كتاب توحيد الخالق الجزء الثالث  للشيخ عبدالمجيد الزنداني حفظه الله

أشراط الساعة وعلاماتها

 

 

 

 قال تعالى :﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾[محمد: 18] .

علامات في كتاب الله :ذكر القرآن الكريم بعض العلامات الكبرى الساعة ، كيأجوج ومأجوج ، والدابة ، وظهور عيسى عليه السلام مرة ثانية على قول بعض المفسرين :وذلك في قوله تعالى :﴿ حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ(96)وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾[الأنبياء: 96-97] .

﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾[النمل: 82]

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾[الزخرف: 61] . وفي قراءة ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾وجاء أيضاً عن نزول عيسى عليه السلام قوله تعالى ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ومن المعلوم أن عيسى عليه السلام لم يمت بل رفعه الله إليه حياً، وقد فسر المفسرون هاتين الآيتين بنزول عيسى مرة ثانية كما تواترت بذلك الأحاديث ولم يشذ عن هذا التفسير إلا القليل.

وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد ذكر بعض هذه العلامات قبل قيام الساعة فإن السنة النبوية تفيض بذكر العلامات المختلفة الصغرى والكبرى .

موقف عض العلماء :

ولقد وقف بعض العلماء موقف الرفض للعلامات، والأمارات التي جاء بها الحديث، أما لتشككهم في صحة الأحاديث ، أو لأن هذه الأحاديث يتصورها الناس ويصعب على الناس الإيمان بها، فاستبعدوا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذه الأحاديث ، لكن هذه الأحاديث كثيرة جداً قد رويت في كل كتب الحديث: (الأمهات الست وغيرها) ثم جاءت أحداث الزمن مؤكدة لكثير منها .

أمثلة من الحديث:

1-أمور عظيمة لا تخطر على البال :

قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تقوم الساعة حتى تروا أموراً عظاماً لم تكونوا ترونها ، ولا تحدثون بها أنفسكم) (رواه نعيم بن حماد في كتابه المشهور بكتاب الفتن من حديث سمرة بن جندب ورواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير) . وقال عليه الصلاة والسلام : (سترون قبل أن تقوم الساعة أشياْ ستنكرونها عظاماً تقولون : هل كنا حدثنا فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله تعالى واعلموا أنها أوائل الساعة) (رواه البزار والطبراني من حديث سمرة) .

2-استخراج للكفار للمعادن:

قال عليه الصلاة والسلام : (ستكون معادن يحضرها شرار الناس)[1] . (رواه أحمد في مسنده من حديث رجل من بني سليم) وقال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى تظهر معادن كثيرة لا يسكنها إلا أراذل الناس) (رواه الطراني في الأوسط من حديث أبي هريرة).

3-تزيين المساكين وإطالة البناء :

قال عليه الصلاة والسلام : (إذا رأيت الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان فانتظر الساعة) (رواه البخاري ومسلم) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن وحتى يتطاول الناس في البنيان) (رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (ما أنتم إذا مرج الدين، وسفك الدماء، وظهرت الزينة وشرف البنيان) (رواه الطبراني في الكبير عن ميمونة أم المؤمنين) ، وقال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى يبني الناس بيوتاً يوشونها وشي المراجيل) والمراجيل : هي الثياب المخططة (رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة).

وقال عليه الصلاة والسلام : (من أعلام الساعة وأشراطها أن يعمر خراب الدنيا ويخرب عمرانها) (رواه الطبراني عن أبي مسعود وابن عساكر عن محمد بن عطية).

وإذا كان هناك صعوبة على السابقين في فهم حدوث التخريب للعمران وعمران الخراب، فإنا نجد اليوم المدن الجديدة تنشأ في الأماكن الخربة غير المعمورة والمدن المعمورة تهدم لإعادة تخطيطها، ولا تعني الحديث أن ذلك حرام إنما يعني أن حدوث هذا علامة على قرب الساعة . وقال عليه الصلاة والسلام: (إن من أعلام الساعة وأشراطها، أن تزخرف المحاريب وتخرب القلوب) .

4-ارتباط أجزاء الأرض وتقاربها :

قال عليه الصلاة والسلام : (لاتقوم الساعة حتى يتقارب الزمان وتزوى الأرض زياً) أي تطوى ويضم بعضها إلى بعض. (رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي موسى الأشعري) .

5-في المواصلات:

1- أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن زمناً سيأتي لا تستخدم فيه الإبل للتنقل وحمل الأمتعة، ومعلوم أن عدم استخدام الجمال مع وجودها إنما يكون بسبب وجود وسيلة أحسن، وليس هناك من الحيوانات ما هو أقدر من الجمال على السفر في الصحراء. ولقد رأينا في هذا الزمان تعطل الجمال عن حمل الأمتعة وهذه الظاهرة هي في ازدياد كل يوم. قال عليه الصلاة والسلام: (ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها) (رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة) .

2-قال عليه الصلاة والسلام : يكون في آخر الزمان رجال يركبون على المياثر حتى يأتون أبواب المساجد) (رواه أحمد والحاكم عن ابن عمر) والمياثر: كما فسرها عمر بن الخطاب هي السروج العظام، وقال عليه الصلاة والسلام: (سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على السروج كأشباه الرجال ينزلون على أبواب المساجد) (رواه أحمد في مسنده والحاكم في صحيحه عن ابن عمر) فما هي السروج العظام التي ليست رجالاً وإنما كأشباه الرجال؟ والتي يركب عليها الناس إلى أبواب المساجد، لم يعرف من المسلمين أنهم شدوا البغال والجمال أو الخيول ووضعوا عليها السروج العظيمة، ليذهبوا بها إلى المساجد. فلا شك أن هذه الوسيلة للمواصلات غير هذه، والحديث يصف أن الركوب على السروج لا على الخيول أن الجمال أو غيرها من الحيوان. إنا نجد الوصف ينطبق اليوم على السيارات ذات المقاعد التي تشبه السروج العظيمة والتي يركب الناس عليها إلى أبواب المساجد.

3- ولقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن سرعة سير الدجال في الأرض؟ قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ : (كالغيث استدبره الريح) أي كسرعة سير السحب، (الحديث رواه مسلم في صحيحه وغيره من حديث النواس من سمعان) .

6- حديث السباع ونطق الجماد:

قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان وحتى الرجل عذبة سوطه ، وشراك نعله وتخبره بما أحدث أهله من بعده)[2].

قال عليه الصلاة والسلام : (إنها أمارات من أمارات بين يدي الساعة أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله من بعده)[3].

أما حديث السباع فإن حيوانات السيرك تأتي بالغرائب ، والكلاب (البوليسية) تدل الشرط على معلومات ، فقد تكون هذه طرفاً من تفسير الحديث ، والمستقبل متسع لما هو أكبر من هذا والله أعلم.

أما حديث السوط والنعلين عما أحدث الأهل في البيت ففيه إنباء بنطق الجماد وقد نطق، وفيه إناء بأجهزة الاستقبال التي تمكن صاحب البيت من الاطلاع على معلومات من داخل بيته بواسطة مراسلات معين تستقبلها أجهزة استقبال توضع في النعلين، أو في سوط يحمل باليد ، وقد نطق الجماد اليوم، والمستقبل يتسع لتفسير باقي الحديث والله أعلم .

7- نهضة علمية من جهل الدين:

قال عليه الصلاة والسلام : (من اقترب الساعة كثرة القراء، وقلة الفقهاء وكثرة الأمراء وقلة الأمناء)[4].

وقال عليه الصلاة والسلام : (إن من أشراط الساعة أن يظهر القلم)[5].

 وقال عليه الصلاة والسلام : (سيأتي على أمتي زمان يكثر فيه القراء ويقل فيه الفقهاء، ويقبض العلم ويكثر الهرج) وقبض العلم الديني يكون بموت العلماء ، وعدم وجود من يخلفهم كما صرحت بذلك الأحاديث، والهرج: القتل والكذب[6].

وقال عليه الصلاة والسلام : (من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد لا يجدون إماماً يصلي بهم)[7].

وقال عليه الصلاة والسلام : (يكون في آخر الزمان عباد جهال وقراء فسقة)[8].

8- اتساع في الحركة التجارية وزيادة الدخل:

قال عليه الصلاة والسلام : (إن بين يدي الساعة تسليم الخاصة وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقطع الأرحام ، وفشو القلم  وظهور الشهادة بالزور، وكتمان شهادة الحق)[9].

قال عليه الصلاة والسلام : (إن من أشراط الساعة أن يفشو المال، وتفشو التجارة ، ويظهر القلم)[10].

وقال عليه الصلاة والسلام: (بين يدي الساعة تسليم الخاصة ، وفشو التجارة حتى تعين المرأة زوجها على التجارة)[11].

9-تبرج النساء:

قال عليه الصلاة والسلام : (يكون في آخر الزمان رجال ، يركبون المياثر حتى يأتون أبواب المساجد نساؤهم كاسيات عاريات ، على رؤوسهن بأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات)[12] على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف: أي يضعف على رؤوسهن ما يشبه سنام الجمل الضعيف وربما كان ذلك إشارة إلى تجعيد شعورهن وتسنيمها أو وضع البرانيط التي تلبسها بعض النساء والله أعلم .

وقال عليه الصلاة والسلام: (صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهم: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)[13].

وأسنمة البخت : أسنمة الإبل، ونحمد الله فلا يوجد لدينا إلى الآن هذا الصنف من النساء في اليمن، وربما كان المسلمون السابقون يجدون إشكالاً في فهم التناقض الظاهري في قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (كاسيات عاريات ) غير أن تقدم الزمان قد جعلنا نرى في البلدان الإسلامية التي أصيبت بالاستعمار ، وجود النساء اللاتي يملكن الكاسيات بالكساء الضيق، الذي يجعل تفاصيل جسم المرأة ظاهرة وكأنها عارية ، ووجدنا النساء يلبسن الثياب في المنازل ويتحللن منها في شواطئ البحر، إلا من قطع صغيرة على الفرج والثديين وبهذا يرتفع الإشكال حول الحديث والله أعلم.

10-تشبه النساء بالرجاء وتشبه الرجال بالنساء:

قال عليه الصلاة والسلام : ( من اقتراب الساعة تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال)[14].

11-شرب الخمور وكثرة الزنا:

قال عليه الصلاة والسلام : (لا تذهب الأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها)[15].

وقال عليه الصلاة والسلام: (إن ناساً من أمتي يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها)[16] وقد وجد من يشرب الخمر ويقول هذه بيرة والبيرة ليست خمراً .

وقال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى يتسافد الناس تسافد البهائم في الطرق)[17].

ونسمع من هذا أشياء ، قد وجدت في بعض البلاد الأوروبية أعاذنا الله منها .

وقال عليه الصلاة والسلام : (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنا ويكثر شرب الخمر)[18].

12- تربية الكلاب وكراهة الأولاد:

قال عليه الصلاة والسلام : (إذا اقترب الزمان يربي الرجل جرواً خير له من أن يربي ولداً له، ولا يوقر كبير ولا يرحم صغير، ويكثر أولاد الزنا حتى أن الرجل ليغشى المرأة على قارعة الطريق يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب أمثلهم في ذلك المراهن)[19].

وقال عليه الصلاة والسلام : (يأتي على الناس زمان لا يربي أحدهم جرواً خير له من أن يربي ولداً لصلبه)[20].

13- التعامل بالربا وشيوعه:

قال عليه الصلاة والسلام : (ليأتين على الناس زمان لا يبقى منهم أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره)[21].

14- التحية بالتلاعن:

قال عليه الصلاة والسلام : (لا تزال الأمة على شريعة حسنة ما لم تظهر فيهم ثلاث: ما لم يقبض منهم العلم، ويكثر فيهم ولد الخبث[22]، ويظهر فيهم السقارون قالوا : وما السقارون؟ قال: نشء يكونون في آخر الزمان تكون تحيتهم بينهم إذا تلاقوا تلاعوا)[23].

15- الشياطين وكتب سماوية:

قال عليه الصلاة والسلام: (إن في البحر شياطين مسجونة ، أوثقها سليمان يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآناً)[24].

وإن جمعيات تحضير الأرواح في هذا الزمان قد أخذت تبشر بدين جديد، وزعمت أنه قد أوحت الملائكة إليها بكتب من السماء والكتاب المعتمد من الجمعية لتحضير الأرواح والذي أوحى به (سلقر بوش) و(هوايت هوك) مندوبا الملائكة بزعمهم هو كتاب : (الحكمة البالغة).

16- اختلاف الأخوة في الدين:

قال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى تتباكى القلوب، وتختلف الأقاويل ، ويختلف الأخوان من الأب والأم في الدين) أعاذنا الله من ذلك[25].

17-السكتة القلبية:

قال عليه الصلاة والسلام: (من اقتراب الساعة موت الفجأة)[26] ويقول الأطباء: إن السكتة القلبية مرض من أمراض المدنية لم يكن شائعاً في المجتمعات القبلية، ويندر أن يموت الفلاحون والقبائل عن طريق السكتة القلبية.

18- كثرة القتل:

قال عليه الصلاة والسلام : (لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن ، ويكثر الكذب ، وتتقارب الأسواق، ويتقارب الزمان، ويكثر الهرج، قلت: وما الهرج؟ قال القتل)[27].

قال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجل أخاه، لا يدري فيم قتله)[28].

وقال عليه الصلاة والسلام : (ما أنتم إذا مرج الدين ، وسفك الدماء ، وظهرت الزينة، وشرف البنيان)[29].

19- حسن القول وسوء العمل :

قال عليه الصلاة والسلام : (إنه يكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القول ويسيئون العمل)[30].

وقال عليه الصلاة والسلام : (إذا ظهر القول وخزن العمل، واختلفت الألسن، وتباغضت القلوب وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)[31].

20- تعطيل السيف:

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من أشراط الساعة سوء الجوار، وقطيعة الأرحام، وأن يعطل السيف في الجهاد)[32] .

21- كثرة الفتن:

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، فتن كقطع الدخان ، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً، يبيه أقوام أخلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا) أعاذنا الله من ذلك[33].

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ستكون فتن يفارق الرجل فيها أخاه وأباه تطير الفتنة في قلوب الرجال منهم إلى يوم القيامة، حتى يعير الرجل فيها بصلاته كما تعير الزانية بزناها)[34].

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً وسيخرجون منه أفواجاً)[35].

22- وطائفة على الحق ظاهرين:

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله)[36].

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (المتمسك بستني عند فساد أمتي له أجر شهيد)[37].

23- نحن واليهود والدجال وعيسى ابن مريم:

روي عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال : (تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله)[38].

وقال عليه الصلاة والسلام: (تقاتلون اليهود حتى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبدالله هذا يهودي ورائي فاقتله)[39].

ويؤخذ من هذه الأحاديث أن اليهود ستكون لهم دولة ، وذلك ما كان يعتبر مستحيلاً إلى أوائل هذا القرن فجاءت الأيام مصدقة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن هذه الدولة ما وجدت لتبقى ، بل لقد جاءت البشارة في الحديث بنصر المسلمين على اليهود نصراً تشارك فيه الأحجار. وإذا كان عصيان المسلمين هو الذي مكن لأعدائهم اليهود أن تكون لهم دولة لتفوقهم واختلافهم ، وكثرة المعاصي كما جاء في الحديث الذي رواه ابن إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في (كنزل العمال) عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن الدجال اليهودي: (وتكون آية خروجه تركهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتهاونهم بالدماء، إذا ضيعوا الحكم ، وأكلوا الربا ، وشيدوا البناء وشربوا الخمر ، واتخذوا القيان ، ولبسوا الحرير، وأظهروا بزة آل فرعون ، ونقضوا العهد وتفقهوا لغير الدين ، وزينوا المساجد ، وخربوا القلوب ، وقطعوا الأرحام، وكثرت القراء، وقلت الفقهاء ، وعطلت الحدود ، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال وتكافئ الرجال بالرجال والنساء بالنساء ، بعث الله الدجال فسلط عليهم) .

قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فعند ذلك ينزل أخي عيسى ابن مريم، وينزل عيسى عليه السلام – في وصف المسلمين المجاهدين الذين يجاهدون الدجال واليهود ويقاتلونهم، فيقتل الدجال ويدخل الناس جميعاً في دين الله ولا يبقى على وجه الأرض أحد إلا دخل الإسلام).

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لتقاتلن المشركين ، حتى يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن أنتم شرقيه وهم غربيه) قال راوي الحديث ولا أدري أين الأردن يومئذ من الأرض[40].

وأما اليهود وأحبارهم فهم يرددون منذ عشر سنوات مضت: بأن زمن المسيح قد قرب، وأنه سينزل في إسرائيل ، ناسين أن المسيح الحقيقي عيسى عليه السلام قد جاء وله من يوم مولده 1988 عاماً فإن جاءهم أحد فليس إلا دجالاً يدعي أنه المسيح ، وسينتصر المسلمون على اليهود – إن شاء الله ـ ولا بد أن نقاتل اليهود فنفوز بالشهادة أو يأتي نصر الله الذي وعدنا به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

24- العلامات الكبرى:

إن ما فصل قد سمي بالعلامات الصغرى ، وهناك علامات كبرى ذكر بعضها في القرآن والأحاديث النبوية ، وذكر البعض الآخر في الأحاديث النبوية :

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها ، والدخان ، والدابة ، وخروج يأجوج ومأجوج ، وخروج عيسى ابن مريم عليه السلام ، والدجال ، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن[41] تسوق أو تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا) روى الحديث أحمد وهكذا رواه مسلم وأهل السنن عن حذيفة .

الحكمة من ذكر علامات الساعة :

1-إذا شاهد المسلم علامات قرب الساعة ألقى ذلك في نفسه الخوف من الله فأخذ نفسه بالاستعداد بالأعمال الصالحة ، والمبادرة إلى كل ما أمر الله به واجتنابه ما نهى الله عنه ، قبل فوات الأوان.

كما قال تعالى :﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾[الأنعام: 158].

ومعنى قوله تعالى : ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾ أي علامات الساعة .

2-تأكيد الإيمان بأن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما هو كائن الآن لا يكون إلا من رسول علَّمه الله فتولد في النفس يقيناً، بأن ما وعدنا الله ورسوله بأنه ملاقينا ونازل بنا بعد موتنا ، فيبعث في النفس حوافز العمل الصالح، الذي ينجينا من عذاب النار ويجعلنا نفوز بالجنة .

فذكر هذه الإمارات حافز للعمل وليس بحافز للتواكل واليأس لأنه لا ينجينا من عذاب الله، ويوصلنا إلى الجنة إلا العمل الصالح

3-إن هذه العلامات تعطينا ثباتاً في إيماننا لا يؤثر فيه ضغط الأحداث ولا تزلزله جهود الضلال، وتأثير الفتن الهوجاء وتجعل المؤمن يقول: ذلك ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله.

4-لقد وردت هذه العلامات في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فداريتها جزء من الدين ولقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ـ بعد تحدثه بعلامات خروج الدجال: (..إنما أحدثكم هذا لتعقلوه وتفهموه وتفقهوه فاعلموا عليه وحدثوا به من خلفكم ، وليحدث الآخر الآخر ، فإن فتنته أشد الفتن) روى الحديث نعيم ورواه الحاكم في المستدرك .

 زمن حياة بعض العلماء الذين دونوا الأحاديث ورويناها عنهم

اسم العالم

عام مولده

عام وفاته

أحمد بن حنبل

164

241

نعيم بن حماد

...

238

ابن أبي شيبة

...

235

البخاري

194

241

أبو داود

202

275

مسلم

206

261

ابن ماجه

209

273

الترمذي

209

279

البزار

...

293

الديلمي

210

307

النسائي

215

303

الطحاوي

237

321

الطبراني

260

360

ابن منده

310

395

الحاكم

321

405

أبو نعيم

336

430

ابن عساكر

499

571

الخلاصة

*ذكر القرآن بعض أمارات الساعة الكبرى: كيأجوج ومأجوج وظهور عيسى مرة ثانية، والدابة وذكرت الأحاديث النبوية الكثير من العلامات الصغرى والكبرى.

*وقف بعض العلماء من العلامات التي جاءت في الأحاديث موقف الرفض إما لتضعيفهم للأحاديث، أو استبعادهم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذه الأخبار التي لم يكونوا يتصورون وقوعها .

*من العلامات الصغرى التي أخبر بها الحديث:

1-أنه ستحدث أمور عظيمة لم تكن تخطر على البال.

2-أنه ستستخرج معادن كثيرة على غير أيدي المسلمين.

3-أن المساكن ستتزين وتطال.

4-وأن أجزاء الأرض ستتقارب.

5-وأن الإبل لن تستخدم للسفر، وسيركب الناس على مياثر ينزلون بها على أبواب المساجد ، وأن سرعة سير الدجال في الأرض ستكون كسرعة سير السحب.

6-وأن السباع ستكلم الإنس وأن الجماد سينطق.

7-وأنه ستكون نهضة علمية مع جهل بالدين.

8-وأن الحركة التجارية ستتسع ويزيد دخل الفرد.

9-وأن النساء ستتبرج.

10-وأن النساء ستتشبه بالرجال وأن الرجال سيتشبهون بالنساء.

11-وأنه سيكثر شرب الخمر كما سيكثر الزنا .

12-وأن الناس سيكرهون تربية أولادهم يحبون تربية الكلاب .

13-وأن الناس سيأكلون الربا ويصيبهم من غباره .

14-وأنه سيأتي جيل يحيي بعضه بعضاً بالتلاعن .

15-وأنه سيظهر شياطين تقرأ على الناس كتاباً بالقرآن.

16-وأنه سيختلف الأخوان في الدين.

17-وأنه سيكثر الموت بالسكتة القلبية .

18-وأنه سيكثر القتل.

19-وأن الناس سيحسنون القول ويسيئون العمل.

20-وأن السيف سيعطل من الجهاد.

21-وأن الفتن ستكثر .

22-ولا تزال طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الحق ظاهرين – أجر المتمسك بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم كأجر شهيد عند بدء الفساد، وكأجر مائة شهيد عندما يبلغ أقصاه.

23-وأن اليهود سيقاتلون المسلمين وسينصر الله المسلمين عليهم، وأن الدجال سيظهر في اليهود، وأن عيسى عليه السلام سينزل في المسلمين ، وسيقتل المسيح حق المسيح الدجال وأن معارك ستدور بين المسلمين والدجال على نهر الأردن ، المسلمون شرقيه واليهود غربيه.

*هناك حكمة من ذكر علامات الساعة:

1-تقوية استعداد المسلم للقاء ربه.

2-تأكيد الإيمان بأن الله حق وأن الساعة لا ريب فيها، ودليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

3-يعطى المؤمن ثباتاً أمام الفتن الهوجاء.

4-دراستها جزء من الدين، لأنها آيات قرآنية، وأحاديث نبوية.

*لقد ظهر العلماء الذين دونوا الأحاديث الواردة هنا بين عام 64 وعام 571، ولا يعقل أن يعلموا الغيب بما هو كائن هذا الزمان، إلى جانب أنهم أكثر الناس خوفاً من الله إن هم افتروا على رسوله صلى الله عليه وسلم الكذب ، وما اشتهروا إلا بحرصهم على جميع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 أدلة الإيمان باليوم الآخر

 

1-إخبار الله به:

إن الذي خلق الناس، وجاء بهم إلى الدنيا جيلاً بعد جيل، وأخرجهم منها أمة بعد أمة، قد بين للناس حقيقة أمرهم، بواسطة رسل أيدهم بالمعجزات حتى لا يكذبهم أحد، فبين الله لعباده أنه قد قضى أن يستخلفهم في الأرض، ليعلموا فيها بما يأمرهم، وينتهوا عما ينهاهم ، فتظهر بذلك طاعتهم من معصيتهم ، فمن أطاع ربه فقد استحق الثواب، ومن تكبر وعصى فقد استحق العقاب. ولم يخلق الله الدنيا لتكون دار الجزاء فقد خلق داراً للجزاء هي الدار الآخرة.

وإذا كانت الولادة هي الطريق إلى الدنيا، فقد جعل الله الموت هو الطريق إلى الدار الآخرة. وهناك يتم الجزاء وتوفى كل نفس بما كسبت.

قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾[آل عمران: 185].

2-لا معنى للوجود الإنساني بدونه:

إذا كان كل جزء من أجزاء السيارة، أو الطيارة، أو القلم قد صنع لحكمة فلا شك أن كل أجزاء السيارة وكل أجزاء الطائرة وكل أجزاء السيارة وكل أجزاء الطائرة وكل أجزاء القلم قد صنعت لحكم، ومن الجهالة الكبرى أن يظن إنسان أن السيارة أو الطيارة أو القلم قد صنعت عبثاً ولغير حكمة . في الوقت الذي يؤمن بأن كل جزء من أجزاء السيارة أو الطائرة أو القلم قد صنع لحكمة ، والإنسان ما من جزء فيه أو خلية أو عرق إلا وقد خلق لحكمة، ولا شك أن الإنسان بأجمعه إذن قد خلق لحكمة ولم يخلق عبثاً ، وإذا قصرنا أنظارنا على الحياة الدنيا للإنسان فإنا لن نجد معنى أبداً لحياة الإنسان ووجوده أبداً. لأننا سنجد الموت يقضي على كل حكمة ، نتوهمها لتفسير وجود إنسان على الأرض، سيقول واهم: لقد خلق الإنسان لتحقيق الحياة السعيدة، أو يقول: لقد خلق الإنسان للصراع من أجل الحياة ونقول له : فلماذا يموت وهو لا يزال يصارع؟ أو يقول: لقد خلق الإنسان ليتمتع باللذات ونقول له: فلماذا يموت؟ وكل ما توهم الإنسان حكمة لحياته سيجد أن الموت يقضي على كل ما توهم .

ولقد أصبح كثير من الفلاسفة في حيرة كبرى ، دفعت بهم إلى إنكار الحكمة من وجود الإنسان على الأرض ذلك لأنهم كما قال تعالى : ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾[الروم:7] .

فأصبح حالهم كحال من اقتصر على حياة الطفل في بطن أمه فقط، رأي أن نطفة صغيرة قد دخلت الرحم، وأخذت تنمو وتتكون منها الأجهزة المختلفة المحكمة والأعضاء المتوازنة السوية، رأي العين تتكون فلم يجد لوجودها داخل الرحم معنى، وشاهد الرئتين فلم يجد لهما قيمة ، ورأي اليدين والقدمين تسويان فظن ذلك كله عبثاً ، وزاد في حيرته أنه وجد الطفل بعد أن كمل تكوينه خرج إلى حيث لا يدري . إن كل عاقل يرى أن الإنسان لم يخلق عبثاً ولا أن يكون قد خلق إلا لحكمة ولكنه إذا قصر نظره على الحياة الدنيا فلم يجد له حكمة أو معنى، إذن لا بد من حياة أخرى تتم الحياة الأولى وتعطي للوجود الإنسان قيمته ومعناه، إذن فقد صدقت شواهد الحياة ما قاله المرسلون تماماً كما ترى نصف سيارة أو نصف طيارة ، أو نصف أي آلة من الآلات وتحاول أن تعرف الحكمة من ذلك النصف من الآلة قد صنع عبثاً إلا أنك لن تعرف الحكمة من نصف آلة فقط ولن يظهر لها معنى، وستجزم بأن لهذا النصف نصفاً آخر يتممه ويكلمه ويعطيه المعنى الذي صنع من أجله. وكذلك أمر الحياة الأولى والحياة الأخرى لا يظهر معنى للوجود الإنساني إلا بالإيمان بهما .

3- تحقيق لعدل الله :

إن حب العدل صفة حميدة في الإنسان ، والله خالق الإنسان ، ولا شك أنه أكمل وأعظم من مخلوقاته ، فلا شك أن الله عادل لا يشبهه أحد في عدله من مخلوقاته، وليس ما نشاهده من عدل في مخلوقات الله إلا أثر من آثار عدله سبحانه.

ونحن نشاهد أن عدل المخلوق منا يرفض التسوية بين الظالم والمظلوم والمطيع والعاصي ، والمحسن والمسيء، والقاتل والمقتول، ويبذل المخلوق جهده لإقامة العدل ـ كما يراه الناس ـ في بلادهم.

وهنا يأتي السؤال: وأين العدل الإلهي؟ لماذا يعاقب المسيء ويثيب المحسن؟ ولن نجد أمامنا إلا أحد أمرين:

1-إما أن نفتري كذباً وباطلاً ونقول ـ أستغفر الله ـ إن عدل المخلوق أكمل من عدل خالقه.

2-وإما أن نقول كما قال المرسلون : إن عدل الله قائم في الدنيا بإعطاء المهلة الكافية للإنسان، ثم ينقله إلى دار الجزاء حيث يكون الحساب على كل صغيرة وكبيرة وإن تك مثقال ذرة ، وواضح أن الجواب الأول يخالف العقل والمنطق لما بقي مع العقل إلا أن يقول بما قال به رسل الله .

قال تعالى :﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾[الجاثية:21] .﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا ﴾[آخر سورة فاطر]. ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى(134)قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى﴾[طه: 134-135] .

4-إقامة للحق :

إن الله سبحانه قد خلق كل شيء بالحق، وأقام السموات والأرض بالحق، فما تجد ذرة من الذرات إلا وقد خلقها الله بحجمها الصحيح ووزنها الصحيح وقدرها الصحيح في مكانها الصحيح، وكذلك كل جزء من أجزاء الكون إلا حياة الإنسان في الدنيا فإنك تجد الصالح في غير مكانه اللائق به، وتجد الفاسد في غير مكانه الذي يستحقه، إن ملاحظة وضع الأمور بالحق صغيرها وكبيرها يجعل العقول ترجع بل تؤمن بأن الله ما ضيع الحق في حياة الناس ، ولكن كما قال المرسلون بأن للحق في حياة الإنسان يوماً خاصاً هو اليوم الآخر .

قال تعالى :﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الجاثية: 22] .

5- إكمال لحاجات كيان الإنسان:

لقد خلق الله كل جزء من أجزاء الإنسان، وخلق له ما يكفيه : خلق القلب وخلق له من الدماء ما تكفيه ، وخلق المعدة وخلق لها من الطعام ما يكفيها ، وخلق العين ، وخلق لها من الضوء ما يكفيها وهكذا .

ولا نجد شيئاً في الإنسان ليس له ما يكفيه إلا تلك الآمال الواسعة فإنه لا يكفيها من العمر إلا الخلود، ولا يكفيها من الحاجات إلا أن تحصل على كل ما تشتهي ، وإذا رأينا الحياة الدنيا لم نجد فيها الكفاية لهذا الجانب الهام من كيان الإنسان ، فلماذا خلقت الآمال والواسعة في الإنسان إذن؟! وما يكفيها؟!

إذا رأيت آلة من الآلات قد جهزت مستلزماتها، ثم وجدت فتحة كبيرة في هذه الآلة فلا شك أنك ستقول : إن صانع هذه الآلة صانع حكيم ولا يمكن أن يكون قد صنع هذه الفتحة عبثاً وإذا كنت شاهداً أنها بحاجة إلى غطاء فلا شك أن الصانع قد صنع لها غطاء وإذا كان غير موجد الآن فربما كان في مكان آخر ، وإذا لم يأت من الصانع إلا هذا فالراجع عقلاً أن الغطاء سوف يأتي وربما تأخر في الطريق .

وهل يبقى لك شك إذا وصلتك رسالة من الصانع تخبرك بالغطاء ، وأنه سيأتي إليك؟ هل يبقى في قلبك شك؟

قال تعالى :﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾[الكهف:46] .

وقال تعالى : ﴿ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾[الأنبياء:102] .

6- الاحتفاظ بالأعمال للنظر فيها :

لقد ثبت أخيراً ثبوتاً قاطعاً أنه من صوت من الأصوات، ولا عمل من الأعمال، ولا حركة من الحركات ، إلا وهي مسجلة في سجل الكون، ومدونة في كتاب الوجود ، فليس شيء منها ضائعاً ولا يمكن لشيء منها أن يزول. ولقد صنعت آلة تصوير حديثة تمكن بها الباحثون أن يصوروا أحداثاً بعد ساعة من وقوعها ولقد جاء في تفسير قوله تعالى :﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(1)وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(2)وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا(3)يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا(4)بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا(5)يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ(6)فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾[سورة الزلزلة] .

عن أبي هريرة رضي الله عنه : (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾فقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم . قال : فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها: أن تقول: عمل كذا وكذا قال : فهذه أخبارها[42].

وإذا كان الباحثون في هذا الزمان قد اكتشفوا أن كل عمل محفوظ مسجل على صفحة الوجود، فلماذا سجلت الأعمال إذن؟ ألا تجد العقول جواباً إلا أن تقول سجلت الأعمال لإعادة عرضها ولكنا لا نرى الإعادة في الدنيا! إذاً لا بد أن العرض سيكون بعد هذه الحياة كما نطق الكتاب وقال المرسلون .

حقيقة الحياة الدنيا

 

الإنسان خليفة:

إذا تأمل الإنسان في مكانته على الأرض وجد أنه المخلوق الذي غلب غيره من المخلوقات، ووجد أنه لم يخلق شيئاً من هذه المخلوقات التي يتصرف فيها كيفما شاء ، بل سيجد بتفكره أن الإمكانيات التي تمكن بها من أن يستخدم غيره ليست من خلقه ، فالعين التي يبصر بها ، واليد التي يعمل بها ، والقدم التي يتحرك بها ، والأذن التي يتعلم ويسمع بها والعقل الذي يفكر به ، والأعضاء المختلفة التي تحافظ على حياة الإنسان ، وهو بأكمله ليس من خلق نفسه وليس الإنسان بمالك لشيء من نفسه ولا لشيء من المخلوقات التي ينتفع بها ويسخرها لمصالحه فيكف تأتي للإنسان أن يتصرف فيما لا يملك؟!

ولا نجد جواباً لهذا السؤال إلا أن الخالق للإنسان والمخلوقات هو الله سبحانه وتعالى قد اختار الإنسان لدور الخلافة فسخر له المخلوقات وأعطاه إمكانيات تمكن بها من استخلاف غيره وتسخيرها.

الحكمة من الاستخلاف :

لا تكون الحكمة من الاستخلاف إلا أن يعمل المستخلف ما يريد صاحب الملك ، وهكذا فالحكمة من وجود الإنسان على الأرض واستخلافه عليها ليس إلا أن يعمل الإنسان ما يريد الخالق الذي خلقه في الأرض واستخلفه عليها . وطاعة الإنسان لربه هي العبادة :

قال تعالى :﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِي(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾[الذاريات: 56-58] .

امتحان الطاعة :

وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة لله سبحانه وتعالى فإن هذه الحياة الدنيا ليست إلا امتحاناً لهذه الطاعة فقد اقتضت حكمة الله أن تكون الدنيا دار اختبار للطاعة، والآخرة دار الجزاء، والموت انتقال من دار العمل إلى دار الجزاء.

قال تعالى :﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1)الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾[الملك :1، 2].وقال تعالى : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا(7)وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴾[الكهف: 7، 8] .

وقال تعالى : ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾[العنكبوت:2، 3] .وعلم الله هو علم الوقوع ، فالله يعلم كل شيء سبحانه ولا يريد أن يحاسبنا إلا بعمل وقع منا بالفعل ، وشهد به سمعنا وأبصارنا والملائكة وهذه الأرض التي تحملنا فلا يكون هناك عذر لأحد.

الامتحان بالشدائد:

إذن لا بد من امتحان الخليفة ليظهر المطيع من العاصي ، وهناك يأتي الامتحان الأول بالشدائد ويحتسب ذلك في سبيل الله ويحاول دفع الشر والأذى ، ولكن دون أن يرتكب معصية أو يستحل حراماً أو يحرم حلالاً ، فيظهر بذلك صدق إيمانه، وإذا كان منافقاً فإنه لن يحتمل الشدائد أو يصبر ويحتسب ذلك لله ، بل تراه ضائقاً بقدر الله ساخطاً يحاول التخلص مما هو به ولو بارتكاب المعاصي، فيظهر بذلك نفاقه أو كفره .قال تعالى :﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾[البقرة: 155].وقال تعالى : ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾[الأنبياء: 35] .

الامتحان بالخير :قال تعالى : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾[العاديات: 8] .

فالامتحان بالخيرات أشد من الامتحان بالشدائد ، ولا يظهر صدق الإيمان إلا بتقلب أحوال الناس بين الخير والشر.

قال تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾[آل عمران: 140] .

فالامتحان بالخير هو أن يبسط الله على عبده ما يشاء منا لنعم ، ليرى هل يشعر أنه مستغن بالنعم عن خالقه؟ فينسى ربه ويركن إلى النعم فيصرف همه إليها بدلاً عن ربها ، فيطغى في الأرض ولا يصبر على عبادة الله ولا ينفق هذه النعم في سبيل الله، ولذلك كان تقليب أحوال الناس بين الخير والشر هو المحك الصادق لصدق الإيمان.

قال تعالى : ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾[الجن: 16، 17] .

فالإنسان في فتنة وامتحان طوال حياته على الأرض حتى يموت وينتقل إلى دار الجزاء . وإن أشد الامتحان هو الامتحان بالخيرات .قال تعالى : ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى(6)أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾[العلق: 6-7] .

ولكن المؤمن القوي لا يزلزله الامتحان بالشدائد ، كما أنه لا يطغيه الامتحان بالخير.

تذكر من نسي لعله يرجع :

فإذا بدأ الناس ينسون ما جاءهم من ربهم وأخذوا يرتكبون المعاصي سلط الله عليهم الفساد ـ والشدائد لتذكيرهم بربهم وتنبههم من غفلتهم لعلهم يرجعون إلى الله تعالى . ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41] .

الأخذ بغتة بعد فتح أبواب كل شيء :

أما إذا طغى النسيان لما جاء من عند الله وزاد الكفر ، فإن العقوبة تكون بأن يفتح الله لهؤلاء الغافلين أبواب كل شيء ثم يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون .قال تعالى :﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾[الأنعام: 44].

الموت انتقال إلى دار الجزاء :

ويأتي الموت ، وتنتهي حياة الناس جيلاً بعد جيل ، وما الموت إلا خروج من دار العمل ودخول إلى دار الجزاء .

قال تعالى : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾[آل عمران : 185] .

وهكذا ندخل في الدنيا عرايا لا نملك شيئاً ، فنملك ونعطى ويستخلفنا الله ويخولنا ما شاء لأجل معلوم. ومدة محدودة ليمتحن المطيع من المعاصي: ثم يأتي الموت ويسترد الله ودائعه، ونخرج من الدنيا كما دخلنا فيها ولكن بعد أن تميز الخبيث من الطيب، وظهر المطيع من المعاصي ، والمؤمن من الكافر والمنافق ليجد كل جزاء عمله وثمرة سعيه .

قال تعالى :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾[الأنعام: 94] .

الخلاصة :

إن الذي خلق الناس وجاء بهم إلى الدنيا قد بين لهم حقيقة أمرهم بواسطة رسل أيدهم بالمعجزات ، وبين لهم أنه لم يخلقهم عبثاً، فما من جزء من الإنسان أو خيله أو عرق فيه إلا وقد خلق لحكمة، ولا شك إذن أن الإنسان بأجمعه قد خلق لحكمة ولم يخلق عبثاً ، والحكمة هي استخلافهم في الأرض لعبادة خالقهم فيعملون فيها بما يأمرهم، وينتهون عما ينهاهم فمن أطاع خالقه فقد استحق الثوابت ، ومن تكبر عصى فقد استحق العقاب وليست الدنيا دار الجزاء وإنما هي الدار الأخرى ، وإذا كانت الولادة هي الطريق إلى الدنيا فقد جعل الله الموت هو الطريق إلى الأخرى ليتم الجزاء على ما عمل ، وكل الأعمال محفوظة ، ولقد ثبت أخيراً أنه ما من صوت من الأصوات ولا عمل من الأعمال ولا حركة من الحركات إلا وهي مسجلة في سجل الكون ومدونة في كتاب الوجود.

قال تعالى :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾[الزلزلة : 4-6] .

وقد جعل الله للإنسان مهلة كافية في هذه الدنيا عدلاً منه ورحمة .

وإذا كانت الحكمة من خلق الإنسان هي العبادة فإن هذه الحياة ليست إلا امتحاناً ، وقد يمتحن الله عباده بالشدائد ليظهر بذلك صدق الإيمان فالمريض يصبر ويحتسب ذلك لله .

وقد يمتحنهم بالخير وهو أشد من الامتحان بالشدائد ، ولكن المؤمن لا يزلزله الامتحان بالشدائد كما أنه لا يطغيه الامتحان بالخير .

ويأتي الموت وهو الخروج من دار العمل ، ودخول إلى دار الجزاء ، وكما دخلنا الدنيا فرادى لا نملك شيئاً ، كذلك نخرج منها

قال تعالى :﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾[الأنعام: 94] .﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[الصافات: 180-182] .

 

الدين وأهميته

 

ما هو الدين ؟

الدين هو الطريق والمنهج[43].

قال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[التوبة: 33] .

وقال تعالى :﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف : 108] .

ويفهم من هاتين الآيتين وغيرهما أن القرآن يريد من لفظ (دين): طريقة ومنهج الحياة الإنسانية الفكرية والعلمية .

هل الدين ضروري للبشرية؟

إن أي عمل من الإنسان العاقل لا بد أن يسبقه رأي فكرة عقيدة تحدد له الهدف من عمله، وتصور له خطوات عمله قبل مباشرة العمل . ولو أراد الإنسان أن يعمل عملاً بدون رأي سابق أو عقيدة تحدد الهدف من العمل وطريقة فعله، لكان الفاعل من زمرة المجانين أو السكارى الذين يعبثون بأفعالهم فتكون أفعالاً لا جدوى منها ولا هدف لها ، وفيها يضيع كل ما استخدام لها . هذا بغض النظر عما إذا الرأي أو العقيدة السابقة للفعل صحيحة أم باطلة . المهم أن تعرف أن العقيدة أو الرأي أو النية تسبق الفعل وتحدد الهدف منه وطريقة فعله . وإذا كان سير الفلك والشمس والقمر والليل والنهار والرياح والسحب والمطر ونمو النبات وحركة الحيوان يتم بطريقة آلية منظمة لا دخل لهذه المخلوقات فيها ، أو بطريقة غريزية محددة توجه سير الحيوان، فإن الله قد جعل العقيدة أو الرأي أو النية هي المحدودة لسير الإنسان وسعيه ، قال عليه الصلاة والسلام : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)[44].ولما كانت أعمال الإنسان كثيرة ومتشيعة في ميادين شتى ، فإن الإنسان بحاجة ماسة إلى خطة فكرية (عقيدة) عامة تربط بين جميع أعماله وتنسقها ونجعلها متعاونة متساندة تصب في نقطة واحدة، وتلتقي عند هدف واحد هو الهدف العام من وجود الإنسان على هذه الحياة. أي أنه بغير طريقة عامة ، ومنهج عام يحدد سير الإنسان على هذه الحياة . أي أنه بغير طريقة عامة ، ومنهج عام يحدد سير الإنسان وينظم مساعيه تذهب أعمال الإنسان سدى . وتتصادم تصرفاته وأفعاله ، وتضيع كل جهوده، معنى هذا أن (الدين) ـ الطريقة والمنهج ـ ضروري للإنسان ولا غنى له عنه .

الدين القيم :

ويجب أن تتوفر في الدين ـ الطريقة والمنهج ـ الصالح الذي يفي بحاجات البشر عدة شروط:

أولاً : أن يكون وضعة وصاحبه على علم بالحكمة من خلق الإنسان على هذه الأرض ، وأن يحدد هذا الدين : الهدف العام من حياة الإنسان على وجه الأرض ، وأن يحدد دور الإنسان ومكانته ومنزلته في هذا الكون.

وبدون تحديد للهدف العام من حياة الإنسان الذي تنخرط تحته كل الأهداف الفرعية لشتى جوانب حياة الإنسان ، والذي ينسق بين هذه الجوانب المختلفة ، ويربط بينها ، ويدعم بعضها ببعض، بدون ذلك الهدف تصبح حياة الإنسان كحياة حكومة مفككة الوزارات ، لا يربطها رابط أو كسيارة مفككة الأجزاء تعمل كل قطعة وحدها ، لا تجدي ، ولا تنفع وبغير معرفة للهدف العام من حياة الإنسان يحيا الإنسان حائراً ، تائهاً ، ضائعاً ملفوفاً بظلمات حالكة ، يعمل ، ويشقى ، ويكدح ، وهو لا يدري لماذا؟

ثانياً : أن يكون واضع هذا الدين وصاحبه ، عارفاً وعالماً بكل صغيرة وكبيرة تتعلق بشتى مجالات الحياة الإنسانية المختلفة ، حتى يتمكن من وضع دين شامل لكل جوانب الحياة البشرية والروحية ، والفكرية ، والخلقية ، والسياسة ، والاقتصادية ، والحربية ، والقانونية ، والعائلية، والشخصية ، ذلك لأن الحياة الإنسانية نتيجة للتفاعل القائم بين هذه الجوانب المتفرعة في الكيان الإنساني ، ولأن الحياة الإنسانية ترتبط أجزاؤها ارتباطاً وثيقاً ، وتلتصق كل ناحية بالأخرى التصاقاً تاماً لا ينقطع ، ولا ينفعل ، وثؤثر كل جانب على الجانب الآخر ويتأثر به ، ويربط هذه النواحي جميعاً دم واحد، وتدب في أوصالها جميعاً حياة واحدة ، هي الحياة الإنسانية وارتباط الحياة الإنسانية كارتباط أجزاء الجسم المختلفة بعضها ببعض .

وإذا سلخنا جانباً من هذه الجوانب أو تناسيناه كان ذلك سلخاً لجزء من الكيان الإنساني أو تناسياً له ، وتشويهاً للحياة البشرية .

ولو أخذنا بدين سينظم الحياة الاقتصادية فقط ( لأنه ينظر للإنسان كمعدة جائعة فقط) نكون بهذا قد حاولنا إلغاء الجوانب الأخرى من الحياة الإنسانية ، وشوهنا الفطرة البشرية ونكون كمن يحاول الإبقاء على المعدة في الإنسان مع إلغاء باقي أجهزة الجسم المختلفة ولا بد أن يأتي يوم تصدمنا الفطرة البشرية ، التي لا يلائمها هذا الدين المبتور ، فإن لكل من الحياة السياسية ، والاجتماعية والسياسية ، والخلقية ، والفكرية والروحية ، والقانونية ، أثراً هاماً في غيرها وأثراً أيضاً في الناحية الاقتصادية : الفردية والجماعية .

ثالثاً : أن يكون الدين ثابتاً يحيط بعلاج السلوك البشري، ولا تقلبه الأحداث اليومية ، وأن يكون مرناً يتلاءم مع كل ما يمكن أن يطرأ في حياة البشر. فلا يضطر الناس إلى تبديل دينهم في كل يوم ، أو في كل عام ، ولن يكون للدين صفة المرونة والثبات إلا بأحد أمرين :

1-أن تكون قواعده وأحكامه متعلقة بالفطرة البشرية والخلقية الإنسانية الثابتة التي لم تتغير ولم تتبدل ، فالحكمة من أنف آدم عليه السلام لا تزال هي نفس الحكمة من أنفك ، وهي نفس الحكمة من أنف أي إنسان في أي زمان وفي أي مكان ، وكذلك كل جزء من أجزاء جسمك ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ..﴾.

فالإنسان في الهند ، أو الصين أو أوربا ، أو أمريكا ، هو نفس الإنسان في البلاد العربية في تركيبه الجسدي وتكوينه الفطري ، وهو نفس الإنسان في زمن الفراعنة ، وفي زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي يومنا هذا ، فإذا كانت أحكام الدين متعلقة بإصلاح الفطرة البشرية ـ والخلقة الإنسانية التي لم تتغير ولا تتغير ـ فإن هذا الدين تكون له صفة الثبات ما بقيت تلك الخلقة ثابتة .

2-أن يكون مصوغاً في قواعد عامة ـ إجمالية ـ في الأمور التي تختلف صورها ، وتتبدل أشكالها، حتى يكون مناسباً مطبقاً ، على كل صورة من صور الأوضاع الإنسانية ، التي تتغير باختلاف الزمان أو المكان .

رابعاً : أن يكون واضع هذا الدين وصاحبه على علم كامل بدخائل النفوس البشرية، التي تحرك الحياة وتدفعها، والتي حيرت العلماء الفلاسفة ، فاختلفوا في أمرها ، واتفقوا جميعاً على صعوبة فهم أحوالها، أو يتحتم على واضع الدين للإنسان أن يكون على علم دقيق بكل ما يؤثر في النفس البشرية من عوامل الإصلاح أو الفساد .

خامساً : أن تكون لهذا الدين من الحوافز ما يكفي لحمل الناس على تنفيذه والخوف من مخالفته ، إذ لا معنى لدين لا ينفذ أو يطبق .

عجز البشر عن وضع الدين القيم :

وإذا تأملنا في الشروط الضرورية السابقة اللازمة لوجود الدين القيم ـ الذي ينظم الحياة البشرية ، ويهدي الإنسانية في مسالك حياتها المتشعبة المترابطة المعقدة ، والذي لا غنى للإنسانية عنه ـ وجدنا أن الإنسان لا يقدر على اصطناع دين لنفسه للأسباب الآتية :

1-أن الهدف العام الذي خلق الإنسان من أجله ، والذي ترتبط به كل شعوب الحياة، وتستمد وجودها ومعناها منه ، وأن الهدف العام لخلق هذه الأجيال البشرية المتعاقبة ، لا يمكن للإنسان أن يحيط به ، أو يدركه وحده ، فلا يعلم ذلك إلا خالق الإنسان ، وإذاً فكل دين أرضي لا بد أن يكون وحده، فلا يعلم ذلك إلا خالق الإنسان . وإذاً فكل دين أرضي لا بد أن يكون خالياً عن الهدف العام لحياة الإنسان ، أو به خطأ ، وبذلك تبقى الحياة الإنسانية أوصالاً مفرقة . كل ناحية منها تعمل في ميدان ، كأجزاء تلك السيارة المبعثرة المفرقة التي يعمل كل منها على حدة دون ربط أو تنسيق أو معنى أو فائدة عامة .

2-إن علم الإنسان بنفسه ناقص ، وهو يزداد يوماً بعد يوم، كما أنه لا يوجد شخص من الناس, أو جماعة منهم تدعى أنهم قد أحاطوا علماً بدخائل النفوس البشرية ، ودقائق تركيبها ، وسنن نشاطها المتعددة والمتنوعة ، وعلاقة فروع الحياة بعضها ببعض ، وقيمة كل فرع وأهميته وما يناسبه من العمل ، لأن ذلك يقتضي معرفة بأدق أسرار خلق الإنسان وتكوينه . وذلك ما لم تصل إليه العلوم البشرية مجتمعة . فالقادة لشتى هذه العلوم يقولون: عرفنا أشياء ، وغابت عنا أشياء وكل يوم علمنا يزداد . ولا يزال علماء النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد ، وغيرهم في خلاف شديد، وتباين بعيد حول هذه الموضوعات المعقدة ، فإلى متى يجب أن ينتظر الناس ، حتى يحيطوا علماً بكل ما يتصل بحياتهم من ذات أنفسهم حتى يتمكنوا من وضع (الدين القيم) التي تسعد به حياتهم؟ ألا ليت الناس عرفوا الطريق القريب السهل إلى ذلك ، ووفروا على أنفسهم مشقات الضلال والإضلال . ونتائج قصور علمهم وجهالتهم . وتوجهوا إلى خالقهم ، الذي يعرف كل أمر من أمورهم، وكل صغيرة وكبيرة في تكوينهم فيهتدوا إلى الصراط المستقيم.

3- ولجهل البشر بفطرتهم ، فهم يجهلون كيف سيسلك البشر غداً عند تبدل الأحوال ، ودخول عوامل جديدة في ميادين الحياة؟ فالإنسان لا يستطيع أن يضع ديناً ثابتاً مستقراً ، شاملاً، مرناً يلائم ظروف الحياة المتجددة ، فكل ما يقدر عليه الإنسان أن يضع بعض النظريات القاصرة، ويدعو الناس لتجربتها مدة من الزمن لحين ظهور أحطائها عندئذ تقوم دعوة بالإصلاح لذلك الخطأ لتدخل في تجربة جديدة وأخطاء جديدة. وهكذا تعيش الشعوب تحت التجارب كأنها حيوانات تقام عليها التجارب ، وترصد النتائج ، وما من تجربة إلا ولها أخطاؤها، والشعوب هي التي تتحمل الأخطاء ، وتذهب ضحية لذلك القصور في علم البشر .﴿قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾[يونس: 35] .

وإذا كان البشر عاجزين عن وضع الدين القيم فمن إذاً يضع لهم هذا الدين الذي لا غنى لهم عنه؟

لا شك أن صاحب الحق الوحيد في هذا الأمر ، هو الخالق سبحانه لبني الإنسان. فالهدف العام من حياة البشر ، هو إرادة تخص الخالق وحكمة في علمه سبحانه ، لا يعلمها أحد إلا بتعليم منه سبحانه. فالحكمة من أي مصنوع إنما تعلم بإرشاد من صانعه ، قال تعالى :﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك: 14] .وقال تعالى : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾[البقرة: 255] .وقال تعالى :﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾[الأعراف: 54] .

والله وحده الذي يحيط علماً بدقائق خلق الإنسان وكل ما يتصل به ، قال تعالى : ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾[النجم: 32] .ويسخر القرآن بأولئك (المتعالمين) قائلاً : ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾[البقرة: 140] .ويقول سبحانه : ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ(7)أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾[التين: 7، 8] .

وإذاً فربما  أعلم بما يصلحنا ، وبما يضرنا ، وبما يسعدنا ، وبما يشقينا . الحق إذن أن يكون الخالق هو الذي يصنع الدين ويرسم حدود المنهج والطريق الذي يجب أن يسير عليه الإنسان . وكل الناس يسلمون بهذا الحق : حق الهداية والتوجيه لكل صاحب صنعة ، فالناس يخضعون ويستسلمون لكل إرشاد يأتيهم من صانع أي آلة . كما أن صانع الآلة هو مرجعهم عند حدوث أي خلل وفساد في آلته التي صنعها .

فكيف تغفل البشرية أو تتناسى أن الخالق وحده هو الذي يقدر على إرشاد الخلق إلى طرق الصلاح؟!

ثم أليس الخالق هو المالك لكل ما نستخدمه ونتصرف فيه؟ فكيف يحق لنا أن نتصرف فيما لا نملكه بدون إذن مالكه؟ إن مالك السموات والأرض، إن الذي خضعت له الكائنات في الأرض والسموات واستلمت لأمره ، وسارت تحت مشيئته أدق أعمال أجسامنا لا شك أنه الأولى بالاتباع والطاعة ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾[آل عمران: 83] ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[الحجرات: 16] .

الدين والفطرة :

إن أي صانع مصنوعه ، إلا بعد تحديد الحكمة منه ، ووظيفة كل جزء منه وطريقة عمله ، ومنهج سير هذه الأجزاء ، فيأتي الصنع وفقاً للمنهج والخطة، فإذا أراد شخص تعديلاً في المنهج لابد أن يصحبه تعديل في الصنع والتركيب ، لأن الصنع الأول كان مطابقاً للمنهج الأول ، وإلا لا بد من حدوث الخلل والفساد في المصنوع ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾.

فالله سبحانه ما خلق الإنسان إلا لإرادة قد حددها ، ومنهج يسير عليه ، ويعمل وفقاً له ، ذلك هو (الدين) الذي خلق الإنسان طبقاً له ، وتبعاً له ولا يستقر حال الإنسان ما لم يسر على أحكام الدين وهداه ، لأن دين الخلق والفطرة . ومن أراد تغييراً في الدين وهداه ، لأنه دين خلق الله لكي يكون الخلق جديداً مطابقاً للتبديل الجديد ولقد قال (هارولد لاسكي) أحد كبار المفكرين البريطانيين في أحد كتبه : إن علينا أن نخلق إنساناً إذا أردنا أن نشرع له . وصدق الله العظيم القائل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الروم: 30] .

الإسلام دين الفطرة :

مما سبق نعرف أنه لا طريق لمعرفة الدين الحق إلا أن يكون وحياً من عند الله . فهل قد جاء ذلك الوحي؟

الجواب يعرفه كل إنسان ، فالأغلبية من سكان الأرض يتبعون واحداً من هؤلاء المرسلين بالدين من الله ، بغض النظر عن التحريف والتبديل الذي حدث في هذه الأديان .

ونحن من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم نقول للبشرية : إن دينكم الذي يصلح أمركم ، ويسعدكم في الدنيا والآخرة قد حمله إلى الناس آخر الأنبياء ،و خاتم المرسلين (محمد عليه الصلاة والسلام) وهو لدينا سليم من كل تحريف ، وإن براهين صدق محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ في نبوته ورسالته لم تنقض بموته وإنما هي باقية ظاهرة إلى يومنا هذا لمن شاء أن يهتدي

وديننا الإسلامي هو دين الفطرة الذي اشتمل على الهدف العام في هذه الحياة ، وهو أن يكون الإنسان خليفة ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[البقرة:3] يعمر الأرض ويبنيها ويتصرف بما أودع الله فيها ، وهو في مدة هذا الاستخلاف يقضي فترة الامتحان لتمحيص طاعته لربه في معصيته، وهل سيستخلف الأرض وفقاً لما يأتيه من أمر وهدى من خالقه؟ ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة: 38-39] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا...﴾[الكهف:7] وأن هذه الدنيا دار مهملة وعمل ومقدمة تتبعها نتائجها في حياة أخرى هي دار الجزاء على ما قدم الناس من أعمال في الدار الأولى . وقد اشتمل هذا المبدأ على سائر المبادئ فأصبح سعي المسلم وحياته مرتبطين بهدف واحد هو : عبادة الله بفعل الصالحات في الدنيا لينجو من العذاب ويفوز بالجنة في حياته الأخرى.

وديننا شامل لكل نواحي الحياة ، حتى إنه ليعلم أهله كيف يدخلون الخلاء[45] وديننا مرن متعلق بالفطرة البشرية التي كان خلق الإنسان طبقاً لأحكامها ، لأنه من لدن الخالق سبحانه . كما أنه قد أجمل أحكام ما يتغير باختلاف الزمان والمكان. وفصل أحكام العبادات التي لا تتغير بتغير الزمان أو المكان. وحسبنا أن شريعتنا الإسلامية حكمت مختلف الحضارات في مختلف البلدان والأزمان طوال مئات السنين ، ولم توجد مشكلة إلا ووجد لها حل في شريعتنا الإلهية الثابتة المرنة. وهذه شهادة رجال القانون والمستشرقين في مؤتمرهم الدولي للقانون المقارن المنعقد في باريس سنة 1952م ، فلقد قالوا في قرارهم بالإجماع على اختلاف بلدانهم وأجناسهم وأديانهم قالوا: (..نظراً لما ثبت للمؤتمرين من الفائدة المحققة التي أتاحتها البحوث التي عرضت في خلال أسبوع (الفقه الإسلامي) وما دار حول هذه البحوث من مناقشات أثبتت بجلاء (أن الفقه الإسلامي) يقوم على مبادئ ذات قيمة أكيدة لا مرية في نفعها ، وأن اختلاف المبادئ في هذا الجهاز التشريعي الضخم ينطوي على ثروة من الآراء الفقهية وعلى مجموعة من الأصول الفنية البديعة التي تتيح لهذا الفقه أن يستجيب بمرونة هائلة لجميع مطالب الحياة الحديثة ؛ فإن أعضاء المؤتمر يعلنون رغبتهم في أن يظل أسبوع الفقه الإسلامي يتابع أعماله سنة فسنة ..) .وديننا الإسلامي خطته يد الرحمن الهادي العليم الخبير بدخائل النفوس ودقائق الخلق دين ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾.

وديننا الإسلامي يبعث في قلوب أتباعه أقوى حوافز العمل به ، وهو الفوز برضاء الله والجنة إلى جانب ما يملكه أي دين آخر من سلطة حكومية كما يملك أقوى مانع لمخالفته ، وهو غضب الله وعذاب النار إلى جانب معاقبة السلطة الحكومية والمجتمع المسلم .

وبهذه الخصائص العظيمة في ديننا الإسلامي ، كان دين الإسلام هو الدين القيم ، دين الفطرة ، دين الحياة الإنسانية الرفيعة ، وكم سعد الناس به طوال قرون عديدة ، وكم شقي الناس بغيره. ولقد كان المسلمون أرقى الأمم وأعزها وأسعدها بقدر ما كانوا متمسكين بدينهم .

وإذا وقر الإيمان بالله رب الدين ، سهل الخضوع لدينه ، وإذا ثبت الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ، سهل اتباع ما جاء به دون تلكؤ أو تردد ، لأنه المعصوم الذي يبلغ عن من لا يخطئ عن الله سبحانه ، وليس كعلم التوحيد علم يثبت الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

الخلاصة :

*الدين هو الطريقة والمنهج للحياة البشرية الفكرية والعلمية .

*كل عمل إنساني لا بد أن يسبقه رأي أو عقيدة تحدد الهدف منه وطريقة عمله. والأعمال المتعددة المترابطة لا بد لها من منهج ينسق بينها ويربط بين أجزائها حتى لا تتصادم أعمال الإنسان، ويلغي بعضها بعضاً وتذهب جهوده هباء. أي أنه لا بد للحياة البشرية من دين يحدد الطريق الفكري والعلمي لها . ولا يعيش بغير دين إلا المجانين أو السكارى الذين لا يعرفون ما يفعلون .

*الدين القيم هو الدين:

1-الذي يبين المكانة الحقيقية للإنسان ودوره على الأرض والحكمة من خلقه ويربط أجزاء الحياة بالهدف العام من حياة الإنسان .

2-الشامل الصادر عمن أحاط علماً بدقائق الحياة البشرية . ويضع لها نظاماً شاملاً مترابطاً يشد بعضه بعضاً ، مع تقدير كل جانب من جوانب الحياة بما يستحق دون إفراط أو تفريط .

3-أن يكون ثابتاً متعلقاً بإصلاح الفطرة البشرية الثابتة ، فلا تهزه الأحداث الطارئة كل يوم.

4-أن يصدر ممن هو على علم شامل بحقيقة التكوين البشري ، وأسرار النفس الإنسانية.

5-أن تكون له قوة تقيمه في واقع الحياة .

*البشر عاجزون عن وضع الدين الحق ؛ لأنه لا يعلم الحكمة من خلقهم  إلا خالقهم، ولأن علمهم بأنفسهم عجزوا عن وضع دين فطري ثابت ، فلجأوا إلى أجزاء تجارب تثبت الأيام أخطاءها على الدوام .

*الخالق سبحانه هو وحده رب الدين القيم ، لأنه وحده المحيط علماً بمن خلق، وأعلم بما يصلح حياتهم أو يفسدها ، وهو الذي خلقنا طبقاً لما أراده لنا من دين .

*أرسل الله المرسلين الصادقين بالدين القيم ، وأيدهم بالمعجزات ومعظم سكان الأرض أتباع لهؤلاء المرسلين الصادقين . بغض النظر عن ما طرأ على الأديان السابقة من تبديل وتحريف. ونحن ننتسب إلى دين الله ، الذي حمله إلينا خاتم الأنبياء والمرسلين وحفظه الله من كل تحريف أو تبديل.

*إن الدين الإسلامي هو الدين الحق لبني الإنسان من خالقهم الحق.

المخرج من مأزق الحضارة المعاصرة :

لقد تقدمت الحضارة المعاصرة في الجانب المادي ، وتخلفت في الجانب الإنساني.

فهي متحدة في حقائق علوم المادة في كل أنحاء العالم، وهي مختلفة ومتنوعة في حقائق العلوم الإنسانية في كل دولة وجامعة ومعهد فيما عدا المدارس الدينية الإسلامية .

وإذا كان الباحث يوجه أجهزة بحثه ليعرف حقائق ما يدور في أطراف المجرة النجمية ، وفي أعماق الأرض، وداخل جزئيات الذرة نجد أن ابنه أو ابنته قد احتار كل منهما ـ متجاهلاً لفطرته ـ ولا يدري هل يسلك سلوك الذكور أو الإناث؟!

إن الشرق يعترف للغرب بتفوقه في علوم المادة ، كما يعترف الغرب للشرق في ذلك لكن كل منهما يسفه الآخر في العلوم الإنسانية ويخطؤه .

وإذا كان الإنسان قد وصل إلى علاقة نافعة مع المادة فعرف قوانين التعامل معها بصورة رائعة، نجده قد جعل علاقته مع أخيه الإنسان علاقة صراع ونزاع.

إن البشرية تقدمت في الجانب المادي ووقعت في مأزق حرج في الجانب الإنساني ولا مخرج لها منه إلا بالإسلام .

مأزق الحضارة :

1-الاختلاف في الرأي:

إن رأي الإنسان يتوقف على خمسة عوامل :

أ ـ علم الإنسان : فإذا اختلف العلم اختلف الرأي .

ب ـ فهم الإنسان: فمن الناس من يفهم فهماً عميقاً وآخر سطحياً وثالث يفهم بعيداً وهكذا.

ج ـ أخلاق الإنسان: فرأي الكريم يختلف عن رأي اللئيم .

د ـ تجارب الإنسان: إذا زادت التجارب غيرت في الرأي .

هـ- مصلحة الإنسان : إن مصلحة الإنسان تؤثر تأثيراً كبيراً في الرأي فالأمريكي يقاتل مع أمريكا لأن مصالحه ارتبطت بهذه الدولة والروسي كذلك وهكذا .

 فإذا أردنا أن نوحد رأي الناس فعلينا أن نوحد العوامل المؤثرة في تكوين الرأي عند الإنسان فجعلهم على علم واحد وفهم واحد وخلق واحد وتجربة واحدة ومصلحة واحدة وهذا مستحيل . فمن المستحيل أن تتحد البشرية على رأي ، ما لم تعترف بأن خالق الإنسان هو صاحب العلم الشامل والإحاطة بالظاهر والباطن وأنه صاحب الصفات الكاملة والمثل الأعلى ، وحاضر مع ما كان وما يكون وما سو يكون ، وليس له مصلحة في أن ينحاز لأحد على أحد ، لأن الجميع عباده.

فلا مخرج من هذا المأزق إلا بمعرفة الله الحق الذي له هذه الصفات التي تجعله ، هو صاحب الحق في أن يدين الناس له .

وما لم يعرف الناس خالقهم فلن يخرجوا من مأزق الاختلافات ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.

ويوم أ، تلقى الناس الهدى من خالقهم اتحدت آراء الناس حول قضاياهم من أقصى المشرق في الصين إلى أطراف فرنسا في الغرب .

 2-الصراع:

لقد نشأ الصراع بسبب أن الله خلق في كل إنسان أطماعاً واسعة لا تكفي الأرض لإشباع أطماع إنسان واحد فكيف بأربعة بلايين يتزاحمون في هذه الأرض الصغيرة. فإذا أراد الإنسان إشباع طموحه ، وتحقيق رغباته فلا مفر له من الصراع وهذا هو حال الإنسان صراع بين الأحلاف، وصراع داخل الأحلاف ، وصراع بين الدول ، وصراع داخل الدول، وصراع بين الأحزاب، وصراع داخل الأحزاب وصراع بين أجنحة الأحزاب والطوائف والجماعات ، وصراع داخل تلك الأجنحة ، حتى ينتهي الصراع في البيت الواحد وبين الفرد والفرد، ولا مخرج من مأزق الصراع إلا بنزع الأطماع من فطرة الإنسان وخلقته ، أو بخلق أراضي أخرى تناسب أطماع الناس .

ومن المستحيل تغيير فطرة الإنسان وتبديلها ، كما أن من المستحيل علينا أن نشبع أطماع الناس وأهواءهم . ولا بد من الصراع إذن على المتاع القليل ، وسيكون الفوز للقوي أو المحتال.

ولا مخرج من هذا المأزق إلا بتوجيه الفطرة ، لتستقيم مع حقيقة خلقتها وحقائق الوجود ومن حولها ، وذلك بإقناع الإنسان بتلك الحقيقة التي بينها الله في أن هذه الدنيا دار ممره ، إلى الآخرة التي هي دار مقر والتي يتحقق فيها كل مطالب الإنسان من خلود ومن رغبات ولكن بشرط أن يسلك في الدنيا السلوك الذي يقوم على التعاون والرحمة والمحبة والمودة والعطف مع غيره .

 3-الظلم:

لا بد للناس من حكام، ولا بد للناس من قانون يحكمهم وإذا كانت الدنيا لا تكفي لأطماع شخص واحد ، وإذا كان الإنسان مملوءاً بالشهوة والأطماع ، إذاً فالفرصة مؤاتية أمام الحكام أن يستأثروا بأكبر قد من متاع الدنيا ، وأن يضعوا من التشريعات ما يخدم مصالحهم . فمصالح الشعب في الغرب تؤول إلى أيدي مجموعة من الرأسماليين ، ومصالح الشعب في الشرق تؤول إلى أيدي مجموعة من قادة الأحزاب ولا مفر من الظلم ، لأن الذي يحكم بين الناس هو واحد من الناس له أهواؤه وشهواته ومصالحه التي يراعيها أثناء حكمه ولا مخرج من مأزق الظلم إلا أن يأتي التشريع من الخالق العليم الحكيم الذي لا ينحاز لفئة ضد فئة ولا يميل مع الهوى سبحانه .

4-الضياع:

ومن لا يعرف حكمة خلقه هو في نظر نفسه أتفه من قصاصة الورق وأحقر من نعله ، لأن للورقة حكمة ، ولقصاصة الورق حكمة وهو لا يعرف حكمة خلقه ووجوده . ولقد حاول الإنسان أن يعرف حكمة خلقه ولكنه باء بالفشل فأنشد شاعرهم يقول :

جئت لا أعلم من أين؟ ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت ..

وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت .

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري

ولماذا لست أدري؟ لست أدري

وهذا هو لسان حال البشرية المعاصرة ، لا يعرف الإنسان فيها لماذا خلق؟ ولا يعرف لماذا لا يعرف؟

ولن يخرج الإنسان من مأزق الضياع هذا إلا إذا عرف ربه وخالقه، هو وحده سبحانه الذي يعرف الحكمة التي خلق الإنسان من أجلها . وإذا كانت الحكمة من أي جهاز تختفي في نفس صانع الجهاز وتعلم بتعليم منه ، فإن الذين لا يعرفون حكمة خلقهم جهلوا هذه الحقيقة، ولم يعرفوا أن الحكمة من خلق الإنسان قد اختفت في الخالق ولا تعلم إلا بتعليم منه سبحانه .

5-الانهيار الأخلاقي والاجتماعي :

لقد انهارت أخلاق الرجال والنساء ، حتى ظن كثير من الناس أن هذه سمة لازمة للحضارة المعاصرة لا يمكن أن تنفك عنها .. وتهدمت الأسر بكثرة الزنا والخيانات الزوجية، وانعزل الإنسان عن جاره لأنه يخشى منه على عرضه وماله؛ فيعيش الجار بجانب جاره أعواماً لا يعرفه اسمه .

وسبب الانهيار الأخلاقي يرجع إلى أن قوة الشهوة لا توقفها إلا قوة الإيمان، وبغير إيمان يتحايل الناس تحت ضغط شهواتهم على أي قانون فلا تؤدي القوانين ثمرتها الكاملة ، وسرعان ما ينكشف للناس أن القوانين قد أصبحت قيداً ضد ما وقعوا فيه من الشهوات والانحرافات ، فسرعان ما يبادروا إلى تغييرها، وجعل الانحراف أمراً مشروعاً ، وهكذا يسقطون وراء شهواتهم من هاوية إلى هاوية، حتى يباح الزنا واللواط وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ، ولا يزالون يسقطون حتى تتحطم في الإنسان قواه وتدمر فطرته وإنسانيته ومع الانحلال الخلقي يأتي الزنا، ومع الزنا تتحطم الأسر، ويتفكك المجتمع فيضيع الأطفال الضعاف بتفكك الأسرة ، ويضيع الآباء في سن الشيخوخة وضعفها لنفس السبب ، ولا مخرج للناس من هذا إلا بالإيمان الذي يكبح الشهوة بجانب قانون الشريعة الذي لا يسير مع الهوى ، ولا يسمح التردي في الهاوية .

6-القلق والضيق:

وحيثما ذهبت وجدت الضيق والشقاء والتعاسة من علامات الحضارة المعاصرة ، فتجد الانتحار، والإدمان على المخدرات لتناسي الضيق والقلق، وموجات الهيبيز والرافضين لواقعهم ، وكل ذلك يرجع إلى أن الإنسان لم يستقر في أعماق نفسه على فهم وعقيدة يطمئن إليها ، فهو لا يعرف من الذي خلقه؟ ولا يعرف من المالك الحقيقي له ولكل ما يتصرف به في هذا الوجود؟ ولا يعرف المصير الذي ينتقل إليه فجأة بين لحظة وأخرى؟ ولا يعرف هل عمله مرضي عنه من رب هذا الكون أم لا؟ إلى جانب أن أوضاعه مع أهله وجيرانه ومجتمعه تتعرض باستمرار للاهتزاز فهو بذلك لا يجد طعم الاستقرار الداخلي .

أما المؤمن فهو أرضى بقضاء ربه على كل أحواله، يعرف أن ربه حكيم، وأن حكمه الحق ، كما يعرف العلاقة التي بينه وبين خالقه وبينه وبين عباد الله ، فهو مطئمن يعيش في سعادة ورضى.

قال تعالى :﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ(27)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً(28)فَادْخُلِي فِي عِبَادِي(29)وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾[الفجر: 27-30]

7-الاختلاف التشريعي:

الإنسان لا يعرف الحكمة من خلقه فكيف يشرع لنفسه التي يجعل حقائقها.

والإنسان لا يملك من نفسه أو مما ينتفع به شيئاً فكيف يشرع لما لا يملك.

والإنسان مملوء بالأهواء والشهوات والأطماع فكيف يشرع من ملئ شهوة وأهواء وأطماعاً.

إن التشريع يكون خادماً لأهواء الطبقة الحاكمة ومصالحها ويدور معها حيث دارت، وتكون الشعوب ضحية تلك التشريعات

وإذا انحرف المجتمع إلى وضع سيء طوعوا التشريع لانحرافهم ، فجعلوا من الانحراف وضعاً شرعياً يقره القانون .

ولا مخرج للبشرية من هذا الاختلاف في أمر التشريع إلا بتلقي الشريعة من الخالق سبحانه الذي يعلم بدخائل النفوس . ويملك كل شيء في الوجود ، وتحلى بأوصاف الكمال والجلال سبحانه، ولا ينحاز لفئة من الناس في أحكامه بغير حق، ولا يقر انحرافاً أو إجراماً .

وبعد.. إذا كان الإنسان قد عمر الأرض بالحضارة المعاصرة فهو أيضاً قد خرب الإنسانية وأوقعها في مأزق ولا مخرج له منها إلا بالإسلام .

الخلاصة :

*لقد قدم الإنسان في حضارته المعاصرة في الجانب المادي منها وتخلف في الجانب الإنساني.

*لقد وقعت البشرية في حضارتها المعاصرة في عدد من المآزق ولا مخرج لها منها إلا بالإسلام.

*العلم والفهم والخلق والتجربة والمصلحة دعائم يقوم عليها رأي الإنسان، ولا يمكن أن توجد في الناس جميعاً ، ولا مخرج لهم من الاختلاف إلا بتلقي الهدى من ربهم الذي أحاط علمه بكل شيء وعلم الظاهر والباطن ، وتحلى بأكمل الصفات ، وهو حاضر مع ما كان ويكون وسوف يكون، وليس له مصلحة في أن ينحاز إلى فئة ضد فئة .

*الدنيا لا تكفي لأطماع شخص، فمن جعلوها غايتهم من الكافرين فلا مفر لهم من الصراع ، أما المؤمن فقد علم أن الدنيا ممار إلى الآخرة فتعلق بالآخرة. وعلم أنه لا يفوز بالآخرة ونعيمها إلا إذا تعاون مع إخوانه وأحبهم وعطف عليهم ، فتصبح العلاقة بينهم: تعاوناً ومحبة ، بدلاً من الصراع والحقد.

*ولا مخرج من ظلم الإنسان وطغيانه إلا بتلقي الشريعة من الله التي لا تميل مع الحاكم ضد المحكوم، ولا تنحرف مع القوي أو صاحب النفوذ ضد الضعيف .

*الحكم من خلق الإنسان لا يعلمها إلا الخالق، ولا تعرف إلا بتعليم منه، وما لم يعرف الإنسان ربه فلن يخرج من مأزق الضياع ، وسيبقى الإنسان تافهاً لا قيمة له في نظر نفسه .

*لن يتوقف الانهيار الأخلاقي ، ولا مخرج للبشرية من مأزقه إلا بالإيمان الذي يعين البشرية على التغلب على أهواء النفس وشهواتها الجامحة .

*لا مخرج للإنسان من حياة القلق والانتحار والضيق ما لم يستقر من أعماقه على عقيدة صحيحة تعرفه بخالقه ، وبالحكمة من خلقه ، بمصيره الذي ينتظره ، وبالعمل المشروع له ، والمحرم عليه.

*يختل تشريع الإنسان لنفسه ، بسبب جهله بحكمة خلقه وبسبب أنه مملوك لي له حق التشريع ، وبسبب أنه مملوء بالأهواء والأطماع والشهوات التي تنعكس على أحكامه وتشريعاته ولا مخرج من هذا المأزق إلا بتلقي التشريع من الخالق سبحانه .

 الحي الدائم

حياة الله :

الله الذي خلق كل شيء ، الله الذي خلق السموات والأرض، الله الذي خلق ويخلق كل حي ، لا شك أنه أكمل موجود . وإذا كانت الكائنات الحية ، أرقى من الموجودات الميتة ، الجامدة، فلا شك أن خالق هذه الموجودات الحية أكمل وجوداً منها .

فهو إذن أكمل حياة منها ؛ فلو لم يكن حياً لكان من مخلوقاته ما هو أكمل منه وجوداً وذلك مستحيل.

وإذا كنا نرى في كل يوم يد القدرة الإلهية تخلق ملايين المخلوقات من نجوم، وكواكب ، ونبات وحيوان ، وليل ، ونهار في صور بديعة ، وتكوين محكم ، وتقدير دقيق ، فلا شك أن خالق هذه المخلوقات التي تتجدد كل يوم ، لا شك أنه قادر ، عليم ، حكيم ، مريد. ومن كان ميتاً فلا قدرة له ولا علم ولا حكمة ولا إرادة .

إذن : الله حي ، وحياته أكمل حياة ، وما مظاهر الحياة المشاهدة إلا أثر ضئيل لحياة الحي القيوم الذي ينفخ من روحه (أمره) في الموت فيهتز وفي الجماد فيتحرك .﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللَّهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾[الأنعام:95].

والموت لا يكون على الخالق ، لأن الموت يأتي عند انعدام أسباب الحياة، ومجيء أسباب الموت ، فإذا كانت أسباب الحياة من مخلوقات الله فحياة الله إذن قبل وجود هذه الأسباب ، أي أن حياة الله كاملة ليست مشروطة بوجود أسباب معينة .

وأما أسباب الموت ، فإما أن تكون هذه الأسباب قديمة أزلية ، ومعنى ذلك أنها أزلية كأزلية الخالق . ومعنى هذا أنه لا وجود للخالق ـ أستغفر الله ـ لأن أسباب موته قد توفرت منذ الأزل قبل وجود هذا الكون . وبناء عليه فلا وجود لهذا الكون، لأن الذي سيخلقه ميت منذ الأزل، لتوفر أسباب موته من الأزل . وهكذا كلام باطل وسخيف .

وإما أن تكون أسباب الموت مخلوقة حديثة ، وهذا محال لأن الخالق جل وعلا لن يخلق لنفسه أسباب الموت ، فلا يكون الانتحار إلا للعاجزين الضعفاء الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلاً . أما الخالق سبحانه فهو القوي العزيز الذي إذا أراد شيئاً قال له : كن . فيكون .

مما سبق نعرف أن الله حي كامل ، لا تتوقف حياته على أسباب الحياة ، كما أن حياته كاملة لا تهددها أسباب الموت فالله هو الحي الدائم الذي لا يموت بهذا تقضي العقول وبهذا أخبرنا المرسلون الصادقون ونطق الكتاب العزيز .

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾[الفرقان: 58] .﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[البقرة: 255].﴿وَعَنَتْ[46] الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾[طه: 111] .

الأول :

وجود الله سبحانه ممتد في القدم ، بحيث لا يتصور قبله وجود قط .

وما دام كل وجوده قد نشأ عنه تعالى فهو أسبق منه . فالله هو الأول وكلما تخيل تصورك وجوداً فاعلم أنه مخلوق لله وأن وجود الخالق أسبق منه ، فالله هو الأول قبل كل شيء .

ومن أعجب العجب أن ينكر الملحدون قول المؤمنين بالله : إنه الأول قبل كل شيء. في الوقت الذي يصفون فيه المادة (السديم المادي) بنفس الوصف ويقولون عنه : إنه أول بلا بداية ، ويقولون: إنه لا خالق له ، في حين أن الأدلة متضافرة ومشاهدة تنطق بأن هذا الكون مخلوق من عدم، وأنه حدث بعد أن لم يكن شيئاً ، وأنه ليس أولاً بلا بداية كما يزعمون ، بل الله الخالق له هو الأول.﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[الحديد: 1-3] .

الدليل على حدوث الكون:

أولاً: إذا تأملنا في الكون نجد أن النجوم تمثل مصادر قوية للحرارة ، ونجد أجزاء أخرى باردة مثل الكواكب وغيرها ومعلوم أن الحرارة تنتقل من المستوى الأعلى حرارة إلى المستوى الأقل حرارة، ولو أن الكون أزلياً لكانت الحرارة قد تساوت في كل أجزاء الكون .

ثانياً : هناك مواد مشعة في الكون ، وهي تفقد أجزاء منها في كل فترة زمنية بانتظام وتتحول إلى مواد أخرى غير مشعة ، ولو أن الكون أزلياً لكانت هذه المواد المشعة قد تحولت بكاملها .

ثالثاً : إذا شاهدنا تركيب السديم وجدناه يتكون من ذرات مادية، وقد عرف العلماء أن هذه الذرات مركبة من عدة جسيمات (إلكترونات، بروتونات، نيترونات..إلخ) .

ومن هذا التركيب تستنتج العقول أن هناك بداية لتكوين الذرة في الكون ، وأن تكوين الذرة ليس أزلياً قبله شيء ، إنما الذرة مخلوق حادث وعرفنا ذلك من اجتماع أشياء مختلفة متغايرة: (إلكترونات ذات شحنة كهربائية سالبة ، وبروتونات ذات شحنة كهربائية موجبة ، نيوترونات، ميزونات..إلخ) ، وذلك كما تعرف أن القلم الذي بيدك حادث ليس أزلياً من ملاحظة تركيبه من سن معدنية ،وجسم عاجي ، فتجزم بأن هناك لحظة جمع فيها المعدن مع العاج. وكذلك تدلنا العقول أيضاً على أن هناك لحظة جمعت فيها الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها لتكوين الذرة تلك اللحظة هي لحظة تكوين الذرة المادية في هذا الكون التي يتكون منها السديم .

وإذن ليس هذا السديم أزلياً قديماً كما يزعم الكافرون اليوم. ولا تظن أنه قبل التقاء الإلكترونات مع البروتونات مع غيرها من مكونات الذرة كانت الإلكترونات ، والبروتونات سابحة في الكون، هي وباقي مكونات الذرة ، ثم اتحدت لتكوين السدم ، لا تظن ذلك لأن الإلكترونات قد خلقت لتتحد بالبروتونات الموجبة ، وقد خلقت سائر مكونات الذرة لتكوين الذرة وفق خطة محكمة وتنظيم دقيق وتقدير محدد موزون ، فإذا كانت الحكمة المشاهدة من خلق (البروتونات، الإلكترونات..إلخ) هو: تكوين الذرة.

وإذا كانت الذرة المادية حادثة غير أزلية .

فلا شك إن أن وجود هذه المكونات (إلكترونات، بروتونات..إلخ) حادث ليس بالأزلي الذي لا أول له كما يزعم الكافرون.

ثالثاً : وإذا تأملت في أحوال المادة وجدتها مقيدة بقوانين متعددة، وأنها تخرج من حكم قوانين إلى حكم قوانين أخرى . فمثلاً: ذرة الهيدروجين لها قوانين معينة وخصائص محددة فإذا اتحدت بذرة الأكسجين تغيرت القوانين والخصائص إلى قوانين جديدة، وخصائص جديدة ، فبعد أن كان الهيدروجين يشتغل بسهولة، ها قد أصبح بعد اتحاده بالأكسجين ماء مطفئاً للنيران لا يشتعل ، وبعد أن كان خفيفاً يصعد إلى طبقات الجو العليا أصبح ثقيلاً يقسط إلى الأرض. فإذا طرنا به في صاروخ بسرعة قوية نقص الوزن[47]، وإذا وصلنا إلى منطقة انعدام الوزن انعدم وزنه، وإذا سخناه زاد حجمه وإذا بردناه قل حجمه.

 إذاً المادة شيء والقوانين شيء آخر .

وهكذا نجد أن القوانين التي تحكم المادة متغيرة غير ثابتة في المادة وكذلك الخصائص لهذه المادة متغيرة، وبما أنه لكل متغير بداية ونهاية فلا شك أن للقوانين المتغيرة والخصائص المتبدلة بداية ونهاية .

وإذن لا بد من بداية للخصائص والقوانين التي تحكم المادة.

وبما أنه لا يمكن وجود مادة بغير خصائص أو قوانين، لأنه من المستحيل أن تكون مادة موجودة ولا وزن لها ولا حجم، ولا نظام أو خصائص فلا شك أن للمادة بداية بدأت مع بداية الخصائص والقوانين التي تحكم المادة، وقبل تلك البداية لم يكن هناك مادة أو قوانين أو خصائص، فدلنا ذلك على أن لهذا الكون بداية بدأت عندما قدر الخالق لهذا الكون نظامه وأقداره، ووهب لكل شيء خصائصه عندما قال للمادة: كوني بتلك الأقدار ، والخصائص والصفات فكانت. وصدق الله العظيم القائل:﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[البقرة: 117] .

وإذن فليس هذا الكون أزلياً بلا بداية ، هكذا تستنتج العقول مما تشاهد من أحوال هذا الكون. إنما الأول هو الله خالق هذا الكون .وهذا هو الدكتور (بول كلارانس ابرسولد) أستاذ الطبيعة الحيوية ومدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل (أوك ريدج) وعضو جمعية الأبحاث النووية يقول في بحث له تحت عنوان (الأدلة الطبيعية على وجود الله) : (إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة ، هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله، لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق بل إن لهما بداية ، ولا بد لكل بداية من مبدئ ، كما أننا نعرف أن هذا النظام الرائع المعقد الذي يسود الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان ، وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية كما أن وراءها توجيهاً وتدبيراً إلهي محكم) . وهذه شهادة رائد آخر من رواد العلم الحديث إنه الدكتور (ايرفنج وليام) أخصائي في الحياة البرية، وأستاذ العلوم الطبيعية في جامعة (ميشجان) وأخصائي في وراثة النباتات، يقول في بحث له تحت عنوان (المادة وحدها لا تكفي) : (فعلم الفلك مثلاً يشير إلى أن لهذا الكون بداية قديمة وأن الكون يسير إلى نهاية محتومة وليس ما يتفق مع العلم أن نعتقد بأن هذا الكون أزلي ليس له بداية أو أبدي ليس له نهاية فهو قائم على أساس التغير).

الآخر:

ووجود الله ممتد في الأبد بحيث لا يتصور بعده وجود، فما دام كل وجود ينتهي بأمره فهو آخر كل وجود، وكلما تخيل عقلك وجوداً ، فاعلم أن وجود الله هو آخر كل وجود. وقد سبق بيان أن الله هو الحي الدائم الذي لا يموت، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء ولا نهاية له قال تعالى : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص:88] وإلى هذا دلت العقول، وبه أخبرنا الرسل الصادقون.

الخلاصة :

*الخالق أكمل من مخلوقاته، وحياته أكمل من حياة كل الكائنات الحية.

*نشاهد في المخلوقات آثار قدرة الله وعلمه وحكمته، وإرادته فنعرف من ذلك أن الله حي لأنه لا قدرة، ولا علم، ولا حكمة ، ولا إرادة لميت، وما مظاهر الحياة إلا أثر لحياته سبحانه .

*حياة الله لا تعتمد على أسباب فهي موجودة قبل وجود الأسباب ولو كان هناك أسباب للموت فإما أن تكون الأسباب أزلية وعندئذ لا يوجد شيء وإما أن يخلقها الخالق لنفسه وذلك لا يفعله العزيز الحكيم فلا أسباب للحياة الإلهية ولا أسباب للموت فالله حي دائم لا يموت .

*كل وجود ناشئ عن الوجود الإلهي ، فالله هو الأول قبل كل شيء وكلما تخيلت وجوداً سابقاً فخالقه أسبق منه .

*ويجادل الكافرون في هذا الوقت الذي يصفون (السديم) المادي بأنه الأول بلا بداية ، وهذا باطل فأحوال السديم لا تدل على ذلك:

(أ) لو أن الكون أزلي لتساوت درجة الحرارة في كل أجزائه واستنفدت المواد المشعة إشعاعها .

(ب) الذرة التي يتكون منها السديم مركبة من جسيمات مختلفة واجتماع المكونات المختلفة في الذرة يدل على لحظة التقت فيها تلك المكونات . وإذن فللذرة بداية .

وإذا كانت جسيمات الذرة قد خلقت لتكوين الذرة وللذرة بداية، فلا شك إذن أن لهذه المكونات بداية بعكس ما يظن الماديون .

(ج) القوانين التي تحكم المادة وخواصها تتغير ولكل متغير بداية ونهاية وإذن فللخواص وللقوانين المادية بداية ونهاية ، ولا مادة بغير قوانين أو خواص وإذن فللخواص وللقوانين المادية بداية ونهاية ، وإذن فليست المادة أزلية كما يزعم الماديون.

*ما دام كل موجود ينتهي بأمر خالقه، فالخالق آخر كل موجود، وبما أن حياة لا تهددها أسباب الموت فالله حي دائم لا يموت

*قد دلت العقول إلى هذا وبه نطق المرسلون الصادقون .

 بعض صفات الله

السميع البصير:

من الصفات التي يتصف بها الخالق : السميع ، والبصر. ولا يمكن تصور الذات الإلهية دون سمع وبصر ، وهذه الحقيقة ذكرها القرآن على لسان إبراهيم ـ عليه السلام ـ عندما دعا والده إلى نبذ عبادة الأصنام بقوله : ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾[مريم: 43] ومعنى هذا القول أن الإله المعبود يجب أن يكون سميعاً بصيراً، وقد قرر القرآن هذا المعنى في آيات كثيرة فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة (خولة) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت تحدثه ، ما أسمع ما تقول فأنزل الله عزوجل:

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[المجادلة:1] .

وقال سبحانه لموسى وهارون ـ عليهما السلام ـ عندما قالا:

﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى(45)قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[طه: 45، 46] .

ومن المعلوم أن مرتبة الوجود الإلهي أعلى وأكمل مراتب الوجود وكل مرتبة من مراتب الوجود تتصف بعدد من الصفات الوجودية ما هو لازم لتلك الدرجة. وتقضي البداهة باتصاف الوجود الإلهي الكامل الأعلى بأكمل الصفات وأعلاها، ومن الواضح أن صفتي السمع والبصر صفات عليا في المخلوقات ، ومن هذه المخلوقات ما هو سميع بصير .

فلو لم يكن ربنا ـ جل وعلا ـ سميعاً بصيراً لكان في المخلوقات ما هو أكمل منه ، وهذا محال.

ثم هو سبحانه واهب السمع والبصر في عالم المخلوقات، ولا يغفل أن مصدر ذلك يكون فاقداً له. فإن الله سميع بصير وذلك من لوازم وجوده تعالى .

وصفه السمع هي : ما به تنكشف المسموعات .

وصفة البصر هي : ما به تنكشف المبصرات.

لكن علينا أن نعتقد أن هذا الاكتشاف ليس بآلة ، ولا جارحة ، ولا حدقة مما هو معروف لنا لأن ربنا كما وصف نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ولكنه حق على حقيقته على الوجه اللائق بذاته تعالى .

ومن أدلة اتصاف الله بالسمع والبصر، أنه سبحانه يسمع دعاء الداعي ويجيبه إلى حيث هو ، فكم شاهد الناس نزول الغيث من الأمطار بعد خروجهم مستغفرين، تائبين ، متضرعين إلى ربهم أن يغيثهم بعد طول جفاف فمن ينزل المطر بعد الدعاء إلا السميع؟

ومن يسوقه إلى المكان المحدد إلا البصير؟

وكل من دعا ربه بتضرع وصدق وإيمان ، سيجد الإجابة تشهد له أن ربه سميع بصير مجيب الدعاء . قال تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[النمل: 62] .

العليم:

إن الله عليم بكل شيء لم يسبق علمه جهل ، ولا يعدو عليه نسيان ، ولا يمكن أن يخالف الواقع ، وعلمه محيط بما كان ، وما هو كائن الآن وبما سيكون؛ فيستوي الماضي والحاضر والمستقبل في علم الله .

وعلم الله محيط بالظاهر والباطن، بالسماء والأرض، والدنيا والآخرة.

وما هذا الكون وما فيه من أحكام وإتقان إلا برهان على شمول علم الله وحكمته لجميع الكائنات، دقيقها وجليلها ، عظيمها وحقيرها ، إن الله خالق كل شيء، والذي يخلق المخلوقات كلها عليم بأسرارها وخفاياها وهذا من البراهين القاطعة التي أشار إليها في القرآن بقوله تعالى :

﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(13)أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك: 13، 14] .

وقد يعرف الإنسان شيئاً عن حاضره، وقد يذكر طرفاً من ماضيه وما وراء ذلك فهو بالنسبة له عمى ، بيد أن الإنسان لا يذكر من ماضيه الطويل إلا قليلاً من الحوادث، ولا يدري من تأريخ العالم الذي يعيش فيه شيئاً طويلاً لكن الله وحده يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة، ويسجل أحوال العالم العابرة دولة دولة ، وحادثة حادثة. ولقد قال فرعون لموسى ـ عليه السلام ـ كما حكى القرآن: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى(51)قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾[طه: 51-52] .

والله سبحانه يعلم دقائق هذا الكون وخفاياه : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[الأنعام: 59] . فالعلم الإلهي يهيمن على أطوار الموجودات هيمنة كاملة ، يحيط بعدد ما في صحاري الأرض من رمال، وعدد ما في بحار الدنيا من قطرات، وعدد ما في الأشجار من ورقات , وعدد ما في الأغصان من ثمار، وما في السنابل من حبوب، وما في رؤوس البشر وجلودهم من شعر ، إنه العلم الشامل المحيط بكل شيء.

قد ينير الله بعض العقول بحقائق يسيرة ـ على قدر طاقتها ـ من المعارف الكونية، أو رشحات ضئيلة من الغيوب الخفية، حسب قواعد مدروسة ، وحكم مأنوسة، وما وصل إليه البشر من ذلك مقرر معروف. وما أوتوا إلا القليل، أما الله عز وجل فهو كما قال في كتابه :

﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ(8)عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي(9)سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾[48][الرعد: 8-10] .

إنك إذا تأملت في عمل خلية عضلية أو عصبية أو دموية أو عظمية، وجدتها تقوم بعملها وكأنها على علم كامل بما يدور حولها ويقدم لها ويؤخذ منها إلى سائر أجزاء الجسم مع أن تلك الخلية حبسة في مجال محدود، وإذا تأملت في نشاط جسمك وجدته يتم وكأنه على علم بما يحيط به من ضوء وهواء وجاذبية وماء وطعام وغير ذلك ، وإذا تأملت إلى هذه الأرض التي تسكن فيها وجدتها تسير مع المجموعة الشمسية كأنها على علم بدورها وعلاقاتها مع غيرها فكان ذلك الاتزان ، وإذا تأملت إلى هذه الأرض التي تسكن فيها وجدتها تسير مع المجموعة الشمسية كأنها على علم بدورها وعلاقاتها مع غيرها فكان ذلك الاتزان في السير. ونحن نعلم أن الأرض صماء عمياء جامدة لا عقل لها ولا تدبير ولا علم . كل ذلك شاهد قائم يصيح في أهل العقول قائلاً : إن ربكم قد أحاط بكل شيء علماً .

وهذا خلاف ما يعتقد بعض المنحرفين من أن الله سبحانه قد خلق العالم ثم عرج إلى السماء ولا شأن له به .

ولقد وصف الخالق نفسه بما أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من كلام فقال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4)لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[الحديد: 4-6] .

***

كلام الله :

الكلام هو الوسيلة إلى الإبانة عما في النفس، من معارف ونصائح ورغبات شتى، وتفهيم ذلك للآخرين ، ولا شك أن الله سبحانه متصف بصفة الكلام ، فقد ورد أنه سبحانه كلم موسى، ونطق القرآن بأنه (القرآن) كلام الله ، فمصدر الكلام المسموع عنه تعالى لا بد أن يكون شأناً من شئونه، وصفة من صفاته جلَّ وعلا.

ولقد عهد الله جلّ جلاله إلى ألوف مؤلفة من الملائكة بالقيام على شئون هذه الكائنات : كالإحياء والإماتة، في أنحاء هذا العالم العريض، كما عهد إلى غيرهم بشئون شتى لا نعرف منها إلا القليل ، وهذا التسخير الدائم خاضع لأوامر الله التي يتكلم بها : خلقاً، ورزقاً ، ورفعاً ، وخفضاً، ومحوراً وإثباتاً، وتقديراً ، وتدبيراً .. إلخ.

ولا شك أن الله سبحانه عليم بكل شيء بما كان ، وما هو كائن الآن، وما سيكون في المستقبل إلى مالا نهاية .

وما يدل على هذا العلم من كلمات لا نهاية لها كذلك ، ألا ترى أن أحدنا في مباشرة أعماله المحدودة يحتاج إلى قاموس من الألفاظ، فما ظنك برب العالمين ، الخالق لهذه الكائنات، والحاكم لها، والمدبر لأمورها والمنظم لشئونها، ألا يكون كلامه عز وجل من السعة والاستبحار على النحو الذي يقول الله تعالى فيه :﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾[الكهف: 109] .وقال سبحانه:﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[لقمان: 27] .

والكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ مظهر من مظاهر اتصافه جل شأنه (بالكلام) ، وقد كلم الله بعض أنبيائه كموسى عليه السلام وكالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج حين فرض عليه الصلاة ، وسوف يكلم الله كثيراً من عباده يوم القيامة.أما حقيقة الكلام كصفة من صفات الله جل جلاله فإنا لا نعلم كيفيتها ، والذي نؤمن به أنها ليست كأي كيفية من كيفيات كلام المخلوقين ألفاظاً وتصنعها الشفتان واللسان ، وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان فذاك شأن الإنسان ، لا وصف الرحمن الذي : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾.وإن اتصاف الله سبحانه بالكلام والتكليم هي إحدى صفاته الملازمة لكماله وجلاله ، ومتى ما شاء تكلم بها إلى من يشاء : ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾[البقرة: 253] .

 الخلاصة :

*الله هو السميع البصير ، الذي خلق السمع والبصر للمخلوقات ، وهو السميع البصير الذي يسمع دعاء الداعي ويجيبه إلى حيث هو. والسمع ما به تنكشف المسموعات ، والبصر ما به تنكشف المبصرات. وليس سمع الله وبصره كسمع الناس وبصرهم فهو سبحانه : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾.

*الله عليم لم يسبق علمه جهل ، أو يعتريه نسيان ، وعلم الله شامل محيط بكل شيء. وإن سير الكون في غاية الدقة والإحكام والإتقان لشاهد على أن خالق هذا الكون المهيمن عليه ، لا لعلمه سبحانه.

*الكلام هو الوسيلة إلى الإبانة عما في النفس: من معارف، ونصائح ورغبات شتى وتفهيم ذلك للآخرين.

*والله يتكلم إلى من يشاء من عباده وملائكته ، أو غيرهم من المخلوقات التي يعلمها الله ولا حد لكلام الله سبحانه .

*والتكلم صفة من صفات الله فمتى ما شاء تكلم.

*وليس الكلام الإلهي ككلام البشر. بل كلام يليق بجلاله وكماله ويناسب ذاته العلية .

الإسلام والإيمان والإحسان

 الإسلام:

هو الاسم الذي عرف به الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه التسمية لم تكن اجتهاداً من الرسول عليه الصلاة والسلام وإنما كانت من الله تعالى حيث يقول : ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾.

والإسلام في اللغة : يطلق على الطاعة والإذعان ، وعلى الصلح والأمان وعلى الخلوص من الآفات الظاهرة والباطنة ، ويطلق في الشرع على توحيد الله والانقياد لأوامره ، والخضوع له ، والإخلاص في العبادات التي جاءت من عند الله .

وليس هنا من موقف ـ منطقي ـ للمخلوق أمام خالقه سوى أن يستسلم له . والدين هو النهج الذي به يتحقق استسلام العبد لربه ؛ فسمي الدين بذلك إسلاماً في كل زمان ومكان ـ وإن اختص به أتباع محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأيام ـ فالله يقول : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾[آل عمران: 19]. ولقد جاء في رسالة سيدنا سليمان لملكة سبأ كما حكى القرآن : ﴿ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾[النمل: 31] .وقال سحرة فرعون عندما آمنوا فتوعدهم فرعون بالعذاب .

﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾[الأعراف : 129] .

وكان دعاء يوسف عليه السلام : ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[يوسف : 101] .وبهذا قال أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام : ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران : 52] .

وأنت تلاحظ أن كل ما في الكون قد خضع لقانون ، واستسلم لما سن ربه من نظام ، فكل ما في الكون إذن مسلم لربه خاضع لحكمه ، حتى فم الكافر ولسانه فإنها لا تنطق إلا وفق سنن محددة ، بغيرها لا تنطق ، غير أن الإسلام الذي يطالب به ، ليس إسلاماً إجبارياً كإسلام الكواكب والنباتات في خضوعها واستسلامها لتقدير خالقها قسراً ، إنما الإسلام الذي نطالب به هو الخضوع الاختياري، الذي ينبي عليه رضا الخالق سبحانه . قال تعالى  : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾[آل عمران : 83] .وأنت ترى أن القارئ أن المسلمين وحدهم هم الذين بقوا على شعار الدين الحق، واسمه الصحيح؛ في حين باقي الأديان قد نسيت إما إلى قبيلة كاليهودية ، أو إلى شخص كالمسيحية أو البوذية.

الإيمان :

يطلق في اللغة : على التصديق ، قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي ما أنت بمصدق.

وأما من الشرع : فيطلق تارة على التصديق بالله وملائكته إلى آخر ما يأتي في أركان الإيمان ، وهذا إذا أطلق مقروناً بالإسلام كما في حديث جبريل، وتارة يطلق على الدين كله وذلك إذا أطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإسلام نحو : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

الإحسان :

هو في اللغة : إجادة العمل وإتقانه ، وفي الشرع : تحسين الظاهر بالعبادة والباطن بالإخلاص.

ومجموع المراتب الثلاث السابقة هو الدين القويم الذي بعث الله به النبي الكريم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ .

حديث جبريل :عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً) قال : صدقت ـ فعجبنا له يسأله ويصدقه! ـ قال : فأخبرني عن الإيمان . قال : (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) قال : صدقت فأخبرني عن الإحسان . قال : (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قال : فأخبرني عن الساعة. قال : (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) قال: فأخبرني عن أماراتها. قال : (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) قال : ثم انطلق فلبث ملياً ثم قال لي : يا عمر أتدري من السائل؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : (إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)[49].

بيان ما في الحديث :

كفاك أيها الأخ القارئ ما احتوى عليه هذا البحث الشريف من مراتب الدين وشرائعه .

الأولى : الإسلام . هذه المرتبة الأولى ، وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم هنا الإسلام على الأعمال والأقوال الظاهرة، التي هي الشهادتان وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان ، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً. وقد يطلق الإسلام على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله، وفروعه: من عقائد، وعبادات ، ومعاملات وأخلاق، كقوله تعالى : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ .

الثانية : الإيمان وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان هنا على : التصديق بالله، وملائكته، وكتبه ، وسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره ، وقد يطلق على الإفراد غير مقترن بالإسلام فحينئذ يراد به الدين كله كقوله تعالى :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾  [الأنفال : 2-4] .

الثالثة : الإحسان هذه المرتبة الثالثة وقد أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم الإحسان هنا على تحسين الظاهر بالعبادة ، والباطن بالإخلاص الكامل، وقد يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان فحينئذ يراد به الدين كله كقوله تعالى :

﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾[لقمان: 22] .

وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم تفسيراً وجيزاً مع وفائه بالمعنى وهذا لا يستطيعه إلا من آتاه الله جوامع الكلم . فقال صلى الله عليه وسلم : (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا إخبار بأن مرتبة الإحسان على درجتين وأن للمحسنين في الإحسان مقامين متفاوتين.

المقام الأول ـ وهو أعلاهما ـ : أن تعبد الله كأنك تراه ، وهذا مقام المشاهدة ، وهو أن يتنور القلب بالإيمان ، وتنفذ البصيرة في العرفان حتى يصير الغيب كالعيان . فمن عبد الله عز وجل على استحضار قربه منه ، وإقباله عليه وأنه بين يديه كأنه يراه ، أوجب له ذلك الخشية والخوف والهيبة والتعظيم .

المقام الثاني : الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه واطلاعه عليه وقربه منه ، فإذا استحضر العبد هذا في عمله فهو مخلص لله تعالى غير ملتفت إلى غيره ولا مريد بعمله سواه .

والمحسن هو الذي يعبد الله بدافع من اقتناعه بأن الله يستحق الطاعة والعبادة والخضوع بغض النظر عن الأجر والثواب ، أو العذاب والعقاب ، فهو كذلك الذي يحسن إلى دولته وحكومته ، يبذل كل الجهود لإقامتها ودعمها دون النظر إلى مكافأة أو معاقبة . تراه يقظاً إلى كل ما من شأنه المساس بحكومته فيقوم ببذل كافة الجهود والمساعي لدفع الخطر، ودرء الفساد ، دون النظر إلى أي شيء آخر ، ذلك هو المحسن في دولته ومثله كمثل المحسن في دينه ، ولهذا نجد رحمة الله قريب من المحسنين. قال تعالى : ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾[الأعراف: 56] .

وفاز المحسنون بحب الله قال تعالى : ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195] .

كما يخبر الله أنه مع المحسنين وإلى صفهم ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت :69].

الخلاصة :

1-الإسلام:

هو الاسم الذي عرف به الدين الذي جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطلق في اللغة : على الطاعة والإذعان ، وعلى الصلح والأمان ، وعلى الخلوص من الآفات الظاهرة والباطنة.

ويطلق في الشرع : على توحيد الله والانقياد لأوامره والخضوع له . فسمي الدين بذلك إسلاماً في كل زمان ومكان لأنه النهج الذي يتحقق به استسلام العبد لربه .

2-الإيمان:

يطلق في اللغة: على التصديق ، وفي الشرع: يطلق تارة على التصديق بالله، وملائكته، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وهذا إذا كان مقروناً بالإسلام، وتارة: يطلق على الدين كله إذا ذكر على الإفراد .

3-الإحسان:

وهو في اللغة : إجادة العمل ، وإتقانه. وفي الشرع : تحسين الظاهر بالعبادة ، والباطن بالإخلاص. والإحسان مطلوب في كل عمل .

ومجموع المراتب الثلاث هو الدين القويم الذي بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مبين في حديث جبريل عليه السلام .

القرآن يسبق العلوم الحديثة .

 

القرآن كتاب هداية :

لم ينزل القرآن لتعليم الناس علم الكيمياء والهندسة أو الطب أو الزراعة أو غيرها من علوم استخلاف الأرض، التي فوض الله أمرها إلى الإنسان، الذي جعله خليفة في الأرض بعد أن منحه المقدرة على التعليم واكتساب المعارف في هذه المبادئ قال تعالى : ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4)عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾[العلق: 3-5] .

وإذن فليس القرآن كتاباً علمياً بحتاً لهذه العلوم يجب أن نجد فيه كل ما نشاء من الحقائق العلمية في شتى ميادين العلوم السابقة . لكن القرآن قد أنزله الخالق سبحانه لهداية الناس إلى أهم قضايا الحياة الإنسانية، يهديهم ، فيعرفهم بربهم ، ولماذا خلقهم ، ويبين لهم دورهم على الأرض، وما الذي ينتهي إليه الإنسان بالموت. وما الذي ينتظرهم بعد موتهم. كما يهديهم إلى أحسن الطرق التي يقيمون عليها حياتهم وسلوكهم ، وأخلاقهم ومعاملاتهم . قال تعالى : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾وقال سبحانه :﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[الأنفال:24] .

القرآن يشير إلى حقائق الخلق:

لكن القرآن قد أشار بآياته إلى سنن الخلق ، وحقائق التكوين التي لها صلة بالعلوم السابقة ، وبما أن القرآن صادر من واضع السنن كلها كان جميع ما جاء فيه حقاً لا شك فيه ، وإن لم يكن مدركاً ذلك وقت نزوله إلا على طريق الإجمال والتأويل لضعف العلوم الإنسانية آن ذاك .

القرآن يعد بكشف الآيات لتدعيم الإيمان :

لكن الذي خلق الإنسان وعلمه ، وأنزل القرآن وبينه أخبر في كتابه ووعد بأنه سيكشف للناس وللعلماء خاصة حقيقة ما في هذا القرآن من آيات بينة لتكون دليلاً لهم على صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت: 53] .

وقال تعالى :﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[سبأ: 6] .

وقال تعالى : ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾[الأعراف: 32] .

الوعد يتحقق:

وقد تحقق وعد الله، وكان مما تحقق في عصرنا هذا عصر العلوم الكونية أنه كلما تقدمت الكشوف العلمية في ميدان من الميادين ، كشفت للناس عن آيات الخلق الباهرة التي تزيد الناس إيماناً بربهم وخالقهم ، وكشفت أيضاً عن معنى من المعاني ، فإن القرآن قد تحدث بصراحة أو أشار إليه؛ وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية ، فكان هذا نوعاً من إعجاز القرآن يظهر في عصر العلم الكوني يشهد بأن القرآن: كلام الله بما حوى من حقائق جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن ليس من عند رجل أمي أو من عند جيل من الأجيال البشرية لا يزال يعيش في جهل كبير ، إنما هو من عند الذي خلق الكون وأحاط بكل شيء علماً وصدق الله القائل لنبيه﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾[النمل: 6]

آيات صريحة تسبق العلوم في تقرير حقائق ثابتة:

ومن الأمثلة على ذلك إخبار القرآن بحقائق كونية ، جهلها الناس جميعاً وجاء التقدم العلمي كاشفاً لصدق ما أخبر به القرآن والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

1-انفصال الأرض:

لقد ثبت لدى العلماء بصفة فعلية أن الأرض انفصلت عما في السماء، ولكن الاختلاف بين الباحثين ينحصر في تحديد الجزء الذي انفصلت عنه ، فمن نظرية تقول: بأن الأرض انفصلت عن الشمس ، ومن قائل : انفصلت عن نجم.

وإذا كان يصعب على الإنسان تصور أن هذه الأرض كانت جزءاً من السماء، فإن البدوي أكثر النسا سخرية من هذا القول ، غير أن هذه الحقيقة الكونية قد أجراها الله على لسان رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة قبل أربعة عشر قرناً من الزمان فيما أوحي إليه من القرآن . قال تعالى : ﴿أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأنبياء:30] .

2-الماء والحياة:

ولقد تضمنت الآية حقيقة أخرى، وهي أن سائل الماء أساسي لوجود الحياة فلا يوجد سائل على وجه الأرض يصلح أن يكون وسطاً صالحاً للتفاعلات الحيوية غير الماء. ولقد ثبت لدى الباحثين أن بعض (البكتريا) ، تستطيع الحياة بدون هواء غير أنه لا يمكن مطلقاً أن توجد حياة بدون ماء، كما تشير الآية إلى ذلك من قبل أن يعرف البشر شيئاً عن ذلك .

وإذا كانت الحقيقتان السابقتان قد عرفتا بواسطة الكفار ، فما أحرى أن يكون الخطاب موجهاً لهم كما هو في الآية لعلهم يومنون .

3- من بين فرث ودم:

بعد تقدم علم التشريح والأجهزة المكبرة في الآونة الأخيرة تتبع العلماء سير الطعام في الأنعام وبحثوا عن كيفية تكون اللبن فوجدوا أن الإنزيمات الهاضمة ، تحول الطعام إلى فرث يسير في الأمعاء الدقيقة، حيث تمتص العروق الدموية (الخملات) المواد الغذائية الذائبة من بين ذلك الفرث فيسري الغذاء في الدم، حتى يصل إلى الغدد اللبنية ؛ وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد اللبنية (التي سيكون منها اللبن) من بين الدم فيتكون اللبن الذي أخرج من بين فرث أولاً، ومن بين دم ثانياً، وذلك نص ما تنطق به الآية الكريمة :﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾[النحل:66]

4-كأنما يصعد في السماء:

بعد أن تمن الإنسان من الطيران، والصعود إلى السماء ، والارتفاع إلى طبقات الجو العليا، عرف أنه كلما ارتفع إلى أعلى قل الأكسجين والضغط الجوي، مما يسبب ضيقاً شديداً في الصدور، وعملية التنفس ، وذلك عين ما تنطق به الآية الكريمة قبل طيران الإنسان بثلاثة عشر قرناً من الزمان.

قال تعالى :﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾[الأنعام: 125] .

والحرج: شدة الضيق. والآية تمثل من عمل ما يستحق به أن يعاقبه الله بإضلاله . فمثل حاله عند سماعه الموعظة، وما يتصل بالإسلام، وما يصيبه من ضيق شديد كحال ذلك الذي يتصعد في السماء. وما أدرى الرجل الأمي بتلك الحقيقة التي لا تُعرف إلا لله ، وإلا لمن تصعد في السماء من بني الإنسان فهل كانت له طائرة طار بها؟

الظلمات التي في البحار العميقة والأمواج التي تغشاها:

كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة ـ كثيرة الماء ـ (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه الظلمات الحالكة في ماء البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية .

 كما كشف العلم الحديث أن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وهو أطول وأعرض من الموج السطحي، وقد تمكن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعة أيضاً ـ كما يرى في الصورة التي بجانب هذا ـ والقرآن يذكر هذه الحقيقة قبل قرون .

قال تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾[النور: 40] .

وهذه الظلمات هي نتيجة :

1-كثرة الماء الذي هو (بحر لجي).

2-الموج الداخلي الذي يعكس الأشعة فلا يسمح لكثير منها بالنفاذ إلى أسفل.

3-الموج السطحي الذي يعكس الأشعة فلا يسمح لكثير منها بالنفاذ إلى أسفل.

4-السحاب الذي يحجب كثيراً من الأشعة فلا يسمح لها بالنفاذ إلى أسفل.

فهي ظلمات بعضها فوق بعض . وأسبابها المنشئة لها بعضها فوق بعض.

 والجبال أوتاداً:

الوتد يغرس في الرمل لتثبيت الخيمة ، وهكذا الجبال قد اخترقت بامتداداتها الطبقة اللزجة التي تقع في أسفل الطبقة الصخرية التي تكون القارات ، فأصبحت بالنسبة للقارات كالوتد بالنسبة للخيمة فالوتد يثبت الخيمة بالجزء الذي يغرس في الصحراء وهكذا الجبال تثبت القارات بالجزء المغروس منها في الطبقة اللزجة التي تقع تحت الطبقة الصخرية التي تتكون منها القارات. ولقد تأكد الباحثون من هذا في عام 1965م . وعلموا أنه لولا أن الله قد خلق الجبال بشكل أوتاد لطافت القارات ومادت الأرض واضطربت من تحت أقدامنا ، والله يذكر لنا هذه الحقيقة في القرآن. قال تعالى : ﴿والجبال أوتاداً﴾ وقال سبحانه :

﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾[النحل:15] .

السير في الأرض لمعرفة كيفية بدء الخلق:

إن تحديد المنهج العلمي للبحث أمر في غاية الأهمية ، وهذه الآية القرآنية: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..﴾ تحدد لنا منهجاً علمياً لمعرفة كيفية بدء الخلق وتبين أنه لا بد لنا من أن نسير في الأرض باحثين ومنقبين، وأن معرفة تلك الكيفية التي بدأ بها الخلق تتوقف على سيرنا في الأرض، وهذا ما وجده الباحثون في هذا الزمان من أنه لا بد من دراسة عينات الصخور والمقارنة بين تركيبات الأرض المختلفة إذا أردنا أن نعرف بدء الخلق على الأرض فمن أخبر محمداً النبي الأمي صلى الله عليه وسلم بكل هذا؟

5-موج من فوقه موج:

وإلى قبل عام 1900م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندرنافيون ليشكفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار. تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.

قال تعالى :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾[النور: 40]

فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟! وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟ فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل 76 عاماً؟!

6-مما تنبت الأرض:

كان المعلوم لدى الناس جميعاً ، أن الذكورة والأنوثة لا توجد إلا في الإنسان والحيوان فقط، أما في النبات فهو كسائر الجمادات لا يتصف بذكورة أو أنوثة ، وبالرغم من أن زراع النخل ـ مثلاً ـ يعلمون أن النخل لا يثمر إلا إذا أبر (لقح) بضرب أجزاء الطلع بطلع نخلة أخرى، فإن ذلكم لم يكن يعني لديهم أي شيء غير أنها عادة، أثبتت التجارب نفعها، ولذلك نجد في الحديث الشريف قصة من هذا النوع. فعندما مر الرسول صلى الله عليه وسلم بقوم يؤبرون النخل نهاهم عن ذلك فانتهوا ، ولم يحتجوا على رسول الله بقولهم: إن النبات مذكر ومؤنث ولا يتم الثمر إلا بالتلقيح (التأبير) بين المذكر والمؤنث، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم علمه البشري، يقصر عن إدراك الزوجية الموجودة في النخل لأن الأجزاء المذكرة والمؤنثة غاية في الصغر لذلك وجدناه ينهاهم. فلما جاء وقت الثمر لم تثمر النخل، فذهبوا يشكون أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: (أنتم أعلم بشئون دنياكم) أي : إني لا أعلم بهذه الفنون الزراعية، وأنتم أعلم مني وليس ما قلت وحياً من الله إنما هو رأيي البشري. وإذا كنا نرى نقصاً في علم الرسول صلى الله عليه وسلم البشري في إدراكه الزوجية في النبات فإن ذلك كان مجهولاً عند البشرية جميعاً حتى تقدمت أجهزة التكبير، وتقدم علم تشريح النبات وذلك نص ما جاء في الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾[يس: 36] .

7-وأبنتنا فيها من كل شيء موزون:

كان الناس جميعاً يجهلون الاختلاف في تكوين النباتات المختلفة حتى تقدمت العلوم في هذا العصر وكشفت أن جميع النباتات تتكون من مواد أساسية واحدة (كربون ـ أكسجين ـ أيدروجين ـ نتروجين ، كبريت أو فسفور) وبعض المواد الضئيلة الأخرى ، غير أن سبب اختلافها يرجع إلى اختلاف أوزان المواد في كل منها ، وأن جذر كل نبات لا يمتص من مواد الأرض إلا مقادير موزونة محددة. وبهذا نطق الكتاب . قال تعالى : ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾[الحجر:19] .

8-خضراً نخرج منه حباً متراكباً :

جهلت البشرية طويلاً كيف تتكون الحبوب والثمار بل كيف تتكون الأجزاء المختلفة في النباتات. وأخذ المفكرون يدرسون في هذا العصر كيف يكون النبات حبوبه وثماره علنا نقدر على محاكاته، ونصنع طعاماً كما يصنع؟ فأخذوا يدرسون الثمار والحبوب لتأخذ بأيديهم إلى السر الخفي، حتى وصلوا إلى نتيجة تعرف باسم (التمثيل الكلوروفيلي) ، أو التمثيل الضوئي، حيث وجوا أن في النبات مصانع خضراء صغيرة (بلاستيدات خضراء) هي التي تعطي النبات لونه الأخضر. وأن هذه المصانع منها تخرج المواد الغذائية التي تتكون منها الحبوب والثمار بل وسائر أجزاء النباتات.

وهذه المصانع الخضراء تخرج من النبات عند بد نموه والنبات يخرجه الماء من بذوره وأصوله. وهذا عين ما نجده في الآية الكريمة :﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[الأنعام:99] .

فما أعجب هذا الكتاب الكريم يذكر الحقيقة ويدلنا على باب الوصول إليها بقوله ﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ ولما بدأ الإنسان يتفكر وينظر في الثمار وصل إلى الحقيقة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾!!

وتأمل الدقة في قوله تعالى : ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ أي نخرج من النبات خضراً وخص ذلك (الخضر) بأن يخرج منه حباً متراكباً فالحديث عن الخضر لا عن النبات كله .

9-فلا أقسم بمواقع النجوم:

إن الناظر البدائي يظن النجوم قريبة ، وأنه إذا علا إلى رأس الجبل ربما لمس النجوم كما قال فرعون ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، غير أن التقدم العلمي جاء ليبين الأبعاد لمواقع النجوم وذلك ما جهله الإنسان طويلاً ، فالشمس تبعد عنا مسافة 93 مليون ميل تقريباً ويقطع الضوء هذه المسافة في ثمان دقائق؛ لأن سرعة الضوء (300) ألف كيلومتر في الثانية . والضوء يقطع المسافة بيننا وبين أقرب نجم إلينا في مدة أربع سنوات وربع ، ومنها ما يبعد عنا مسافة يقطعها الضوء في مائة سنة ، ومنها ما يسافر منها الضوء إليها في ألف سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة مليون سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في (340) مليون سنة ، ومنها ما يبقى الضوء مسافراً منها إلينا في مدة ملايين السنين!! أليس هذا كشف لما تضمنته الآية الكريمة من حقيقة بقيت مجهولة مدة طويلة . قال تعالى : ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾[الواقعة: 75، 76] .

فمن أعلم محمداً صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة التي تعلن الآية جهل الناس بها  وقت نزولها من العليم الخبير؟ ومن الأبعاد كما قررها العلم الجديد .

10-من جبال فيها من برد :

﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾[النور: 43] .

لنترك تفسير هذه الآية لرئيس قسم الفلك بكلية العلوم جامعة القاهرة (الدكتور جمال الدين الفندي) فيقول : (قلت للطلبة : يجدر بنا أن نذكر هذه الآية ضمن المراجع العلمية بوصفها أول ما عرفنا من حقائق ، تتعلق بتلك السحب ، ويجب أن نوضح ذلك لعلماء الغرب ممن درسوا موضوع السحب وبحثوه وبالغوا فيه حتى يتبين لهم السبق العلمي للقرآن .

 ومن مزايا السحب الركامية أنها قد تمتد رأسياً إلى علو خمسة عشر كيلو متراً أو أكثر، وبذلك يظهر لمن ينظر إليها عن بعد كالجبال الشامخة . وتتيح فرصة النمو في الاتجاه الرأسي نشوء السحب الركامية عبر طبقات من الجو تختلف درجات حرارتها اختلافاً كبيراً، فتنشأ بذلك  الدوامات الرأسية ويتولد البرد، ولهذا فإن السحب الركامية هي وحدها التي تولد البرد وهذه الحقيقة في ذاتها تفسر لنا قوله تعالى : ﴿وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾.

وعندما استخدم العلماء الرادار في تصوير مراحل تكون السحب الركامية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، تبين لهم أن السحب إنما تبدأ على هيئة عدة خلايا أو وحدات من السحب التي تثيرها تيارات الهواء ويعقب ذلك أن تتحد كل خليتين أو أكثر حسب الظروف مكونة السحب الركامية الممطرة، ورغم أن الإنسان لم يتوصل إلى هذه الحقيقة العلمية الرائعة إلا في الماضي القريب نجد أن القرآن يقررها في بساطة إذ يقول : ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾.

وهكذا يقرر لنا الجزء الأول من الآية مراحل تكون السحب الركامية ثم يخصصها بالنمو الرأسي حتى تصير كالجبال فعندئذ تجود دون غيرها من السحب بالبرد، وليس من اللازم أن يتساقط البرد من السحابة بمجرد تكونه إذ ربما يحول تيار الهواء الصاعد دون نزوله في مكان معين حتى إذا ما ضعف هذا التيار هوى البرد على هيئة ركام لا هوادة فيه ، وكأنما انفجرت السحابة، وهذا يفسر لنا المراد بقوله تعالى : ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾.

ومن أعم صفات هطول البرد حدوث الرعد. ومرة أخرى نجد أن السحب الركامية النامية هي وحدها التي يمكن أن تتولد فيها عواصف الرعد وعندما تنظر إلى الآية الكريمة نجدها تقول : ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أي سنا برق البرد لأن البرد هو أقرب مذكور للضمير) . وهناك آيات كثيرة تتحدث عن حقائق كونية وكشف التقدم العلمي صدق ما جاء في حقائق القرآن ، ومع كل تقدم للعلوم نجد كشفاً جديداً لآيات أخرى وسبقاً علمياً جديداً للقرآن الكريم، وهناك آيات وألفاظ قرآنية لم تكن لتفهم حقيقتها حتى جاء التقدم العلمي يكشف عن دقة تلك المعاني والألفاظ القرآنية مما يوحي إلى كل عاقل بأن كلام الكتاب الكريم كلام الله المحيط علماً بكل شيء، وإن كان قد حدث جهل بفهم بعض ألفاظه ومعانيه فإن زيادة علوم الإنسان قد جاءت لتعرف الإنسان بما جهل من كلام ربه .

ومن أمثلة ذلك:

1-قوله تعالى :﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[فصلت:11] .

فقوله تعالى ﴿ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ أي : أن السماء كانت دخاناً ، وإن البحث العلمي الآن ليقول : إن أصل الأرض ، ونجوم السماء هي السدم ، والسدم: عبارة عن غازات تعلق فيها بعض المواد الصلبة المظلمة، فليست كالنجوم مشعة مضيئة ، أليس أدق وصف لذلك هو وصف (دخان)؟!

2-قوله تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾[الذاريات: 47] .

قرر علم الفلك الحديث بأن السماء لا زالت في اتساع دائم سواء في تكوين مدن نجومية جديدة باستمرار، أو في تباعد هذه المدن النجومية باستمرار .

3-قوله تعالى :﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾[الرحمن:7] .

اكتشف (نيوتن) أن في السماء قانوناً محكماً دقيقاً يحكم أجرام السماء هو قانون الجذب وأن محصلة هذا الجذب بين الكواكب هو الاتزان بينها (الميزان) ويعتبر اكتشاف الكوكبين (نبتون وبلوتو) نصراً للقانون الذي اكتشفه نيوتن ، فباستخدام ميزان الجذب حدد الفلكيون مواقع لكواكب (أورانس) ولكن بواسطة الرصد وجدوا مواقعه مختلفة فافترض الفلكيون وجود كواكب أخرى تؤثر بجذبها لأورانس ، وقد أمكن حساب مواقع الكوكب السيار نبتون في السماء في مقدار تأثيره على أورانس، وحدد الاتجاه الذي شوهد فيه بعد تقدم رسائل الرصد، تطبيقاً لقانون الجذب، وبالمثل في هذا الميزان أمكن اكتشاف السيار الآخر (بلوتو) فهل فهم الآن معنى قوله تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾؟!

4-قوله تعالى:﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا(27)رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا(28)وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا(29)وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا(30)أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا(31)وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾[النازعات: 27-32] .

في هذه الآيات ألفاظ قرآنية كشف التقدم العلمي عن مقدار دقتها:

(أ) السماء بناها:

أثبت التقدم العلمي أن أجرام السماء كأحجار في بناء واحد يشد بعضه بعضاً، ويقوم كل على الآخر فإذا اختل النظام في جرم أو أجرام اختل البناء كله .

(ب)رفع سمكها:

فلم يعرف الإنسان مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم فعرفنا أن السماء مرتفعة وليست قريبة كما يظن النظر المجرد .

(ج)وأغطش ليلها وأخرج ضحاها:

إن الأرض والشمس والنجوم كانت جميعاً شيئاً واحداً  لا يتميز عليه ليل أو نهار، فلما حدث الانفصال وأخذت بعض الكواكب تبرد وتدور حول نفسها فببرودتها أصبحت معتمدة وبدور أنها أمام الشمس والنجوم المضيئة تميز عليها النهار ، كما تميز الليل. وهكذا تبين لنا دقة هذا التعبير.

(د)والأرض بعد ذلك دحاها:

دحاهاً : أي بسطها لتكون صالحة للإنبات ونفع الإنسان. ومن معاني الأدحية : البيض، ومن معاني دحا: دحرج. ويظهر أن الأرض عند انفصالها أخذت تدور وتتدحرج في مسارها ولا تزال تتدحرج وتتقلب وهي تجري في فلكها ومسارها، فهل تلقى هذه الحقيقة العلمية أوضح معنى من قوله تعالى : ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾؟!

(هـ)أخرج منها ماءها:

فمن الأرض يخرج ماء المطر ولا يزال بعض الناس يظنون أن ماء المطر يسكب من خزانات في السماء وماء البحار الأول كان جزءاً من الأرض نتج عن التفاعلات الكيماوية أثناء تصلب القشرة الأرضية. ولقد كانت هذه التفاعلات بقدر معلوم لتنتج ماء بقدر مناسب .

5-﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾[يس: 39] .

هذه الآية تقرر حقيقة: هي أن سبب تغير شكل القمر في كل شهر هو تنقله في منازل معلومة حتى يعود هلالاً وهو المعبر عنه في الآية بـ(العرجون).

6-وقوله تعالى:﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا ﴾[الفرقان : 61] .

وقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾[يونس:5] .وقوله : ﴿ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴾[نوح:16] .

من الآيات السابقة نجد تفريقاً بين ضوأي الشمس والقمر، وهكذا كل آيات القرآن تصف الشمس بالسراج الوهاج المضيء، وأما القمر فلا تصفه بأنه سراج إنما تصفه بأنه منير، ونور. فما هو الفرق الذي توحي به الآيات.

وهل هناك مبرر لهذا التفريق الوارد في القرآن؟ لقد أثبت التقدم العلمي أن ضوء الشمس من ذاتها فهي سراج وأما القمر فليس ضوؤه من ذاته إنما هو قد أنير بضوء الشمس.

7-قوله تعالى:﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾[النحل:8] .

﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(41)وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾[يس: 41، 42] .

فالآية الأولى تذكر أن هناك شيئياً آخر سيركبه الإنسان ويتزين به ، سوف  يخلق والناس لا يعلمون به ، وأنه من جنس ما يركبه الإنسان ويتزين به من خير وبغال وحمير ، وجاءت الآية الثانية تقول بأن الله قد أعد للإنسان مركوباً كذلك الفلك المشحون، هو (من مثله) وإذا تأمل الإنسان في وسائل النقل الأولى لا يجد شيئاً قد ركبه الإنسان يشبه الفلك المشحون فما هو إذن؟

ولقد جاء التقدم العلمي بالجواب وعرفنا من وسائل المواصلات والزينة غير الخيل والبغال والحمير وعرفنا ما يشبه ذلك الفلك المشحون: من قطارات وحافلات (باصات) وطيارات وبواخر، فعرفنا جزءاً من المقصود بقوله تعالى ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ وقوله سبحانه ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ .

ورأينا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال : (لتتركن القلاص[50] فلا يسعى عليها) وها قد حلت وسائل النقل الحديثة مكانها .

8-وقوله تعالى : ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾[الزمر:6] .

ما هي الظلمات الثلاث التي ينطوي داخلها الإنسان في بطن أمه من طور إلى طور؟

سؤال عرفت إجابته بدقة بعد أن تقدم علم التشريح وكيف أن الغشاء اللفائفي، وكل من هذه الأغشية لا يسمح بنفاذ الضوء أو الماء والحرارة ، أفل يكون بتلك الخصائص ظلمة وتكون جميعها ظلمات ثلاث؟

9-قوله تعالى : ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾[القيامة: 3-4] ، البنيان: هي أطراف الأصابع وتسويتها هنا معناها: إعادتها إلى هيئتها الأولى ، فأيهما أصعب : إعادة البنان أم إعادة العظام؟ قد يتساوى الأمران عند النظرة الأولى ، ولكن إذا عرفنا أن لكل إنسان رسماً خاصاً لبنانه لا يشابهه رسم لبنان أي إنسان آ×ر، وقد استخدمت بصمات البنان في التعرف على الشخصية .

إذا نحن عرفنا هذا عرفنا السر الذي اختفى طويلاً من معنى هذه الآية حيث يقول العليم الخبير لمن أنكر البعث: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ(3)بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ أيأن في قدرتنا ليس جمع العظام فحسب بل وما هو أكبر منه ، وأدق وهو تسوية البنان ، أي إعادة تلك البنان بخطوطها التي يتميز بها كل إنسان بانفراده . وما عرف الناس أن إعادة تسوية البنان كما كان هي أصعب من جميع العظام إلا في هذا الزمان، فما أعظم خلق الله وما أدق كلام الله!!

10-وقوله تعالى : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾[البقرة: 228] .

أي تنتظر قبل أي عقد جديد للزواج ثلاث حيضات ، فلماذا لا يكون حيضة؟ أو حيضتين؟ إن القانون الفرنسي مثلاً يقول: (يجب على المرأة الأرملة أو المطلقة إذا أرادت الزواج أن تعتد لمدة قدرها ثلثمائة يوم من وقت الوفاة أو الطلاق إلا إذا ولدت لأقل من ذلك)؟ وهذه المدة تزيد على تسعة أشهر، إن الجواب قد جاء به التقدم العلمي حيث يقول الأطباء: إن الحيض ينقطع بمجرد الحمل، ولكنه في حالات نادرة قد ينزل مرتين ولكنه لا ينزل مع وجود الحمل ثلاث مرات أبداً. وبهذا تكون مدة ثلاثة قروء هي المدة المحددة الصحيحة المناسبة لتقرير حمل المرأة من عدمه على أساس متين وقاعدة وثيقة.

11-وقوله تعالى :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾[البقرة: 222] .

وصف طبيب أضرار نكاح الحائض فقال : وإنما حرم الجماع في زمن الحيض للأسباب الآتية:

1-إن تهيج أعضاء الأنثى بالجماع في هذا التوقيت يحدث احتقاناً يسبب التهابات رحيمة أو مبيضية أو حوضية تضر بصحتها ضرراً بليغاً . وربما نشأ عن هذا الالتهاب تلف في المبيضين أو في مجاري البويضة تؤدي إلى العقم: وأيضاً فإن تعرض الأنثى للهواء في هذا الوقت يضر بأعضائها الداخلية وقد يحدث فيها التهابات.

2-إن دخول مواد الحيض في مجرى قضيب الرجل قد يحدث فيها التهاباً صديدياً في بعض الأحيان، وهذا الالتهاب يشبه السيلان وقد يمتد إلى الخصيتين فيؤذيها وربما نشأ عن ذلك عقم الرجل.

ألا ما أدق التعبير القرآن الحكيم : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾.

12-قوله تعالى :﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾[البقرة:233] .

في هذه الآية دعوة للأمهات للرضاعة مع تحديد المدة المثالية للرضاعة، وبتقدم العلم انكشف أن في الرضاعة فائدة للأم وولدها على السواء، ويشرح محمود وصفي ذلك فيقول: (إن مص الطفل من ذي أمه يعد من الضروريات اللازمة للإسراع بعملية الكمش (عودة الرحم إلى حالته الطبيعية) وهذه الانقباضات الرحمية التي تحركها الرضاعة، توقف كذلك أي ميل للنزف من الجيوب الوردية التي تنفتح بانفصال المشيمة وأغشيته الجنينية المختلفة، والرضاعة بجانب ذلك تسبب انقطاع الحيض عند المرضع الجيد.. كما أنه قد قيل : إن نحو ثلاثة أرباع الإصابات بضخامة الرحم إنما يرجع إلى إهمال الوالدات إرضاع أطفالهن.. وقد وجد كذلك أن الوالدات المصابات بأت نوع من أنواع الحمى المعدية قد يكون في مصلحتهن الاستمرار في الرضاعة ما دامت حالتهن العامة طيبة، ولا ضرر على الأطفال حينئذ إذ إنهم يحصلون على مواد في اللبن تحصنهم دون العدوى بالأمراض المصابة بها الأمهات.. كما أن الرضاعة تفيد الضعيفات والمصابات ببعض حالات في فقر الدم في كثير من الأحيان، وأما الطفل فيستفيد من رضاعته من أمه أجل فائدة. ولا شك أن لبن الأم يلائم حياة الطفل ملاءمة تامة فيزيد مقداره في الحجم وفي تنوع محتوياته حسب حاجاته، كما أنه تتوافر فيه المواد التي يستحيل أن تتوافر في غذاء واحد سواه) .

وأما الدكتور عبدالعزيز إسماعيل فيقول: (وقد تغيرت النظريات الطبية في هذه المدة فقد كان الأطباء ينصحون بالرضاعة مدة تسعة أشهر فقط، وأحياناً سنتين ولكن آخر تقرير في سنة 1933م عن فائدة الرضاعة الطبيعية للجسم والأسنان يقول: إن المدة يجب أن تكون فوق السنة ويستحسن أن تكون سنتين كاملتين) .

13-وقوله تعالى:﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[الأنعام: 145] .

هذه الآية الشريفة تحرم أكل الميتة في وقت كان العرب يبررون أكلها لكلام خادع مؤثر يقول: ما أماته الله خير مما أمتناه بأيدينا!! ولكن القرآن حرمه وجاء العلم يكشف لنا شيئاً من حكمه التحريم، فقد عرف الإنسان أن جثة الحيوان الميت مستودع لمختلف جراثيم التعفن التي توجد طبيعية في أمعاء الحيوان، وتغزو جميع أجزاء الجسم بمجرد الوفاة عن طريق الأوعية الدموية واللمفاوية. وبعض هذه الجراثيم تكون أثناء تكاثرها ـ توالدها ـ مواد ضارة ، كما تحدث مواد أخرى سامة نتيجة التحلل يظل مفعولها حتى بعد عملية الغلي ، هذا مع العلم بأن الذبح يخلص الجثة من الدماء المحتوية على المواد البولية ، وقد يتضاعف الخطر إذا كان موت الحيوان ناشئاً عن أمراض تنقل إلى الإنسان كأمراض السل والحمى القمحية وغيرها .

وحرم الدم المسفوح ، فبمجرد نزوله من الحيوان يتلوث بالجراثيم وتنمو فيه بسرعة فهو بيئة خصبة لنمو الجراثيم ، كما تفقد الكرات البيضاء مقدرتها على المقاومة إلى جانب أن الدم عسر الهضم جداً حتى إنه إذا بقي جزء منه في المعدة تقيأه الإنسان، أو يخرج مع البراز بدون هضم على صورة مادة لزجة سوداء، وفي أثناء مرور الدم في القناة الهضمية يتحلل ويتعفن وبذلك يضر الجسم، والدم يحمل البولينا وغيرها من المواد المختلفة عن الجسم ، وهي فضلات ، فلا يصح إعادتها إليه ، كما أن الدم يحمل سموماً أخرى يعمل الدم على التخلص منها أثناء الحياة .

وتحرم الآية لحم الخنزير ، وقد عرف من أضرار أكل لحم الخنزير ما يلي:

1-أن آكل لحم الخنزير عرضة للغصابة بالدودة الشريطية وتقرر كتب الطب أن الإصابة بهذه الدودة تكاد تكون عامة في جهات خاصة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا ولكنها نادرة الوجود في البلاد الشرقية، لتحريم أهلها أكل لحم الخنزير .

2-ويتعرض آكل لحم الخنزير للغصابة بمرض (التوبخينا) الذي يسبب آلاماً شديدة للإنسان خاصة في عضلاته ، وأهم ما يذكر عن هذا المرض أنه لا علاج له لأسباب فنية ، كما أنه يستحيل كذلك الحكم على خنزير ما بأنه خال من هذا المرض لأسباب أخرى فنية كذلك، ولقد حاول قال الدكتور (شروف بيرون) في مقال له تحت عنوان (الإسلام وحفظ الصحة) : (كلما ألفت الحياة الإسلامية أعجبت بقواعد حفظ الصحة العجيبة التي وضعها النبي محمد صلى الله عليه وسلم للمؤمنين... عد محمد صلى الله عليه وسلم من الأشياء النجسة : الخنازير والكلاب . ولماذا ذلك؟! لأن لحم الخنزير قد ينقل مرض (التراشينور) وهو مرض خطير ، وكثيراً ما يكون مميتاً ... وقد تنقل الكلاب ديداناً خطرة تقضي على حياة الذين تدخل أجسامهم.

الخلاصة :

القرآن الكريم كتاب هداية لحياة الناس وليس كتاباً للهندسة والفلك والكيمياء ، يجب أن نجد فيه كل ما يتعلق بهذه العلوم من حقائق.

وعد الله بأنه سيري الناس آياته في الآفاق وأنه سيعرفهم بها ، ولقد تحقق الوعد في مجال هذه الحقائق العلمية في زمن التقدم العلمي الذي كشف عن هذه الحقائق ، وعرف الناس صدق ما جاء في القرآن عنها ليعلموا أن القرآن نزل بعلم الله وأنه الحق من ربهم .

من هذه الحقائق ما هو واضح وجلي كالإخبار عن انفصال الأرض عن السماء وأن الماء أصل الحياة، وأن اللبن يستخرج من بين الفرث والدم تباعاً، وأن من تصعد في السماء أصابه ضيق شديد في صدره ، وأن في البحر فرعين من الموج: موج داخلي في البحر، وموج فوقه على السطح، وأن الزوجية موجودة في النباتات الأرضية تنبت وفق أوزان من مواد محددة، وأن المصنع الذي تخرج منه الحبوب هو المادة الخضراء الموجودة في النبات، وأن مواقع النجوم عظيمة لا كما يسحبها البدوي، وأن السحب الركامية تتألف من أجزاء متناثرة فتكون كالجبال ، وهذا هو الشرط في وجود البرد، وأن نزول البرد لا يخضع لرسم جغرافي محدد وإنما تصريفه غير محدود. وهناك آيات قرآنية كشف التقدم العلمي عن معناها ودقة ألفاظها : كوصف السديم بالدخان ، وتوسيع السماء المستمر، ميزان الجذب الذي يربط أجرام السماء ويجعلها كالبناء ، وارتفاع السماء ، وتميز الليل والنهار بعد فترة لم يكن فيها تميز ، ودحو الأرض ودحرجتها، وإخراج ماء الأرض منها، والإخبار بأن سبب عودة القمر إلى هلال هو تنقله في منازل معلومة، والتفريق بين الشمس والقمر في نوع الضوء ، والإعلان عما سيكون من وسائل النقل، والظلمات الثلاث التي يحاط بها الجنين في بطن أمه، والحكمة من تعظيم تسوية البنان، والحكمة من تحديد ثلاثة قروء للمطلقة، والحكمة في وصف نكاح الحائض بأنه أذى ، والحكمة في حث الأمهات على الرضاعة ، وفي تحديد مدتها المثلى بعامين ، والحكمة في تحريم لحم الميتة ، والدم المسفوح، ولحم الخنزير. كل ما سبق يدل على أن القرآن وحي من عند الله، وليس من علم رجل أمي عاش في القرن السادس الميلادي .

شبهات وردود

كثرة الفاسدين:

يقول بعض الجهلة : لماذا يرضى الله بوجود الأغلبية الكافرة من الناس؟ وإذا كان الإسلام هو الحق فلماذا لا يدين به أغلبية الناس؟ وقد يحاول بعض المضلين عناداً وحمقاً بقوله: إذا كانت الأغلبية ستدخل الناس فأنا أحب أن أكون مع الأغلبية .

والجواب:

ابتداء: من الخطأ اعتقاد أن الأرض مركز الكون، أو أنها شيء هام في هذا الملكوت، مع إجماع علماء الفلك على أن الأرض بين النجوم لا تساوي نقطة ماء في المحيط. وإذن فما قيمة كل من يعيش عليها في هذا الملكوت العظيم ، وقد جاء في الحديث : ( أنه لو كان الإنس والجن أولهم وآخرهم على أكفر قلب رجل منهم ما نقص من ملك الله شيء ، ولو كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد في ملك الله شيء) لأن الدنيا لا تساوي بأكملها عند الله جناح بعوضة .

ولقد جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر فيها شربة ماء) وإذن ماذا ينقص في ملك الله لو كان في الأرض أغلبية كافرة؟..

ولنتأمل في الأجيال السابقة : لقد فنيت من الدنيا فهل أنقض فناؤهم هذا من ملك الله شيئاً؟ وسيفنى بعدهم الآخرون ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾.﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾[إبراهيم: 8] .

ثم إن الأمر بالنسبة للخالق مالك السموات الأرض ليس أقلية وأغلبية إنما الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء ، ومن أحسن فاز بالجنة ، ومن أساء فمصيره النار يستوي في ذلك القليل والكثير.

ولقد جاء في الأحاديث أن نسبة الذين يدخلون النار أول مرة 999 من كل ألف ثم يعذبون فيها بقدر ذنوبهم ، ويخرجون تباعاً إلى الجنة حتى لا يبقى فيها من كان يقول لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان. أما لماذا لا يعتنق الإسلام أغلبية الناس طالما أن الإسلام هو الحق؟ فأسباب ذلك كثيرة .

والله لا يعذب أحداً من الناس لم يصل إليه دينه الحق ، قال تعالى :﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾[الإسراء:15] .

ومع ذلك فالحق لا يعرف بالأغلبية والأقلية فكم من مبادئ كان السواد الأعظم من الناس يحاربها ، ويقف ضدها، ثم ما تمر سنوات حتى يعود ذلك السواد الأعظم إلى اعتناقها والافتخار بالانتماء إليها. لقد قال تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أجمعت الدنيا على محاربته عند تبليغه لرسالة ربه .﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾[الأنعام: 116] .أما ذلك الذي يعلن أنه مستعد أن يدخل النار مع الأغلبية فإنا نطلب منه أن يجلس على جمرة خمس دقائق!!إنه لا ولن يرتضي ذلك قط ،وحينئذ فإعلانه الرضا بنار وقودها الناس والحجارة﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾[النساء: 56] ضرب من العبث والدعاوي الكاذبة .

الإسلام والرجعية :

يقول أعداء الإسلام : إن الإسلام (رجعية) . والجواب على هذه الشبهة يبدأ بسؤال عن معنى الرجعية ومعنى التقدم؟

معنى التقدم والرجعية:

فإذا كان التقدم هو السعي الجاد لتغيير الأحوال الفاسدة في شتى مجالات الحياة، وتبديلها بأحوال صالحة فذلك هو ما يدعو إليه الدين الإسلامي من الحث على العمل، والتعاون على البر والتقوى وإعداد العدة، والحصول على القوة ونشر العلم، والتحلي بالفضيلة: من الصدق والأمانة والعفة والشجاعة والتواضع والكرم والحياء ومحاربة الرذيلة، حتى قال صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)، وقال : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) .

وإذا كان التقدم هو تعمير المدن والقرى، واستخدام المعادن، وصنعة الطائرات والبوارج، وإقامة الجيش القوي المزود بأنواع القوة وتوفير وسائل العلاج، واستصلاح الأراضي وزراعتها فذلك ما يحثنا عليه ديننا ويدعونا إليه . أما إذا مسخ معنى التقدم فأصبح يعني الاستهتار والتهتك وتضييع العقول بشرب الخمر، وتدمير الأسر بالزنا، ونشر الرذيلة، وملازمة الفاحشة بالخلاعة والتبرج، وتدمير الأسر بالزنا، ونشر الرذيلة، وملازمة الفاحشة بالخلاعة والتبرج، والانحلال وتمزيق الشعب شيعاً وأحزاباً، وتبديل الإيمان بالله الحي القيوم بوثنية جديدة هي ألوهية الطبيعة الصماء البليدة التي لا تعقل ولا تفهم، والتنكر لحقوق الآباء والأمهات، والتعامل بالكذب والخديعة وثلم الأعراض بالغيبة والنميمة، فذلك ليس في نظر العقلاء إلا سفاهة وجنوناً. والإسلام يعتبره رجوعاً إلى الجاهلية الأولى ، وردة عن النور والهدى، وعلى ذلك فلا يكون رجعياً إلا من رجع عن دينه كله، أو عن أصل من أصوله، أو عاند الحق أو أضاع العقل.

الإسلام وضعف المسلمين:

 وقد يقول جاهل : إذا كان الإسلام حقاً فلماذا نجد المسلمون اليوم في حال يؤسف له من التخلف العمراني والصناعي والحضاري؟ والجواب:

إنه ليس حال المسلمين حجة على الإسلام بل الإسلام حجة على المسلمين، دعاهم إلى الوحدة فتفرقوا، ودعاهم الإسلام إلى العلم فقعدوا عنه، ودعاهم إلى إعداد القوة للأعداء فناموا وتكاسلوا، ودعاهم إلى الحكم بالعدل فظلم بعضهم بعضاً، ودعاهم إلى محاربة نفوذ الكافرين فمال بعضهم إلى مواطنتهم ومودتهم وموالاتهم، ودعاهم إلى خلق كريم فمالوا إلى اللؤم والخسة، ودعاهم إلى استثمار خيرات الأرض فتهاونوا.. أما الآباء والأجداد الذين صدقوا في إيمانهم واستجابوا لنداء ربهم، فلقد كانوا خير أمة أخرجت للناس، ولقد أسسوا أعظم حضارة عرفها التاريخ. فتأخر المسلمين إذاً ليس إلا بعدهم عن تعاليم الإسلام.

 التعذيب والكتابة في اللوح:

ويقول بعض المرتابين: إذا كان الله قد كتب علينا في اللوح[51]: أننا سنعمل الشر فلماذا سنعل الشر فلماذا يعاقبنا على ما قد كتب علينا؟ والجواب واضح: وهو أن علم الله السابق الذي كتب في اللوح لم ينزل إلى الأرض لإرغامنا على فعل الشر والخير حتى نحتج بهذا السؤال، فليس لعلم الله السابق وما كتب في اللوح قوة تسوقنا مكرهين إلى فعل الأشياء، بل علم الله السابق صفة انكشاف لما سنعمل بحريتنا لا صفة تغيير لأفعالنا ، وكل إنسان منا يشعر تمام الشعور أنه يمارس عمله بحرية تامة؛ ويشهد بذلك ما في جسم الإنسان من عضلات إرادية تعمل تحت إرادة الإنسان، وعضلات لا إرادية هي تلك التي لا دخل للإنسان في توجيهها ، كعضلة القلب , وعضلات المعدة . ولذلك لا ينبني على أعمال هذه العضلات اللاإرادية أي ثواب أو عقاب. فإذا علمت أن شخصاً قد مشى إلى عمل من خير أو شر فهل علمك يؤثر فيما عمله الشخص المذكور؟ كذلك فإذا فعلت خيراً مثلاً، وكتب شخص ما فعلت من خير ، فهل يقول أي عاقل : إن تلك الكتابة هي التي أرغمتك على فعل الخير؟ كلا. إن كتابة ذلك الشخص ليست إلا تسجيلاً لما فعلت، والكتابة في اللوح ليست إلا تسجيلاً لما ستفعل باختيارك، وليس من فرق بين التسجيل لفعلك قبل حدوثه ، والتسجيل بعد حدوثه إلا لذلك الفرق بين علم الله الواسع الشامل السابق، وعلم الإنسان المحدود اللاحق.

تأمل إلى الأستاذ الحاذق الذي يعرف أحوال طلابه فلو أنه كتب قبل الامتحان أسماء الذين سينجحون وأسماء الذين سيرسبون في مذكرته ، فهل من الحق أن يأتي الطالب الذي رسب ويقول: يا أستاذ أنت كتبت أني سأرسب في الامتحان في مذكرتك فرسبت، سيرد عليه الأستاذ قائلاً: لا تجعل دقة تقديري وعلمي بأحوال طلابي عذراً لبلادتك وكسلك، إني علمت حالتك فقدرت نتيجتك ، ولكن ذلك العلم لم يجبرك على الإجابة في الامتحان ، بل لقد أجبت بمحض إرادتك، ولكني كنت أعلم بأحوالك فقدرت تقديراً صحيحاً فكان علمي سابقاً لأوانه .

وقد يسأل مرتاب قائلاً: إذا كان الله قد علم أني سأفعل شراً، لماذا لم يمنعني عنه؟ والجواب:

لو عرف هذا المغرور حقيقة طلبه لكف عن الطلب، ولعلم بسخف اعتراضه على خالقه الحكيم.

إن السائل لهذا السؤال يريد من الله أن يخبره عن فعل الخير، وترك الشر. ومعنى ذلك: أن يسلب الله الإنسان أهم الخصائص الإنسانية، وهي خاصة الإرادة التي تفعل بها ما تشاء لأن الله إذا أرغم الإنسان على فعل الخيرات، وترك الشرور، فذلك معناه: سلب الإرادة والاختيار وتحويل الإنسان إلى آلة كالجماد الذي يتحرك دون إرادة منه أو تدبير. ولقد كرم الله بني آدم بمنحهم الإرادة وحرية الاختيار. وإن كان سبحانه يعلم ما سيفعل الخلق إلا أنه لم يشأ أن يعذبنا على ما يعلم منه، بل شاءت إرادته أن يكون الجزاء بعد فترة يظهر فيها العمل ، وتشهد به الأرض والملائكة والجوارح والثقلان بما لا يبقى معه أي سبيل للإنسان إلى تكذيبه أو إنكاره. وهل يستطيع كافر أن ينكر علم الخالق بما خلق؟ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الملك: 14] . ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾[غافر: 19] . ﴿ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾[طه: 7] . وما علينا إذا لم يقتنع المعاندون بعد ظهور الحق الأبلج، فقد قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾[الشورى:48] ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾[القصص:56] فيفترون بقولهم: إذا كان الله يهدي من يشاء فلماذا يعذبنا وقد أضلنا؟ ولو تدبر هؤلاء الزائغون آيات القرآن لوجدوا الجواب واضحاً جلياً. ولعلموا أنه لا سلطان لأحد على ربه، وأن معنى ذلك: هو أن الله يفعل ما يشاء لا ما يشاء غيره. فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء لكن ربنا هو العدل الحكيم سبحانه فلا يهدي إلا من عمل ما يستحق به الهداية. قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ﴾[محمد:17] ، وقال سبحانه ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾[العنكبوت:69] . كما إن مشيئة الله العادلة لا تضل إلا من يستحق الضلال. قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾[الصف:5] .

أين النار؟

وهذه شبهة تقول: إذا كان الله قد وصف الجنة بأن عرضها السموات والأرض ، فأين النار؟

والجواب: في مكان آخر يعلمه الله. ألا ترى أنه إذا جاء النهار ذهب الليل الذي كان يملأ الآفاق إلى جهة أخرى؟؟!

مفاتح الغيب:

لقد أمكن للإنسان أن يعلم على وجه التقريب بوقت نزول المطر خاصة بعد تقدم أجهزة المراصد؛ كما أشارت بعض الأخبار بأنه قد أمكن للأطباء تمييز جنس الجنين ذكراً أم أنثى، وذلك بعد عدد من الأشهر والجنين لا يزال في بطن أمه. ويحاول بعض أعداء الإسلام التشكيك في حديث رسول الله القائل: (خمس لا يعلمهن إلا الله)[52] **: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾[لقمان:34] . فزعموا أن الإنسان قد علم بأمور كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن علمها مما اختص به الله سبحانه. وتلك دعوى لا تقوم على أساس سليم. فعلم الساعة لا يزال مجهولاً عن الإنسان ، وإن كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بأماراتها غير أن وقتها المحدد سراً لا يعلمه أحد غير الله، والله وحده هو الذي يعلم بوقت نزول الغيث ومدة نزول علماً بقيناً كما يعلم موقع كل قطرة، ومصيرها، وأثرها. وما سيئول إليه أمرها بل وما سيترتب على نزولها من نفع وهذا أمر لا يعلمه علماً يقيناً إلا أن سبحانه. والله وحده هو الذي يعلم علم اليقين ماذا في الأرحام في كل لحظة، وفي كل طور من فيض، وغيض، وحمل ، حتى في حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم، وهو وحده الذي يعلم ما هو مودع في تلك النطفة في ظلمات الرحم من مواهب وطاقات ، فذلك العلم الدقيق الشامل لما في كل رحم من الأرحام، هو مما يختص الله بعلمه سبحانه.

وقد يعلم الإنسان على وجه الترجيح أو الظن بعض ما سيكسب غداً. غير أنه لا يصل إلى درجة اليقين والإحاطة الشاملة بكل ما سيلاقية الإنسان فذلك أمر لا يعلمه بتمامه وكماله وشموله إلا الله.

فكم ظن إنسان أنه سيكسب خيراً في غده فكان مكسبه خسراناً، وكم تهيأ مسافرون لما سيعلمون بعد انتهاء السفر فانقطعت بهم وسائل السفر. وقد يعمل الإنسان أنه سيموت في بلد معين أو وقت قريب غير أن علم الإنسان لا يزال ظنوناً . وقد تصيب وتخطئ فهي والحال كما ذكرنا ظنون أو شبهات علوم لا تصل إلى درجة اليقين. كما أنها لا تصل إلى درجة الدقة والإحاطة.

وهكذا نجد صدق ما جاء في حديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم في عصر بلغ فيه العلم الإنسان درجة عالية من الرقي ، فنجد العلم اليقيني الشامل الكامل في هذه الأمور الخمسة مما اختص به الله وحده. أما علم الإنسان فقد يعلم شيئاً ما وكم غابت عنه أشياء، ومع ذلك فعلمه كما سبق القول لا يصل إلى ذلك العلم الإلهي الشامل قال تعالى : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾[الإسراء:85] . ولا عجب في أن يعلم الله الإنسان ما شاء له أن يعلمه ، فإن للإنسان مكانة عظيمة عند الله لأنه خليفة الله في أرضه.

شبهة المطر الصناعي:

عندما تمكن الإنسان من معرفة السنن الإلهية التي أجراها الله والأسباب والمسببات التي قدرها لإنزال المطر، أخذ الإنسان يحاول أن يستخدم هذه السنن على نطاق محدود لإنزال ماء السحب عند بروزها. فظن بعض الجهلة أن ذلك تطاول من الإنسان على قدرة الله، ومساواة بين الإنسان وخالقه وقالوا: إنه قد أصبح في مقدور الإنسان الأمر الذي كان في مقدور الله. وسبب ذلك الظن هو الجهل بمكانة الإنسان التي منحه الله إياها . ولنا أن نسأل الآن إذا كان ماء المطر عند نزوله على بذور في التربة، يسبب نباتها . فهل يكون الإنسان هو المنبت للبذور عندما استخدم السنن الإلهية بسقي البذور فتنبت؟! كلا.

ألم يعلم هؤلاء أن الله هو خالق الأشياء وأسبابها وأقدارها، وأن الإنسان هو خليفة الله في هذه الأرض الذي يستخدم هذه السنن والأقدار، بما أودع الله فيه من قدرة على الاستخلاف تفوق بها على الملائكة وهي قوة العلم والمعرفة. وإذا كان الإنسان قد استطاع أن يعمل ما يسبب نزول المطر فليس ذلك كما يستحث الإنسان إخراج الثمار والأشجار من البذور المخزونة ووضعها في التراب وسقيها بالماء كما قدر الله سبحانه ، وبالقوة التي أودعها الله في الإنسان.

غير أن القرآن لا يحرم على الإنسان إنزال المطر، كما إن الله هو الذي يزرع الأشجار والنباتات بتقديره وقدرته، إلا أن ذلك لا يحرم على الإنسان أن يقوم باستخدام أقدار الزراعة وسننها في زراعة الأرض ، بل إن على الإنسان أن يعرف المكانة التي منحه الله إياها وذكر ذلك في كتابه بقوله : ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾[البقرة:30] . وقال تعالى : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾[الجاثية:13] فإذا حقق الإنسان تقدماً وسخر شيئاً لخدمته فليذكر نعمة ربه عليه وليشكره؛ فما حصل على شيء من ذلك إلا باستخلاف الله له، وتسخيره له. ويحسن أن نذكر هنا كلمة عالم مختص في هذا الموضوع هو الدكتور محمد جمال الدين الفندي أستاذ الفلك  والطبيعة الجوية بكلية العلوم بجامعة القاهرة الذي يقول : (إن الظروف الطبيعية التي تؤدي إلى تكوين المزن ونزول المطر لا يمكن أن يصنعها البشر، بل وحتى لا سبيل إلى التحكم فيها. ولا يزال موضوع المطر الصناعي[53] واستمطار السحب العابرة ـ مجرد تجارب لم يثبت نجاحها بعد ، وحتى إذا ما تم نجاحها فإن من اللازم أن توفر الطبيعة الظروف الملائمة للمطر الطبيعي حتى يمكن استمطار السماء صناعياً أي إن واجب علماء الطبيعة الجوية لا يتعدى قدح الزناد فقط ، بتوليد حالات من فوق التشبع داخل السحب الركامية ، وعلى الأخص داخل المناطق[54] نفقط الماء فوق البرد) .

الإسلام وغزو الفضاء :

يرى بعض الجهلة أن محاولات الإنسان لغزو الفضاء فيه زعزعة للدين ، وتمرد على الخالق الذي أوجد الإنسان. كما يرون أن هذه المحاولة لم تكن في حساب الدين ولم يشر إليها مطلقاً، الأمر الذي يوجد الحيرة في نفوس المتذبذبين القاصري الفهم؛ فلا يدرون كيف يحددون موقفهم أمام هذه المحاولة!! والواقع أن تطلع الإنسان إلى استكشاف هذا الكون ليس فيه ما يزعزع العقيدة الصحيحة في نفس الإنسان ، وليس تمرداً على دين الإسلام بل إن فيها ـ في الحقيقة معجزة لنبيه عليه الصلاة والسلام وتصديقاً لما جاء في كتابه العزيز عن إحاطة الله سبحانه بكل ما كان وسيكون من أمر الإنسان قال تعالى ﴿ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾[الرحمن:33] وقال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ ﴾[الملك من 5] فإذا عرفنا أن النجوم لا تزال في مجال السماء الدنيا أي السماء القريبة من الأرض، وإذا عرفنا أيضاً أن علم الإنسان لا يزال محصوراً في نطاق النجوم التي هي زينة السماء الدنيا، وأن المحاولات مستمرة في اكتشاف نجوم جديدة مهما كبر الإنسان أجهزة الرصد لديه ـ مع العلم أن بيننا وبين بعض هذه النجوم مسافة لا يقطعها الضوء إلا في ستة بلايين سنة ضوئية ، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلثمائة ألف كيلو متر ـ فإذا عرفنا هذا وتأملنا القرآن الكريم وجدناه يخبر ـ قبل أربعة عشر قرناً ـ بأن الإنسان سيحاول النفاذ والخروج من أقطار السموات والأرض، كما حاول الجن من قبلهم ولم يستطيعوا تجاوز المنطقة الحرام التي يسترقون فيها السمع من الملأ الأعلى، وأشار القرآن إلى أن المحاولة لن تكون إلا عندما يكون لدى الإنسان سبب يمكنه من النفاذ ، ووسيلة بها يصعد في السماء، وليس ذلك السبب أو الوسيلة إلا نعمة من نعم الله . قال تعالى :

﴿ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾[الرحمن: 33]

﴿ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ كما أخبر القرآن أن المحاولة ليست فرضاً وإنما ستكون فعلاً ولكنها لن تنجح حتى يتمكن الإنسان من الخروج من نواحي وجهات السموات لسبع، بل إن المحاولة ستمنع عند مكان معين وستفشل بفعل شروط النار والنحاس اللذين يرسلهما الله سبحانه قال تعالى ـ بعد الآيتين السابقتين: ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ ﴾ غير أن الآية لم تحدد المكان الذي ستنطلق منه هذه الرجوم السماوية بمهاجمة الإنسان منه عند محاولته اختراق أقطار السموات السبع. علماً بأن الآيات في سورة الجن قد بينت الحدود المحرمة التي وصل إليها الجن من قبلنا. وهم الذين أشركوا مع الإنسان في الخطاب الذي حكته الآيات السابقة. فآيات سورة الجن بينت أن الجن من قبلنا قد قعدوا مقاعد في السماء لاستراق السمع من الملأ الأعلى قال تعالى حاكياً عن الجن: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴾[الجن: 8، 9] .

وإذن فالمجال أمام الإنسان مفتوح لغزو الفضاء ، وله أن يتخذ من القمر أو المريخ أو غيرهما من الكواكب مقاعد. حتى إذا بلغ به الأمر أن يصل إلى منطقة يتمكن فيها من استراق السمع من الملأ الأعلى فلا شك أنه عندئذ سيجد ما وجد سلفه الجن شهاباً رصداً ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ ﴾ وبهذه الآيات يكون القرآن أول من أخبر عن احتمال أو إمكان غزو الإنسان للفضاء في وقت كان فيه الغزو أمراً مستعجلاً ، مما يشهد شهادة قاطعة بأن هذا القرآن وحي الله الذي يعلم السر في السموات والأرض.

كروية الأرض ودورانها :

هناك من يقول : إن القرآن قد وصف الأرض بأنها مسطحة. بينما أثبت العلم أنها كروية، فقد جاء في القرآن قوله تعالى : ﴿ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾  كما أن القرآن لم يخبر بدوران الأرض . ومثل هذا القول لا يدل على عمق في تدبر آيات القرآن الكريم ، ولهذا فلا بد من نظرة تأمل عميقة لقول الله عز وجل: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ(18)وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ(19)وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾[الغاشية: 17-20] .

فهذه الآيات تحث الإنسان على التفكر والتدبر في الكيفية التي تخلق بها الإبل ، والكيفية التي رفعت بها السماء، والكيفية التي نصبت بها الجبال ، والكيفية التي سطحت بها الأرض . والآية صريحة في حض الإنسان على التأمل والتفكر في مواضيع هامة تعرف اليوم بعلوم الحيوان، والفلك ، والجيولوجيا، والجغرافيا ، والإشارة إلى سطح الأرض في الآية حث على التفكر في الكيفية التي نسق بها كل ما على سطح الأرض: من بحار ، ويابس ، وجبال ، ووديان وعيون وأنهار، وصحاري، وجليد ، ومناطق حارة ومناطق باردة ، وغير ذلك من خصائص سطح الأرض ، فالحث على التفكر في سطح الأرض ليس فيه معنى يدل على عدم كروية الأرض، بل إن أكثر من آية قرآنية تدل بوضوح على أن الأرض ذات سطح كروي ، قال تعالى ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾[الأعراف: 54] وقال سبحانه : ﴿ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾[يس:40] ومن هاتين الآيتين يعرف أن الليل والنهار يجريان في تتابع بحيث لا يسبق أحدهما الآخر ، وأن كلاً منهما يحل محل الآخر، ومن المعلوم أن هذا التتابع على الأرض، وعليه فإما يكون هذا التتابع في خط مستقيم  أو في خط دائري ، فإذا كان تتابع الليل والنهار في خط مستقيم، فإنه لن يحدث على وجه الأرض إلا ليل واحد، ونهار واحد مما يجعل التتابع على وجه الأرض المشار إليه مستحيلاً، وإذاً: لا يمكن إلا أن يكون تتابع الليل والنهار على  الأرض في شكل دائري كما يشير إليه بدقة قوله تعالى : ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ والتقليب يعني الدورة بشكل دائري لا السر في  خط مستقيم ويزيد الأمور وضوحاً قوله تعالى : ﴿ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ﴾[الزمر:5] ولا يكون تكوير إلا على سطح كروي دائري، ومن المعلوم أن الليل والنهار يكوران على الأرض. ومن هذه الآيات تتضح لنا الصورة الكروية للأرض والتي لم تعرف إلا في هذا الزمان، وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ﴾ وقال تعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ أما دورة الأرض فيوضحها قوله تعالى ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ والدحو لغة : الدحرجة. والدحرجة تعني الدوران . وقد رأى بعض المفسرين أن قوله تعالى : ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾[النمل: 88] إشارة صريحة إلى أنه دوران الأرض، وأنكروا أن يكون ذلك يوم القيامة ، لأنه لا يبعث الإنسان إلا بعد أن تكون الأرض قاعاً صفصفاً فلا يتمكن من الرؤية فيها . قال تعالى : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا(105)فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا(106)لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾[طه: 105-107] .

الشمس تجري:

ظن علماء القرن الثامن عشر والتاسع عشر أن الشمس ثابتة لا تتحرك وتبعهم بعض المرتابين في دينهم وتشككوا في قوله تعالى : ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾[يس: 38] حتى جاء التقدم العلمي فكشف خطأ ما ذهب إليه علماء القرنين الماضيين ، وأثبت أن الشمس تجري حول مركز المجرة التي تعتبر أرضنا جزءاً منها ، والتي تدور كما يدور الرحى.  فعرفنا بذلك شيئاً من معنى قوله تعالى ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ﴾ كما ثبت أخيراً أن للشمس حركة حول نفسها فهي تجري ولكن حول نفسها . وقد يكون للآية معان كثيرة غير ما اتضح حتى الآن .

 أرنا الله جهرة :

وهذا مرتاب آخر يؤمن بعقله وبالجاذبية ، وأمواج الراديو، وبوجود من صنعوا الآلات المختلفة وهو لم ير شيئاً مما سبق، وحين نوقش في قضية الإيمان بالله اشترط أن يرى الله لكي يؤمن به لا يؤمن ـ حسب زعمه ـ إلا بما يرى . فإذا سألته، وكيف آمنت بما سبق الإشارة إليه؟ أجابك: لأني لمست آثارها أو سمعت عنها من مصادر موثوقة . فلو سألته: ولماذا آمنت بها دون أن تراها؟ لأجابك بأن بصره محدود في مجال عمله وقدرته، ولا يستطيع الإحاطة برؤية كل شيء. ولو أن مثل هذا الإنسان فكر بعقل ووعي لأدرك أن لله علامات وآثاراً في مخلوقاته تدلنا عليه ، كما دلنا تحرك الأجسام إلى أسفل نحو الأرض على جاذبيتها، ودلتنا عليه ، كما دلنا تحرك الأجسام إلى أسفل نحو الأرض على جاذبيتها ، ودلتنا تصرفات الإنسان العاقلة على عقله ، بالإضافة إلى أن لله رسلاً أظهروا بينات صدقهم فصدقناهم وآمنا بربنا. فمن اغتر ببصره وأصر على أنه يريد أن يرى الله فيجرب النظر مدة دقيقة إلى الشمس وهي في كبد السماء وسيجد أنه لا يتحمل ذلك ، فإذا كان بصره لا يحتمل نور الشمس فكيف يحتمل رؤية من هو نور السموات والأرض؟!

عذاب القبر بعد احتراق الجثة:

وقد تساءل بعض الناس قديماً عن عذاب القبر الذي يكون على الميت الذي أكلته السباع أو أحرقته النار أو غرق في البحر، وقد أجاب علماء المسلمين على ذلك: بأن ذلك أمر لا يعجز القدرة الإلهية؛ فإن الروح بعد أن تفارق الجسد تعود لتتصل به أحياناً فيكون النعيم أو العذاب وقد يكون بكل الأجزاء أو ببعض الأجزاء ولو كانت تلك الأجرام قد فتتت على وجه الأرض أو أحرقت وسحقت ونسفت في الهواء ، فليس على الله ببعيد أن يصل الروح مرة ثانية في كل جزء من الأجزاء، وإذا كنا نشاهد اليوم من أنه قد أصبح في مقدور الإنسان أن ينقل نبرات صوته إلى كل مذياع (راديو) يوجد على مسافات بعيدة على وجه الأرض وأين ما كان ذلك المذياع في داخل البيوت أو الطائرات أو الغواصات تهتز كلها في لحظات وجيزة بنبرات واحدة. كما أ، بعض العلماء كابن حزم وابن هبيرة قد قالا : العذاب يكون على الروح التي تفارق الجسد فقط، وإذن فلا محل للسؤال وفقاً لهذا المذهب إلا أن جمهور العلماء قد اتفقوا على أن العذاب بعد الموت يكون على الجسد والروح معاً. وإن كنا لا ندرك أثر العذاب فليس ذلك إلا كاختفاء آلام النائم وعذابه أو فرحه وسروره وبالرغم من أنا لا نشاهد عليه أثراً مشاهداً .

قد علمنا ما تنقص الأرض منهم:

وهذا سؤال يردده المتشككون من قديم وهو: كيف يبعث الله رجلين أكل أحدهما الآخر، كيف يكون الحساب لكل منهما؟ والجواب: أن قدرة الله لا يعجزها شيء، ذلك إيمان المسلم بربه ، غير أن الله قد بين للذين يتشككون فقال سبحانه:

﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ(2)أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ(3)قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾[ق: 2-4] .

وهذه الآية تنطق بأن الأرض تأكل من الأجسام ، ومعنى ذلك أنه ربما تحول بعض تلك الأجسام إلى نبات ثم إلى غذاء ثم إلى جسم شخص آخر، لكن القرآن يوضح أن هناك كتاباً[55] يعلمه الله يحفظ كيان إنسان مستقلاً غير متداخل بغيره. كما أن الرسول قد أخبر بأن عجب الذنب لا يبلى؛ أي لا تأكله الأرض ولا الدود، وقد يكون الذي لا يبلى من عجب الذنب جزءاً صغيراً جداً يحتوي على كل خصائص الإنسان فيكون ذلك الجزء الصغير هو لما أشارت إليه الآية، ويكون هذا الجزء في الإنسان بمثابة تلك البذرة الصغيرة للشجرة الكبيرة ، فقد تنتهي الشجرة الضخمة بفروعها وأوراقها وجذورها وتبقى تلك البذرة الصغيرة سليمة حتى إذا نزل المطر أنبتت وأعادت تلك الشجرة الضخمة وكذلك الإنسان قال تعالى : ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾. فينزل الله مطراً يوم القيامة كما جاء في أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فتنبت هذه الأصول الإنسانية التي لم تبل بريح أو مطر أو نار أو غير ذلك وينبت منها الإنسان كما تنبت الأشجار . ولا عجب أن يكون الإنسان مخزوناً بكل صفاته في حجم صغير جداً كالبذرة أو الخلية أو ما هو أصغر؛ فإننا قبل أن نولد قد كنا مخزنين في تلك الحاملات الوراثية الصغيرة التي يقول عنها العلم اليوم: وتبلغ (الجينات) (وحدات الوراثة) من الدقة أنها ـ وهي المسئولة عن المخلوقات البشرية جميعها التي على سطح الأرض من حيث خصائصها الفردية وأحوالها النفسية وأجناسها ـ لو جمعت ووضعت في مكان واحد لكان حجمها أقل من حجم الكستبان (الكستبان: هو ذلك الغطاء المعدني الذي يضعه الخياط على إصبعه).

وخلاصة القول : أن الله قادر على كل شيء ، كما لا يعجزه الإبقاء على شخصية كل إنسان مستقلة من كتاب حفيظ قد يكون في عجب الذنب وحده، وقد يكون شيئاً آخر بجانب عجب الذنب لا تؤثر فيه عوامل الإفساد والتحلل، ومنه يعود تكوين الإنسان مرة ثانية والله على كل شيء قدير؟

ظنون دارون وأسباب انتشارها

 الدين الباطل:

عندما حرف النصارى دينهم ، وبدلوا ما أنزل الله إليهم أرسل الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لهداية الناس، وتصحيح ما حرف النصارى ، وبيان ما بدلوا فآمنت طائفة منهم، وكفرت طائفة ولم يزل النصارى على باطلهم حتى أذن الله أن يكشف ذلك الباطل من الدين الذين هم عليه على يد جماعة منهم، وكان ما شاء الله ، فخرجت طائفة من علماء الطبيعة على قومهم تنادي فيهم أن علومهم الطبيعية قد كشفت زيف ذلك الدين وباطله لكن هذه الطائفة لم تنج من بطش  القسيسين ، ولا من إيذاء الكنيسة التي حكمت عليهم إما بالحرق أو إهدار الدم أو السجن. وهكذا نشبت معركة حامية قاسية بين رجال الدين الباطل، وعلماء الطبيعة استخدم كل فريق منهم كل حيلة ، وشهر كل سلاحه في وجه خصمه، وفي خضم هذه المعركة القاسية ظهر (دارون) بنظرية التطور.

نظرية التطور:

تزعم هذه النظرية أن أصل المخلوقات حيوان صغير نشأ من الماء ثم أخذت البيئة تفرض عليه من التغيرات في تكوينه مما أدى إلى نشوء صفات جديدة في هذا الكائن ، أخذت هذه الصفات المكتسبة تورث في الأبناء حتى تحولت مجموعة هذه الصفا الصغيرة الناشئة من البيئة عبر ملايين السنين إلى نشوء  صفات كبيرة راقية جعلت ذلك المخلوق البدائي مخلوقاً أرقى، واستمر ذلك النشوء للصفات بفعل البيئة والارتقاء في المخلوقات حتى وصل إلى هذه المخلوقات التي انتهت بالإنسان.

أساس النظرية :

1-     تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (دارون) من الحفريات الأرضية فقد وجدوا أن الطرقات القديمة تحتوي على كائنات أولية وأن الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى. فقال (دارون) إن تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى.

2-     وتعتمد أيضاً على ما كان معروفاً في زمن (دارون) من تشابه جميع أجنة الحيوانات في أدوارها الأولى ، مما يوحي بأن أصل الكائنات واحد كما أن الجنين واحد وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحية.

3-     كما تعتمد النظرية على وجود الزائدة الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات وليس لها الآن عمل في الإنسان مما يوحي بأنها أثر بقي من القرود لم يتور ، لأنها بدورها في حياة القرود الآن .

شرح (دارون) لعملية التطور وكيف تمت:

1-     الانتخاب الطبيعي : تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء على الكائنات القوية ، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون (البقاء للأصلح) فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته جديدة في الكائن وذلك هو (النشوء) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى وهكذا يستمر التطور . وذلك هو الارتقاء .

2-     الانتخاب الجنسي : وذلك بواسطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح، فنورث بهذا صفات الأصلح ، وتنعدم صفات الحيوان الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره.

3-               كلما تكونت صفة جديدة ، ورثت في النسل .

تفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية:

1- علم الحفريات لا يزال ناقصاً فلا يدعي أحد أنه قد أكمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار، فلم يجد شيئاً جديداً ينقض المقررات السابقة .

 وعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإن وجود الكائنات الأولى البدائية أولاً ، ثم الأرقى ليس دليلاً على تطور الكائنات الراقية من الكائنات الأدنى ، بما هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود ، وإذا كانت الحفريات في زمن (دارون) تقول : إن أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة فإن الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين . أليس هذا أكبر دليل على أن علم الحفريات متغير لا يبنى عليه دليل قطعي ، وأنه قد يكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنا نؤمل؟

وليس هناك دليل على أن الظروف الطبيعية تنشيء صفات جديدة متسقة محكمة كما أن علم الحفريات (على افتراض صحة وثبات الترتيب الذي فيه) فإنه يعطي نتيجة واحدة هي : أن الحيوان الأرقى جاء في الحيوان الأدنى .

فمثلاً لو أن باحثين في طبقات الأرض جاءوا بعدنا بعد مليون عام، فعثروا في الطبقات الأولى على بقايا عربة يد ، وفي الثانية بقايا عربة خيل، وفي الثالثة بقايا سيارة حديثة ، وفي الخامسة بقايا طائرة حديثة ، وفي السابعة بقايا صاروخ ، وفي الثامنة بقايا سفينة فضائية ، فهل يدل هذا الترتيب الزمني في الظهور على أن عربة اليد قط تطورت بفعل الظروف الطبيعية إلى سفينة فضاء؟

أم أن هذا الترتيب الزمني يدل فقط على أن عربة الخيل جاءت بعد عربة اليد، وليس منها. وكذلك الترتيب الزمني لوجود الكائنات الأرقى بعد الأدنى لا يدل على أن الأرقى جاء بعد الأدنى ولا يدل على أنه تطور منه كما زعم دارون .

 يقول (البروفيسور كيث) : إننا لا نستطيع أن نسبب الإنسان إلى أي من هذه الأنواع. أما البروفيسور (و. برانكو) فيقول : إن علم (الباليونتولوجيا) لا يعرف للإنسان أسلافاً، إن ما يسمى بإنسان جاوه الذي اكتشفه (دبوا سنة 1891) ليس الذي يدندن حوله النشوئيون وليس كما يصفه النشوئيون فلقد أثبت (البروفيسور فيرشو) في المؤتمر الثالث الذي انعقد في (ليد) بأن عظمة الجمجمة التي تنسب إلى إنسان جاوه ما هي إلا قطعة من جمجمة شمبانزي وأن عظمة الفخذ هي الرجل.

أما إنسان (بيلتدون) فقد جمع من شظايا جمجمة إنسان ، وفك من بقايا شمبانزي كما أثبت ذلك التقرير الذي وضعه البروفيسور (هردليكا) أما أرثر كيث فقد أكد أن ضم هذه الشظايا يفترض أنها لمخلوق لا يستطيع أن يتنفس أو يأكل، ويؤكد (البروفيسور فيرشو) أن فكرة القرد ـ الإنسان هي محض خرافة .

يقول الدكتور (سوريال) في كتابه (تصدع مذهب دارون):

1 - إن الحلقات المفقودة ناقصة بين طبقات الأحياء ، وليست بالناقصة بين الإنسان وما دونه فسحب ، فلا توجد حلقات بين الحيوانات الأولية ذات الخلية الوحيدة والحيوانات ذوات الخلايا المتعددة، ولا بين الحيوانات الرخوة ولا بين المفصلية ، ولا بين الحيوانات اللافقرية والفقرية ، ولا بين الأسماك والحيوانات البرمائية، ولا بين الأخيرة والزحارف، والطيور، ولا بين الزحافات والحيوانات الأديمية وقد ذكرتها على ترتيب ظهورها في العصور الجيولوجية.

ويقول الكونت دي نوي: (كل مجموعة، كل فصيلة تبدو وكأنها جاءت إلى الوجود فجأة إننا لم نعثر على أي شكل انتقالي، ومن المستحيل أن نسبب أي مجموعة حديثة إلى أخرى أقدم) .

يقول الدكتور (جمال الدين الفندي) أستاذ الفلك في كلية العلوم بجامعة القاهرة : (إن من الأدلة التي تنفي نظرية دارون أن عمر الأرض كما قدره الفلكيون والطبيعيون لا يربو على ثلاثة بلايين سنة بينما يقدر علماء الحياة أن المدة اللازمة لتطور الأحياء على الأرض إلى حين عصور الحياة القديمة تزيد على سبعة بلايين سنة بمعنى أن عمر الأرض لا بد أن يكون عشرة بلايين سنة أي ضعف عمر الشمس.

2 – تشابه أجنة الحيوانات:

ذلك خطأ كبير وقع فيه نتيجة لعدم تقدم الآلات المكبرة التي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنة المتشابهة العالم الألماني (أرنست هيكل) فإنه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانية في المائة من صور الأجنة لنقص الرسم المنقول.

وقال: (عدداً من رسومي كانت تزويراً محضاً .. وإن مئات من علماء الحيوان قد ارتكبوا نفس الخطيئة) جاء هذا في مجلة (الجماين زيتونج ـ ميونخ) .

3 – أما وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلاً قاطعاً على تطور الإنسان من القرد ، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجد الذي كان اعتماده على النباتات ، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات . ولقد عرف أخيراً أن الزائدة تقوم بوظيفة صمام أمن ضد العفونات في الأمعاء . كما أن العلم قد يكشف أن لها حكمة أخرى لا تزال غائبة عنا حتى اليوم . فالعلم كل يوم إلى ازدياد ، وإذا كانت الخنوثة صفة من صفات الكائنات الأولية الدنيا، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية ، فإن الثدي من أمارات الأنوثة ، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان ، في حين ذكور وذوات الحافز كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها. فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان،و لم يبق فيما هو أدنى منه؟ مع أن (دارون) يزعم أن الإنسان تطور مما هو أدنى منه. ويقول البروفيسور (أ.س . جودريتش) من جامعة أوكسفورد: (من الحماقة القول بأن أي جزء من جسم الإنسان لا فائدة له) .

تنفيذ شرح دارون لعملية التطور:

1 – يقو (دارون) : إن هناك ناموساً أو قانوناً يعمل على إفناء الكائنات الحية فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه فتتراكم الصفات القوية حتى تكون حيواناً جديداً . وحقاً هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها ، لأن الله قدر الموت على كل حي، إلا أن نظاماً وناموساً يعمل بمقابلة هذا النظام، ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن؛ لأن الله قدر الحياة فهيأ أسبابها ، فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنبات والجاذبية كل هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات ، فالنظر إلى عوامل الفنا وغض النظر عن عوامل البقاء يحدث خللاً في التفكير، فإذا كان هناك سنة للهلاك فهناك سنة للحياة ولكل دور في هذه الحياة ، وإذا كانت الظروف الطبيعية : من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعه ، كطمس عين أو تهديم بناء فإنه من غير المعقول أن تقدر هذه الظروف الطبيعية الميتة الجامدة البليدة أن تنشئ عيناً لمن لا يملك عيناً، أو تصلح بناء فيه نقص. إن العقل يقبل أن تكون الظروف الطبيعية صالحة لإحداث الخراب والهلاك، لكنه من غير المعقول أن تكون هذه الظروف صالحة لتفسير الخلق البديع والتصوير والتكوين المنظم المتقن. إن أي عضو من أعضاء الكائنات الحية قد رسم بإتقان ، وكون بنظام ، ورتبت أجزاؤه بحكمة بالغة محيرة ، ونسق عمله مع غيره في غاية الإبداع . ومن المحال أن ينسب ذلك الإتقان والنظام البديع إلى خبط الظروف الطبيعية العشواء .

ويقول البروفيسور لوك من جامعة (كمبردج) : (إن الاختيار سواء كان طبيعياً أو صناعياً لا يمكن أن يخلق شيئاً جديداً) .

قال (جمال الدين الأفغاني) في كتابه (الرد على الدهريين) بعد نقاش لهذه النظرية : (وبعد ذلك فإني سائلهم كيف اطلع على جزء من أجزاء المادة مع انفصالها على مقاصد سائر الأجزاء وبأية آلة أفهم كل منها باقيها بما ينويه من مطلبه؟ وأي برلمان أو سينات ـ مجلس الشيوخ ـ عقدت لإبداع هذه المكونات العالمية التركيب البديعة التأليف؟ وأنى لهذه الأجزاء أن تعلم وهي في بيض العصفور ضرورة ظهورها في هيأة الطير يأكل الحبوب، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة لحاجته في حياته؟! إن هذا المبدأ الذي أطلقه (دارون) (البقاء للأصلح) قد دمر الحياة البشرية ، لأنه أعطى المبرر لكل ظالم فرداً كان أو حكومات، لأن الظالم وهو يمارس غضبه وظلمه وحربه ومكره لا يمارس رذائل خلقية إنما هو يمارس قانوناً من قوانين الفطرة كما زعم (دارون) إنه يمارس قانون البقاء للأصلح وذلك الزعم هو الذي أعطى حركة (الاستعمار كل بشاعته) .

2 – أما الانتخاب الطبيعي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القوية مما سبب اندثار الأفراد الضعاف ، وبقاء الأقوى فليس ذلك دليلاً على حدوث تطور في النوع، بل يفهم منه بقاء النوع من نفس النوع اندثار النوع الضعيف . أما إذا قيل : بأن تطوراً يحدث على كائن ما فإنه يحدث فيه فتوراً جنسياً لأن الألفة بين الذكور والإناث تنقص بقدر التباعد والاختلاف بينهما في الشكل . ذلك ما يقوله (دويرزانسكي) أشهرا المختصين بالجيولوجية النوعية عام 1958م بعد قرن من (دارون) : المخالفة في الشكل تضعف الميل التناسلي منه ، فالميل إلى التناسل يضعف بين الأشكال والأنواع المختلفة بقدر ذلك الاختلاف . وليس صحيحاً أن الصفات الحسنة في فرد من الأفراد تنقل بواسطة الوراثة ، فمثلاً هذا الحداد قوي العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته، كما أن العالم الغزير العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه.

3 – أما القول بحدوث نشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة ثم توريثها في النسل فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث . فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة . يقول الأستاذ (نبيل جورج) أحد ثقات هذا العلم : إن الانتخاب الطبيعي لأجل هذا لا يصلح لتعليل مذهب النشوء ـ أو مذهب التطور ـ لأنه يعلل زوال غير الصالح ولا يعلل نشأة المزايا الموروثة بين الأفراد، والقائلون بالطفرة يقصدون أن الحيوان الذي لم يكن له عين ، فجأة بواسطة بعض الأشعة تكون له تلك العين!

فقد ثبت لدى المختصين أن الأشعة السينية تغير العدد في الناسلات لكن أثر الأشعة تغيير لما هو موجود لا لإنشاء ما ليس له وجود، فعدد ناسلات القرد غير عدد ناسلات الإنسان، والأشعة لا تؤثر إلا في الناسلات الموجودة فضلاً عن أن تحدث هذه الأشعة التي لا عقل لها ولا إدراك. عقلاً للإنسان يمتاز به عن القرد وغيره من سائر الحيوانات. إن الأشعة تؤثر على الناسلات تأثيراً أقرب إلى التشويه منه إلى الإصلاح كما يحدث من الأشعة الذرية تقول مجلة (لايف) : (إن الإشعاع الذري هو كابوس علم الأجنة المزعج) ولقد اتفقت أبحاث (موللر) ودراسات (دونالدسون) على أن (التحولات الصغيرة تضعف والتحولات الكبيرة تقتل) وتقول مجلة (ساينس ليتر) في عددها الصادر في نوفمبر 1950م : (ليس من قبيل المبالغة أن تقول أن 99% من الجينات الناتجة عن التحولات جينات ضارة) . وإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية دارون) فإن التجربة تنقصه فهاهم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ولكن ذلك كله لم يسبب أن ولد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين . وهكذا الفرق أن كلما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية (دارون) وفي هذا يقول (كريس موريسون) رئيس أكاديمية العلوم (بنيويورك) وعضو المجلس التنفيذي لمجلس البحوث القومي بالولايات المتحدة سابقاً في هذا الموضوع في كتابه المترجم (العلم يدعو للإيمان) يقول: (فعلم الوراثة الحديث يقيم أسئلة تصعب الإجابة عنها والاكتشافات الأخرى تجعل من عمل (دارون) مجرد خطوة عظيمة في سير الفكرة الفلسفية إلى الأمام) .

النظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:

1 – لو كانت النظرية حقاً لشاهدنا كثيراً من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور ، لا عن طريق التناسل فقط. وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهد0ة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية كل سنة ، أو كل عشر سنوات، أو كل مائة سنة!!

2 – لو سلمنا أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي ، قد طورت قرداً إلى رجل ـ مثلاً ـ فإنا لن نسلم أبداً بأن هذه الظروف قد قررت أيضاً أن تكون امرأة لذلك الرجل ليستمرا في التناسل ولبقاء مع الموازنة بينهما[56].

3 – إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات ـ كالحرباء ـ مثلاً التي تتلون بحسب المكان هي مقدرة كامنة[57] في تكوين المخلوقات تولد معها ، وهي عند بعضها وافرة وعند البعض الآخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوز حدودها فالقدرة على التكيف صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحار والأتربة وغيرها من الجمادات .

4 – تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء ، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة على الطيران المباشر والانتقال السريع وذلك بدون آلة، كما أن أنف الكلب أشد حساسية من أنف الإنسان ، فهل أنف الكلب أكثر رقياً من أنف الإنسان؟ وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب ؟

كما أن عين الجمل أو الخيل أو الحمار ترى أن النهار وفي المساء على السواء في حين تعجز عين الإنسان عن الرؤية عن الرؤية في الظلام كما أن عين الصقر أشد من عين الإنسان. فهل الصقر أو الحمار أرقى من الإنسان؟ وإذا أخذنا الاكتفاء الذاتي أساساً للرقي كما هو بالنسبة لحال الدول فإن النبات عندئذ يفوق الإنسان وجميع الحيوانات. لأنه يضع طعامه وطعامه غيره دون أن يحتاج لغذاء من غيره.

وإذا أخذنا الضخامة أساساً للرقي ، عندئذ يجب أن يكون الجمل والفيل وحيوانات ما قبل التاريخ الضخمة أرقى من الإنسان!!

موقف العلماء الطبيعيين من النظرية:

1 – المؤيدون للنظرية وتأييدهم كأن أكثره انتصاراً لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه وتقاومه ، وحرباً مضادة يشنها علماء الطبيعة ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت الحرب طاحنة بين الفريقين.

2 – معارضون ، وهم المطالبون بدليل محسوس على فعل (الانتخاب الطبيعي) في تحويل الأنواع ولا سيما نوع الإنسان فالمعترضون عليه ـ طلباً للأدلة الطبيعية ـ لا يقلون عدداً أو اعتراضاً عن المعترضين اللاهوتيين في أوروبا. وهذه بعض آراء العلماء المعارضين كلما نقل الأستاذ إبراهيم حوراني : (إن العلماء لم يثبتوا مذهب "دارون" وكذلك نفوه وطعنوا فيه مع علمهم أنه بحث فيه عشرين سنة. ومنهم العلامة "دنشل" ومنهم العلامة "دالاس" الذي قال قال ما خلاصته : "إن الارتقاء بالانتخاب الطبيعي لا يصدق على الإنسان ولا بد من القول بخلقه رأسا" ومنهم الأستاذ "فرخو" الذي قال : أنه يتبين لنا من الواقع أن بين الإنسان والقرد فرقاً بعيداً فلا يمكننا أن نحكم بأن الإنسان سلالة قرد أو غيره من البهائم ولا يحسن أن نتفوه بذلك" . ومن "ميفرت" القائل بعد أن نظر في حقائق كثير من الأحياء : "إن مذهب "دارون" لا يمكن تأييده وإنه رأي من آراء الصبيان" ويقول أحد المتعصبين لنظرية دارون هو : (سير أرثر كيث) "إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين. وستظل كذلك والسبب الوحيد في أننا نؤمن بها هو أن الدليل الوحيد الممكن لها هو الإيمان بالخلق المباشر وهذا أمر غير وارد على الإطلاق" . وهذا بروفيسور آخر من جامعة لندن هو البروفيسور (واطسون) يقول : "إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء لا كنتيجة للملاحظة أو الاختيار أو الاستدلال المنطقي ولكن لأن فكرة الخلق المباشر فكرة بعيدة عن التصور" نعم هي بعيدة عن أذهان النصارى الذين يزعمون أن الله مكون من ثلاثة وهو واحد. وأن 1=3 . ومن المعارضين العلامة "فون بسكون" الذي قال بعد أن درس هو و"فرخو" تشريح المقابلة بين الإنسان والقرد ـ : إن الفرق بين الاثنين أصلي وبعيد جداً .. ومنهم العلامة "أغاسير" الذي قال في رسالة في أصل الإنسان تليت في ندوة العلم الفيتكورية ما خلاصته: إن مذهب (دارون) خطأ علمي باطل في الواقع، وأسلوبه ليس من العلم في شيء، ولا طائل تحته. ومنهم العلامة (هكسلي) وهو من اللاإدارية وصديق (لدارون) قال: إنه بموجب ما لنا من البينات لم يتبرهن قط أن نوعاً من النبات أو الحيوان نشأ بالانتخاب الطبيعي أو الانتخاب الصناعي. ومنهم العلامة "تندل" وهو مثل "هيكل" قال : إنه لا ريب في أن الذين يعتقدون بالارتقاء يجهلون أنه نتيجة مقدمات لم يعلم بها ، ومن المحقق عندي أنه لا بد من تغيير مذهب (دارون) . ويرفض هذه النظرية كثير من العلماء أمثال الأستاذ "فيالتون" عميد كلية الطب بجامعة "مونتبلييه" وأستاذ علم الأجنة فيها ، وكالأستاذ "كاترفاج" مدير متحف التاريخ الطبيعي بباريس، وهو القائل : "إننا لا نعلم كيف تكونت الأنواع الحية. إننا نعلم فقط أنها غير قابلة للتحول وأننا على يقين بأن (دارون) و(لامارك) لم يكتشفا الناموس الحقيقي لطريقة تكوينها.

نظرية لا حقيقة:

لذلك كله فقد أطلق على ما قاله (دارون) بشأن التطور (نظرية التطو) وهناك فرق كبير لدى العلماء بين النظرية والحقيقة أو القانون . فالنظرية في اصطلاحهم هي ما تحتمل التصديق والتكذيب، أما الحقيقة أو القانون فلا يحتمل وجهاً من أوجه الباطل .

لماذا انتشرت إذن؟

سبب انتشار هذه النظرية هو مجيئها في وقت أذن الله فيه أن يظهر باطل ذلك الدين المحرف الباطل (النصرانية) على أيدي جماعة من أبنائه ، فكان لتقدم العلوم أثر كبير في كشف باطل ذلك الدين الزائف، مما أدى إلى نشوب معركة ضارية ذهب ضحيتها آلاف من علماء الطبيعة. وفي المعترك الحامي أخذ كل فريق في استخدام كل سلاح ضد خصمه. فانتشرت هذه النظرية كسلاح شهره علماء الطبيعة في وجه دينهم ، ثم في وجه كل دين وطئت أقدامهم المستعمرة أرضه، لاعتقادهم بصدق هذه النظرية ، وانتقاماً من ذلك الدين الباطل الذي وقف حجر عثرة أمام البحث في ميادين العلوم الطبيعية ، ثم وسيلة لتحطيم أديان الأمم المستعمرة ، حتى يسهل على المستعمرين السيطرة على هذه الشعوب بعد أن تحطم دينها، وهكذا فرض التعليم الاستعماري هذه النظرية في مناهج الدراسة وقدمها في ثوب (علمي) حتى يستطيع أن يقنع الطلاب بصدق هذه النظرة ليحدث ما رسم له في أذهان الطلاب من خلاف بين العلم الذي زيفوه والدين ، فيكفر الناس بدينهم؛ ويكفي أن يعرف الطالب أنه بواسطة هذه النظرية انحرف كثير من أبناء الإسلام عن دينهم في شتى الأقطار الإسلامية. ولذلك فقد حرص الاستعمار على تعليم هذه النظرية في عدن لأبناء المدارس الابتدائية في الوقت الذي يحرم فيه القانون الأمريكي تعليم هذه النظرية في المدارس منذ سنة 1935م .

ولكن أوروبا بعد أن قضت على خصمها (الدين الباطل) عادت لتعلن أن نظرية (دارون) التي استخدمها في المعركة لدعم موقفها ليست حقيقة علمية ، وإنما هي مجرد نظرية تكشف العلوم كل يوم باطلها .

موقف العلماء المسلمين من النظرية:

1 – قال فريق من العلماء : إن النظرية تتعرض لبيان الكيفية التي وجدت بها المخلوقات وترتيب وجودها ، وهذا ميدان حث الإسلام عليه بقوله : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾[العنكبوت:26] وليس هناك نص قطعي في القرآن يحدد الكيفية التي جاء بها آدم إلى الأرض أو التي جاءت بها هذه المخلوقات. فلنا أن نبحث ونرى ونقرر بعلم قطعي ما وصل إليه بحثنا . فعلى فرض صدق نظرية "دارون" فهي لا تصادم نصاً قطيعاً ، لا يتحمل التأويل . وأشهر القائلين بهذا الشيخ حسن الجسر صاحب الرسالة الحميدية.

2 – وقال فريق آخر : إن قصة آدم قد بينها الله ، وكيف عاش في الجنة ثم هبط إلى الأرض فلا مجال للتأويل ، والنصوص ظاهرها أن آدم مخلوق مستقل خلقه الله لإرادة محددة، ولا داعي لتأويل القرآن وفقاً لنظرية مشكوك فيها كلما تقدم العلم كشف باطلها . ومن الحق أن نقول هنا: إذا كانت هذه النظرية صادقة فقد تكون صادقة في مجال خلق الكائنات الحية ما عدا الإنسان .

دعاء الله وآدابه

مجيب الدعاء :

إن بين المؤمن وربه علاقة وثيقة ، يرى المؤمن ويرى معه الناس آثار هذه العلاقة جلية واضحة ، تشهد بوجود الله سبحانه وبقربه من عباده وأن رحمته قريب من المحسنين تلك العلاقة هي : الدعاء من المخلوقات والإجابة من الخالق سبحانه .

أدلة مشاهدة :

1 - من أبرز الأدلة في هذا هو ما يعرفه المسلمون من إجابة ربهم عندما يحبس عنهم المطر في موعده، ويتخلف عنهم أشهراً كثيرة أو  عدداً من السنين حتى يضيق بهم الحال فيخرج المسلمون إلى ربهم تائبين من المعاصي وبقدر صدق التوبة ، وصدق النوايا تكون الإجابة . وكم شاهد اليمنيون في بلادهم كيف يحول ربهم تلك السماء الصافية إلى سماء ملبدة بالغيوم، وذلك الجو الجاف إلى جو مطير بتلك السحب التي ينشئها ويسوقها سميع الدعاء، وذلك عقب الدعاء . ولم يحدث هذا مرة أو عشر مرات ولكنه حدث عشرات الآلاف من المرات ، وأمره مشهور بين الناس لا ينكره إلا جاحد، هذا في بلاد اليمن ناهيك عما يعرفه المسلمون في باقي بلادنهم .

2 – ويعرف كثير من المرضى إجابة ربهم للدعاء ، بعد أن يعجز الطب عن شفائهم ، فيلجأون إلى الله بالدعاء فلا يلبث ذلك المرض أن يزول بقدرة الله الخفية . ونحن مأمورون بالتداوي، فإذا عجز الناس فإن الله لا يعجزه شيء، ويمكنك أن تسأل أيها القارئ المطلعين على مثل هذه الأمور فستجد كثيراً من الشواهد ، ويبرر الملحدون هذا بقولهم : هذا من تأثير العقائد ، وعجباً هل إذا اعتقدت الآن أنك قادر على الطيران بدون آلة سوف يؤثر فيك هذا الاعتقاد فتطير؟!

ويمكنك أن تعرف إجابة ربك للدعاء بأن تدعو أنت ربك وستجد الجواب على أن تكون متحلياً بآداب الدعاء .

3 0 ما حدثنا عنه تاريخنا الإسلامي بتواتر عن انتصار جيوش المسلمين القليلة في العدد والعدد على أعدائهم الذين يفوقونهم بالعدد والعدد .

آداب الدعاء :

1 – أن تؤمن بالله سبحانه ، وبأنه وحده الذي يملك مقادير كل شيء ، وأنه وحده الضار النافع ، وأن تستجيب لما نزل إليك من هدى ودين ، قال تعالى : ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾[البقرة: 186] .

2 – حضور القلب وعدم الشك في الإجابة . قال عليه الصلاة والسلام "القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل" .

3 – عدم استعجال الجواب فإن لله حكمة في كل فعل قد تغيب عنا فإن تأخرت الإجابة فلسي ذلك إلا لحكمة علمها الله وغابت عنك ، فمن آداب الدعاء أن لا تستعجل الإجابة ، قال عليه الصلاة والسلام: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي" .

4 – أن لا يكون في الدعاء إثم أو قطيعة رحم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" فقال الحاضرون : إذن كثر في الدعاء فإنه لا يضيع ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : "الله أكثر".

5 – عدم رفع الصوت ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعر رضي الله عنه. قال : رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أيها الناس أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعو أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً" .

6 – ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عليه الصلاة والسلام : "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لكم" .

7 – تحري الحلال في المأكل والمشرب . قال عليه الصلاة والسلام : "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك"[58].

الدعاء عبادة :

إن الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة فالذي يدعو الله إنما يقول بالقدرة الكاملة ، ويعترف بأن بيده مقاليد الأمور وأنه المالك لكل شيء ، وأنه المتصرف في شئون المخلوقات ، لذلك فقد سمى القرآن الدعاء عبادة . قال تعالى : ﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام : (إن الدعاء هو العبادة). وقال: "الدعاء مخ العبادة".

دعاء غير الله شرك :

لذلك فمن دعا غير الله ظاناً أن له قدرة أو مشاركة مع الله في تصريف الكون فقد أشرك. قال تعالى : ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾[الجن: 18] .وقال تعالى :﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[الجن:20] .

الدعاء استعانة لا استخدام:

والدعاء هو طلب العون من الله ، بعد أن يعمل الإنسان ما أمره الله وأعطاه القدرة على فعله من الأسباب المادية ، وليس من الدعاء في شيء أن يطلب الإنسان من ربه تحقيق كل أغراضه وآماله وهو في مكانه لا يمارس عملاً أو يقوم بواجب قدره الله عليه ، فيطلب من الله أن يزرع له الأرض، ويحصد له الحبوب ، ويطحنها ، ويعجنها ، ويخبزها ، ويلقمه إياها . وينزع السلاح من عدوه، ويسوقه مكتوفاً إليه ، ويضربه وهو لا يعمل شيئاً!

فليس هذا دعاء إنما هو استخدام، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .

الدعاء بالأسماء الحسنى:

وأحسن الدعاء أن يدعو العبد ربه بأسمائه الحسنى. قال تعالى : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.

الخلاصة

*بين المؤمن وخالقه علاقة مشاهدة فالمؤمن يدعو، والله يجيب. نشاهد إجابة الله للدعاء في استسقاء المسلمين عند شدة الجفاف، وفي علاج المرض وخاصة بعد عجز الأطباء.

*ويزعم الملحدون أن هذا من تأثير العقائد ، والعقائد لا تغير الحقائق إنما التأثير لله أولاً وأخيراً.

*لقد اشتهر المسلمون الصادقون في التاريخ بتأييد الله لهم على عدوهم الذي كان يفوقهم دائماً بالعدد والعدد .

*للدعاء آداب هي:

1- الإيمان بالله، والاستجابة لأوامره .

2- حضور القلب وعدم الشك في الإجابة .

3- عدم استعجال الإجابة .

4- أن لا يكون في الدعاء إثم أو قطيعة رحم .

5- عدم رفع الصوت .

6- ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

7- تحري الحلال في المأكل والمشرب .

*الدعاء عبادة بل هو مخ العبادة أنه ثقة ولجوء إلى قوة الله وقدرته .

*من دعا غير الله ظاناً أن له قدرة غيبية أو مشاركة في تصريف الأمور فقد أشرك.

*يجب الأخذ بالأسباب التي أقدرنا الله على فعلها ، وإلا كان دعاؤنا استخداماً ـ أستغفر الله ـ لا أطلب عون .

*أحسن صورة الدعاء أن يدعو العبد ربه بأسمائه الحسنى .

 

ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء

صدق الله العظيم

أسس معرفتنا بالله :

أولاً :عرفنا الله بآياته في مخلوقاته، وتقوم هذه المعرفة على قواعد عقلية ثلاث يعرفها العقل من الصلة الوثيقة بين الفعل وفاعله :

(أ)لا فعل إلا بفاعل فالعدم لا يفعل شيئاً.

(ب)الفعل مرآة لقدرة فاعلة وبعض صفاته فلا يكون شيء في الفعل إلا إذا كان الفاعل يملك القدرة أو الصفة التي تمكنه من فعل ذلك الشيء.

(ج)ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل لأنه فاقد الشيء لا يعطيه .

وبتطبيق هذه الأسس :

(أ)عرفنا أن هذه الأحداث التي حدثت في الكون وتحدث وستحدث لا ينشئها العدم، وإنما هي شاهدة بأن لها خالقاً يكونها وينشئها. قال تعالى : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ... ﴾.

(ب)وبتأملنا في هذه الأحداث والمخلوقات وجدناها تشهد أنها من خلق حكيم ، عليم ، خبير ، محيي مميت، رزاق ، مريد ، قادر ، هاد، حاكم ، مهين ، سميع ، بصير ، حي ، دائم ، واحد . قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الجاثية:3] .

(ج)وإذا تأملنا في شتى أرجاء الكون لا نجد إلا مخلوقات عاجزة لا علم لها ولا إرادة ولا خبرة ولا دوام ولاهداية ، فعرفنا أنها مخلوقات محتاجة إلى خالق حكيم عليم خبير يختلف عنها في الذات والصفات ، تحتاج إليه جميع المخلوقات وهو الغني الصمد الذي لا يحتاج لأحد هو الله سبحانه. قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾[الحج: 73، 74] . وقال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾[النحل:20] .

ثانياً : كمل لنا الرسل الذي عرفنا صدقهم معرفتنا بربنا التي نحتاج إليها .

ثالثاً : عرفنا ربنا وقربه منا بإجابته لدعاء الذين يستجيبون له ويؤمنون به، وأوضح ظاهرة لذلك هي دعاء الاستسقاء .
قال تعالى :
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾[البقرة: 186] .

رابعاً : عرفنا الله بإحساس فطري في أصل يدلنا عليه ويظهر جلياً كلما أصاب الإنسان محنة أو شدة .

والإنسان يلجأ إلى ربه بالدعاء . قال تعالى : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53)ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾[النحل: 53، 54] .

وهل أحطنا بالله علماً ؟

إن العلم البشري لم يحط بالله علماً ، بل إن علم الإنسان لم يحط بالإنسان نفسه علماً، فكل يوم وهو يعرف الجديد عن نفسه .

ولقد جاءت امرأة إنجليزية إلى الشيخ الحكيمي ، وكان عالماً يمنياً اهتدى على يده كثير من البريطانيين . فأردت هذه المرأة أن تحرج هذا العالم المسلم فقالت: لا والله أيها الشيخ إلا إذا أخبرتني كم طول الله؟ وكم عرضه؟ فأخبرها العالم : أن علمنا بالله محدود وأن الله لا يقاس بمثل هذه المقاييس؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

وقال لها : هل تحبين زوجك؟ ـ وكان معها ـ قال : نعم .

وقال : وهل تشعرين بوجود الحب؟ قالت : نعم.

قال : أما أنا فسأنكر وجود حب فيك لزوجك إلا إذا قلت لي كم رطلاً وزن حبك لزوجك وكم طول هذا الحب كم وعرضه؟! فعرفت أنها اشترطت لإيمانها شرطاً سخيفاً.

هل الإحاطة شرط للإيمان؟

وهكذا نجد أنه يكفينا للإيمان بالله أن نتأكد من وجوده وأن نعرف أسماءه وصفاته وأنه صاحب الكمال الأعلى وأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأن نعرف كلامه ورسله وإرادته من خلقنا وأماتتنا وبعثنا. وكل هذه الأمور قد عرفناها بأدلتها ، وهناك أمور كثيرة عن ذات الله وكيفية أعماله وأفعاله، وكثير من شئونه لا تزال مجهولة بالنسبة لنا ولكن نقص العلم هذا لا يدفعنا إلى إنكار الحق الذي عرفناه ، فإن فعلنا كنا كمن ينكر وجوده لأنه جاهل بحقيقة نفسه؟ وجاهل بعدد المسام في جلده ، وجاهل بعدد شعر رأسه ، وجاهل بعدد حبات ترابها ورمالها! وعدد أشجارها وحشائشها! وهكذا نعرف سفاهة وزيغ من أراد أن يجعل عدم إحاطته بكل أمور شيء من الأشياء سبباً لإنكار وجود ذلك الشيء.

لماذا لم نحط علماً بالله؟

إن الله سبحانه ليس لشأنه حد محدود، وقد علمنا أن العلم البشري محدود، وأنه إلى الآن لم يتجاوز معرفة النجوم في السماء التي هي زينة السماء الدنيا ، فكيف لمحدود أن يحيط بمن ليس له حدود؟ وكيف لمن لم يتجاوز بمعرفته زينة السماء الدنيا أن يحيط بمن ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؟! وهل يمكن لكأس أن يستوعب مياه البحر؟! فعلمنا محدود وسائل علمنا محدودة ، فهي ككأس صغير لا يستوعب من بحار الأمور الإلهية إلا بقدره وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾[البقرة:255].

الخلاصة

أسس معرفتنا بالله:

تقوم معرفتنا بالله على قواعد ثلاث :

(أ)لا فعل إلا بفاعل.

(ب)الفعل مرآة لقدرة فاعله.

(ج)ليس الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل ، وبهذا نعلم أن كل فعل حدث لا بد له من منشئ وخالق قادر حكيم حي دائم، وكل المخلوقات تحتاج إلى خالق حكيم عليم، وهو الغني سبحانه. وقد كمل لنا الرسل معرفتنا بربنا التي نحتاج إليها ووضحوا لنا الطريق ومن ذلك الدعاء ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.

ودعاء الاستسقاء ظاهرة كريمة تدلنا على فضل الله واستجابته ، كما نعرف الله بإحساسنا وفطرتنا، ويظهر ذلك في شدتنا وأهوالنا فنلجأ إليه سبحانه ، فيكشف عنا ما نزل بنا من سوء ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وهل أحطنا بالله علماً؟ إذا كنا علم الإنسان لم يحط بالإنسان علماً، فكيف يحيط علمنا المحدود بالله سبحانه؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

ويكفينا للإيمان بالله أن نتأكد من وجوده بالأدلة والبراهين، وأن نعرف أسماءه وصفاته وأنه ليس لشأنه حد محدود ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.

 

الآيات المتشابهة في القرآن

الآيات المحكمة والمتشابهة :

الآيات المحكمة : هي الآيات التي تحتمل المعنى الواضح المحكم المحدد الذي لا اشتباه فيه. والمتشابهة : هي ما كان لها أكثر من معنى .

الآيات المحكمة أم الكتاب :

وإذا تأملت في الآيات المحكمة وجدت أنها كافية لبيان العقيدة والشريعة والحلال والحرام ومعالم الهدى الذي يحتاج إليه الإنسان.﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[آل عمران: 7].

الحكمة من الآيات المتشابهة :

إن للإنسان علاقة بما في هذا الوجود فهو جزء مرتبط به ، لكن الإنسان لا يعرف من ماضي وجوده ووجود هذا الكون إلا اليسير ، ولا يعرف من حقائق الوجود إلا ما وقع في نطاق حواسه الضيقة ، ولا يعرف من أمر خالقه إلى ما شاهد من آياته الظاهرة ، ولا يفهم من حقائق مستقبله في الحياة الأحرى شيئاً.

فكان من تمام الهداية الإلهية أن يعرف الله عبده بهذه الحقائق التي ارتبطت بوجود الإنسان . وبمعرفة الإنسان بها يكون واعياً لحقائق الوجود ومن لا يعي هذا الوعي يعش ضيق الأفق قصير النظر، غافلاً عما حوله وما يرتبط به من حقائق الوجود الكبرى. فالآيات المتشابهة في القرآن هي التي تتعرض لهذه الأمور بصورة أشمل وأعم .

ما هي لغة التوعية والتثقيف؟

 وهنا يجب أن تعرف أصل لغتك . فألفاظ اللغة قد حددت للدلالة على أشياء قد تقع في نطاق حواس الإنسان المحدودة. فبأي لغة إذا تتم توعية الإنسان بالحقائق الكبرى التي لا يعرفها الإنسان؟ والتي ليس في لغته من الألفاظ ما يطابقها؟ وهنا يظهر فضل الله علينا في هدايتنا فقد جعل الله من ألفاظنا المشابهة للحقائق الكبرى آيات لتوعيتنا وهدايتنا، هي الآيات المتشابهة في القرآن . فاللفظ المتشابه لا ينطبق تمام الانطباق على الحقيقة التي يرمز إليها إنما يشابهها في وجه من الوجوه.

أمثلة :

ومن أمثلة ذلك :

1 – لنفرض أنك أردت توعية قوم عاشوا قبل خمسمائة سنة ، بما سيحدث من تطور في أساليب الحياة فكيف ستحدثهم عن المذياع (الراديو) أو (التلفزيون) أو (الحافلة ـ الباص) أو (الرادار) أو أي شيء في مستخدمات هذا الزمان ، ستحاول أن تأخذ من لغتهم ما يشابه الأشياء الموجودة الآن فتخبرهم عن المذياع فتقول : هو صندوق من حديد ومواد كالخشب يتكلم بكلام شخص في مكان بعيد؟ فهل المذياع صندوق كالصندوق الذي يعرفونه؟ أم إنه صندوق آخر فيه المكثفات وفيه الملفات الكهربائية وفيه الهوائيات وفيه الموجات وفيه ... وفيه ... إن كلمة صندوق تشابه المذياع مشابهة فقط ولا تنطبق عليه تماماً ولكن ذا اللفظ المشابه ضروري لغرض التوعية .

2 – إذا أراد طبيب أو عالم دين أن يتحدث للناس عن حقائق العلم التي يعرفها ، وأن يقوم بعملية توعية صحية أو عملية بين مواطنيه . هل سيعي الناس شيئاً حدثهم الطبيب والعالم بدقائق الحقائق الطبية والذرية؟!

والجواب لا .. وغنما على الطبيب أو العالم الذري أن يأخذ ألفاظاً تشابه في وجه من الوجوه حقائق العلم لتوعية الناس بهذه الألفاظ التي لا تنطبق تمام الانطباق على الحقائق العلمية وإنما تشابهها.

ليست الحقيقة كاملة في الألفاظ المتشابهة:

وإذا كان اللفظ المتشابه لا ينطبق على الحقيقة تمام الانطباق . وإنما يشابهها في وجه من الوجوه ليعطي وعياً عاماً فإن من الضلالة أن يحاول الإنسان معرفة الحقيقة كاملة من الألفاظ المتشابهة التي لا تنطبق على الحقيقة تمام الانطباق.

مثال :

لنفرض أنك أثناء توعيتك لمن عاشوا قبل خمسمائة عام قد قلت لهم :

قد أصبح الحديد في زماننا يتكلم. ولم تشأ أن تعرفهم بكيفية كلام الحديد الذي يعتمد على الدوائر الكهربائية والموجات والملفات المغناطيسية والذبذبات الصوتية ولكنك بعد أن تركتهم أرادوا أن يعرفوا الحقيقة في كلام الحديد من اللفظ المتشابه (الحديد يتكلم).

فقال أحدهم: لقد قال لنا : الحديد يتكلم، وهل يتكلم الحديد بغير لسان؟ إذاً لا بد أن للحديد لساناً!

وقال آخر : وهل يمكن أن يكون للحديد لسان دون أن يكون له فم؟ إذاً لا بد للحديد من فم!

وقال آخر : وبما أن للحديد فماً ، إذاً لابد أن يتغذى ويأكل!!

وقال آخر: وبما أن الحديد يتغذى ويأكل ، إذاً لا بد أن له معدة وأمعاء ولا بد أنه يبحث عن طعامه!!!

فانظر إلى أي ضلال ذهب الذين لم يعرفوا حقيقة الألفاظ المتشابهة وأرادوا معرفة الحقيقة منها.

إيماننا وازدياد وعينا بالآيات القرآنية المتشابهة:

لذلك فالمؤمن العالم يعرف حقيقة الآيات المتشابهة وأنها جاءت من عند الله ، وأنها تدل دلالة كاملة على الحقائق التي تخبر عنها فيؤمن بأنها حق من عند الله، ويكتسب لنفسه معرفة ووعياً دون محاولة تعنت للألفاظ.﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.وكل معنى للآيات المتشابهة يناقض الآيات المحكمة نرده ولا نقبله ، قال تعالى : ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

الذين في قلوبهم زيغ:

أما الذين في قلوبهم زيغ فيستغلون الآيات المتشابهة ، ويحاولون تحويلها وتحريف معانيها وتوجيه بعضها لمناقضة البعض الآخر في جهالة وسفاهة ، وهناك مؤسسات أنشأتها الدول الكافرة وظيفتها التلبيس على المسلمين في أمر دينهم، وقد لمست هذه الدول حاجتها لمثل هذه المؤسسات عندما استعمرت هذه الدول بلاد المسلمين لأنها وجدت المقاومة في بلاد المسلمين مدفوعة بالمشاعر الإسلامية أو عندما قويت علاقتنا الثقافية بدول أخرى تطمع في السيطرة علينا بغزو فكري فلم تجد عقبة في طريق الغزو الفكري إلا الإسلام؛ لذلك أنشأت هذه الدول مؤسسات لتشكيك المسلمين في دينهم وفتنتهم عنه. وأغلب شبهاتهم تقوم على أخذ المعنى الزائف من الآيات المتشابهة التي تحتمل معاني كثيرة . قال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(7)رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[آل عمران : 7-8] . هذا وللمفسرين آراء كثيرة في معنى الآيات المتشابهة في القرآن.

الخلاصة :

المحكم هو ما احتمل معنى واحداً . والمتشابه ما كان له أكثر من معنى. والمحكم من القرآن فيه الكفاية لبيان الشريعة والهداية، والحكمة من المتشابه: هو بيان أن الإنسان لا يعرف ماضي وجوده أو مستقبله أو الحقائق حوله ما وقع في نطاق حواسه الضيقة ولا يعرف من الحياة الأخرى شيئاً فكان من تمام الهداية أن يعرف الله عبده بهذه الحقائق .

أما لغة التوعية والتثقيف : - فهي للدلالة على ما يقع في نطاق حواسنا. وقد جعل الله من ألفاظنا المتشابهة آيات لتوعيتنا وهدايتنا ، واللفظ المتشابهة وإن كان لا ينطبق على الحقيقة لكنه يشابهها في وجه من الوجوه ، كما لو فرض وحدثت قوماً عن شيء لم يروه كآلة ميكانيكية ، فإنما تحدثهم بألفاظ لا تنطبق تمام الانطباق على الحقيقة وإنما تشابهها في وجه من الوجوه .

ومن الصعوبة أن يعرف الإنسان الحقيقة كاملة من الألفاظ المتشابهة .

إيماننا بالآيات المتشابهة:

أهل الإيمان يؤمنون بأنها حق من عند الله ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ أما أهل الزيغ فيحاولون تحريفها والتلبيس على المسلمين في أمر دينهم ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾...

هدانا الله إلى سواء السبيل.

﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ(180)وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ(181)وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.

~


[1]  - وليس الاشتغال بصناعة المعادن حراماً ، فقد بين الله أن هذا من العلم الذي علمه الله الأنبياء ، فقال عن داود عليه السلام: (وألنا له الحديد) وقال عن ذي القرنين : (ءاتوني أفرغ عليه قطراً) وقال عن داود : (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم) ولقد امتن الله على داود وسليمان عليهما السلام بما وهبهما الله من علم : (ولقد آتينا داود وسليمان علماً) وبينت الآيات السابقة أن من هذا العلم الاشتغال بالمعادن، فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إخبار عن تفوق الكافرين في هذه الصناعة في آخر الزمن.

[2]  - رواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري ورواه الترمذي وقال : حسن صحيح غريب والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم وأبو نعيم في الحلية وغيرهم .

[3]  - رواه أحمد في المسند عن أبي هريرة .

[4]  - رواه الطبراني عن عبدالرحمن الأنصاري .

[5] - رواه أحمد ، والبزار ، والطبراني ، وغيرهم عن ابن مسعود .

[6]  - الحديث رواه الحاكم والطبراني عن أبي هريرة

[7]  - رواه أحمد وأبو داود عن سلامة بنت الحران .

[8]  - رواه أبو نعيم في الحلية والحاكم عن أنس .

[9]  - رواه أحمد والحاكم وصححه البخاري عن ابن مسعود .

[10]  - رواه النسائي عن عمر بن تغلب .

[11]  - رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والبزار ، والطحاوي في مشكل الآثار والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن مسعود .

[12]  - رواه أحمد والحاكم عن ابن عمر .

[13]  - رواه مسلم عن أبي هريرة .

[14]  - رواه أبو نعيم في الحلية عن حذيفة وروى غيره مثله .

[15]  - الحسن بن سفيان في مسنده عن أبي أمامة .

[16]  - رواه الحاكم في المستدرك.

[17] - رواه الطبراني عن ابن عمر .

[18]  - روى الحديث الحاكم عن أبي هريرة.

[19]  - الحديث رواه البخاري ومسلم ، ورفع العلم موت العلماء وكثرة الجهل: الجهل بالدين.

[20]  - الحديث رواه الطبراني والحاكم عن أبي ذر .

[21]  - روى الحديث أبو داود وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة .

[22]  - ولد الخبث أي ولد الزنا .

[23]  - رواه الحاكم وأحمد والطبراني عن معاذ .

[24]  - رواه مسلم عن ابن عمر .

[25]  - رواه الديلمي عن حذيفة .

[26]  - رواه ابن أبي شيبة عن الشعبي.

[27]  - رواه أحمد في مسنده وصححه عن أبي هريرة .

[28]  - رواه الحاكم في تاريخه عن أبي موسى .

[29]  - رواه الطبراني في الكبير عن ميمونة أم المؤمنين ، ومرج الدين : أي اختلط .

[30]  - رواه أبو شعيب الحراني في فوائده، وأبو داود، والحاكم في المستدرك من حديث قتادة وأنس وأبي سعيد ورواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أنس وحده.

[31]  - رواه الطبراني في الأوسط عن سلمان .

[32]  - رواه ابن مردويه عن أبي هريرة وأبو نعيم في تاريخ أصبهان .

[33]  - رواه الطبراني عن الضحاك بن قيس وعن النعمان بن بشير ونحوه عند الحاكم من حديث أنس.

[34]  - رواه أبو نعم بن حماد في الفتن والطبراني في الكبير .

[35]  - رواه أحمد في مسنده .

[36]  - رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن ثوبان .

[37]  - رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة وهذا عند بدء الفساد.

[38]  - رواه البيهقي عن صحيحه عن ابن عمر .

[39]  - رواه البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمر ، وروى غيره من علماء الحديث نحوه .

[40]  - رواه البزار بسند حسن والطبراني وابن منده في الصحابة من حديث نهيك بن صريم السكوني .

[41]  - ومن المعروف أن عدن تقع على فوهة بركان .

[42]  - رواه الترمذي ، والبغوي وصححه .

[43] - وله معان أخرى .

[44]  - أخرجه البخاري .

[45]  - يوصي الإسلام بالميل إلى الجهة اليسرى أثناء التغوط ، وقد كشف علم التشريح أخيراً فائدة ذلك لأن فتحة الشرج تتصل بالمعي الغليظ في الجهة اليسرى فيساعد الميل على نزول الغائط .

[46] - عنت : خضعت .

[47]  - عرف أخيراً أن السرعة تنقص من الوزن .

[48]  - سارب : ظاهر.

[49]  - أخرجه مسلم .

[50]  - القلاص : النوق .

[51]  - انظر التعليق بالحاشية في آخر الفصل ص: 383 .

[52] - أخرجه أحمد عن بريدة صحيح.

**  - انظر التعليق بالحاشية في آخر الفصل ص 384 .

[53] - ليس مطراً صناعياً لأن المطر لا يصنعه الإنسان في المعمل وإنما هو مطر يستحث الإنسان نزوله .

[54]  - منطقة من مناطق السحب .

[55]  - من أدلة الكتابة في اللوح لما سيكون: الرؤيا الصادقة التي تأتي كفلق الصبح، فهي تدل على أن النائم قد اطلع على ما سيكون في المستقبل قبل أن يقع مما يدل على أن هناك وجوداً حقيقياً للأشياء والأحداث في مكان ما قبل وقوع تلك الأشياء والأحداث. وقد تمكن صاحب الرؤيا الصادقة من الاطلاع عليها قبل وقوعها . فمثلاً رأى نائم أن فلاناً سيموت في المكان الفلاني برصاصة مثلاً فوقع الحادث كما أخبر صاحب الرؤيا فمعنى ذلك أن قتل فلان برصاصة في مكان كذا خبر معروف في مكان ما قبل وقوعه وأن النائم قد اطلع على هذا من ذلك المصدر أو من مصدر يتصل به؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من الوحي ، ورفع الله الوحي وبقيت الرؤيا الصادقة تؤكد بالبرهان المجرب المحسوس أن ما سيكون قد سبق علمه عند الله وسبقت كتابته (راجع صفحة 369).

*- يفهم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (خمس لا يعلمهن إلا الله) ثم قرأ هذه الآية : (إن الله عنده..) الآية يفهم من هذا العلم وحدوده التي تنفي عن الإنسان يؤخذ من مفهوم الآية الموضحة التي تلاها بعد قوله : خمس لا يعلمهن إلا الله.. وقد تضمنت الآية صيغاً مختلفة فصيغة تقول : وينزل الغيث ولم تنف عن غير الله، وصيغة تقول : وما تدري نفس ما تكسب غداً فنفت نفياً تاماً عن الإنسان العلم المؤكد عن الغد ، ومن صيغ الآية المختلفة التي ذكرت بعد الحديث نعرف ما يمكن للإنسان أو غيره أن يشارك في العلم في حدود معينة ، وما لا يمكن لأحد أن يشارك في علمه سبحانه.. والله أعلم .

[56]  - ولأن ذلك الرجل ـ مثلاً ـ الذي تطور إلى قرد سيموت ولن يكون له سبيل لأنه لا يمكن أن يتزوج قردة، ولو تزوج قردة لما أنجبت له!!! وهكذا يموت ولا يبقى!!

وهناك كائنات حية عمرها لا يزيد على يوم فهي تولد وتتزاوج وتموت في يوم واحد، فمتى تم تطور الذكور والإناث؟ لابد من وجود الذكر والأثنى دفعة واحدة من خلال يوم واحدة، وهذا لا يكون إلا بالخلق الخاص .

[57]  - فمثلاً إذا جاءت ظروف حارة عرق جسم الإنسان . بينما إذا أنزلنا حجرة من بلد إلى بلد أخرى في الصيف فإنها لن تعرق لأنه لم يخلق معها غدد عرقية ، فتكيف الجسم بالعرق عند درجة حرارة معينة. وإذا تعود الإنسان رفع الأثقال فإن عضلاته تقوى وإذا رفع الإنسان الأثقال بالعصا فإنها مع مرور الوقت تضعف وتتكسر فالتكيف الموجود في العضلات صفة كامنة مع الإنسان ولا تكونها الظروف الطبيعية .

[58] - من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة.

=======================

تم بحمد الله