبر في كتاب الله . ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾[محمد: 24] . إن الله قد حفظ هذا الكتاب، وحفظ ما فيه من بينات مصدقة لرسوله صلى الله عليه وسلم حتى تقوم الحجة على الناس، فكانت هذه العلامات الإلهية شهادة من الله بأن (محمداً رسول الله) . ﴿ لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾[النساء: 166] . وكانت هذه العلامات الإلهية في القرآن شاهدة منه وله بأنه كتاب من عند الله . قال تعالى : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾[هود: 17] . موقف العرب من القرآن وتحديه عندما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم في قومه ، وأمره بتبليغ الرسالة فكذبه قومه، وطالبه العقلاء ببينة رسالته ، وبرهان نبوته ، فأخبرهم : أن بينة رسالته هو هذا القرآن ، الذي نزل بعلم الله، والذي يحمل دليل صدقه فيه ، ففيه من العلامات الإلهية ما يكفي للمتدبر ، والذي يعجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله ، أو مثل عشر سور منه ، أو مثل سورة واحدة. قال تعالى :﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 23، 24] . فنظر المنصفون إلى كلام الله ، وشهدوا أن هذا الكلام قول الله ، وأن أي أحد من البشر لا يقدر عليه ، وأن محمداً الأمي الذي عاش بينهم أربعين عاماً لم يسمعوا منه بيتاً من الشعر، أو قولاً بليغاً، لهو أكثر عجزاً من غيره من الشعراء والفصحاء على الإتيان بسورة من مثله . وتأمل المستكبرون في كلام الله فوجدوه قد غلب برهانه على قلوبهم ، فمنعوا أنفسهم وأتباعهم من مجرد الاستماع ، وسجل القرآن موقفهم في حينه مبكتاً لهم . قال تعالى :﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾[فصلت: 26] . وكانوا يقطعون من عرف عنه تساهلاً في الاستماع إلى كتاب الله الذي أعجزهم بفصاحته وبهرهم ببلاغته، وهم أهل الفصاحة وأرباب البلاغة . وجاء موسم مجيء القبائل ـ وقريش مختلفة على نفسها ، ليس لهم قول موحد حول محمد صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة ، والد خالد ـ سيف الله المسلول ـ فقال : إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأياً ، لا يكذب بعضكم بعضاً. فقالوا : نقول كاهن . فقال : والله ما هو بكاهن ، ما هو بزمزمته[29] ولا سجعه[30] . قالوا : مجنون. قال : ما هو بمجنون ، ولا بحنقة[31] ولا وسوسته[32] . قالوا : فنقول شاعر : قال : ما هو بشارع ، قد عرفت الشعر كله ، رجزه[33] وهزجه[34] وقريضه[35] ومبسوطه[36] ومقبوضه[37]. قالو : فنقول ساحر . قالوا : ما هو بساحر ، ولا نفثه[38] ولا عقده[39] . قالوا : فما نقول؟ قال : ما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وأن أقرب القول أنه ساحر فإنه[40] سحر يفرق بين المرء وابنه ، والمرء وأخيه ، والمرء وزوجه ، والمرء وعشيرته . فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس من أن يستمعوا لمحمد صلى الله عليه وسلم فيسحرهم بكلامه ويستدلون بحالهم في قريش على ما يفترون ، فأنزل الله قرآناً سجل هذه الحادثة ويهدد صاحب التدبير هذا . قال تعالى : ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا(11)وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا(12)وَبَنِينَ شُهُودًا(13)وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا(14)ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ(15)كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا(16)سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا(17)إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ(18)فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(19)ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ(20)ثُمَّ نَظَرَ(21)ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ(22)ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ(23)فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴾[المدثر: 11-24] . ومرت ثلاث وعشرون سنة ، والقرآن يتحدى المكذبين ، أن يأتوا بمثل سورة منه ، وأن يعقدوا ندوة كتلك الندوات التي كانوا يعقدونها ليتبارى فيهم الخطباء والشعراء، أيهم أحسن قولاً. فعجزوا عن ذلك وكابر بعضهم قائلاً : (لو شئنا لقلنا مثل هذا..) ولكنه لم يجرؤ على أن يتقدم بشيء من ذلك، فلجأوا إلى القتال وبذل الأموال، وكان يكفيهم أن يأتوا بسورة من مثله، بدلاً عن المعارك، وما تجلبه عليهم من خسائر في الأموال والأنفس، خاصة والفرصة متسعة ، والوقت طويل، لكنهم اعترفوا بعجزهم وقالوا : هذا كلام سحري ، من سمعه سحر قلبه. ولكن عنادهم كان إلى حد معلوم، فما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ورايات الإسلام ترفرف على أرجاء الجزيرة العربية. شاهدة لمحمد صلى الله عليه وسلم شهادة صدق بالنبوة . وقد يعجب الإنسان من تأثير القرآن على العرب هذا التأثير القوي!! ويرجع السبب في ذلك إلى أن القرآن نزل بلغتهم ، فما كان شيء من ألفاظه مجهولاً عليهم ، ثم هم أهل الفصاحة والبلاغة ، فلا شك أنهم أكثر الناس تقديراً ومعرفة ببلاغة القرآن وفصاحته المعجزة.. ولا يزال هذا التأثير في القرآن مدركاً اليوم، للناس على قدر فهمهم للغة العرب وأساليبها البلاغية . بينات أخرى خوارق العادات : أجرى الله الكون على سنن معلومة ، وقوانين محددة ، وهذه السنن والقوانين هي ما عودنا الله أن يسير ما في الكون طبقاً لها ، ولا يستطيع تغييرها إلا الله فإذا أحدث تغيير لهذه السنن على يد رسول ، كان ذلك التغيير بمثابة قول الله : صدق عبدي . تسمى هذه الأحداث : خوارق العادات. وقد أجرى الله على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم خوارق متعددة ، شاهدها الجيل الذي عاصر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتمتاز على خوارق العادات الأخرى التي أيد بها الرسل السابقين ، في أنها سجلت في كتاب الله الذي لم يتبدل منه حرف، والذي سمعه المسلم والكافر فما كذب به أحد ، وفي الحديث الشريف الذي بذل المسلمون الجهود الجبارة التي لم يعرف لها مثيل في التاريخ: لحفظه وضبطه وتحقيقه، وفي السيرة النبوية التي استقصت تفاصيل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فأصبحت سيرته عليه الصلاة والسلام أوضح من سيرة حياة أشهر زعيم على وجه الأرض اليوم . كما امتازت هذه المصادر العلمية الإسلامية ، بأنها كانت شغل المسلمين الشاغل فأقاموا لها المدارس، وأوقفوا لها الأوقاف الواسعة ، وكرموا كل من اتسع علمه في هذه الميادين ، فكان القرآن والحديث والسيرة سجلات تاريخية لا يوجد لها نظير في التاريخ . وفي هذه السجلات التاريخية نجد: 1 – في القرآن : أيد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإنزال النعاس أمنة على جنوده ، في غزوة بدر ، وأنزل عليهم المطر لتطهيرهم وتثبيت أقدامهم ، حتى لا تغوص في الأرض ، وقلل عدد الكافرين في أعينهم وكثرهم في أعين الكافرين عند اشتداد المعركة، وأنزل الله جنوداً من الملائكة للقتال في صف المؤمنين، كما أنزل جنوداً لحمايته أثناء هجرته من مكة إلى المدينة ، كما غشاهم النعاس في غزوة أحد، كما سخر له الرياح في قتاله ضد الأحزاب ، وأسرى الله برسوله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعرج به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى . وكذبه قومه وقدم لهم أدلة صدقه فألزمهم الحجة .قال تعالى :﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[الإسراء: 1] . وطلب منه كفار قريش أن يصف لهم المسجد الأقصى ، فوصفه لهم وصفاً دقيقاً فقالوا : أما هذا فقد صدق فيه ، وطلب منه آخرون أن يخبرهم عن قافلتهم فأعطاهم خبرها وأوصافها وميعاد وصولها ووصلت في الوقت الذي حدد، وكانت كما وصف ، وفلق له القمر نصفين ، فقال أكثر الكفار: سحرنا محمد ، وقالوا : انظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم فجاء السفار فقالوا ذلك . وسجل الله هذا الحادث في كتابه فقال سبحانه : ﴿ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ(1)وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ(2)وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ﴾[القمر: 1-3] . وسمع الكفار هذه الآيات فما قالوا : إن هذا القرآن كذب[41] وكان يكفيهم أي خطأ في القرآن، حتى يثبتوا أنهم على حق في تكذيبهم ، ولكنهم قد أخرستهم الحقائق الساطعة . وأنزل جنوداً لقتال الكفار في حنين عندما فر أكثر المسلمين أمام ضربات هوازن وثقيف وغيرها من الخوارق والتي نجدها مفصلة في كتاب الله . 2 – في الحديث والسيرة : كل الخوارق السابقة[42] التي سجلها القرآن قد جاءت مفصلة في كتب الحديث والسيرة ، وجاء في كتب الحديث والسيرة من خوارق العادات هذه الكثير، التي كانت تقع في محافل المسلمين ، وفي اجتماعاتهم ، ورواها بعضهم في وقته وأقرها الباقي بسكوتهم لأنهم يعرفون أنها الحق، ولو عرفوا باطلاً ما سكتوا عليه ، وهم الذين لا يخافون في الله لومة لائم. ومن هذه الخوارق: تكلم الشجر ، والحجر، والحصى ، والشهادة له بالنبوة ، وتسبيح الطعام ، ونطق الحيوان ، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم حتى ما يحتاج المسلمون إلى الماء في أسفارهم أو حربهم وتكثير الطعام القليل الذي لا يكفي إلا فرداً أو فردين حتى يكفي العشرات والمئات من المسلمين ، وإبراء ذوي العاهات ، وظهور الآثار العجيبة فيما لمسه صلى الله عليه وسلم ، هذا غيره كان يحدث تثبيتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتدعيماً له ، وشهادة للناس بصدق نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن الاعتماد على هذه الخوارق في الإقرار بالنبوة ، وإنما كانت هذه الخوارق مساندة للبينات والآيات التي كان الوحي ينزل بها ، وتدل بنفسها على أنها من عند الله ، وكانت هذه الخوارق تنفع بعض الناس في التعرف على رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة . شاهد الحال : إن بينات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة ، وإن أحواله عليه الصلاة والسلام – التي هي أوضح من حياة أي زعيم على وجه الأرض ـ لهي شاهد وبينة ـ شاهد يشهد : بأن من كانت هذه أحواله فلا يكون إلا نبياً مرسلاً . ذلك لأن حقيقة الإنسان لا بد أن تظهر من مراقبة أحواله، وإن اختفت بعض الوقت ، فلا بد أن تظهر ، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت سيرته ظاهرة، وزاد في ظهورها تتبع المؤمنين للاقتداء ، ومراقبة الكافرين الأقوياء للنقد والتجريح . فكيف كانت أحواله صلى الله عليه وسلم ؟ 1 – ليس زعيماً سياسياً : الزعيم السياسي هو الذي يتملق مشاعر القوم وخاصة عقائدهم ، أو هو الذي إذا عادى طائفة من الناس حرص أن يجامل الطوائف الأخرى الأقوياء لتكون عوناً له على الباقي، وهو الذي يحرص كل الحرص على إرضاء الناس ، أو التوفيق بين المنازعات المختلفة بين أتباعه ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره يجد مجالاً خصباً في دعوته لمحاربة الدخيل المتحكم بالعرب من فرس وروم ، حتى ينتظم العرب أو أهل الحمية إلى صفة ، أو كان بإمكانه أن يثيرها طبقية فيجد الأغلبية المستقلة ، أو الكثير منها إلى صفه ، أو يعلنها حرباً خلقية ليكسب إلى صفة ذوي الأخلاق الرفيعة ، ولكنه صلى الله عليه وسلم خرج يدعو الناس جميعاً إلى دعوة جعلت العرب جميعاً كبيرهم وصغيرهم وفقيرهم وغنيهم جميعاً ضده ، وأخذ يهاجمهم في أعز ما يحرصون عليه في دينهم وتجارتهم ، إذ أن تهديم الأصنام كان يعني ترك العرب لزيارة مكة ، وحرمان أهلها من منافع اقتصادية كبيرة ، وإذا به يحارب هو وأتباعه صلى الله عليه وسلم ، ويطردون من مكة . ويفرون بدينهم بعيداً عن المال والولد. فهل هذا هو سلوك سياسي؟! لا يدعو الناس إلا إلى عبادة الله وحده ، ولا يمني أتباعه إلا برضا ربهم عنهم يوم القيامة!! ثم ها هي ذي قريش تعرض عليه صلى الله عليه وسلم الرئاسة ، والمال والجاه ، على أن يترك دعوته فلا تجد منه قريش إلا صداً شديداً وعزماً على المضي في دعوته وقت لا يزال أصحابه تحت العذاب، أو غرباء في الأرض، وبعد أن تحقق له النصر ، لم يفترض الحرير، ولم يلبس الديباج ، ولم يتزين بالذهب ، كان بيته صلى الله عليه وسلم كأبسط بيوت الناس ، وكان يمر عليه الشهران ولا توقد في بيته نار. قال عروة ـ وهو يسمع خالته عائشة تتحدث بهذا إليه ـ : يا خالتي ما كان يعيشكم . قالت : إنما هما الأسودان التمر والماء . وذات مرة رأى عمر بن الخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم على حصير بالية ، وقد أثر في جسمه صلى الله عليه وسلم فبكى ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك؟ قال : ما بال كسرى وقيصر ينامان على الديباج والحرير، وأنت رسول الله يؤثر في جبنك؟ فقال: صلى الله عليه وسلم : ( يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ولقد جاءت غنائم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتصار المسلمين فرأت نساؤه أن يستفدن بشيء من هذه الغنائم ، وطلبن منه أن يكون لهن نصيب منها ، فإذا بالآية الكريمة تنزل بالجواب على سؤالهن : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا(28)وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾[الأحزاب: 28-29] . هذه سيرة زعيم سياسي؟! إن الشعوب في ذلك الزمان كانت ترى أن من حق قادتها وزعمائها أن يتمتعوا بخيرات الأرض، وبقدر ما يكون بذخ القادة واستعلاؤهم بقدر ما يكون شرف الشعوب وقوتها ، حسب مفهوم ذلك الزمان ، غير أن الرسول وحده ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو الزعيم الوحيد على وجه الأرض آنذاك الذي عكس القاعدة السابقة فما مصلحته في الحياة الخشنة ولم يزهد عنها؟ وهو بعد نصره قادر عليها ، ولن يجد من أحد اعتراضاً؟ وكان عليه الصلاة والسلام يكره أن يتميز على أصحابه ، وكان يجلس حيث انتهى به المجلس، ويكره أن يقوم الناس له، ولقد أراد بعض الصحابة أن يمتدحوا ويثنوا عليه . فقال لهم صلى الله عليه وسلم : (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) وتترك سيرته أثرها على خلفائه الراشدين وأصحابه. وها هو إذ يقرأ على الناس قرآناً فيه تقريع شديد له من ربه لبعض مواقف وقفها، والسياسي يخشى كل نقيصة من نقائصه ، وكل زلة من زلاته بأي ثمن وبأي طريقة ، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فما عليه إلا البلاغ ولو كان في ذلك تقريع له ، وهذه بعض الآيات التي جاءت بالتقريع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاها على الناس كما بلغه ربه :﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى(1)أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى(2)وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى(3)أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى(4)أَمَّا مَنْ اسْتَغْنَى(5)فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى(6)وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى(7)وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى(8)وَهُوَ يَخْشَى(9)فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾[عبس: 1-10] .﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾[التوبة : 80]. ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾[الأنفال :67-68] .﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾[الأحزاب: 37] .﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾[الإسراء: 73-75] . 2 ـ هل كان مصلحاً اجتماعياً : إن محمداً كان رسولاً نبياً ، ولا شك أنه أصلح الأوضاع الإنسانية كلها ، بصفته رسولاً. أما الذين يفترون من أعداء الإسلام على محمد صلى الله عليه وسلم بأنه إنما احتال باسم الدين ليصلح الأوضاع الاجتماعية التي كان يراها فاسدة . فهيا لنرى في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم هل نصدق ما زعموا؟ إن الداعي إلى الإصلاح يوجه مساعيه إلى هدفه ، فما بال محمد صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه وأصحابه للهلاك حول قضية الوحدانية وإخلاص العبادة لله التي تبدو بعيدة كل البعد عن الهدف المقصود؟ وكيف يبقى مستمراً في دعوته هذه وهو يرى أنه قد جلب الأذى الشديد لمن تبعه، والحصار في الشعب والمقاطعة والتشريد من الوطن . أي إصلاح اجتماعي إذاً هذا؟ وما باله يكلف أتباعه قيام الليل ، والصلاة كل يوم ، والصوم شهراً كاملاً ويعتبر هذه الأمور من أركان الإسلام ، فما علاقة هذا كله بدعوة لإصلاح أوضاع اجتماعية محدودة؟! وما باله يسفه اليهود والنصارى ويحمل عليهم ويدعوهم لترك دينهم، ودخولهم في دينه ، وما علاقة هذا بإصلاح أوضاع قريش الاجتماعية؟ ودعوته للعالم وإعلانه أنه خاتم الأنبياء والمرسلين ما دخل هذا كله في محاولة لإصلاح بعض الأوضاع الاجتماعية ؟ وهذا الفرض للغسل من الجنابة، والتأكيد على الغسل كل جمعة، والوضوء خمس مرات في اليوم في بيئة صحراوية ، ما دخل مثل هذا في محاولة لإصلاح أوضاع اجتماعية ؟ ألا إن هذه الأحوال لتشهد أنها أحوال رسول يبلغ عن ربه ، ولا يحسب لغير ذلك حساباً . 3 ـ علامات بارزة في أحواله صلى الله عليه وسلم : *بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في زمن تهيأت فيه أحوال العالم لظهوره، وزاد فيه إعلان أهل الكتب بمقدم الرسول ، فجاء في الوقت الصحيح ولم يأت بعده غيره . *علامة (ختم النبوة) على كتفه مطابقة لبشارات الكتب السابقة . *بقي أربعين عاماً بين قومه يلقبونه الصادق الأمين وعجز أعداؤه أن يجدوا كذبة واحدة عرفت عنه. *عند نزول الوحي ذهب خائفاً مرتعشاً إلى أهله يقول : زملوني زملوني ولو كان مفترياً ما وقفنا على هذا الحادث في تأريخه . *لقد كان صلى الله عليه وسلم يذهب في غيبوبة عند اتصاله بجبريل ، ولقد كان جبينه يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد ، فهل يقدر الإنسان أن يفتعل مثل هذا؟ وما الداعي له؟ غير أن الاتصال بعالم الملائكة يحتاج تهيئة خاصة، وكان إذا غاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سجي بثوب حتى ينتهي الوحي . *كان صلى الله عليه وسلم لا يأمر الناس بأمر إلا كان هو أول العاملين به ، ولا ينهاهم عن شيء إلا كان أول التاركين له ، فلم إذاً يكلف نفسه أعباء كثيرة إن لم يكن رسول الله؟! *كان صلى الله عليه وسلم يقوم الليل ، ويكثر الصلاة ، ويتصدق بما يجد لديه حتى مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهود بقوت أهله . *عند موت إبراهيم بن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انكسفت الشمس ساعة دفنه، وتصايح المسلمون حول القبر : إنها لآية من آيات الله .. وكسوف الشمس يومئذ خبر من أخبار الفلك الثوابت ، أيده حساب الفلكيين في العهد الأخير. فلو كان الرسول صلى الله عليه وسلم من الذين يتصيدون الخوارق ولا ينكرونها ليستطيعوا أن يدعوها ـ لو كان كذلك أستغفر الله ـ لما كلفته هذه الخارقة إلا أن يسكت عنها ، فلا يدعيها ولا ينكرها . ولكنه صلى الله عليه وسلم لم ينس ساعة حزنه أمانة الهداية للمؤمنين بدينهم وبادرهم لساعتها مذكراً لهم بآيات الله قائلاً : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته) ـ حديث صحيح أخرجه الشيخان ـ هذا قليل من كثير . أحواله مع أعدائه وأتباعه : رأى الكفار الرسول صلى الله عليه وسلم فاستهزءوا بأمره، وسخروا منه . قال تعالى : ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾[الفرقان :41] . فلم تؤثر فيه السخرية ، فاتهموه صلى الله عليه وسلم بالجنون ، وذلك لغرابة ما يدعوهم إليه: ﴿ وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ(6)لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ(7)مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ﴾[الحجر: 6-8] . غير أن إعجاز القرآن وآيات الله في كتابه دلت بنفسها على ربها ، فما كان أحد من المشركين يسمع كلام الله ، حتى يأخذ القرآن بعقله وقلبه، ويدخل في دين الله . فزعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم يسحر الناس بقوله : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾[سبأ: 43] . وأخذوا يعملون على تشويش الحق بما يطلقون من الدعايات والأكاذيب: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾[الأنبياء: 5] .﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾[الإسراء: 90-93] . وهكذا علم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم : إن الأمر بيد الله ، وهو الذي يؤيدني بالبينات التي يشاء ، والتي تكفي لإقناع الناس بصدقي ، والله سبحانه لا يقبل شروطاً لإيمان الناس ، وإلا لاشترط السفهاء ما يجعل أمر الرسالة والألوهية سخرياً وعبثاً وتفاهة ، وقال تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾[العنكبوت: 51] وبرغم الآيات الكثيرة التي أيد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بها ، إلا أنهم أخذوا يشتطون في معاداته فتارة يقولون: ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾[القصص:57] . ومرة أخرى يظهرون كراهيتهم المطلقة للهدى التي يفضلون عليها الموت: ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾[الأنفال : 32] . هؤلاء هم أعداء محمد صلى الله عليه وسلم الذين يفضلون الموت والعذاب على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فما بالهم قد تحولوا من صف القتال ضده، وصف الكراهية له والحقد عليه، إلى جنود مخلصين في جيشه ، وأتباع محبين له ، وعباد قانتين لربهم ، وزهاد في الدنيا ومتاعها ، فعلقت آمالهم بما وعدهم ربهم على لسان رسولهم صلى الله عليه وسلم ، متحابين يؤثرون على أنفسهم غيرهم إرضاء لربهم ، يقيمون الصلاة في أوقاتها ، يقومون الليل لا يفترون عن ذكر الله ، يخرجون الزكاة من أموالهم، ويتسابقون في الإنفاق عن ذكر الله ، ويتدافعون إلى ساحات الاستشهاد حباً في أن يقدموا أرواحهم فداء لدينهم ، راضية بذلك نفوسهم. كيف دخل أولئك المجاهدون في دين الله أفراداً وأفواجاً؟ كيف دخلوا في دين الله؟ وما الذي جعلهم في غاية الحرص عليه ينشرونه في الآفاق ، يقدمون الأموال والأنفس في سبيل أتباع رسولهم صلى الله عليه وسلم الذي طالما وصفوه بالجنون ، وطالما سخروا منه واتهموه بالسحر؟! كيف حدث هذا؟ لا جواب إلا ما كانوا يرددونه كل يوم قائلين: نشهد أن محمداً رسول الله ، فلم يطرأ على الأمر أنهم تحققوا من صدق رسولهم، وشهدوا له بالرسالة ، بعد أن رأوا من بينات رسالته عليه الصلاة والسلام . الخلاصة *لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أمياً لم يقرأ ولم يكتب طوال عمره وسجل القرآن أميته وسمع بذلك أصحابه، وأعداؤه فما كذبوا ، وجعل القرآن أمية محمد صلى الله عليه وسلم دلالة على أنه رسول الله من عند الله ، فما عارضوا القرآن لأنهم يعرفون حقاً أنه النبي الأمي . *اشتهر العرب بالفصاحة في الأقوال، فكانوا يقيمون المباراة بين الشعراء والخطباء، وكانوا يكتبون أحسن أقوالهم بماء الذهب ، فجاء القرآن معجزاً لهم في الأمر الذي اشتهروا به ليكون الإعجاز بيناً وأجراه الله على لسان أمي ليكون أبلغ في الإعجاز ، وتحدى القرآن العرب والإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بعضه ، أو حتى بمثل سورة منه فعجزوا عن الإتيان بمثل سورة منه، ولجأوا إلى القتال وإهلاك أموالهم وأنفسهم بعد أن أخرستهم بلاغة القرآن . *يحمل القرآن العلامة الإلهية التي تدل على أنه من عند الله ومنها : 1- كلام الله جديد لا يبلى مهما كرره الناس . 2- إذا كان الكلام يدل على شخصية صاحبه فإن قارئ القرآن يشعر أن الله هو الذي يحدثه. 3- كل كلام يمكن إدماجه في غيره ، إلا القرآن فإنه يتميز عن أي كلام لأنه كلام الله الذي لا يشبهه كلام . 4- للقرآن تأثير كبير على المستمع الواعي ، لا يشبهه في ذلك كلام من كلام البشر لأنه كلام الله . 5- احتوى القرآن على علوم لا يعلمها إلا الله منها : (أ) أخبار السابقين التي ما سمعها المنصفون من الأحبار والرهبان حتى آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم . (ب) أخبار ما كان يدور في صدور الناس ، ولا يعلمها إلا الله ، كما حدث بالنسبة لبني حارثة، وبني سلمة ، وكما حدث لليهود وما كانوا يخفون من كلام فيما بينهم. (ج) ولقد أخبر القرآن بأمور تكون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بعده فجاءت الأيام بما كان قد أخبر القرآن به من قبل ، ومن ذلك: 1- انتصار الروم في أقل من عشر سنوات . 2- أن أبا لهب سيموت هو وامرأته على الكفر، وكذلك الوليد بن المغيرة والأخنس بن شريق . 3- إحاطة الله بالناس ، ودفع أذاهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4- هزيمة كفار قريش وجمعهم في غزوة بدر وفرارهم أمام المسلمين . 5- حفظ الرسول صلى الله عليه وسلم من محاولة الاغتيال وتركه للحراسة وفشل كل المحاولات. 6- الإعلان عن القوم الذين سيحملون الرسالة ولا يكفرون بها عندما كفرت قريش بالرسالة . 7- استخلاف المسلمين في الأرض ، وتمكينهم من دينهم بعد محاصرتهم وخوفهم . 8- الإخبار عن الفتح الذي كان في صلح الحديبية ، وظنه المسلمون هزيمة ولكنه كان فتحاً كما أخبر القرآن . 9- الإخبار بأن المسلمين سيدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين. 10- الإخبار عن فتح خبير ، والمغانم الكثيرة التي نالها المسلمون . 11- الإخبار بحفظ القرآن من كل تحريف . 12- الإخبار بأن محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين . 13- الإخبار بالعذاب الذي ينزل على المسلمين عند عصيانهم من السماء ومن تحت أرجلهم واختلافهم شيعاً ، وتسليط بعضهم على بعض . (د) لقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم بشريعة أصلحت وحدها أحوال الإنسان في كل زمان ومكان ، وأخرجت للناس خير أمة ، وشهد المتخصصون بأفضليتها على كل القوانين والشرائع التي عرفها الإنسان إلى يومنا هذا . ومنهم (سانتيلانا) و(فمبري) و(سليم باز) و(كهلر) و(كنتج) و(شيرل) و(لامبير) ، والمؤتمر الدولي القانوني في (لاهاي) المنعقد في عام 1937م ، ومؤتمر المحامين الدوليين المنعقد في لاهاي عام 1948م ، وجمعية القانون الدولي العام ، ونقيب المحامين الفرنسيين، والقانونيين العالميون الحاضرون في أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في باريس عام 1953م . *وفي زمن العلوم الكونية اكتشف الباحثون حقائق في الكون، ووجد العلماء المسلمون أن القرآن كان قد أخبر بهذه الحقائق في وقت لم تكن البشرية تعرف عن هذه الحقائق شيئاً، فكان ذلك شاهداً جديداً بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته . *ومن أمثلة ذلك تحريم القرآن للتزوج من الأخت في الرضاعة، لأن الرضاعة تكسب خصائص واحدة في الراضعين كما تكسب الأخوة الأصلية خصائص وراثية في الإخوة ، وإخبار القرآن عن الأعمدة التي لا ترى بين أجرام السماء ، وإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن النار السوداء، وإخبار القرآن عن الحاجز بين البحرين الملتقيين . *أما العرب الذي تحداهم القرآن فما كان أحد منهم يسمع القرآن ، حتى يشهد بأن كلام الله، فتواصى الكفار بعدم الاستماع إليه ، وأخيراً لم يجدوا إلا أن وصفوه فقالوا : إنه سحر ، من سمعه سحر قلبه ، فكان قولهم هذا شاهداً بأنه ليس من كلام البشر . *وهناك بينات أخرى لمحمد صلى الله عليه وسلم ، منها :- 1-ما ذكره القرآن من خوارق العادات : كالإسراء والمعراج وانشقاق القمر ، وإنزال النعاس لتأمين المسلمين ، والمطر لتثبيت أقدامهم وتطيرهم ، وتقليل عدد الكافرين ، وزيادة عدد المؤمنين، وإنزال الملائكة لتأييد المسلمين ، وجنود لحماية الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء هجرته، وتسخير الرياح للمسلمين ضد الأحزاب . 2-ماذكرته الأحاديث النبوية ، وكتب السيرة من تفصيل للخوارق السابقة، وذكر لخوارق أخرى منها: كلام الشجر ، والحجر، والحيوان وشهاداتها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، ونبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ، وإبراؤه صلى الله عليه وسلم لذوي العاهات ، وظهور الآثار العجيبة فيما يلمسه عليه الصلاة والسلام. ولم تكن هذه الخوارق إلا تثبيتاً وتدعيماً للمعجزة القرآنية ، وبينات للرسالة الأخرى . *إن أحوال أي إنسان طوال حياته لتكشف حقيقته ، ولقد كانت ولا تزال أحوال محمد صلى الله عليه وسلم أوضح وأظهر من أحوال أي إنسان عرف حتى هذا الزمان ، فليس في سيرته صلى الله عليه وسلم غموض أو إخفاء . وإن أحواله لتشهد : 1-أنه لم يكن زعيماً سياسياً يريد توحيد قومه ، وإعلاء ذكره فلقد رفض كل محاولة لتوحيد كلمته وأتباعه مع قبيلة إلا أن يكون ذلك تبعاً لهدي الله ، وتحمل هو وأتباعه لصنوف العذاب مالا يطيقه الناس ، ولما جاء النصر والفتح زهد عن متاع الدنيا فما كانت حالته إلا شاهدة بنبوته ، ولم يقصر في تبليغ الوحي الذي يتضمن التقريع الشديد له . 2-وما كان ينوي الإصلاح الاجتماعي فقط، فلقد كان حرصه الأول على الصلاة والصيام والزكاة والحج، وكلما يقرب الإنسان من ربه وإن كان الإصلاح الاجتماعي والسياسي قد تحقق على يده إلا أنه لم يكن جزءاً من دعوته . 3-وباقي أحواله صلى الله عليه وسلم تشهد بأن أحواله لم تكن إلا أحوال بني مرسل . *ومن تأمل في أحواله صلى الله عليه وسلم مع قومه ، وجدها مصدقة لرسالته، فلقد عاداه قومه أشد عداء ، كانوا يتمنون الموت عليه على أن يتبعوه ، فعرض عليهم بيناته فإذا هم الأتباع، الذين يؤثرون الموت على الحياة في سبيل إرضائه .
[17] - حنادس : الشدة . [18] سيأتي بيان مجال العقل ومجال الوحي . [19] - خشية أن يكون المرض قد غير الطعم لدينا أو أن يكون لمواد مختلفة طعم واحد . [20] - لأننا نحس بثقل الشيء ولكنا لا نعرف قدره على وجه الدقة وكذا الحرارة والبرودة وغيرها . [21] - رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك سابقاً ، وعضو المجلس التنفيذي لمجمع البحوث القومي . [22] - قرب القارة الأمريكية . [23] - العقل الإلكتروني لا يخرج إلا ما أودع فيه ، ولا يأتي بفكر غير ما أودع فيه من فكر الإنسان . [24] - نيرون هو الملك الروماني الوثني الذي اضطهد المسيحيين في أيامهم الأولى . [25] - مسيا : معناها رسول . [26] - هذا المبدأ المأخوذ من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار) فمن الناس من يستغل شيئاً مباحاً لكن فيه إضرار بالآخرين وذلك هو الاعتساف في التمتع بالحقوق المباحة . [27] - هذا القانون الغربي يلوم الاتجاه المجافي للشريعة الإسلامية وهو الاتجاه الذي صبغه الاستعمار . [28] - لقد جاء هذا التشريع من ربه فمن المستحيل أن يأتي أمي في هذا العصر بتشريع يفوق كل تشريع كما نطق (شيرا) نفسه. [29] - الزمزمة : صوت خفي لا يكاد يفهم . [30] - السجع : هو الكلام الذي تنتهي مقاطعه بنغمة أو أحرف واحدة . [31] - الحنق : مصدر حنق وهو الجنون . [32] - الوسوسة : شيء يلقى في القلب ، أو في السمع بصوت خفي . [33] - رجزه : نوع من الشعر مضطرب في وزنه وقوافيه ويقال للقصيدة منه : أرجوزة . [34] - هزجه : اسم لبحر من بحور الشعر وهو اسم لنوع مضطرب . [35] - قريضه : القريض التقطيع ويطلق على الشعر عموماً لاقتطاع نوع من الكلام مخصوص لغرض معين . [36] - مبسوطه : أي مطولات قصائده . [37] - مقبوضه : المختصر الأوزان من الشعر . [38] - النفث : النفخ مع ريق. [39] - العقد : عقد حبال أو شعر مظفور ونحوه . [40] - أي القرآن . [41] - نشرت [42] - وجدت جماعة قليلة جداً من علماء المسلمين تقول : بأن القمر لم ينشق؛ أولوا الآية بأنه سينشق ، فأولوا صريح القرآن وأنكروا الحشد الهائل من أحاديث الصحابة الذين رووا الأحاديث وهم : أنس بن مالك وابن عمر ، ، وابن عباس ، وحذيفة ، وعلي ، وجبير بن مطعم وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم ، وهذه الروايات كلها في الأمهات الست ، وأما الحجة التي قالوها : لو حدث هذا لرأته الأمم الأخرى وتناقلته ، فالجواب عليه أنه إن رأته الأمم الأخرى فلن تراه إلا تلك الأمم التي هي على مطلع واحد مع مكة والتي لا يكون فيها غيوم وقت الانشقاق ، وعلى أن يكون الناس منتبهين لمشاهدة القمر ، ومع ذلك فالحديث إن كان غريباً وعجيباً فإنه لا معنى له عندهم ، وإن تناقله الناس في جبل أو جبلين أو ثلاثة ، أو أربعة ، فإن الأجيال الأخرى ستنسى الحادث نظراً لعدم وجود اهتمام لدى الأولين في تسجيل مثل هذه الظواهر ، ولقد واجه المسلمون الأمم بالقرآن ومعجزات نبيهم فما أنكرت الأمم هذه الآية أو وجدت داعياً لتأويلها . ولقد ثبت في تأريخنا الإسلامي : من أن قريشاً سألت المسافرين فأخبروها بالخبر، ومن الجهالة الاعتقاد لما يظن بعض الجهلة أن القمر نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم . |