البينـة العلميـة
 

 مقدمة

لقد أرسل الله محمداً r إلى الناس كافة على اختلاف عصورهم وثقافاتهم ومداركهم ، وأيده ببينات متنوعة تتناسب مع جميع من أرسل إليهم إلى يوم القيامة ، وكما رأينا معجزة الفصاحة في كتاب الله التي أخضعت فصحاء العرب ، ومعجزة البشارات التي أقامت الدليل لأهل الكتاب على صدق رسول الله r ، ومعجزات الخوارق التي أرغمت الكافرين المعاندين وأوضحت لهم حجة النبي r الساطعة ، ومعجزة الإخبار بالغيب التي تجلت ولاتزال تتجلى وتتحقق على مر القرون والعصور .فهيا لنرى بعض الأبحاث من معجزة وعد بها القرآن وتجلت في عصرنا وشاهد حقائقها أهل الاختصاصات الكونية العلمية الدقيقة في عصرنا ، كعلم الفلك وعلوم الأرض والأرصاد والنبات والحيوان وعلوم الطب المختلفة وعلوم البحار وغيرها من العلوم الكونية ، ليكون ذلك دليلاً لكل عاقل في عصرنا أن هذا القرآن من عند الله ، وأن العلامة الإلهية الشاهدة بأنه من الله هي العلم الذي تحمله الآيات وتجليه الاكتشافات العلمية الدقيقة بعد رحلة طويلة من البحث والدراسة ، وباستخدام أدق الآلات التي لم تصنع إلا في عصر الثورة الصناعية الحاضرة ، ولقد أشار القرآن إلى هذا النوع من الإعجاز ووعد بإظهاره في قوله تعالى : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)﴾ [فصلت:53] .ويقوم هذا الإعجاز على مشاهدة البشر للعلم الذي أخبر به القرآن من حقائق في آفاق الأنفس والأكوان ، كما قال تعالى :  ﴿هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ(87)وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ(88)﴾ [ص:87-88] وبين أن ذلك الحين هو حين القدرة على مشاهدة أسرار ما تضمنته آيات القرآن. قال تعالى : ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93)﴾ [النمل:93] فتتحقق بذلك المعجزة عندما يعلم الناس أن هذا القرآن نزل بعلم الله كما قال تعالى : ﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166)﴾ [النساء:166] أي أنزله وفيه علمه مصدقاً لرسالة الرسول r .

1- وأنزلنا الحديد

قال تعالى : ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [الحديد:25] .تتحدث هذه الآية عن وجود الحديد في الأرض وأنه وجد فيها بعملية إنزال من السماء ، وهذا يسوقنا إلى دراسة كيفية تكوين الحديد في الكون .وقد درس العلماء المتخصصون هذا الأمر فوجدوا أن 98% من الكون يتكون من الهيدروجين والهليوم وهما أخف العناصر[1] وأن الـ2% الباقية تشكل العناصر الأثقل وعددها مائة وخمسة عناصر ، مما حمل الدارسين على استنباط حقيقة تكون المواد الأثقل وزناً ذرياً من المواد الأخف ، وأن ذلك يتم عن طريق الاندماج النووي[2] الذي تصحبه طاقة هائلة ، ووجد الباحثون أن هناك نجوماً تصل درجة حرارتها من 300ألف مليون درجة إلى 400ألف مليون درجة مئوية[3] تسمح بأن يتكون الحديد بداخلها. فإذا وصلت كمية الحديد إلى 50% من كتلة النجم وأصبح قلب النجم كله حديداً تتوقف العملية بالكامل وعندئذ ينفجر النجم، وإذا انفجر تناثرت أشلاؤه في صفحة الكون ودخلت بقدر الله في مجال جاذبية أجرام سماوية أخرى تحتاج إلى هذا الحديد ، ونرى ذلك يحدث الآن كما نرى نيازك حديدية تصل إلى الأرض مثل ما حدث في جنوب السودان حين نزل في مدينة جوبا نيزك كتلته (90 طناً). وأغلب النيزك يحترق باحتكاكه بالغلاف الغازي، ووصول (90 طناً) من الحديد الصافي يعني أن كتلة هذا النيزك كانت أكبر من ذلك بأضعاف كثيرة . ونحن نرى النيازك الحديدية تصل إلى الأرض وتصل إلى القمر وإلى المجموعات الأخرى ، مما دفع العلماء إلى تصور أن الأرض حينما انفصلت عن الشمس لم تكن سوى كومة من الرماد ويقول المختصون إن الأرض تشكلت قبل أربعة بلايين ونصف بليون عام وكانت النيازك والمذنبات تقصفها بشدة وعنف بحيث كانت الحرارة المنبعثة من هذا التصادم والقصف الفائق السرعة كافيه لإذابة الكوكب بأكمله ، ثم بدأت تبرد بعد ذلك واستمرت تبرد إلى اليوم ، وأخذت المواد الأكثر كثافة مثل الحديد والقادمة من تلك النيازك طريقها إلى قلب ومركز الأرض ، بينما صعدت السيليكات الأخف وزناً وكذلك مركبات الأوكسجين الأخرى والماء القادم من المذنبات إلى قرب السطح. ويكون الحديد أكثر من 35% من كتلة الأرض حيث تتكون الأرض من قلب صلب من الحديد ثم يليه قلب منصهر أغلبه من الحديد، ثم أربعة أوشحة متمايزة يشكل الحديد فيها نسبة عالية ثم الغلاف الصخري للأرض وفيه نسبة جيدة من الحديد، ويوضح الشكل الآتي تركز المعادن في طبقات الأرض المختلفة. ونلاحظ أن القلب الداخلي يتكون في معظمه من الحديد في حالته الصلبة بينما يتكون القلب الخارجي الذي يحيط به من الحديد و10% من الكبريت ، وبهذا يكون الحديد عنصراً مهماً من مكونات طبقات الأرض السبع .وقال البرفسور آرمسترونج[4] أحد مشاهير علم الفلك في أمريكا والذي يعمل في وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حين سألناه كيف تكون الحديد : (سأحدثكم كيف تكونت كل العناصر على الأرض. لقد اكتشفناها، بل لقد أقمت عدداً من التجارب لإثبات ما أقول لكم. إن العناصر المختلفة تجتمع فيها الجسيمات المختلفة من الكترونات وبروتونات وغيرها ، لكي تتحد هذه الجسيمات في ذرة كل عنصر تحتاج إلى طاقة. وعند حسابنا للطاقة اللازمة لتكوين ذرة الحديد وجدنا أن الطاقة اللازمة يجب أن تكون كطاقة المجموعة الشمسية أربع مرات ، ولذلك يعتقد العلماء أن الحديد عنصر غريب وفد إلى الأرض ولم يتكون فيها .وعند سؤاله متى اكتشف العلماء التجريبيون حقيقة إنزال الحديد إلى الأرض؟ قال: (بأنها لم تعرف عن العلماء التجريبيين إلا في الربع الأخير من القرن العشرين وانه لم يشر أحد من العلماء المتخصصين والباحثين إلى شيء من ذلك، ولم تشر كتب العلم التجريبي إلى هذه الحقيقة قبل هذا التاريخ) .إن علماء الفيزياء قد تمكنوا من أن يوجدوا عناصر أثقل من عناصر أخف[5]. واستطاعوا أن يحسبوا الطاقة اللازمة لتكوين كل عنصر من هذه العناصر وقد وجدوا أن الطاقة اللازمة لتكوين ذرة واحدة من الحديد تحتاج إلى أربعة أضعاف الطاقة الموجودة في المجموعة الشمسية مما جعلهم يجزمون بأن الحديد لا يمكن أن يكون قد خلق في الأرض أو في المجموعة الشمسية بل لابد أن يكون قد خلق في نجم خارج المجموعة الشمسية ونزل إلى الأرض في صورة حديد

أقوال المفسرين :

وهيا لنرى ما قاله علماء التفسير في هذه الآية :

لقد انقسم المفسرون إلى فريقين :

فمنهم من فسر اللفظ على ظاهره فقالوا : ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾  بمعنى أن الله أنزل الحديد كما أنزل آدم من السماء إلى الأرض ، وهو قول ابن عباس وعكرمة وإليه ذهب الطبري والقرطبي والواحدي .ومنهم من اضطر إلى تأويل اللفظ عن ظاهره لاستبعاد إمكانية تصور نزول الحديد إلى الأرض من السماء ولِمَا يشاهدونه في ازمنتهم وبيئاتهم من استخراج الحديد من باطن الأرض فقالوا﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾   بمعنى أنشأناه وخلقناه وهو قول الحسن وإليه ذهب ابن كثير والثعالبي والشوكاني .ونرى من أقوالهم أنهم أولوا لفظ أنزلنا إلى خلقنا وجعلنا ، وفرق بين الإنزال والخلق والجعل لكنها المعارف البشرية المحدودة في تلك الأزمنة التي كانت تحمل المفسرين على صرف اللفظ عن ظاهره .

وجه الإعجاز :

لم يتمكن الإنسان من معرفة حقيقة أن الحديد نزل من السماء إلى الأرض إلا بعد أن امتلك من الوسائل العلمية ما تمكن به من معرفة  ما جرى ويجري في أعماق النجوم البعيدة لتكوين مادة الحديد ، وبعد أن تمكن من تحويل بعض العناصر الخفيفة إلى عناصر ثقيلة وحساب ما يحتاج إليه ذلك من طاقة ، وعجزه عن تكوين مادة الحديد من مواد أخف منه إذ يتطلب ذلك طاقة تساوى أربعة أضعاف طاقة المجموعة الشمسية. كما أن استخراج البشر للحديد من مناجمه في باطن الأرض جعلهم لا يتوقعون أن يكون الحديد قد نزل من السماء إلى الأرض وحملهم على الاعتقاد بأنه خلق مع سائر العناصر الأرضية. لذلك خلت العلوم التجريبية من أي إشارة إلى هذه الحقيقة قبل الربع الأخير من القرن العشرين. وكذلك اضطر كثير من المفسرين إلى تأويل اللفظ القرآني ﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾   إلى معنى لا يحتمله اللفظ بما فيهم مفسرون معاصرون عاشوا في القرن العشرين. فمن أخبر محمداً r بهذه الحقيقة التي لم تعرفها البشرية إلا في الربع الأخير من القرن العشرين والتي خفيت عن كل البشر حتى هذا التاريخ، من؟ إلا الذي أنزل الحديد وأنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً القائل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(25)﴾ [الحديد:25][6].

2- أو كظلمات في بحر لجي

لقد كانت البحار عالماً مجهولاً إلى القرن الثامن عشر الميلادي ، كما كانت الخرافات والأساطير المتعلقة بالبحار تسود الحضارات القديمة ، وكان الرومان يعتقدون بأن قمم الأمواج جياد بيضاء تجر عربة الإله (نبتون)[7] بزعمهم، وكانوا يقومون بالطقوس والاحتفالات لإرضاء هذه الآلهة، وكانوا يعتقدون بوجود أسماك مصاصة لها تأثيرات سحرية على إيقاف السفن ، وكان لليونانيين مثل هذه الاعتقادات كما كان بحارتهم يعزون سبب الدوامات البحرية إلى وجود وحش يسمونه كاربيدس يمتص الماء ثم يقذفه[8]، ولم يكن بمقدور الإنسان معرفة أعماق الشواطئ الضحلة والمياه الراكدة ناهيك عن معرفة البحار العميقة والحركات الداخلية في هذه المياه، كما لم يكن بإمكان الإنسان الغوص في هذه الشواطئ إلا في حدود عشرين متراً ولثواني معدودة ليعاود التنفس من الهواء الجوي، وحتى بعد ابتكار أجهزة التنفس للغواصين لم يتمكن الإنسان من الغوص أكثر من ثلاثين متراً نظراً لازدياد ضغط الماء على جسم الغواص مع زيادة العمق والذي يعادل عند عمق ثلاثين متراً أربعة أضعاف الضغط الجوي على سطح الأرض[9] وعندئذٍ يذوب غاز النتروجين في دم الغواص ويؤثر على عمل مخه فيفقده السيطرة على حركاته[10] ويصاب الغواصون نتيجة لذلك بأمراض تعرف في الطب بأمراض الغواصين ، أما إذا نزل الغواص إلى أعماق بعيدة فإن ضغط الماء يكفي لهرس جسمه .

التسلسل الزمني لاكتشاف أعماق البحار :

* في عام1300 م استخدم صيادو اللؤلؤ أول نظارات واقية مصنوعة من صدف السلاحف.[11]

* في عام 1860م تم اكتشاف أحياء في قاع البحر المتوسط باستخدام حبل حديدي (كيبل) .

* في عام 1865م تم ابتكار مجموعة غطس مستقلة بواسطة كل من (روكايرول ودينايروز)

* في عام 1893م تمكن بوتان من إلتقاط صور تحت الماء.[12]

* في عام 1920م تم استخدام طريقة السبر بالصدى (صدى الموجات الصوتية) لمعرفة الأعماق.

* في عام 1930م تمكن كل من بارتون وبيبس من أن يغوصا بأول كرة أعماق حتى عمق 3028 قدماً وابتكار (أقنعة الوجه والزعانف وأنبوب التنفس) .

* في عام 1938م تم ابتكار قارورة للتنفس (سكوبا) وابتكار صمام التنفس من قبل الكابتن كوستو ودوماس.

* في عام 1958م تم إجراء تجارب الاختبارات على غواصة الأعماق (الستينيات) وابتكار (ابرس) غلاصم[13] للتنفس تحت الماء وتجربتها لأول مرة .

* وتمكن الإنسان من الغوص إلى أعمق بقعة في المحيط الهادي[14] ، كما تمكن من البقاء في أعماق البحر لعدة أيام[15] ، واكتشف الإنسان وجود فوهات في أعماق البحر[16] ، وصنع الإنسان الغواصة الصفراء[17] والغواصات النووية.[18]

معلومات حديثة في علم البحار :

لم تبدأ الدراسات المتصلة بعلوم البحار وأعماقها على وجه التحديد إلا في بداية القرن الثامن عشر عندما توفرت الأجهزة المناسبة والتقنيات وصولاً إلى ابتكار الغواصات المتطورة. وبعد عام 1958م أي بعد ثلاثة قرون من البحوث والدراسات العلمية وعلى أيدي أجيال متعاقبة من علماء البحار توصل الإنسان إلى حقائق مدهشة منها :

1) ينقسم البحر إلى قسمين كبيرين :

أ- البحر السطحي الذي تتخلله طاقة الشمس وأشعتها .

ب- البحر العميق الذي تتلاشى فيه طاقة الشمس وأشعتها.

2) يختلف البحر العميق عن البحر السطحي في الحرارة والكثافة والضغط ودرجة الإضاءة الشمسية، والكائنات التي تعيش في  كل منهما   ويفصل بينهما  موج داخلي.

3) الأمواج البحرية الداخلية :

تغطي الأمواج الداخلية البحر العميق وتمثل حداً فاصلاً بين البحر العميق والبحر السطحي ، كما يغطي الموج السطحي سطح البحر ويمثل حداً فاصلاً بين الماء والهواء ولم تكتشف الأمواج الداخلية إلا في عام 1904م[19]. ويتراوح طول الأمواج الداخلية ما بين عشرات إلى مئات الكيلومترات كما يتراوح ارتفاع معدل هذه الأمواج ما بين 10 إلى 100متر تقريباً.

4) اشتداد الظلام في البحر العميق مع ازدياد عمق البحر حتى يسيطر الظلام الدامس الذي يبدأ من عمق (200متر) تقريباً ويبدأ عند هذا العمق المنحدر الحراري الذي يفصل بين المياه السطحية الدافئة ومياه الأعماق الباردة ،كما توجد فيه الأمواج الداخلية التي تغطي المياه الباردة في أعماق البحر ، وينعدم الضوء تماماً على عمق 1000متر تقريباً .أما فيما يتعلق بانتشار الظلمات في أعماق البحار فقد أدرك صيادوا الأسماك أن الضوء يمتص حتى في المياه الصافية وأن قاع البحر المنحدر ذا الرمال البيضاء يتغير لونه بصورة تدريجية حتى يختفي تماماً مع تزايد العمق وأن نفاذ الضوء يتناسب عكسياً مع ازدياد العمق.

 وأبسط جهاز علمي لقياس عمق نفاذ الضوء في مياه المحيط هو
(قرص سيتشى
The Secchi Disk)[20] ولكن على الرغم من كونه وسيلة سهلة لقياس اختراق الضوء للماء بدرجة تقريبية وعلى الرغم من استعماله على نطاق واسع فإن قياس الظلمات في ماء البحر بصورة دقيقة لم يتحقق إلا بعد استخدام الوسائل التصويرية في نهاية القرن الماضي[21] ثم بتطوير وسائل قياس شدة الضوء التي استخدمت الخلايا الكهرو ضوئية خلال الثلاثينيات ، وبعد اختراع الإنسان أجهزة مكنته من الغوص إلى هذه الأعماق البعيدة وفي الهامش[22] معلومات عن شدة الضوء عند أعماق مختلفة من المحيط .أما البحار العميقة فالضياء منعدم فيها ، والظلمات متراكمة ، وتعتمد الكائنات الحية والأسماك التي تعيش فيها على الطاقة الكيميائية لتوليد الضوء الذي تستشعر به طريقها ، وهناك أنواع منها عمياء تستخدم وسائل أخرى غير الرؤية لتلمس ما حولها .وتبدأ هذه الظلمات على عمق 200متر تقريباً وتختفي جميع أشعة الضوء على عمق 1000متر تقريباً حيث ينعدم الضوء تماماً ، كما أن أغلب تركيب الأسماك في الأعماق يتكون من الماء لمواجهة الضغوط الهائلة .

ظلمات بعضها فوق بعض :

إن الظلام الدامس الذي يشتد من خمسمائة متر إلى ألف متر يتكون في أعماق البحار نتيجة لظلمات بعضها فوق بعض ، وتنشأ لسببين رئيسين :

1)   ظلمات الأعماق : يتكون شعاع الشمس من سبعة ألوان (الأحمر ، البرتقالي، الأصفر ، الأخضر ، النيلي ، البنفسجي ، الأزرق) ولكل لون طول موجي خاص به[23] وتتوقف قدرة اختراق الشعاع الضوئي للماء على طول موجته فكلما قصر طول الموجة زادت قدرة اختراق الشعاع للماء ، لذلك فإن شعاع اللون الأحمر يمتص على عمق 20متراً تقريباً ويختفي وجوده بعد ذلك، وينشأ عن ذلك ظلمة اللون الأحمر ، فلو جرح غواص على عمق 25متراً تقريباً وأراد أن يرى الدم النازف فسيراه بلون أسود ، بسبب انعدام شعاع اللون الأحمر ، ويمتص الشعاع البرتقالي على عمق ثلاثين متراً تقريباً فتنشأ ظلمة أخرى تحت ظلمة اللون الأحمر هي ظلمة اللون البرتقالي ، وعلى عمق 50متراً تقريباً يمتص اللون الأصفر ، وعلى عمق 100متر تقريباً يمتص اللون الأخضر ، وعلى عمق 125متر تقريباً يمتص اللون البنفسجي والنيلي ، وآخر الألوان امتصاصاً هو اللون الأزرق على بعد 200متر تقريباً من سطح البحر. وهكذا تتكون ظلمات الألوان لشعاع الشمس بعضها فوق بعض ، بسبب عمق الماء الذي تمتص فيه الألوان بأعماق مختلفة .

2)     ظلمات الحوائل :

وتشترك ظلمات الحوائل مع ظلمات الأعماق في تكوين الظلمات الدامسة في البحار العميقة ، وتتمثل ظلمات الحوائل فيما يأتي:

أ- ظلمة السحب : غالباً ما تغطي السحب أسطح البحار العميقة نتيجة تبخبر الماء ، وتمثل حائلاً نسبياً لأشعة الشمس[24] ، فتحدث الظلمة الأولى للحوائل والتي نراها ظلالاً لتلك السحب على سطح الأرض والبحار .       

ب- ظلمة الأمواج السطحية : تمثل الأسطح المائلة للأمواج السطحية في البحار سطحاً عاكساً لأشعة الشمس ، ويشاهد المراقب على الساحل مقدار لمعان الأشعة التي عكستها هذه الأسطح[25] المائلة للأمواج السطحية .    

ج- ظلمة الأمواج الداخلية :

توجد أمواج داخلية تغشى البحر العميق وتغطيه ، وتبدأ من عمق 70متر إلى 240متر[26]، وتعلق ملايين الملايين من الكائنات الهائمة في البحار على أسطح الموجات الداخلية ، وقد تمتد الموجة الداخلية إلى سطح البحر فتبدو تلك الكائنات الهائمة كأوساخ متجمعة على سطح البحر ، مما يجعلها تمثل مع ميل الموج الداخلي حائلاً لنفاذ الأشعة إلى البحر العميق فتنشأ بذلك الظلمة الثالثة تحت ظلمتي السحب والموج السطحي .

ويتبين مما سبق أن الظلمات التي تراكمت في البحار العميقة عشر ظلمات وهي :

أ- ظلمات الأعماق : وهي سبع ظلمات بعضها فوق بعض تنشأ من التلاشي التدريجي لألوان الطيف السبعة .

ب- ظلمات الحوائل الثلاثة :

1- السحب  2- الموج السطحي 3- الموج الداخلي .

وهي أيضاً ظلمات بعضها فوق بعض .

الاكتشافات العلمية المتعلقة بالآية :

مما سبق يتبين أن العلم التجريبي قد اكتشف في فترة طويلة ، خلال القرون الثلاثة الماضية ، وبعد توفر الأجهزة الدقيقة ، وبتضافر جهود أعداد كبيرة من الباحثين وعلماء البحار ، الحقائق الآتية :

·   وجود ظلمات في البحار العميقة .

·  وأن هذه الظلمات بعضها فوق بعض .

·  تزداد هذه الظلمات بالتدريج مع زيادة العمق حتى تنعدم الرؤية تماماً .

·  وجود أمواج داخلية تغشى البحر العميق .

·   تعمل الأمواج الداخلية بما عليها من الكائنات الهائمة على حجب الضوء.

· عدد الظلمات المتراكمة في البحار العميقة عشر ظلمات، سبع منها بسبب عمق الماء وثلاث بسبب الحوائل الثلاثة : السحاب ، الموج السطحي، الموج العميق .

·    تنقسم مياه البحر إلى قسمين :

أ- مياه البحر السطحي حيث توجد فيها طاقة الضوء .

ب- مياه البحر العميق التي تراكمت عليها الظلمات .

وصف القرآن لهذه الأسرار والحقائق البحرية :قال تعالى:﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(40) [النور:40].

·  أثبت القرآن وجود ظلمات في البحر العميق ، وقيد وصف البحر بلفظ (لجى) ليعلم قارئ القرآن أن هذه الظلمات لاتكون إلا في بحر لجي أي عميق،﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ ويخرج بهذا القيد البحر السطحي الذي لا توجد فيه هذه الظلمات .

·  وقد بين أهل اللغة والتفسير معنى لفظ (لجي) ، فقال قتادة وصاحب تفسير الجلالين : لجي هو العميق ، وقال الزمخشري : اللجي العميق الكثير الماء ، وقال الطبري : ونسب البحر إلى اللجة بأنه عميق كثير الماء ، وقال البشيري: هو الذي لا يدرك قعره واللجة معظم الماء ، والجمع لجج ، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه . 

·  وهذه الظلمات تتكون بسبب العمق في البحر اللجي، وهي ظلمات الأعماق التي سبق الإشارة إليها . قال تعالى﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾. قال الزمخشري :(بظلمات متراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب)،وقال الخازن:(كظلمات في بحر لجي أي عميق كثير الماء …معناه أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء)وقال المراغي:(فإن البحر يكون مظلم القعر جداً بسبب غور الماء …). 

·     وذكر القرآن أن للبحر العميق موج يغشاه من أعلاه.
قال تعالى :
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ... ﴾ .

·  وذكرت الآية وجود موج آخر فوق الموج الأول قال تعالى : ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ... ﴾   …وهذه صفة للبحر وهي : وجود موجين في وقت واحد أحدهما فوق الآخر ، وليست أمواجاً متتابعة على مكان واحد بل هي موجودة في وقت واحد ، والموج الثاني فوق الموج الأول .

·  وتشير الآية إلى أن فوقية الموج الثاني على الموج الأول كفوقية السحاب على الموج الثاني. قال تعالى : ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ... ﴾.

·  ذكرت الآية وجود موج يغشى البحر العميق ويغطيه كما ذكرت وجود موج ثان فوق الموج الأول ، وهذا يستلزم وجود بحر فوق (الموج الأول والبحر العميق) وهو البحر السطحي الذي يغشاه الموج الثاني الذي فوقه السحاب .

·  وأثبت القرآن دور هذه الحوائل الثلاثة في تكوين الظلمات في البحار العميقة وأن بعضها فوق بعض كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ(40) [النور:40] وهو ما فهمه بعض المفسرين : قال الإمام البغوي في تفسيره لهذه الآية: "ظلمة الموج الأول على ظلمة البحر ، وظلمة الموج الثاني فوق الموج الأول وظلمة السحاب على ظلمة الموج الثاني". وقال الإمام ابن الجوزي في تفسيره: "ظلمات يعني ظلمة البحر وظلمة الموج الأول ، وظلمة الموج الذي فوق الموج ، وظلمة السحاب" .

·  اشتملت الآية على ذكر ظلمات الأعماق (السبعة) في أولها وظلمات الحوائل (الثلاثة) في آخرها
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ...﴾.

·  وذكرت الآية أن هذه الظلمات التي سبق ذكرها بسبب الأعماق أو الحوائل بعضها فوق بعض ، وأستعمل القرآن لفظ ظلمات الذي تستعمله العرب للدلالة على جمع القلة ، من الثلاثة إلى العشرة ، فقبلها تقول ظلمة وظلمتان ، وبعدها تقول إحدى عشرة ظلمة ، ومن ثلاث إلى عشر تقول ظلمات كما هي في الآية، وهذا ما كشفه العلم كما سبق بيانه : سبع ظلمات للألوان متعلقة بالأعماق وثلاث ظلمات متعلقة بالحوائل (الموج الداخلي ، والموج السطحي، والسحاب).

·  وبينت الآية التدرج في اشتداد الظلام في البحار العميقة باستعمال فعل من أفعال المقاربة وهو (كاد) وجعلته منفياً . قال تعالى : ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾  فدل هذا الاستعمال الدقيق على معنيين:

الأول : أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لايراها إلا بصعوبة بالغة ، كما فهم ذلك بعض المفسرين ، ومنهم المبرد والطبري .

الثاني : أن الذي يخرج يده في هذه الأعماق ليراها لايراها البتة ، لأن فعل المقاربة كاد جاء منفياً ، فإذا نفيت مقاربة الرؤية دلت على تمام نفي الرؤية ، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين ، أمثال الزجّاج وأبو عبيده والفرّاء والنيسابوري . والآية استعملت تعبيراً يدل على المعنيين معاً، فتكون الرؤية بصعوبة في الأعماق القريبة ، وتنتفي الرؤية تماماً في الأعماق البعيدة ، على عمق 1000متر تقريباً كما مر بنا .

فتأمل كيف جاء التعبير القرآني الموجز دالاً على المعاني الصحيحة المتعددة .

وجه الإعجاز :

لقد ذكر القرآن الكريم معلومات دقيقة عن وجود ظلمات في البحار العميقة ، وأشار إلى سبب تكوينها ، ووصفها بأن بعضها فوق بعض ، ولم يتمكن الإنسان من معرفة هذه الظلمات إلا بعد عام 1930م. وأخبر القرآن عن وجود موج داخلي في البحار لم يعرفه الإنسان إلا بعد عام 1900م ، كما أخبر بأن هذا الموج الداخلي يغطي البحر العميق ، الأمر الذي لم يعرف إلا بعد صناعة الغواصات بعد الثلاثينيات من القرن العشرين، كما أخبر القرآن عن دور الموج السطحي ، والموج الداخلي في تكوين ظلمات في البحار العميقة ، وهو أمر لم يعرف إلا بعد تقدم العلم في القرون الأخيرة. وما سبق من المعلومات لم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن ابتكر أجهزة للبحث العلمي تمكنه من الوصول إلى هذه الأعماق ، ودراسة هذه الظواهر ، وبعد أن استغرق البحث فترة طويلة امتدت لثلاثة قرون من الزمن ، واحتشد لها مئات الباحثين والدارسين حتى تمكنوا من معرفة تلك الحقائق. فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الأسرار في أعماق البحار في وقتٍ كانت وسائل البحث العلمي فيه معدومة ، والخرافة والأسطورة هي الغالبة على سكان الأرض في ذلك الزمان ، وبخاصة في مجال البحار ؟كيف جاءه هذا العلم الدقيق بهذه الأسرار ، وهو الرجل الأمي في أمة أمية وبيئة صحراوية ، ولم يتيسر له ركوب البحر طوال حياته ؟

وحين عرضت هذه الحقائق على البرفسور (راو) وسئل عن تفسيره لظاهرة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وكيف أُخبر محمد r بهذه الحقائق منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام أجاب : (من الصعب أن نفترض أن هذا النوع من المعرفة العلمية كان موجوداً في ذلك الوقت منذ ألف وأربعمائة عام ولكن بعض الأشياء تتناول فكرة عامة ولكن وصف هذه الأشياء بتفصيل كبير أمر صعب جداً ، ولذلك فمن المؤكد أن هذا ليس علماً بشرياً بسيطاً. لا يستطيع الإنسان العادي أن يشرح هذه الظواهر بذلك القدر من التفصيل ولذلك فقد فكرت في قوة خارقة للطبيعة خارج الإنسان ، لقد جاءت المعلومات من مصدر خارق للطبيعية)[27] .إنه لدليل قاطع على أن هذا العلم الذي حملته هذه الآية قد أنزله الله الذي يعلم السر في السموات والأرض ، كما قال تعالى:﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6) [الفرقان:6] وقال تعالى:﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166) [النساء:166] والقائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)  [فصلت:53].

فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت

 

قال تعالى :﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5) [الحج:5] وقال تعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)[فصلت:39] ، بين الله تبارك وتعالى في هاتين الآيتين أثر الماء وأهميته،لحياة الأرض وإنباتها من كل زوج بهيج ،وسنبين وجه الإعجاز في ربط القرآن الكريم بين نزول الماء واهتزاز التربة ، وربوها ، وإنباتها من كل زوج بهيج، فالماء مذيب عام للمعادن التي تحتويها التربة ، ووسط تدخل من خلاله المواد المذابة إلى النبات وتتحرك خلال أنسجته .

وتتكون الأرض من ثلاثة مكونات هي:

1- مادة التربة الصلبة المكونة من المواد المعدنية والعضوية.

2- محلول التربة المكون من مواد التربة الذائبة في الماء.

3- الهواء المتخلل لحبيبات التربة ومساماتها .

وتشتمل المادة الصلبة للتربة على حبيبات ذات أحجام متباينة تتدرج من حبيبات خشنة ذات قطر 2مم إلى حبيبات ناعمة جداً يصل قطرها إلى أقل من ميكرون.[28] وهذه الحبيبات تتكون من صفائح معدنية متراصة بعضها فوق بعض[29] ملتصقة في حالة سكونها ، وهي ما عبر عنه القرآن بقوله سبحانه
﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ﴾ وفي قوله (خاشعة). كما يوجد بين هذه الحبيبات فراغات هوائية .

وتحمل الحبيبة على سطحها شحنات كهربائية سالبة[30]

أولاً : الاهتزاز :

إذا نزل ماء المطر على التربة يحدث فيها الاهتزاز الدقيق الذي أشار إليه القرآن بقوله : ﴿ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ﴾ وذلك بسبب ما يأتي :

أ- تساقط قطرات المطر على حبيبات التربة ، فتنشأ فيها حركة آلية (ميكانيكية) .

ب- حركة جزئيات الماء "الحركة البراونية" إذ أن حبيبات التربة الموجودة في الوسط المائي تهتز بسبب حركة جزئيات الماء ، وهذا الاهتزاز عملية خفية لا يمكن مشاهدتها بالعين المجردة. وعلى الرغم من  أن الميكروسكوب أخترع عام 1590م فإن ظاهرة اهتزاز الجزيئات في الوسط المائي لم تشاهد إلا في عام 1827م على يد عالم النبات الاسكتلندي روبرت براون ، وكان يعتقد في بداية الأمر أن الحركة الإهتزازية الذبذبية مقتصرة على حبوب اللقاح الحية في النبات إذا وضعت في وسط مائي ، ثم وجد بعد ذلك أن هذه الحركة نفسها تحصل لحبوب اللقاح الميتة. ومع تقدم العلم ثبت أن هذه الاهتزازات تحصل للجسيمات الدقيقة العالقة في الماء ولو كانت جسيمات من الزجاج أو الجرانيت أو الدخان أو غيرها كحبيبات التربة ، وأنها تحصل بسبب اهتزاز جزيئات الماء.[31]

ج- طرد الماء للهواء الموجود في الفراغات بين تلك الحبيبات، فيحدث اهتزازاً في حبيبات التربة ، وكلما كانت الحبيبات دقيقة كانت الفراغات بينها أدق تعجز العين المجردة عن إدراكها وإدراك حركة الماء خلالها وما يحدثه الماء من اهتزاز لتلك الحبيبات .

د- ظهور الشحنة الكهربائية على سطوح الحبيبات بسبب نزول المطر والذي يسبب عدم استقرارها ، وحدوث حركات اهتزازية لا يمكن سكونها إلا بعد تعادل هذه الشحنات بأخرى.

ثانياً : الربو[32] :

فعندما تهتز الصفائح الصغيرة الرقيقة المكونة لحبيبات التربة فإنها تتيح الفرصة لدخول الماء وأيونات[33] العناصر الذائبة فيه إلى الشقوق المسطحة بين الصفائح الرقيقة فتتباعد الصفائح وتربوا الحبيبات وتنتفخ[34] بسبب خزن الماء بين صفائح الحبيبات. كما تحاط الحبيبة بأغلفة مائية ممسوكة بقوى الجذب "الكهروستاتيكي"[35] وهكذا تمتلئ الفراغات بين الحبيبات وبهذا تصبح حبيبات التربة خزانات مائية صغيرة تكون سبباً في انتفاخ التربة[36] وزيادة حجمها وإمداد جذور النباتات بالماء بعد انقطاع المطر .

ثالثاً : إنبات النبات :

وبنزول ماء المطر وخزنه بين صفائح حبيبات التربة وعلى أسطح الحبيبات نفسها يستفيد النبات من ذلك الماء خلال الفترة التي تلي نزول المطر فتبدأ البذور الجافة الموجودة في التربة بامتصاص الماء والمواد المعدنية من الوسط المحيط بها وتتحرك العمليات الكيميائية الحيوية في البذور فتنبت وتنمو الدرنات والأبصال وتصبح مساحة سطحية كبيرة من الشعيرات الجذرية للنباتات معرضة لمحلول التربة مما يسهل عليها عملية امتصاص الماء والعناصر الغذائية .كما تنشط ملايين الكائنات الحية الموجودة في التربة ، فالفطريات والبكتريا تحول بقايا النباتات والحيوانات إلى مواد معدنية تمتصها النباتات عبر الجذور وتقوم ديدان الأرض بحفر الأنفاق عبر التربة مفسحة المجال لدخول الهواء والماء خلال التربة فتصبح الأرض مخضرة بإنباتها من كل زوج بهيج .وقد وصف القرآن هذه الحركة الدقيقة لحبيبات التربة والتي لم تشاهد إلا بالمجهر كما وصف ما يحدث من نمو (ربو) لحبيبات التربة الصغيرة بسبب دخول الماء بين الصفائح المكونة لها ، ودخوله بين الحبيبات وما ينتج عن ذلك من خزن طويل للماء فيكون سبباً لاستمرار إنبات النبات ونموه في وقت انقطاع المطر .قال تعالى :﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ(5)﴾  [الحج:5] .

المعاني اللغوية :

قوله تعالى: (هامدة) .

يقال في اللغة : "همد" الهاء والميم والدال : أصل يدل على خمود شيء[37] .

وأرض هامدة : لا نبات بها[38] .

والهمود : الموت[39] .

قوله تعالى "خاشعة" : يقال في اللغة (خشع) : الخاء والشين والعين أصل واحد يدل على التطامن .

و"بلدة خاشعة" :- مغبرة[40] .

والخشوع : السكون والتذلل[41] .

و"خشعت الأرض" : يبست لعدم المطر[42].

والهمود في الأرض: أن لا يكون فيها حياة ولا عود ولا نبت ولا أصابها مطر، وترى الأرض (هامدة) أي جافة ذات تراب[43].

قوله تعالى : ﴿اهتزت : يقال في اللغة "هزّ" : الهاء والزاء أصل يدل على اضطراب في شئ وحركة[44].

اهتز الشيء: تحرك، واهتز النبات: نما وتحرك وطال ، والهَـزُّ تحريك الشيء[45].

قوله تعالى (وربت) الربو: الزيادة والنماء. وربت : انتفخت وعلت .

وَربى الشيء: زاد ونما  [46] .

أقوال المفسرين :

"هامدة" أ : يابسة لا تنبت شيئاً[47] .

ب: جافة ذات تراب[48].

ج : غبراء متهشمة[49].

د : ميتة[50].

"خاشعة" : أ : يابسة جدبة[51].

   ب : غبراء متهشمة[52] .

   ج : هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة[53] .

(اهتزت) : أ- يعني بالنبات[54] لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفيفة فسماه اهتزازاً مجازاً .

وقال المبرد : المعنى اهتز نباتها فحذف المضاف .

والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض[55].

ب- تحركت لإخراج النبات[56]

ج- اهتزاز الأرض هو حركتها بالنبات وغير ذلك مما يعتريها بالماء[57].

ونلاحظ من كلام المفسرين أنهم عزوا الإهتزاز للنبات ، وأولوا الآية على غير ظاهرها ، وقال بعضهم الإهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض ، وذلك بسبب نقص المعلومات في زمنهم ولأن الاهتزاز على مستوى التربة وحبيباتها خفي لا تراه العيون المجردة مع أن الآية الكريمة صريحة في نسبة الإهتزاز إلى التربة نفسها بعد إنزال الله المطر عليها .

(ربت) : أ- انتفخت وزادت.[58]

ب- ارتعشت قبل أن تنبت.[59]

ج- ارتفعت قبل أن تنبت.[60]

د- انتفخت وعلت لما يتداخلها من الماء ويعلوها من نبات.[61]

هـ- انتفخت وعلت ثم تصدعت عن النبات.[62]

(اهتزت وربت) : تفرق الغيث في سبختها وربوها.[63]

وجه الإعجاز :

ذكر القرآن اهتزاز التربة وربوها بعد نزول الماء عليها ، وهما عمليتان دقيقتان غير مشاهدتين ولا محسوستين ولا يمكن إدراكهما إلا من خلال استخدام المجهر.

وعملية الاهتزاز والربو لحبيبات التربة يحصل بنزول المطر ، وهذا الاهتزاز يمكن الماء بإذن الله من التخلل بين الصفائح المكونة للتربة والفراغات بين الحبيبات. فتنتفخ الحبيبات ويزداد حجمها وتصبح مخازن للماء يستفيد منها النبات. حيث تتشرب البذور الموجودة في التربة الماء وتنبت، وتمتصه الشعيرات الجذرية للنباتات فتنمو برحمة الله .

وتفاصيل العلاقة بين اهتزاز حبيبات التربة ورَبْوها وإنبات الأرض خفية لم يدركها الإنسان إلا بعد تقدم علم التربة وتطور أدواته المعملية .فأول ملاحظة للاهتزاز كانت في عام 1827م على الرغم من أن الميكروسكوب الضوئي ، وهو الأداة التي لوحظ من خلالها الاهتزاز ، قد اخترع[64] عام 1590م، كما أن الميكروسكوب الإلكتروني الماسح والذي يمكن استعماله في فحص الاتحادات البنائية المكونة لحبيبات التربة لم يخترع إلا في عام 1952م.[65] ويتجلى السبق العلمي للقرآن بصورة أكثر عندما نستعرض أقوال المفسرين الذين لم تسعفهم علوم عصرهم في فهم ظاهر الآية الكريمة فاضطر أكثرهم إلى تأويلها وحملها على المجاز .وإخبار القرآن بكل وضوح عن هذه الأسرار دليل على أنه منزل ممن يعلم السر في السموات والأرض القائل: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6) [الفرقان:6] والذي وعدنا في كتابه أنه سيرينا آياته. بقوله سبحانه ﴿وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(93) [النمل:93].

آية اللبن ﴿من بين فرث ودم

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66)

مقدمـة:  

لقد أدرك البشر منذ زمن بعيد العلاقة بين إدرار اللبن وما يتناوله الحيوان من غذاء، وأن الحيوان يهلك إذا ما حرم من الغذاء، ولكنهم لم يعرفوا العملية التي يتم بها تحول هذا الغذاء إلى لبن أو لحم أو عظم أو أي مادة أخرى .وجاء العلم الحديث ليبين لنا المراحل التي توصلنا إلى تكوين اللبن خالصاً سائغاً للشاربين فيكشف لنا من آيات الله اللطيف الخبير ما جاء مطابقاً لما أخبرنا به القرآن عن أسرار تكون اللبن في بطون الأنعام ، ويظهر عظمة إنعام الخالق المنعم على عباده .

التدرج التاريخي للاكتشافات العلمية :

لم يتمكن الإنسان من معرفة كيف يتكون اللبن في بطون الأنعام إلا بعد أن تمكن من اكتشاف أسرار الجهاز الهضمي ومعرفة وظائف أعضائه ، وبعد اكتشاف الدورة الدموية وعلاقتها بعملية امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ودخولها في الدم، وقد استغرق ذلك فترة من الزمن لتطوير الأجهزة واكتشاف الأسرار استمرت قرابة خمسة قرون .

أ- تطور الأجهزة وأدوات البحث :

سلك العلم التجريبي طرقاً دقيقة لمعرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي بعد أن اخترعت الآلات التي تم بها إجراء التجارب والأبحاث لتحقيق النتائج الدقيقة . ولم يحصل هذا إلا في وقت متأخر ، فقد كان علماء الأحياء والأطباء في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلادي عاجزين عن ترجمة ملاحظاتهم العلمية إلى رسوم وصور ، كما كانوا أكثر عجزاً عن نشرها بين الطلاب لعدم توافر إمكانيات النشر .

وسار التقدم في الأجهزة العلمية التي استعملت في معرفة أسرار عملية الهضم بخطوات متتالية حتى انكشف للباحثين الكثير من أسرار الهضم[66] .

ب- تاريخ معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي :

تتابعت الاكتشافات العلمية[67] في معرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي من عام 1833م إلى أن تم التوصل في القرن العشرين إلى توضيح الأعمال المتتالية لعملية الهضم من تفكك بروتيد البروتينات بواسطة السلاسل الأنزيمية المعدية والمعوية. كما تم توضيح تركيب وتأثير أهم العصائر الهضمية، والتثبت من إنزيمات عديدة ذات دور كبير في عملية هضم الطعام ، مثل :اللاكتاز، والليبار والبروتيداز وغيرها ، كما اكتشف مفعول الهرمونات المختلفة العاملة في مختلف مراحل عملية الهضم[68].وفي عام 1902م اشترك بايليس (Bayliss) وستارلنغ (Starling) في اكتشاف هرمون السكرتين[69].وفي عام 1911م أوضح (و.ب. كانون) العوامل الميكانيكية في الهضم وأوضح (ر. غلينارد) (1913م) الدراسة السينمائية التسجيلية لحركات الأمعاء[70] .

ج- تاريخ معرفة الدورة الدموية :

اكتشف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى وكان يقال قبل ذلك إن الدم ينقى ضمن تجويف في القلب . وقد ترجم اندريا الباغو (Andrea Alpago) عمل ابن النفيس في مطلع القرن السادس عشر إلى اللاتينية ونشرت الترجمة في البندقية سنة 1547م.[71]وجاءت بعد ذلك بحوث هارفي حول الدورة الدموية وكانت من أبرز البحوث قبل القرن التاسع عشر.[72]وفي عام 1877م اثبت كلود برنار أن مقدار سكر الجلوكوز في الدم ثابت وإن اختلال هذا التوازن يسبب مرض السكر[73] ، وصحح (كلود برنار) مفهوم (لافوازية) و(لا بلاس) بأن الرئتين مركز الاحتراق بقوله أن الاحتراق يتم في الأنسجة المختلفة[74].وعمل ماري (Marey) (1830-1904م) على تحسين التقنيات الخاصة بدراسة عمل القلب والرئتين. كما تناولت أبحاث وأعمال ماري دورة الدم (1863،1881) وفيزيولوجيا الحركة أو الانتقال[75].أما فيزيولوجيا دوران الدم فإنه منذ القرن التاسع عشر جرى التعرف على الأعصاب المعدّلة والمسرعة للقلب وعلى التحرك الوعائي وعلى بعض الظواهر التي تتدخل في الضغط الشرياني ، وقد بحثت بتوسع في القرن العشرين .وبعد استعمال النظائر المشعة تم معرفة المبادلات التي تحدث عند مستوى الشعيرات الدموية بصورة أفضل .وبعد أن اكتشف الإنسان أسرار الهضم ومراحله ووظائف أعضاء الجهاز الهضمي والدورة الدموية ووظيفة القلب والأوعية الدموية ، وسيرها في الجسم وعلاقتها بالجهاز الهضمي وسائر أجزاء الجسم بما فيها ضروع اللبن والغدد اللبنية في الأنعام تمكن الإنسان من معرفة طريقة تكون اللبن من الغذاء الذي تأكله الأنعام .

 مراحل تكوين اللبن الخالص السائغ

 يتم تكوين اللبن في الأنعام بالتنسيق المحكم والتدرج الدقيق بين الجهاز الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من  الأجهزة حيث جعل الله لكل جهاز وظيفة وأعمالاً خاصة يقوم بها ليتكون - في نهاية المطاف - اللبن الخالص السائغ للشاربين. ويمكن أن نجمل مراحل تكون اللبن كالآتي :

1- الهضم (Digestion)

يتم الهضم على عدة أشكال فمنه الهضم (الحركي) والهضم الكيماوي والهضم الميكروبي بواسطة (خمائر) الميكروبات الموجودة في كرش الأنعام .تبدأ عملية الهضم في الفم بنوعيها : الهضم (الحركي) و (الخمائري) حيث يتم تقطيع مواد العلف بالمضغ وخلطها باللعاب الذي يحتوي على أنزيم (الأميليز) الذي يقوم بهضم مبدئي ثم في المعدة المركبة[76] حيث يتم هضم ميكانيكي وميكروبي وكيماوي . ثم يتم اجترار الكتلة الغذائية من الكرش إلى الفم ليعاد مضغها وخلطها باللعاب ثم إعادة بلعها لتعمل عليها بكتريا الكرش فتحلل (السكريات)[77] و(البروتينات)[78] ثم يحدث الهضم (الخمائري) في المعدة الحقيقية (بالببسين والرنين). وبعمليات الهضم هذه يتحول العلف إلى فرث . وبانتقال الفرث إلى الأمعاء الدقيقة تستمر عملية الهضم فيتعرض الفرث للإنزيمات الهاضمة[79] في الأمعاء والبنكرياس والعصارة الصفراء في الكبد .وبهذا يتم تحليل الأطعمة المحتوية على  الجزيئات المعقدة جداً إلى جزيئات بسيطة، فالنشاء والسكريات المعقدة تتحول إلى سكريات بسيطة ، والدهون تتحول إلى أحماض دهنية ، والبروتينات تتحول إلى أحماض أمينية وببتيدات، أما الفيتامينات والأملاح والماء فلا تحتاج إلى هضم قبل امتصاصها .

ويتحول الفرث الصلب بعد هضمه في الأمعاء  إلى فرث رائق.[80]

2- الاستخلاص من بين الفرث :

تقوم الخملات[81] في الأمعاء الدقيقة بامتصاص المــواد الغذائيـة المحللة بعـدةطرق[82]. وتصل هذه المواد إلى داخل الأوعية الدموية الصغيرة الواقعة تحت النسيج الطلائي ، ومنها إلى الأوعية الدموية الأكبر فتدخل في تيار الدورة الدموية .

3- الاستخلاص من بين الدم :

ثم يقوم الدم بنقل هذه المواد الغذائية إلى جميع خلايا الجسم والتي منها خلايا الضروع التي يتم فيها امتصاص مكونات الحليب من بين الدم .

4- تصنيع اللبن في الضرع :

والضرع مدينة صناعية يتكون من فصوص ، وكل فص يتكون من عدد من الفصيصات ، وكل فصيص يحتوي ما بين 150-220 حويصلة مجهرية ، والحويصلة المجهرية عبارة عن تركيب يشبه الكيس حيث يصنع اللبن ويفرز. وكل حويصلة تعد وحدة صناعية مستقلة متكونة من تجويف لجمع اللبن محاط بطبقة واحدة من الخلايا الطلائية (الظهارية) ، وكل خلية في هذه الوحدة الصناعية وحدة متكاملة قائمة بذاتها تحول ما بداخل جوفها من مواد أولية قادمة من الدم إلى قطيرة لبن تفرز في ذلك التجويف.إن الخلية الطلائية (الظهارية) اللبنية هي التي يجعل الله داخلها جميع عمليات تصنيع اللبن بمكوناته المختلفة، فتصل المكونات الأساسية للبن إلى الغشاء القاعدي للخلية اللبنية فيأخذ كل مكون طريقه عبرها ليصل إلى القسم المناسب داخل الخلية حيث تجري عليه العمليات التي قدرها عالم السر وأخفى سبحانه فيخرج من الجهة العليا للخلية مادة جديدة تشكل مع المواد الأخرى الناتجة لبناً سائغاً للشاربين.فتعال معنا نتتبع مسار كل مادة وردت من الدم وما يحصل لها في رحلتها عبر الخلية اللبنية .يبين الشكل آليات انتقال مكونات اللبن من الشعيرات الدموية عبر الخلية اللبنية إلى تجويف الحويصلة بعد تعرض قسم منها إلى معالجات تحولها إلى مواد مناسبة لتركيب اللبن وانتقال قسم آخر دون تغيير عبر الخلية أو عبر مسالك يبين الخلايا اللبنية .

1-   الأحماض الأمينية : تنطلق الأحماض الأمينية التي جاءت من الدم وتتوجه إلى القسم المناسب من المصنع وهو الرايبوسومات المتعددة المنتشرة على الشبكة الإندوبلازمية الخشنة ، كما في الشكل. وهناك ترتبط تساهمياً لتكوين البروتينات، التي تنتقل بعدها إلى جهاز جولجي حيث تتم معالجتها قبل انتقالها إلى خارج الخلية عبر حويصلات إفرازية تتبرعم من جهاز جولجي. وعند الغشاء العلوي للخلية تلتحم الحويصلة الإفرازية بالسطح الداخلي للغشاء العلوي الأمر الذي يؤدي إلى احداث فتحة تفرع الحويصلة عبرها محتوياتها من البروتينات في تجويف الحويصلة. وهكذا توفرت مكونات اللبن من البروتينات .

2- سكر اللبن (اللاكتوز) : ثمة مادة مهمة أخرى من مكونات اللبن وهي اللاكتوز أو سكر اللبن، الذي يجعل اللبن سائغاً للشاربين بإذن الله تعالى .يدخل سكر الجلوكوز القادم من الدم الخلية عبر غشائها القاعدي الجانبي فيتحول بعضه إلى جالاكتوز ويدخلان معاً جهاز جولجي ليتعرضا لتفاعلات تؤدي إلى تكوين (سكر اللبن) (اللاكتوز) ، مما يؤدي إلى سحب الماء إلى داخل الخلية وداخل جهاز جولجي فيكون جزءاً من اللبن[83].وينضم سكر اللبن والماء إلى البروتينات بانتظار مكونات أخرى مهمة ومنها الدهون .

3- الدهون : تستقبل الخلايا الطلائية الخلات والزبدات والأحماض الدهنية الجاهزة والجليسيرول، القادمة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي لتشكل مادة دهنية في الشبكه الأندوبلازمية التي يخرج منها الدهن عندئذ في صورة قطيرات دهنية صغيرة تتجمع لتشكل قطيرة أكبر فأكبر تتجه نحو الغشاء العلوي للخلية حتى إذا ما وصلته هداها ربها للاندفاع بقوة للإلتحاق بمكونات اللبن السابقة التي حطت رحالها في تجويف الحويصلة ولكن هذه القطيرة بعد أن سارت عبر الخلية دون غشاء تجرف معها جزءاً من غشاء الخلية لتحيط نفسها به فيتم تغليف الحبيبة -بإذن الله- وهي في تجويف الحويصلة ، وعندئذ تسمى كرية دهنية لبنية بعد أن كانت مجرد قطيرة دهنية.

4- الأجسام المضادة : تأتي الأجسام المضادة من الدم عبر الغشاء القاعدي الجانبي للخلية اللبنية فتتسلمها مستقبلات موجودة على السطح القاعدي الجانبي للخلية ثم تحملها حويصلات النقل (ناقلات) عبر الخلية لتصل إلى السطح الداخلي للغشاء العلوي للخلية فتطرح هذه الأجسام المضادة المناعية في تجويف الحويصلة دون أن تتعرض هذه الأجسام لشئ مما تعرضت له المكونات الأخرى من معالجة وتغيير.

5- مكونات أخرى : يشق الماء وكريات الدم البيضاء وبعض الأيونات والأملاح طريقها إلى تجويف الحويصلة عبر مسالك ضيقة بين الخلايا .

وهكذا تنتهي الرحلة المقدرة بأمر الله لمكونات اللبن. وليس بمقدور مخلوق من البشر مهما أؤتي من علم وإمكانيات أن يحاكي خلية لبنية واحدة تصنع اللبن. ولكن الله القدير العليم جعل من هذه الخلية التي لا ترى إلا بالمجهر مجمعاً صناعياً متكاملاً يصنع اللبن على مدار الساعة عند الكائنات التي رزقها الله تعالى ذرية تحتاج إلى ذلك اللبن وجعل جزءاً كبيراً منه رزقاً للعباد وامتن عليهم بقوله: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ(66).

تفسير الآيـة

المعنى اللغوي:

الفرث هو ما في الكرش[84]وقيل هو السرجين ما دام في الكرش[85]

أقوال المفسرين :

اختلف المفسرون في معنى الآية الكريمة بسبب اختلافهم في فهم مدلولات بعض الألفاظ فتصور البعض أن عبارة "من بين" جاءت للتبعيض أي من بعض الفرث أو من بعض الدم ، بينما رأى آخرون أنها مكانية أي من مكان بين الدم والفرث – ونجمل فيما يأتي حصيلة ما قاله المفسرون رحمهم الله تعالى .

1)   وردت رواية ضعيفة عن ابن عباس (رضي الله عنهما) مفادها: "أن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طحنته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً ." وقد أورد هذا الحديث كثير من المفسرين ، منهم البيضاوي والقرطبي وأبو السعود والشوكاني وابن الجوزي في زاد المسير والآلوسي في روح المعاني وغيرهم. وقد علق بعض هؤلاء المفسرين على القول المنسوب لابن عباس (رضي الله عنهما) بعد أن لاحظوا أنه يخالف الواقع المشهود ، فقال كل من أبو السعود والبيضاوي والألوسي أن اللبن والدم لا يتكونان في الكرش. ففي روح المعاني يقول الألوسي "وتعقب ذلك أي قول ابن عباس الرازي بقوله ولقائل أن يقول اللبن والدم لا يتولدان في الكرش والدليل عليه الحس ، فإن الحيوانات تذبح دائماً ولا يرى في كرشها شئ من ذلك ولو كان تولد ما ذكر فيه لوجب أن يشاهد في بعض الأحوال والشئ الذي دلت المشاهدة على فساده لم يجز المصير إليه" .

2)   ذكر بعض المفسرين أن الفرث هو مصدر الدم واللبن أي يخرج الدم من الفرث ويخرج اللبن من الفرث كذلك. قال بهذا البيضاوي عندما أول الكلام المنسوب لابن عباس بقوله : إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم لانهما لا يتكونان في الكرش وقال به الشوكاني (فتح القدير).

3)   وذكر كثير من المفسرين ما يتفق مع جاء به العلم الحديث من أن مكونات اللبن تستخلص من الفرث ثم تستخلص من الدم. وممن قال بذلك القرطبي وأبو السعود وصاحب معاني القرآن ، وفي زاد المسير لابن الجوزي في قوله "الفرث ما في الكرش والمعنى أن اللبن كان طعاماً فخلص من ذلك الطعام دم وبقي فرث في الكرش وخلص من ذلك الدم   ﴿ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ " .وهكذا نلاحظ اختلاف المفسرين في هذه المسألة بسبب عدم توافر المعرفة العلمية في زمانهم ، ومع ذلك فقد هدى الله تعالى بعض المفسرين إلى الفهم الصحيح لمعنى "من بين" وأنها تعنى من بعض الفرث ثم من بعض الدم ، على الرغم من عدم معرفتهم للكيفية التي لم يطلع عليها البشر إلا بعد قرون من نزول هذه الآية الكريمة .

4)       أن لفظ "خالصاً" في الآية دليل آخر على أن مواد اللبن تخلص من بين الدم بعد أن خلصت من الفرث ، وقد المح إلى هذا المعنى الطبري بقوله: خلص من مخالطة الدم والفرث فلم يختلطا به .إلا أن المفسرين رحمهم الله لم يشيروا إلى هذا المعنى الظاهر وإنما اقتصروا على القول بأن "خالصاً" تعنى أن اللبن لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث كما قاله البيضاوي والبغوي ؛ أو حمرة الدم وقذارة الفرث كما قاله القرطبي والشوكاني ؛ أو خالصاً عن شائبة ما في الدم والفرث من الأوصاف كما قاله أبو السعود وصاحبا تفسير الجلالين .

وجه الإعجاز :

ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكون اللبن في بطون الأنعام .فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الأناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن يبقى أي آثار في اللبن من الفرث أو الدم وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغاً للشاربين. هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قروناً واستعملت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشر قبل ذلك. ولكن القرآن الكريم كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام. فمن علم محمداً r من بين سائر البشر في ذلك الزمن أسرار الجهاز الهضمي والجهاز الدوري ودقائق ما يجري في غدد اللبن إلا الذي يعلم السر في الأرض والسماء ويعلم أسرار ما خلق من الكائنات ، فيكون ذلك شاهداً على أن القرآن نزل بعلم الله وأن محمداً رسول الله. قال تعالى :﴿لَكِنْ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا(166)﴾[النساء:166] .

 


[1] (يكون غاز الهيدروجين وحده وهو أخف العناصر أكثر من 74% من مادة الكون، يليه في الكثرة غاز الهليوم، ثاني أخف العناصر ، الذي يكون أكثر من 24% من مادة الكون)  

[2] إن التفاعل الأساسي الذي يولد كميات الطاقة الهائلة التي تشعها الشمس ومعظم النجوم الأخرى سببه الاندماج النووي لعنصر الهيدروجين وتحوله إلى هليوم، الذي تندمج ذراته بدورها مكونة عناصر أثقل وصولاً إلى عنصر الحديد .

[3] بينما لا تزيد درجة حرارة الشمس عن 600 ألف درجة عن سطحها و20 مليون في باطنها .

[4] انظر كتاب إنه الحق ، الشيخ عبدالمجيد الزنداني ص67 – مطابع المحرابي .

[5] وأن وراء كل اكتشاف من هذه الاكتشافات جائزة نوبل .

[6] أشكل على بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواجفلم يتصوروا إمكانية نزول الأنعام من السماء وقد دلت الكثير من البحوث المتعلقة بالحياة على عجز علماء الحياة أن يخلقوا مادة حية من مكونات الأرض فقرروا أن الحياة قد جاءت من خارج الأرض وقد قرر القرآن أن آدم نزل من الجنة إلى الأرض فما الذي يمنع أن يكون الله قد أنزل هذه الحيوانات من مكان في السماء إلى الأرض بطريقة يعلمها الله .

[7] أسرار المحيطات ، دار الكتاب العربي ، 1996م .

[8] Wikipedia, the Free Ency clopedig

[9] يزداد ضغط الماء على الغواص بمقدار ضغط جوي واحد كلما نزل على عمق عشرة أمتار .

[10] عند نزول الغواص إلى هذه الأعماق فإن غاز النتروجين يذوب في الدماء تحت الضغط العالي فإذا ما ارتفع الغواص فجاءة نتيجة لفقدان السيطرة على حركته فإن الضغط يخف ويخرج غاز النتروجين فائراً كما تخرج الغازات الذائبة في قارورة المياه الغازية عند رجها.

[11] في عام1520م استطاع ماجلان أن يعبر المحيط الهادي بمساعدة ملك البرتقال و في عام 1522م تمكنت هذه السفن من أن تبحر حول العالم .

[12] في عام 1872م تم إبحار السفينة “تشالنجر” في رحلة بحث علمية لدراسة البحار، مما ساعد على توفير معلومات علمية عن البحار .

[13] تشبه الخياشيم .

[14] في عام 1960م وفي الثالث والعشرين من يناير نزلت الغواصة (تريستا) وهي عبارة عن كرة من الصلب جدارها يبلغ سمكه 9 سنتمترات وبإمكانها الهبوط والصعود فقط وعلى متنها كلاً من : دونالد والش وجاكوى بيكارد وبعد أربع ساعات من الهبوط لمسافة 11كلم تم الوصول لأعمق منطقة في المحيط الهادي (خانق مريانا) واكتشف الإنسان لأول مرة بواسطة هذه الغواصة وجود براكين تحت الماء وعيون ماء حارة وكثير من الأحياء المائية .

[15] في عام 1962م تمكن غواصون من البقاء لمدة أسبوع في أول غرفة تشبع "كونشلفIa " وهي بيوت مائية للغواصين .

[16] في عام 1977م تم اكتشاف وجود حياة في فوهات أعماق البحار وعثرت مركبة (نوتايل) على فوهات في أعماق البحر قرب المكسيك يتدفق منها الماء وهو في درجة 350ْم وحين يرتفع ماءها فوق الصخور يتفاعل مع المعادن ليتحول إلى اللون الأسود ويصبح شبيهاً بالمدخنة ، كما تم صناعة غواصة الأبحاث الأمريكية (ألفين) القادرة على الغوص إلى عمق 3650متر .

[17] في عام 1995م صمم البريطاني روبرت ليدز غواصة صفراء تشبه الصحن الطائر معدة للاستخدام التجاري ويمكن بها مراقبة الأسماك على عمق يصل إلى خمسين متراً .

[18] صناعة الغواصات النووية([18]) : لم يكن باستطاعة الغواصات الصغيرة التي تعمل بالبطاريات من البقاء مغمورة في الماء أكثر من بضعة أيام فقام الإنسان بصناعة الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية والتي يمكنها البقاء لأكثر من سنتين وهي كبيرة الحجم وتحمل طاقماً كبيراً، وتعتبر الغواصة الروسية (تايفون) من أكبر الغواصات حيث تزن أكثر من 25ألف طن وطولها 172متراً ، والغواصة الروسية كورست التي غرقت في أغسطس 2000م وهي تزن 18 ألف طن وعلى متنها 118فرداً في بحر بارتنس.

[19] يعود أول تفسير علمي لظاهرة الأمواج الداخلية للدكتور (ف.و. ايكمان V.W Ekman) في عام (1322هـ- 1904م) الذي فسر ظاهرة المياه الراكدة في الخلجان النروجية حين تفقد السفن التي تبحر قدرتها على التقدم فتقف ساكنة في هذه المياه الراكدة ، كما لاحظ عالم المحيطات النرويجي (فريتوف نانسن Nansen) تعرض سفينته (فرام Fram) لهذه الظاهرة شمال جزيرة (تايمير) خلال عملية استكشاف القطب الشمالي ما بين (1311هـ-1893م) و (1314هـ-1896م) عند محاولة اجتياز منطقة القطب .

لذلك فقد قام نانسن بتشجيع ايكمان على البحث عن تفسير ظاهرة المياه الراكدة فكان رأي ايكمان على أنها تنجم عن الأمواج الداخلية التي تتولد في السطح الفاصل بين المياه السطحية والمياه العميقة للمحيط ، وبعد زمن غير طويل وصف (أوتو باترسون Otto petterson) تأثير الأمواج الداخلية الطويلة التي تحدث في أعماق البحار على هجرة الأسماك من نوع (هيرنج herring) بالقرب من سواحل جوتلاند (Jutland) بالقرب من الساحل الغربي للسويد في فصل الصيف .

ويكون مرور الأمواج الداخلية محسوساً من سفن التنقيب عن النفط عندما يتغير ثقل المعوم المربوط بين سفينة الحفر وفتحه البئر الكائنة في قاع البحر بصورة مفاجئة وتم التعرف على هذه الأمواج الداخلية بأثيرها على حركة الغواصات .

[20] أول من وصفه في الكتب العلمية كلاً من سيلادى وسيشنى Ciladi and Secchi في عام 1281هـ-1865م وهو عبارة عن قرص أبيض ذى قطر معين يتم إنزاله في الماء ليسجل العمق الذي تتعذر رؤيته كنقطة قياسية ولايزال هذا القرص قيد الاستعمال حيث يكفى لتحديد قياس تقريبي لشفافية الماء.

[21] Fol, H. and Sarasin, E. 1884, Sur la penetration de la lumiere du jour dans les eaux du lac de Geneve: Com- ptes Rendus des seances do l’Academie des Sciences, pp 624-627.

[22] من المعروف الآن أن كمية الضوء التي تنفذ إلى أعماق البحار تتناقص تناقصاً رأسياً وفقاً لما يراه (جيرلوف Jerlov) فينخفض مستوى الإضاءة في مياه المحيط المكشوفة إلى نسبة 10 % عند عمق 35م من السطح وتنخفض إلى 1% عند عمق 85متر وإلى .1% عند عمق 135 م ، وإلى .01% عند عمق 190م وإن أفاد بعض الذين قاموا بالدراسة والمراقبة من الغواصات لمدد طويلة أنهم تمكنوا من رؤية الضوء في أعماق تزيد على ذلك ويرى كلاً من (كلارك) و (دنتون) أن الإنسان يستطيع أن يرى الضوء المنتشر على عمق 850م، ومن الواضح أن الأسماك التي تعيش في أعماق البحار ترى أفضل من ذلك إلى حدٍ ما، وهي قادرة على اكتشاف الضوء المنتشر حتى عمق 1000متر مع أن شدة الضوء عند هذا العمق تبلغ [1×10-13 من شدته عند السطح] .

[23] الأطوال الموجية .

اللون

التردد

الطول الموجي

بنفسجي          Violet

7.69-6.59×1014

3.90-4.55×10-7

أزرق               Blue

6.59-6.10

4.55-4.92

أخضر            Green

6.10-5.20

4.92-5.77

أصفر            Yellow

5.20-5.03

5.77-5.97

برتقالي          Orange

5.3-4.82

5.97-6.22

أحمر                 Red

4.82-3.84

6.22-7.80

 

[24] تقوم السحب بامتصاص جزء من الأشعة وتشتيت جزء آخر والسماح بنفاذ بقية الأشعة .

[25] إذا أحدثت موجات في إناء ماء كبير فإنك سترى ظلاً لتلك الأمواج في قاع الإناء .

[26] في مقابلة مع الدكتور/ فاروق الباز .

[27] إنه الحق ص78 ، للشيخ/ عبدالمجيد الزنداني .

[28] الميكرون : 001, 0 من المليمتر .

[29] يمكن الكشف عنها باستخدام الميكروسكوب الإلكتروني .

[30] نتيجة إحلال أو استبدال السلكون الرباعي الشحنة بالألمنيوم الثلاثي الشحنة أو إحلال المغنسيوم الثنائي الشحنة أو الحديد الثنائي الشحنة محل الألمنيوم وهذا الاستبدال يغير حالة التوازن فينتج عن ذلك شحنات سالبة غير معادلة ، والمصدر الآخر للشحنة هو التكافؤات الناقصة عند الحافات المحطمة لصفائح السلكا والألمنيوم

[31] انظر الموسعة البريطانية (قرص مدمج) ،  موسوعة إنكارتا ميكروسوفت 2002 (قرص مدمج). انظر أيضاً "مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي" د. محمد عابد الجابري ص323 .

[32] ربت الأرض ربواً : عظمت وانتفخت .

[33] أيونات : مفردها أيون ، وهو ذرة أو مجموعة من الذرات فقدت أو اكتسبت إلكترون أو أكثر .

[34] راجع كتاب أساسيات فيزياء التربة للدكتور/ دانيل هليل – الطبعة العربية ص104.

[35] الكهرباء الساكنة .

[36] ينبغي التفريق بين تشبع التربة وانتفاخها فالتشبع يعني امتلاء الفراغات بين حبيبات التربة بالماء وهذا يمكن أن يحصل في وقت قصير أما الانتفاخ فسببه تغلغل الماء في أجزاء حبيبة التربة المفردة وهذه عملية بطيئة وخاصة في التربة الطينية الأمر الذي يتطلب غمر بعض أنواع التربة بالماء مدة طويلة لتنتفخ.

انظر الموقع : www.extension.umn.edu تحت عنوان: How to run a percolation test- University of Minnesota 1992

[37] معجم المقاييس في اللغة .

[38] معجم المقاييس في اللغة ، تاج العروس ، القاموس المحيط .

[39] القاموس المحيط .

[40] معجم المقاييس في اللغة ، تاج العروس .

[41] تاج العروس ، المعجم الوسيط .

[42] تاج العروس ، المعجم الوسيط .

[43] تاج العروس ، ترتيب القاموس المحيط .

[44] معجم المقاييس في اللغة .

[45] لسان العرب ، والمعجم الوسيط .

[46] لسان العرب لابن منظور ، وترتيب القاموس المحيط ، معجم المقاييس في اللغة .

[47] القرطبي 12/13 ، ابن كثير 3/234 ، الألوسي 9/114

[48] القرطبي 12/13

[49] ابن كثير 3/234

[50] ابن كثير 3/234

[51] القرطبي 15/365 ، الألوسي 12/377

[52] الطبري 24/122

[53] ابن كثير 4/103

[54] البخاري الجزء الخاص بالتفسير 4/1817 القرطبي 12/13 الصنعاني 4/380 البيضاوي 4/115 مجاهد 2/571 الواحدي 2/828 أبو السعود 6/95 الدر المنثور 7/330 ، الطبري 17/119 ، ابن كثير 3/209 ، الثعالبي 3/72 ، القاسمي 12/9 البغوي 3/275 ، النسفي 3/96 ، زاد المسير 7/260 ، روح المعاني 24/126 .

[55] فتح القدير 3/517 القرطبي 12/13 البغوي 3/275

[56] التبيان في تفسير غريب القرآن 1/301 .

[57] الثعالبي 3/72 .

[58] التبيان في تفسير غريب القرآن 1/301 البيضاوي 5/116 القرطبي 12/13 الصنعاني 4/380 أبو السعود 6/95 و 8/15 ، الطبري 24/122 .

[59] الدر المنثور 7/330 .

[60] تفسير مجاهد 2/571 ، ابن كثير 3/209 الثعالبي 3/72 ، زاد المسير 5/408.

[61] روح المعاني 9/115 ، القاسمي 12/9.

[62] الواحدي 2/957 .

[63] الدر المنثور 6/11 ، الطبري 7/119 .

[64] اخترع الميكروسوكب الضوئي على يد "زكاريا جانسن" في هولندا. راجع موسوعة اكسفورد المجلد 9 ص105 .

[65] اخترع على يد المهندس الانجليزي "Sir Charles Oatley" أما الميكروسكوب الالكتروني الناقل والذي يمكن استخدامه أيضاً في فحص الوحدات البنائية للطين فقد أخترع في عام 1932م على يد المهندسين الألمانيين "ماكس نول" و"ايرنست رسكا". انظر موسوعة إنكارتا ميكروسوفت 2002 (قرص مدمج) ، أساسيات فيزياء التربة ص144 لمؤلفه دانيل هليل ، قسم علوم النبات والتربة جامعة ماسيشيو سيتز أميرستماسيشيو شتز ، الولايات المتحدة الأمريكية .

[66] ففي حوالي 1866م صنع جهاز تقطيع الأنسجة المكون من سكينين متوازيين من قبل هيس (His) ليتم تحضير الأنسجة كشرائح تحت عدسة المجهر. (تاريخ العلوم العام - العلم المعاصر – القرن التاسع عشر، ص400)

وكان ميير Meyer في عام 1883م أول من ألصق الشرائح فوق الشفرات بواسطة زلال البيض. (تاريخ العلوم العام - العلم المعاصر – القرن التاسع عشر ، ص400)

وفي عام 1902م صنع (ف . أ .ايفس) (Ives) مجهراً ثنائي العينية ، ثم طور هذا المجهر حتى عام 1938م وبواسطته تم فحص خلية حية في ظروف جيدة جداً. (تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين ص704-705 )

أما الثورة العلمية الكبرى في القرن العشرين فكانت في اختراع المجهر الإلكتروني الذي بواسطته زاد تكبير المجهريات من 2500 إلى (50أو70) ألف مرة وبين عامي (1952-1953م) وخلال القرن العشرين أيضاً درست العضويات الخلوية . وهي الأعضاء التي تتكون منها الخلية والتي تم اكتشافها في نهاية القرن التاسع عشر من حيث التركيب والوظيفة. (المرجع السابق ص705) . كما تم توضيح آليات الهضم بصورة تدريجية وبصورة خاصة من خلال فيزيولوجيا الأنسجة والكيمياء الحيوية. (تاريخ العلوم العام – القرن العشرين ص682)

[67] في عام 1833م قام (واو. بومونت) بتقديم الملاحظات حول مكونات المعدة والإفرازات المعدية .

استكشف (كلود برنار) فيزيولوجيا العصائر الهضمية في البداية، ثم اللعاب (1847م) والعصارة المعدية (1843م) وعصارة البنكرياس ، .. الخ .

وأثبت دور البنكرياس في هضم الشحوم ، وحلل هضم السكر مما قادة إلى اكتشاف مهم وهو وظيفة الكبد الجليكوجنية (1848م) ثم استطاع عزل مادة الجليكوجن : (الماة الكاربوهيدراتية الرئيسة التي تخزن في الكبد والعضلات المستقرة وهي سكر متعدد ويتكون من سلسلة طويلة من وحدات الجلوكوز التي تتحلل إليها عندما تقوم الحاجة إلى الطاقة) في عام 1855م. (تاريخ العلوم العام – القرن التاسع عشر ص474)

وفي عام 1850م أنجز (ف. شولز F.Schulze) اختباراً للسليلور : (المكون التركيبي الأساسي لجدران الخلايا النباتية ويدخل في صناعة الأخشاب والورق والمنتجات الليفية وتستخدم مشتقاته في صناعة اللدائن وأفلام التصوير الفوتوغرافي والمتفجرات والأغذية (من الموسوعة البريطانية) .

وفي عام 1865م استخدم (ماكس شلتز Max Schultze) أوكسيد دويميوم لتلوين المواد الدهنية في الأنسجة الحيوانية وبه تم معرفة الدهون في الأنسجة الحيوانية .

وابتكر بافلو في عام (1890م) تقنية فيزيولوجية لدراسة (إفراز المعدة ) .

[68] تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين – ص682 .

[69] هرمون معوي يحث البنكرياس والكبد على الإفراز، وهو أول هرمون نموذجي بالمعنى الدقيق للكلمة التي اخترعها ستارلنغ عام 1905م . (تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر –القرن التاسع عشر ص481)

[70] تاريخ العلوم العام – العلم المعاصر – القرن العشرين ص683 .

[71] تاريخ العلوم العام – العلم القديم والوسيط ص513 .

[72] تاريخ العلوم العام – القرن التاسع عشر ص471 .

[73] المرجع السابق ص474 .

[74] المرجع السابق ص476 .

[75] المرجع السابق ص482 .

[76] التي تتكون في الحيوانات المجترة من أربع ردهات .

[77] هي منتجة أحماض دهنية طيارة كالخليك والبروبيونيك واليبوتريك علاوة على اللاكتيك وثاني أكسيد الكربون والمبتمان .

[78] منتجة بيبتيدات وأحماض أمينية في الدم أو تدخل في بناء البروتين البكتيري .

[79] كالتربين ، كيموتربين ، أميليز ، ليبز ، يتيديز، مالتيز .

[80] يمكن تحريكه داخل الأمعاء بسهولة كما يفعل الجزار عند تخلصه من فرث الأمعاء ويمكن امتصاص المواد الغذائية التي تحولت إلى جزيئات بسيطة بواسطة الخملات .

[81] وهي عبارة عن بروزات أو نتوءات تغطي سطح بطانة غشاء الأمعاء الدقيقة لكي تزيد من سطح الامتصاص، حيث تبلغ هذه المساحة في الأبقار حوالي 17م2 (رعاية الحيوان ص142).

[82] منها : - 1لأسموزية أو الانتشار .

- النفاذية لاختلاف الشحنات الكهربية .

- بالفعل الحيوي للأنسجة الطلائية أي بالاختيارية .

[83] (لاحظ أن جهاز جولجي يسهم في معالجة بروتينات اللبن وصناعة اللاكتوز والسحب الاسموزي للماء) ويفرز سكر اللبن ومعظم الماء عبر حويصلات الإفراز مع بروتينات اللبن .

[84]  في القاموس المحيط.

[85]  الفيروزأبادي/ وابن منظور في لسان العرب.

===================================

الإيمان بالملائكـة عليهم السلام

توطئة :

الإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان ولا يصح الإيمان إلا به ويتضمن الإيمان بوجودهم ، وما لهم من الصفات الخِلقية والخُلقية التي يتناسب مع مكانتهم ووظائفهم، وأنهم في عبادة دائبة لربهم ، ولهم مقامات مختلفة ، وهم درجات عند ربهم ، ولكل منهم مقام معلوم ، ويقومون بتدبير أمر الخلائق بأمر ربهم ، ومنهم حملة الوحي الإلهي إلى الرسل من البشر عليهم السلام ، ولهم صلات حميمة مع عباد الله المؤمنين ، كما يسلطهم الله على الكافرين لينزل بهم ما شاء من عقوبات ، وهم جند الله في أحداث الساعة ، ومنهم خزنة الجنة والنار .

ما الملائكة ؟

الملائكة : عباد مكرمون ، خلقهم الله من نور ، قالت عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ((خُلِقَتْ الْمَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ))[1]. وهم في تسبيح دائمٍ ويدبرون شئون الكون بأمر ربهم وهم لا يفرطون .

قال تعالى: ﴿... يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ(38) ﴾ [فصلت:38]، وقال سبحانه : ﴿ ... لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)﴾ [التحريم:6] .

حكم الإيمان بالملائكة :

الإيمان بالملائكة واجب ، وهو ركن من أركان الإيمان. قال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)﴾ [البقرة:285].

وفي حديث جبريل عليه السلام أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : "فأخبرني عن الإيمان قال : "أن تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ."[2]

وإنكار وجودهم كفر. قال تعالى : ﴿ ... وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(136)﴾  [النساء:136] .

صفات الملائكة

الملائكة عالم غيبي ، لا يدخل في عالم المشاهدة ، والوحي هو طريقنا للعلم والإيمان بهم ، وقد أخبرنا الله ورسوله عن شأن الملائكة وصفاتهم الخَلقية والخُلقية ومن ذلك ما يأتي :

أولاً : صفاتهم الخَلْقِيَّةِ :

1) أولو أجنحة : ذكر القرآن الكريم أنَّ للملائكة أجنحة. قال تعالى : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) ﴾   [فاطر:1] ، وممن زاد الله في عدد أجنحته جبريل عليه السلام ، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : "رَأَى محمد صلى الله عليه وآله وسلم  جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ".[3]  

2) قدرتهم على التمثل بالبشر : وهب الله سبحانه وتعالى ملائكته القدرة على التمثل بصور البشر. فقال عن جبريل عليه السلام في قصة مريم العذراء﴿... فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17)  [مريم:17] وقال في قصة ضيف إبراهيم من الملائكة عليهم السلام الذين جآءوه على صورة بشر ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24) [الذاريات:24].وكان جبريل عليه السلام يتمثل في صورة دحية الكلبي. فقد جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أم سلمة فجعل يحدث ، فلما قام قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأم سلمة :- من هذا ؟

قالت : دِحْيَةُ ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ :- ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ  النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخبر جبريل.[4]

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- " وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلام فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دَحْيَةُ".[5] ، يعني أنه يشبهه حين يتمثل في صورته الآدمية .

وقد جاء جبريل عليه السلام في صورة رجل حسن المظهر والمنظر كما في حديث عمر رضي الله عنه حيث قال : "بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ …."[6].

3) لا ينالهم سأم ولا عجز ولا فتور في عبادتهم : قال تعالى : ﴿فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ(38)﴾[فصلت:38].وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ[7] [الأنبياء:19].وقال تعالى : ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ[8] (20)﴾[الأنبياء:20].

4) قدراتهم العظيمة : لقد خلق الله الملائكة بقدرات عظيمة تتناسب مع ما كلفهم به من أعمال، مثل : تدبير أمر الخلائق ، وحراسة السماء ، وإهلاك الظالمين ، ونفخ الأرواح وقبضها ، ونفخ الصور ، والقيام بأعمال خزانة الجنة والنار كما سيأتي تفصيله .

5) تأذيهم مما يتأذى منه بنو آدم : قال صلى الله عليه وآله وسلم : "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ"[9].

6) لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون : قدم إبراهيم لضيفه من الملائكة عجلاً حنيذا وقال لهم (ألا تأكلون)؟! وعندما رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام أوجس منهم خيفة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ(70)﴾ [هود:70] فمن صفاتهم التي اتفق العلماء عليها كما ذكره السيوطي "أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون"[10].

7) نفي الأنوثة عنهم : أنكر القرآن الكريم أشد الإنكار على المشركين الذين وصفوا الملائكة بالأنوثة فقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ(19)﴾ [الزخرف:19] .

8- قابليتهم للفناء والموت : ويجوز في حق الملائكة الفزع والفناء والموت لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(88)﴾ [القصص:88] .

ولقوله تعالى : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68)﴾ [الزمر:68]. والملائكة ممن تشملهم الآية لأنهم من ساكني السماء .

9- كثرة عددهم :قال تعالى في سياق الحديث عن الملائكة :  ﴿... وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ...﴾ [المدثر:31] قال قتادة : أي من كثرتهم[11] ، وقد ورد في حديث الإسراء أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، وورد أن ما في السماء من موضع أربع أصابع إلا وعليها ملك يعبد الله ، إلى غير ذلك مما ورد في كثرتهم[12]

ثانياً : الصفات الخُلقية 

1- أدبهم مع خالقهم سبحانه وتعالى : فلا يقولون شيئاً حتى يقوله سبحانه أو يأمرهم به. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)﴾ [الأنبياء:27].

2- لا يستنكفون[13] عن عبادة ربهم ولا يستكبرون : قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172)﴾ [النساء:172]

3-4- الكرم والبر : قال تعالى : ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ(16)﴾ [عبس:16]، قال بن كثير: "أي خلقهم كريم حسن شريف وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة"[14] وقال الشوكاني: "قال الحسن : كرام عن المعاصي وقيل يتكرمون أن لايكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته أو قضى حاجته ، وقيل يؤثرون منافع الناس على منافعهم ، وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم. والبررة جمع بار .. أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم".[15]

5- الحياء : قال صلى الله عليه وآله وسلم عن مناقب عثمان رضي الله عنه  (أَلاَ أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلاَئِكَةُ.)[16]

6- التعفف عن أماكن المعصية : نهى الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – عن اقتناء الكلاب في البيوت[17] كما حرم اقتناء التماثيل التي تعبد أو تعظم[18] صيانة للتوحيد وتجنباً للتشبه بالوثنيين ، والملائكة تتنزه من دخول هذه الأماكن التي تقع فيها هذه المعاصي فلا يدخلون بيتا فيه كلب أو صورة.

قال صلى الله عليه وآله وسلم : "لاَ تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةُ." وفي رواية البخاري "وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ."[19] وعند مسلم عن أبي طلحة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (لاَ تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ تَمَاثِيلَ)[20] .ولا يقربون السكران ، والمضمخ بِالزَّعْفَرَانِ ، والجنب وجيفة الكافر :فعن بريدة رضي الله عنه : أن الرسول r قال : (ثَلاَثَةٌ لاَ تَقْرَبُهُمْ الْمَلاَئِكَةُ: السكران ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالزَّعْفَرَانِ[21] ، وَالْجُنُبُ.)[22]وعن عمار بن ياسر أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثَلاَثَةٌ لاَ تَقْرَبُهُمْ الْمَلاَئِكَةُ : جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ[23] ، وَالْجُنُبُ إِلاَّ أَنْ يَتَوَضَّأَ.)[24]

عبادة الملائكة لربهم

الملائكة في عبادة دائمة وطاعة مطلقة ، وهم معصومون من ارتكاب المعصية[25] متعبدون بالطاعة. قال تعالى: ﴿...  لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)﴾ [التحريم:6].

·  ومن عبادتهم أنهم يشهدون لله بالألوهية والوحدانية : قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ... ﴾ [آل عمران:18].

·  ومن عبادتهم أنهم لا يفترون عن تسبيحهم لله وتقديسهم له سبحانه. قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20)﴾ [الأنبياء:20] وقد حكى الله عنهم أنهم قالوا له سبحانه : ﴿...  وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ... [البقرة :30].

·  ومن عبادتهم أنهم يقومون للصلاة بين يدي ربهم صفوفاً مستقيمة. قال تعالى حاكياً قولهم ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165)وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ(166)﴾ [الصافات:165-166]. وقال عليه الصلاة والسلام : (أَلاَ تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ؟ قَالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأوَلَ ثم َيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ.)[26]

·  ومن عبادتهم عمرانهم للبيت المعمور[27] بالصلاة قال عليه الصلاة والسلام وهو يحكي رحلة الإسراء والمعراج : (فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ.)[28]

·  ومن عبادتهم السجود لله رب العالمين : قال عليه الصلاة والسلام (إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ).[29]

· وهم في خشية دائمة لربهم واشفاق منه سبحانه. قال تعالى: ﴿... وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)﴾ [الأنبياء:28].

· وينفذون كل ما يأمرهم به الله قال سبحانه:﴿...  لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6)﴾ [التحريم:6] .

مقامات الملائكة

إن للملائكة منزلة رفيعة عند الله ، ولهم مع ذلك مقامات متعددة ومنازل متفاوتة. قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(164)﴾ [الصافات:164] . وفي الحديث عن رفاعة بن رافع أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : (مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ : مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلائِكَةِ)[30] وأشهر الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام .

1- مقام جبريل عليه السلام :

اصطفى الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام فجعله أميناً على وحيه وسفيراً إلى أنبيائه ورسله ووصفه بصفات لم يصف بها غيره من الملائكة .

* فسماه روح القدس. قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(102)﴾ [النحل:102].

* كما شرفه فخصه بالذكر وقدمه في الترتيب على سائر الملائكة في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾ [التحريم:4].

* ومدحه بست صفات في معرض تبليغه للقرآن الكريم – قال تعالى : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21)﴾ [التكوير:19-21].قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى : قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19) ﴾يعني أن هذا القرآن لَتبليغُ رسول كريم أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر وهو جبريل عليه الصلاة والسلام …

((ذى قوة)) كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)ذُو مِرَّةٍ ... [النجم :5-6] أي شديد الخلق شديد البطش والفعل، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾  أي له مكانة عند الله عزوجل ومنزلة رفيعة …

﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ أي له وجاهة فهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى. قال قتادة ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ ﴾ أي في السماوات يعني ليس من أفناد[31] الملائكة … وقوله تعالى "أمين" صفة لجبريل بالأمانة …[32]

2- ميكائيل – عليه السلام

قرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميكائيل مع جبرائيل وإسرافيل في دعائه عند استفتاحه لصلاة الليل :- فقال : (اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.)[33]وقد ناصب اليهود العداء لجبريل عليه السلام وادعوا موالاة ميكائيل معللين عداوتهم لجبريل بأنه إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء فقد أخبر عبدالله بن سلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جبريل عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية  ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ... ﴾  [البقرة:97][34] ، وقال اليهود للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنه لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبكَ ؟ قَالَ : "جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَم "قَالُوا جِبْرِيلُ ذَاكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا ! لَوْ قُلْتَ مِيكَائِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(98)[35] [البقرة:98]."فإذا كان جبريل عليه السلام وكل بالوحي الذي تحيا به الأرواح ، فإن ميكائيل موكل بالقطر والنبات الذي تحيا به الأبدان ، وبعملهما تتكامل المنة الربانية والعظمة الإلهية على خلقه أجمعين".[36]

3- إسرافيل عليه السلام :

وقد ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه كما تقدم وقرنه بجبريل وميكائيل عليهم السلام ، وقد اشتهر أنه هو الذين ينفخ في الصور ، قال الحافظ ابن حجر :- اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل عليه السلام ونقل فيه الحليمي الإجماع.[37]  وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – قال : قال رسول الله r : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدْ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَاسْتَمَعَ الإذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ؟ "فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ: "قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا".[38]

4- حملة العرش :

عرش الله مخلوق عظيم يليق بعظمة الله سبحانه ، قال تعالى : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(129)﴾ [التوبة:129].وقد وكل الله بحمل هذا العرش العظيم ملائكة يسبحون بحمد ربهم. قال تعالى : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ... ﴾ [غافر:7].وبين القرآن عدد حملة العرش يوم القيامة فقال سبحانه:﴿... وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)﴾ [الحاقة:17] .

وبين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم – عِظَم خلق حملة العرش. فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : " أُذِنَ لي أن أُحَدِّثَ عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ، أَنَّ ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه[39] مسيرةُ سبعمائةِ عامٍ).[40]

5- المقربون :

لله ملائكة مقربون يشيعون أرواح المؤمنين من كل سماء إلى السماء السابعة كما جاء في حديث البراء بن عازب المشهور: "… فتخرج نفسه (أي نفس المؤمن) كأطيب ريح وجدت فتعرج به الملائكة فلا يأتون على جند فيما بين السماء والأرض إلا قالوا ما هذه الروح ؟ فيقال : فلان ، بأحسن أسمائه حتى ينتهوا به أبواب سماء الدنيا فيفتح له ، ويشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة ، فيقال اكتبوا كتابه في عليين ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ(19)كِتَابٌ مَرْقُومٌ(20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ(21)﴾ [المطففين:19-21] فيكتب كتابه في عليين … الحديث[41] .

  أعمال الملائكة

يأمر الله سبحانه وتعالى ملائكته بتدبير شئون الكون وفق أمره. قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا(5)﴾ [النازعات:5] وحدد لكل منهم ما يقوم به فلا يسبقونه بالقول ولا يفرطون فيما أمرهم به .
قال تعالى: ﴿...  بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26)لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)﴾ [الأنبياء:26-27] ، ويوضح هذا أيضا ما رواه البخاري عن ابن عباس[42] رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجبريل : "ألا تزورنا أكثر مما تزورنا؟" قال فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا(64)﴾ [مريم:64].

ومن تلك الأعمال التي يقوم بها الملائكة ما يأتي :

1- إعمار السموات بالعبادة :

خلق الله السماوات السبع وجعل الملائكة الكرام يعمرونها بالتسبيح والتمجيد والعبادة الدائمة والطاعة المطلقة. جاء في حديث الإسراء :- (فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ : هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ.)[43]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ ، وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ).[44]

2- تدبير أمر الخلائق

قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا(5)﴾ [النازعات:5].

قال : علي ومجاهد وعطاء وأبو صالح والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدى هي الملائكة ، وزاد الحسن : "تدبر الأمرَ من السماء إلى الأرض يعني بأمر ربها عز وجل".[45]

وقال تعالى : ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا(4)﴾ [الذاريات:4] وذكر ابن كثير الأقوال عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب أن المقسمات هي الملائكة وقال تتنزل بأوامر الله الشرعية والكونية".[46]

وقال تعالى : ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ(4)﴾ [القدر:4].

فهذه الآية واضحة النص والدلالة على أن الملائكة وجبريل عليهم السلام ينزلون بالأوامر من الله سبحانه وتعالى في ليلة القدر من كل عام في العشر الأواخر من رمضان .

3- حراسة السماء :

جعل الله سبحانه وتعالى ملائكة موكلة بحفظ السماء وحراستها من الشياطين. قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8)﴾ [الجن:8].

قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى : "أي حفظة يعني الملائكة ".[47]

4- حماية الرسل والوحي :

أحاط الله رسله بملائكة يحفظونهم حتى يبلغوا رسالة ربهم. قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28)﴾ [الجن:26-28] .قال الإمام ابن كثير رحمه الله في قوله تعالى : ﴿... فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27) ﴾ [الجن:27] (أي يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله ويساوقونه[48] على ما معه من وحي الله)[49] ، ونقل الشوكاني عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ قال :(معقبات من الملائكة يحفظون رسول الله من الشياطين حتى يبين الذي أرسل إليهم به)[50] .

5- سوق السحب وإنزال المطر :

إن ما نشاهده من سير السحب وتنقلها من مكان إلى آخر قد يظن بعض الناس أن هذا من تلقاء نفسها ، أو أن الطبيعة العمياء هي التي تصرفها وتوجهها ، ولكن الأمر غير ذلك ، فإن هذا الأمر المشاهد والمنضبط بالسنن الربانية تسيره الملائكة بأمر خالقها سبحانه. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا يا أبا القاسم أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال : مَلَكٌ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ[51] مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ". فَقَالُوا فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ ؟ قَالَ : "زَجْرُهُ[52] بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ" قالوا : صدقت".[53]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنْ الأرْضِ ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ ، فَإِذَا شَرْجَةٌ[54] مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ ، مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : فُلانٌ ، للاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي ؟ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ ، لاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ : أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا ، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ.)[55]

غيث الاستقاء :

ويظهر عمل الملائكة الموكلة بالقطر جلياً في سوق السحاب وإنزال المطر في الأماكن التي لجأ أهلها إلى الله طالبين السقيا بصلاة الاستسقاء ، مما يدل على أن هذا السحاب يساق والمطر ينزل إلى المكان المطلوب بفعل الملائكة كما جاء في الحديث السابق (اسق حديقة فلان) .

6- الموكل بالجبال :

وكل الله سبحانه وتعالى بالجبال الرواسي مَلَكاً ، هو ملك الجبال كما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : "يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشدُ ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت. فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا بقرن الثعالب[56] ، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت ، فإذا فيها جبريل فناداني ، فقال : إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم .

قال : فناداني مَلَك الجبال ، وسلم على ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك ، لتأمرني بأمرك ، فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟
 فقال : النبي
r :
(بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.)[57]

7- حراسة مكة والمدينة من الدجال :

جعل الله سبحانه وتعالى ملائكة تحرس مكة والمدينة من دخول الدجال إليهما :

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقباً من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق".[58]

النقب في اللغة : هو الخرق في الجلد أو الجدار أو نحوهما[59] ، والأنقاب جمع نقب. وعندما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لم يكن في مكة والمدينة نقب واحد، أما اليوم فمكة محاطة بالأنقاب التي أصبحت مداخل رئيسة إلى مكة ، وللمدينة بعض الأنقاب .

8- الموكل بالرحم وتصوير الأجنة :

ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : (وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا ، يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ يَا رَبِّ مُضْغَةٌ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ : أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى ؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ؟ فَمَا الرِّزْقُ ؟ وَالْأَجَلُ ؟ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.)[60]كما حددت الأحاديث الأخرى اليوم الذي يقوم فيه الملك بالتصوير ، وخلق السمع والبصر والجلد واللحم والعظم والجنس (ذكر أم أنثى) ، ونفخ الروح فيه لينتقل من الحياة النباتية إلى الحياة الآدمية. ففي الحديث ، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : "إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة ، بعث الله إليها ملكاً ، فصوّرها ، وخلق سمعها ، وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها ، ثم قال : أي رب : أذكر أم أنثى ؟ فيقضى ربك ما يشاء ويكتب الملك"[61].وقد شاء الله سبحانه وتعالى أن يُرى الناس في زماننا هذا مراحل تطور الجنين ومشاهدة أحواله في رحم أمه بواسطة الأجهزة المصنوعة لذلك ، مما جعل هذا الحديث الشريف آية شاهدة على معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نرى في الصورة (أ) أن شكل الجنين إلى نهاية الأسبوع السادس إلى الليلة الثانيةوالأربعين– لا يأخذ الصورة الأدمية ولا تتكون له أجهزة السمع والبصر ولا يتبين فيه العظم واللحم أو الجلد . فإذا ما بدأ الأسبوع السابع – أي: بعد الليلة الثانية والأبعين – بدأت الأحداث التي بينها حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غاية الدقة والوضوح كما هو مبين في الصورة (ج) "بعث إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها" ويبدأ ذلك بالظهور في اليوم الرابع والأربعين أي بعد اليوم الثاني والأربعين مباشرة .

وفي زمن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الحديث كان من المستحيل معرفة ما يحدث من تطورات للجنين في بطن أمه ، فكيف بتحديد ليلة معينة يقع على إثرها أحداث معينة ، كما فصلها حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وكشف علم الأجنة أن الجنين في هذه المرحلة التي يأتي فيها الملك يكون قابلاً للتشكل ، ويتأثر بالعوامل المختلفة[62] ليسهل للملك تصوير الجنين وتشكيله ، وهذا شاهد من العلوم التجريبية على عمل الملائكة الذي أخبر به الوحي .

9- الموكلون بحفظ الإنسان :

وكل الله سبحانه وتعالى ببني آدم حفظة من ملائكته الأبرار ، يحيطونه بالحفظ والرعاية فينجو من وقوع الشر والآفات ، ولولا ذلك لما استطاع الإنسان العيش في أرض فيها الكثير من المخاطر ، والمخلوقات الشريرة والوحوش المفترسة ، والزواحف السامة ، والحشرات الضارة ،والكائنات الدقيقة الفتاكة والأشعة الضارة، وغيرها من أسباب المخاطر المهلكة. قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... ﴾ [الأنعام:61]، وقال تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ[63] مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ(11) ﴾ [الرعد:11].

قال ابن عباس رضي الله عنهما : "إن المعقبات من الله هم الملائكة جعلهم الله ليحفظوا الإنسان من أمامه ومن ورائه ، فإذا جاء قَدَرُ الله الذي قدر أن يصل إليه، خلوا عنه".[64]

ومصداق ذلك ما يشاهد في الحياة لأناس يتعرضون لهلاك محقق فينجيهم الله كمن يخرجون أحياءاً من تحت الأنقاض ، أو أثناء حرب مدمرة ، أو بعد سقوط طائرة بهم ، أو غرقهم في باخرة أو سقوطهم من شاهق ، أو نجاتهم من حوادث الصدام للسيارات أو القطارات أو غيرها من الحوادث المهلكة ، فإذا ما جاء أجلهم ماتو ولو بأيسر الأسباب ، بعد أن يتخلى عنهم الملائكة الحافظون .

10- كتابة الأعمال :

وكل الله بكل إنسان ملكين حاضرين عن يمينه وشماله ملازمين له ، لا يفارقانه لحظة من الزمان، يحصيان عليه كل أقواله وأفعاله، بل ويعلمان همه بالحسنة والسيئة ، وقد بين القرآن ذلك فقال تعالى : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[65] (18)﴾ [ق:18] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ(10)كِرَامًا كَاتِبِينَ(11)يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ(12)﴾ [الانفطار:10-12].وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا.)[66]

وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : "إن صاحب الشمال ليرفع القلم ست ساعات[67] عن العبد المسلم المخطئ ، فإن ندم واستغفر الله منها ألقاها وإلا كتبت واحدة".[68]

11- مصاحبة الإنسان :

وكل الله بكل إنسان قريناً من الملائكة يأمره بالخير ويرغبه فيه،وقرينا من الجن يأمره بالشر ويحثه عليه

كما جاء في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة ، قالوا : وإياك يا رسول الله ؟ قال : وإياى ، إلا أن الله أعانني عليه[69] فأسلم. فلا يأمرني إلا بخير ".[70]وقد أوضح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم علاقة الملك بالإنسان وكذلك علاقة الشيطان به فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "إن للشيطان لَمّة بابن آدم ، وللملَكَ لَمّة ، فأما لَمّة الشيطان ، فايعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد من ذلك شيئاً فليعلم أنه من الله وليحمد الله ، ومن وجد الأخرى ؛ فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ثم قرأ : ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(268)﴾ [البقرة:268].[71]

12- توفي أرواح بني آدم :

وكل الله ملكاً هو ملك الموت[72] لقبض أرواح العباد عند نهاية آجالهم.[73] قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(11)﴾  [السجدة:11].وقد جعل الله له أعوناً يساعدونه في ذلك. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ(61)﴾ [الأنعام:61] .وفي حديث البراء المشهور أن ملك الموت إذا قبض الروح لم يدعها الملائكة الذين معه في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه.[74]

تبشير المسلمين :

وإذا حان أجل المسلم وكان من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، أنزل الله إليه ملائكة تبشره بالجنة وتطمئنه من هول ماهو صائر إليه .قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)﴾ [فصلت:30-31] وفي حديث البراء ابن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الشَّمْسُ مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلام حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ : "أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ : فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ…)[75]

تعذيب الكافرين :

وإذا كان العبد الكافر والفاجر في انقطاع من الدنيا ، وإقبال من الآخرة – أرسل الله إليه ملائكة غلاظاً شداداً ينزعون روحه نزعاً شديداً لا رفق فيه ولا رحمة. قال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(93)﴾ [الأنعام:93].

وقال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(50)﴾ [الأنفال:50]، وفي حديث البراء أيضاً قال : "وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ[76]، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَيَقُولُ : أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ. قَالَ : "فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ[77]مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ …" الحديث.[78]

13- سؤال الموتى في قبورهم :

قال النبي r : (الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَولِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوْ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ.)[79]

وقال النبي r : الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ... ﴾ [إبراهيم:27].[80] وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ …… أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ.[81] يُقَالُ لأحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ. فَيَقُولانِ : مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ مَا كَانَ يَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولاَنِ : قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَقُولُ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ فَيَقُولاَنِ نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لاَ يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ فَقُلْتُ مِثْلَهُ لاَ أَدْرِي فَيَقُولاَنِ قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ فَيُقَالُ لِلأرْضِ الْتَئِمِي عَلَيْهِ فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ فَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَضْلاعُهُ فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ.)[[82


[1]أخرجه مسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ في أحاديث متفرقة واللفظ له والبيهقي في السنن الكبرى 9/3 وأحمد 6/153.

[2] أخرجه البخاري ك/ الإيمان ب/ سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان الإيمان والإسلام والإحسان وجوب الإيمان ، واللفظ له .

[3] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ إذا قال أحدكم أمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ في قوله تعالى : ﴿ولقد رآه نزلة أخرى .

[4] أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ علامات النبوة ، ومسلم ك/ فضائل الصحابة رضي الله عنهم ب/ من فضائل أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها .

[5] أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء برسول الله إلى السموات وفرض الصلاة .

[6] أخرجه البخاري ك/ الإيمان ب/ سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان الإيمان والإسلام والإحسان وجوب الإيمان ، واللفظ له .

[7] لا يستحسرُون : أي لا يتعبون ولا يملون. انظر المعجم الوسيط 172 مادة حسر .

[8] لا يفترون : أي لا يضعفون .

[9] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث ، ومسلم ك/ المساجد ومواضع الصلاة ب/ نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوهما ، واللفظ له .

[10] الحبائك في أخبار الملائك ص : 264 .

[11] التفسير الصحيح 4/561 .

[12] انظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو …) .

[13] الاستنكاف : الأنفة والامتناع ، انظر القاموس المحيط باب الفاء فصل النون . 

[14]  تفسير القرآن العظيم لابن كثير .

[15] فتح القدير للشوكاني .

[16] أخرجه مسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ من فضائل عثمان بن عفان بن عفان رضي الله عنه ، والبيهقي في السنن الكبرى 2/230 .

[17] أثبت الطب أن الكلاب تنقل عدداً كبيراً من الأمراض لمن يعيش معها ويختلط بها (بحث الإعجاز العلمي للدكتور جون هنوفر لارسن) .

[18] ورد ما يدل على استثناء لعب الأطفال من التحريم .

[19] رواه البخاري ك/ الخلق ب/ إذا قال أحدكم أمين … ومسلم ك/ اللباس ب/ تحريم تصوير صورة الحيوان .

[20] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ، ومسلم ك/ اللباس ب/ باب تحريم صورة الحيوانات .

[21] المتضمخ بالزعفران : التضمخ : التلطخ بالطيب وغيره ، والإكثار منه) انظر النهاية لابن الأثير 3/99، والزعفران : (نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية ، منه أنواع برية ، ونوع صبغي طبي مشهور) انظر المعجم الوسيط ص394.

[22] أخرجه الطبراني 5/72 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع 1/587 .

[23] الخلوق : (هو طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب ، وتغلب عليه الحمرة والصفرة …) انظر النهاية لابن الأثير 2/71 .

[24] أخرجه أبو داود ك/ الترجل ب/ في الخلوق للرجال ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 1/587 .

[25] ولا ينافي عصمة الملائكة ما إذا ترجح القول بأن هاروت وماروت في قوله تعالى : ﴿ … وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت [البقرة :102] أنهما ملكان ، فقد أنزلا للابتلاء الذي خص الله به بعض مخلوقاته وعافى سائر ملائكته من ذلك ، لبيان وجه الحكمة البالغة من خلق البشر. قال ابن كثير : (وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان ، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده رحمه الله ، وعلى هذا فيكون تخصيصاً لهما فلا تعارض حينئذ …) انظر تفسير ابن كثير ، والحديث الذي أشر إليه الحافظ ابن كثير وفيه ذكر الزهرة قال فيه محققوا المسند : إسناده ضعيف ومتنه باطل، وقالوا: الصحيح أن هذا الحديث لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما هو من قصص كعب الأحبار نقله عن كتب بني إسرائيل انظر تحقيق المسند 10/318 .

[26] أخرجه مسلم ك/ الصلاة ب/ السكون في الصلاة والنهي عن الإشارة ، وهو في صحيح سنن أبي داود للألباني 1/130 ، وفي مسند أحمد بتنقيح صدقي محمد جميل العطار 7/445/21080 ، دار الفكر /ط2 ، 1414-1994م وغيرهم .

[27] البيت المعمور: قال علي وبن عباس رضي الله عنهم : هو بيت في السماء حيال الكعبة.. انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/59

[28] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق. ب/ ذكر الملائكة عليهم السلام واللفظ له ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

[29] أخرجه الترمذي ، ك/ الزهد ب/ في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً واللفظ له ، والبيهقي في السنن الكبرى 7/92 ، وأحمد 5/173 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/268 .

[30] أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ شهود الملائكة بدراً .

[31] أفناد الملائكة : أي آحادهم .

[32] انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير عند الآيات المذكورة .

[33] أخرجه مسلم ك/ صلاة المسافرين وقصرها ب/ الدعاء في صلاة الليل وقيامه .

[34] أخرجه البخاري ك/ التفسير ب/ من كان عدواً لجبريل .

[35] أخرجه أحمد 1/274 واللفظ له ، والنسائي في السنن الكبرى 5/336 وهو حديث حسن كما في تحقيق المسند 4/285 .

[36] لمزيد من الفائدة انظر إغاثة اللهفان لابن القيم : 2/127-128 .

[37] فتح الباري 11/368 في شرحه لباب نفخ الصور من كتاب الرقاق وزاد فيه :- أنه وقع في التصريح بأن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور عدد من الآثار ، وأورد ما يدل أيضاً على أن الذي ينفخ في الصور غيره، وقيل : إنهما ملكان يقومان بذلك ، وللاستزادة يرجع إليه .

[38] رواه الترمذي في السنن ك/ صفة القيامة ب/ ما جاء في شأن الصور واللفظ له ، وأحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، وأبو نعيم في الحلية 5/105 وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 3/66 .

[39] عاتقه : (العاتق موضع الرداء من المنكب ، يذّكر ويؤنث) انظر مختار الصحاح ص436 .

[40] أخرجه أبو داود ك/ السنة ب/ في الجهمية. واللفظ له وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/72 ، وفي صحيح الجامع الصغير 1/209 .

[41] أخرجه أحمد في المسند 4/287 ، 295-296 ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر ، وأخرجه ابن ماجه في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر ، والحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، وابن أبي شيبه في المصنف 3/54 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم : 1672 ، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه : الجنائز .

[42] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة عليهم السلام واللفظ له ، وأحمد 1/233 .

[43] رواه البخاري ك/ بدء الخلق ، ب/ ذكر الملائكة عليهم السلام، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

[44] أخرجه الترمذي ، ك/ الزهد ب/ في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً واللفظ له ، والبيهقي في السنن الكبرى 7/92 ، وأحمد 5/173 ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/268 .

[45] تفسير ابن كثير عند الآية المذكورة ، وأخرجه عبدالرزاق بسند صحيح عن قتادة كما في التفسير      الصحيح 4/586.

[46] تفسير ابن كثير .

[47] الجامع لأحكام القرآن .

[48] يساوقونه : أي يتابعونه ويسايرونه ويجارونه. انظر المعجم الوسيط مادة (ساق) ص464.

[49] تفسير ابن كثير .

[50] فتح القدير .

[51] مخاريق : جمع مخراق وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضاً ، أراد أنه آلة تزجر الملائكة السحاب به وتسوقه انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير : 2/26.

[52] معنى زجره سوقه ودفعه انظر التاج باب الراء فصل الزاي .

[53] أخرجه الترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ من سورة الرعد ، واللفظ له والنسائي في السنن الكبرى 5/336 ، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/64 وفي الصحيحة 4/491 برقم 1872 .

[54] شرجة : هي مسيل الماءٍ من الحرة إلى السهل. انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي باب الجيم فصل الشين، وقال في معجم مقاييس اللغة 3/269 مادة شرج : شرج الوادي منفسحه .

[55] أخرجه مسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ الصدقة في المساكين، واللفظ له، وابن حبان 8/142، وأحمد 2/296.

[56] قرن الثعالب : مكانة بين مكة والطائف يبعد عن مكة 80كلم ، وهو ميقات أهل نجد ، ويسمى أيضاً "قرن المنازل" انظر معجم البلدان 4/332 ، والمعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص226 .

[57] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ، واللفظ له ، ومسلم ك/ الجهاد والسير ب/ ما لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أذى المشركين والمنافقين .

[58] أخرجه مسلم ك/ الفتن وأشراط الساعة ب/ قصة الجساسة .

[59] انظر المعجم الوسيط ص943

[60] أخرجه البخاري ك/ القدر ب/ حدثنا أبو الوليد هشام بن عبدالملك ، ومسلم ك/ القدر ب/ كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه …

[61] أخرجه مسلم ك/ القدر ب/ كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه … ، وابن حبان 14/52 ، والبيهقي في السنن الكبرى 7/422 .

[62] كالأدوية التي تمنع الحوامل من استعمالها في فترة التشكل هذه .

[63] وقد ثبت كذلك أن لكل إنسان خلايا مناعية دفاعية تجري مع الدم في تعاقب الإنسان من بين يديه ومن خلفه تحفظه من هجوم الجراثيم ، وغيرها من الكائنات الدقيقة وقد تتسع الآية لتشمل هذا المعنى .

[64] انظر التفسير الصحيح 3/111 .

[65] معنى رقيب : يرقب وعتيد : حاضر .

[66] أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ إذ هم العبد بحسنة كتبت … واللفظ له ، وفي البخاري بنحوه ك/ التوحيد ب/ قول الله تعالى (يريدون أن يبدلوا كلام الله) [الفتح :15] .

[67] اليوم اثنتا عشر ساعة كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود ، والنسائي ، والحاكم ، وصححه الألباني انظر صحيح الجامع الصغير 2/1360 برقم8190 ، ويكون اليوم والليلة بهذا الحساب 24 ساعة .

[68] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 8/185 ، والبيهقي في شعب الإيمان 5/391 وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/422 برقم 2097 .

[69] قرينه من الجن أما الملك فهو معصوم لا يأمر إلا بالخير أصلا .

[70] أخرجه مسلم ك/ صفات المنافقين وأحكامهم ب/ تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس … ، وابن خزيمة 1/330 واللفظ له وابن حبان 14/327 ، وأحمد 1/385 .

[71] أخرجه ابن حبان 3/278 ، وهو في موارد الضمآن 1/40 سنن الترمذي : 5/219 برقم 2988 مسند أبي يعلى 8/417/ 4999 ، السنن الكبرى 6/302 برقم 11051 ، شعب الإيمان : 4/120 برقم 4506 ، وقال الترمذي : حديث حسن غريب ، وأخرجه الطبري 3/88 موقوفاً على ابن مسعود بسند صحيح ، وله حكم الرفع ؛ لأن مثله لا يقال بالرأي . انظر تحقيق شعيب الأرناؤوط لصحيح ابن حبان 3/279 .

[72] وقد جاء في بعض الآثار تسمية ملك الموت باسم عزرائيل ، ولا وجود لهذا الاسم في القرآن ولا في الأحاديث الصحيحة. البداية والنهاية 1/50 بواسطة عالم الملائكة ص22 .

[73] قال مجاهد : حويت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها متى يشاء. انظر المصدر السابق .

[74] سبق تخريجه وهو حديث صحيح .

[75] أخرجه أحمد في المسند 4/287 ، 295-296 ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر ، وأخرجه ابن ماجه في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر ، والحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، وابن أبي شيبه في المصنف 3/54 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم : 1672 ، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه : الجنائز .

[76] المسوح : ثوب من الشعر غليظ. انظر تاج العروس .

[77] السفُّود : حديدة ذات شعب معقفة يشوى بها. انظر تاج العروس للزبيدي 5/23 دار الفكر 1414-1994م. 

[78] أخرجه أحمد في المسند 4/287 ، 295-296 ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر ، وأخرجه ابن ماجه في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر ، والحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، وابن أبي شيبه في المصنف 3/54 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم : 1672 ، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه : الجنائز .

[79] أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ الميت يسمع خفق النعال ، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه .

[80] أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" ، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها ب/ عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه .

[81] قال صاحب التحفة 4/182 بزاء فراء أي أزرقان أعينهما .

[82] أخرجه الترمذي ك/ الجنائز ، ب/ عذاب القبر وحسنه الألباني كما في صحيح الجامع 1/186 .

======================================

 الملائكة والأنبياء عليهم السلام

1- الملائكة وآدم عليه السلام :

ذكر القرآن الكريم المحاورة التي جرت في الملأ الأعلى بين الله وملائكته حول استخلاف آدم في الأرض. قال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31)قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(32) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33)﴾ [البقرة:30-33] .ومضت مشيئة الله وقدرته فخلق آدم من صلصال من حمإٍ مسنون ، وأمر ملائكته أن يسجدوا له بعد أن سواه بشراً ونفخ فيه الروح. قال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28)فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ(29)فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ(31)﴾ [الحجر:28-31] .وقد جاء في الحديث أن الله تعالى لمّا خلق آدم قال له : (اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يحيونك فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ ، فَذَهَبَ فَقَالَ : السَّلامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَالُوا : السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، قَالَ : فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.)[83]

وعندما انقضى أجل آدم عليه السلام تولت الملائكة غسله ودفنه كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (لما توفي آدم غسلته الملائكة بالماء وتراً ، وألحدوا له[84] ، وقالوا : هذه سنة آدم في ولده)[85]

2- الملائكة تبشر إبراهيم بإسحاق عليهما السلام :

جاءت الملائكة إلى إبراهيم عليه وعليهم السلام تحمل له البشرى بالولد بعد بلوغه الكبر وبلوغ زوجه سن اليأس .قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ(69)فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ(70)وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ(71)قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ(72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ(73)﴾ [هود:69-73] .قال الشوكاني رحمه الله :- وكان مرورهم عليه لتبشيره بهذه البشارة المذكورة فظنهم أضيافاً وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل – وقيل كانوا تسعة وقيل أحد عشر.[86]

3- الملائكة وإسماعيل عليهما السلام :

ولما أسكن إبراهيم ولده وزوجه مكة وتركهما وانصرف طاعة لأوامر الله واتكالاً عليه ، وكانت مكة يومئذٍ وادياً غير ذي زرع كما وصفها الله سبحانه ، وبلغ من أم إسماعيل وابنها الجهد من العطش ؛ فسعت بين جبلي الصفا والمروة لعلها تجد غوثاً ، وفي حديث ابن عباس قال : (فنظَرَتْ هل ترى أحداً فلم تر أحداً ؛ ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس : قال النبي r "فلذلك سعى الناس بينهما"[87] فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً ، فقالت صه ، تريدُ نفسَهَا ثم تسمعت أيضاً فقالت : قد أسمعت إن كان عندك غوث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء بسقائها وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس : قال النبي r : (يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا ، فَقَالَ لَهَا : الْمَلَكُ لا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ ؛ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِيه هَذَا الْغُلامُ وَأَبُوهُ ، وَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَهْلَهُ.)[88]

4- الملائكة ولوط عليه السلام

أرسل الله ملائكته إلى لوط[89] عليه السلام لإخباره بهلاك قومه المكذبين والمصرين على ارتكاب أفضع الفواحش[90] ، وأمره بالخروج من هذه القرية الظالمة للنجاة من العذاب .قال تعالى : ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77)وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي [91] هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ(78)قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ(79)قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ(80) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81)﴾ [هود:77-81].قال الطبري في تفسير الآية : ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ ... ﴾ [هود:77] ﴿... وَضَاقَ بِهِمْ ...﴾ بمجيئهم ذرعاً يقول : وضاقت نفسه غماً بمجيئهم ، وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسل الله في حال ماأ ساءه مجيئهم وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة وخاف عليهم ، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعاً وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه ولذلك قال هذا يوم عصيب)[92] .قال ابن كثير (… لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم … اقبلوا حتى أتوا أرض سدوم[93] اختباراً من الله تعالى لقوم لوط ، وإقامة للحجة عليهم ، فاستضافوا لوطاً عليه السلام وذلك عند غروب الشمس ، فخشي إن لم يضيفهم أن يضيفهم غيره ، وحسبهم بشراً من الناس)[94] وعندما علم قوم لوط بوجود أضياف عند لوط عليه السلام هرعوا إليه ، وذكر ابن كثير… أن نبي الله لوط عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق ، وهم يرومون فتحه وولوجه ، وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب، … فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال "لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركن شديد" لأحللت بكم النكال ، قال الملائكة يا لوط "إنَّا رسل ربك لن يصلوا إليك" وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم ، فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل أنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر ، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان ، ويتوعدون رسول الرحمن ، ويقولون : إذا كان الغد كان لنا وله شأن.[95] وجاء العذاب كما قال تعالى : ﴿فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ(73)فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ(74)إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(75)وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ(76)إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(77)﴾ [الحجر:73-77] ثبت علمياً أن الرجم يصحب بصوت مدو وأن أشد ما يكون وقع الرجم على الأرض حال الشروق لتعامد الأحجار على سطح الأرض حال الشروق، ثم غُرِفت أرض سدوم ورفعت إلى السماء وجعل عاليها سافلها ؛ ومثل هذا يُحْدِث هبوطا في سطح الأرض جعل هذه المنطقة أخفض منطقة على الأرض. وأصبح مكانها بحيرة لا حياة فيها هي البحر الميت[96].

فأنجى الله لوطاً وأهله إلا امرأته ، وأخرجهم منها أحسن إخراج ، وترك قومه في محلتهم جاثمين ، قال ابن كثير : (بعد أن صيرها عليهم بحيرة[97] منتنة ذات أمواج، لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج، وحر يتوهج ، وماءها ملح أجاج) .

5- حمل الملائكة للتابوت في عهد نبي من أنبياء بني إسرائيل :

طلب الملأ من بني إسرائيل – بعد عهد موسى عليه السلام – من نبيٍ لهم أن يخرج لهم ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله ، فأخرج لهم طالوت وذلك بأمر من الله سبحانه وأخبرهم أن علامة ملك طالوت أن يأتيهم التابوت[98] وفيه سكينة[99] من الله سبحانه وبقية[100] مما ترك آل موسى وآل هارون ، وحملت الملائكة ذلك التابوت فأتت به إليهم قال تعالى : ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(248)﴾ [البقرة:248] .

6- بشارة الملائكة لزكريا عليه السلام :

عندما رأى زكريا عليه السلام كرامة الله سبحانه لمريم عليها السلام كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ، فعلم أن الرزاق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً ، وإن كان قد طعن في سنه وامرأته عاقر، فعندها دعا زكريا ربه أن يرزقه ولداً يرث عنه ميراث النبوة فبشرته الملائكة باستجابة الله لدعائه وهو قائم يصلي في المحراب .

قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا[101] وَحَصُورًا[102] وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ(39)﴾ [آل عمران:39] .

7- الملائكة وعيسى بن مريم عليه السلام :

ذكر الحق تبارك وتعالى أن الملائكة بشرت أم عيسى به فقال تعالى:﴿ إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(45) ﴾ [آل عمران:45].وقد تمثل لها جبريل عليه السلام بشراً سوياً كما قال تعالى:﴿ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17)﴾ [مريم:17] فراعها ذلك فاستعاذت بالله منه وذكرته بالله إن كان يخافه ويتقيه:﴿ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا(18) [مريم:18] .

فبين لها حقيقته ، وأنه ملك وليس بشراً ، وأنه مرسل بمهمة خاصة هي أن يهبها غلاماً زكيا ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(19) [مريم:19] .وقد ثبت أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان فيقتل الدجال ويكسر الصليب ويقتل الخنزير[103] ، وذكر النبي r صفة نزوله كما جاء عند مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه "… فينزل عند المنارة[104] البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين[105] واضعاً كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ[106] رأسه قَطَرَ وإذا رفعه تحدر منه جُمَانٌ[107] كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات ، وَنَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفُهُ ، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدّ[108] فيقتله…)[109].

8- الملائكة والنبي محمد r

أ- تهيئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستقبال الوحي :

لقد أوكل الله سبحانه وتعالى بعبده ونبيه محمد r ملائكته الكرام وعلى رأسهم جبريل عليه السلام ليحيطوه بالرعاية والعناية والحفظ والتأييد منذ صغره وحتى مفارقته للدنيا وإليك بيان ذلك .

فعندما كان غلاماً يلعب مع الصبيان في بادية بني سعد كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه : " أن رسول الله r أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقه فقال هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم لأمه ثم أعاده في مكانه ، فجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني : ظِئْرُهُ[110] فقالوا : إن محمداً قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره[111].

ولما أراد الله إكرامه بالإسراء والمعراج أجرت الملائكة له عملية أخرى في قلبه لملئه حكمة وإيمانا كما جاء في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله r قال : فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل عليه السلام فَفَرَجَ صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيماناً فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء …"[112] 

ب- ولاية جبريل والملائكة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم :

لقدكان لروح القدس جبريل عليه السلام وإخوانه من الملائكة الكرام عناية خاصة وعلاقة حميمة بالرسول محمد r.قال تعالى:﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ(4)﴾ [التحريم:4].

ج- الوحي إليه :

أرسل الله جبريل عليه السلام بالوحي إلى عبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)﴾ [الشعراء:192-194].

وقد حكت عائشة رضي الله عنها قصة بدء الوحي وفيها : (…حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك ، فقال : اقرأ ، قال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، قلت ، ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1)خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ(3)﴾ [العلق:1-3] فرجع بها رسول الله r يرجُف فؤادُه…) وفيه أنه r خشي على نفسه ، فأخذته خديجة إلى ورقة بن نوفل وكان شيخا كبيرا قد عمي ، فقالت له خديجة : يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى : فأخبره رسول الله r خبر ما رأى، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نَزَّلَ الله على موسى ، يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك…).[113]وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن النبي r قال : "فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراءَ جالساً على كرسي بين السماء والأرض ، قال رسول الله r : فجئثت[114] منه فَرَقًا ، فرجعت ، فقلت : زملوني زملوني ، فدثروني فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1)قُمْ فَأَنذِرْ(2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ(5)﴾ [المدثر:1-5] ، قال ثم تتابع الوحي".[115]

* كيفية إتيان الملك بالوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :

ورد في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها : أن الحارث بن هشام رضي الله عنه- سأل الرسول r فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟

فقال الرسول r : (أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي[116] مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا).[117]

د- تعليمه :

لقد كان جبريل عليه السلام يُعِّلمُ النبيَّ r ما يحتاج إليه من زيادة وبيان وإيضاح لأمور الدين ومن ذلك إمامته له في الصلاة .ففي السنن عن ابن عباس : أن رسول الله r قال : (أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ[118] ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِيَ - يَعْنِي الْمَغْرِبَ - حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ[119]، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ، صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ.)[120]

هـ- مدارسته القرآن الكريم :

كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى عليه وسلم القرآن الكريم في رمضان، ففي حديث ابن عباس رضي الله عنه قال : كان رسول الله r أجودَ الناس ، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسُه القرآن ، فلرسول الله r أجودُ بالخير من الريح المُرسلة.[121]

و- الملائكة تحمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

يختص الله تعالى الرسل بمزيد معقباتٍ من الملائكة يحفظونهم ليتمكنوا من أداء رسالاته سبحانه ، وهذا عام في جميع الرسل. كما قال تعالى : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)﴾  [الجن:26-27] والرصد : هم الملائكة.[122]ومن حماية الله لرسوله بالملائكة ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قَالَ : فَقِيلَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : وَاللاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ ، قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي – زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ – قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلاَّ وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ؟ فَقَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلاً وَأَجْنِحَةً !! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ دَنَا مِنِّي لاَخْتَطَفَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا)[123] .وهذا جبريل وميكائيل يقاتلان عنه يوم أحد. عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، قال : "رأيت رسول الله r يوم أحد ومعه رجلان ، يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض أشدَّ القتال ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ ، يعنى جبريل وميكائيل عليهما السلام".[124]

ز- الملائكة تكشف السحر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

عن عائشة رضي الله عنها قالت : سحر رسول الله r يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم قالت حتى كان رسول الله r يُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله[125] ، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي دعا رسول الله r ثم قال: "يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ؟ جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي ما وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب قال : من طبَّه؟ قال: لَبيد بن الأعصم. قال في أي شيء ؟ قال : في مِشْطٍ وَمِشَاَطةٍ[126] وَجُفِّ[127] طلع نخلة ذكر قال : وأين هو ؟ قال : في "بئر ذى أروان" قالت : فأتاها رسول الله r في ناس من أصحابه ثم قال : " يا عائشة الله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين قلت يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال : "لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً" فأمر بها[128] فدفنت"[129]

ح- نصر الملائكة له في غزواته

فقد نصره الله بالملائكة في غزوة بدر ، قال تعالى : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ(9)وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(10)﴾ [الأنفال:9-10] .وأيده بالملائكة في غزوة الأحزاب كما قال تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(9)﴾  [الأحزاب:9] .والجنود التي لم تُر هي الملائكة كما قال مجاهد رحمه الله.[130]وأيده كذلك بالملائكة عند ذهابه لغزة بني قريظة ، قال أنس رضي الله عنه : (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِي غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرِيلَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.)[131] وأيده كذلك بالملائكة في غزوة حنين ، كما قال تعالى في ذكر غزوة حنين : ﴿... فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(40)﴾ [التوبة:40] ، والجنود التي لم يروها هي الملائكة .[132]

ط- رقية جبريل للرسول صلى الله عليه وآله وسلم :

عن أبي سعيد : أن جبريل أتى النبي r فقال : (يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ ، اللَّهُ يَشْفِيكَ ، بِاسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ).[133]

 الملائكة والمؤمنون

للملائكة مع المؤمنين صلة حميمة ، يدعون للمؤمنين ويصلون عليهم ويستغفرون لهم ويتولونهم ويبشرونهم عند الممات ، وسوف نعرض لطائفة من أعمالهم مع المؤمنين كما جاءت في الكتاب والسنة :

1- الصلاة على المؤمنين

قال تعالى : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43)﴾ [الأحزاب:43] .قال الشوكاني رحمه الله : والصلاة من الله على العباد رحمته لهم ، وبركته عليهم، ومن الملائكة الدعاء لهم والاستغفار.[134] ويذكر الله لعباده دعاء الملائكة المفعم بحب الخير للمؤمنين .

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ(7)رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(8)وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِي السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9)﴾ [غافر:7-9].

وبينت السنة أن الملائكة تدعوا الله لمن يقومون بالأعمال الآتية :-

أ- الذين ينتظرون صلاة الجماعة :

قال : رسول الله r: (الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ.)[135] وهذا نص يبين معنى الصلاة من الملائكة على المؤمنين .

ب- الذين يُصَلُّون في الصف الأول :

قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( …إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأوَلِ.)[136]

 ج- الذين يَصِلُون الصفوف :

عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ ، وَمَنْ سَدَّ فُرْجَةً رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً.)[137]

د- الذين يتسحرون :

عن ابن عمر رضي الله عنهما :أن رسول الله r قال: " إن الله تعالى وملائكته يصلون على المتسحرين".[138]

هـ- الذين يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

قال صلى الله عليه وآله وسلم : (ما من مسلم يصلي عليَّ إلا صلت عليه الملائكة مادام يصلي عليَّ ، فليُقِلَّ العبدُ من ذلك أو ليُكثِر).[139]

و- الذين يعلمون الناس الخير :

قال صلى الله عليه وآله وسلم : (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأْرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ.)[140]

ز- الذين ينفقون أموالهم :عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الآْخَرُ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.)[141]

ح- الذين يزورون المرضى :

عن النبي r قال : (مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا مُمْسِيًا إِلاَّ خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ[142] ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحًا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ.)[143]

2- محبتهم لصالح المؤمنين :

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأْرْضِ.)[144]

3- تثبيت المؤمنين عند القتال :

قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ(12)﴾ [الأنفال:12].

4- تأييدهم ونصرهم للمؤمنين :

امتن الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين بإرسال جنود من الملائكة للتأييد والنصر للمؤمنين في بدر وأحد وفي أقسى حصار استهدف الوجود الإسلامي كله في المدينة المنورة حيث تحزب الأحزاب وجاءوا بما لا قبل للمسلمين به ، فأرسل الله عليهم الريح والملائكة وكفى الله المؤمنين القتال. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا(9)إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ(10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا(11)﴾ [الأحزاب:9-11]، ومن هذا التأييد ما كان لحسان بن ثابت وهو يرد على هجاء المشركين حيث قال r "اللهم أيده بروح القدس".[145]

5- التأمين على دعائهم :

قال رسول الله r : "لاتدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون".[146] وقد رغب الإسلام في حسن الصلة بين المسلمين ومن ذلك دعاء بعضهم لبعض بظهر الغيب فهو دعاء مستجاب مؤيد بتأمين الملك عليه ، ففي الحديث عن أبي الدرداء عن النبي r قال : "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة ؛ عند رأسه ملك ، كلما دعا له بخير قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل".[147]

6- فضل التوافق بين تأمين المؤمنين وحمدهم لله وبين تأمين وحمد الملائكة :

جعل الله سبحانه وتعالى بركة في موافقة عملِ المؤمن عمل الملائكة تقتضي مغفرة ما تقدم من ذنوب المؤمن ، لذا ينبغي الحرص على طلب ذلك التوافق .

- ومن ذلك التوافق في التأمين :

قال رسول الله r : "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا ، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".[148] وقال r : "إذا قال أحدكم آمين ، وقالت الملائكة في السماء آمين ، فوافقت إحداهما الأخرى غُفر له ما تقدم من ذنبه ".[149]

- ومن ذلك التوافق في الحمد :

قال r : "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا : اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".[150]

7- تتبعهم حلق الذكر وحفهم أهلها بأجنحتهم :

قال النبي r : (إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا : هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ ، قَالَ : فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا …)[151] وقال r: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ، وذكرهم الله فيمن عنده".[152]

8- تكريمهم لطالب العلم :

قال رسول الله r : " إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم ".[153]

9- كتابة المصلين يوم الجمعة الأول فالأول :

قال رسول الله r : "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم وجلسوا يستمعون الذكر".[154]

10- تعاقب الملائكة على المصلين :

قال رسول الله r : "يتعاقبون فيكم : ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرُج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون".[155]

11- الملائكة تبلغ النبي r سلام أمته :

قال رسول الله r : "إن لله ملائكة سيّاحين في الأرض يبلغوني عن أمتى السلام".[156]

12- تبشير المؤمنين وولايتهم لهم :

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ(32)﴾ [فصلت:30-32].قال ابن زيد ومجاهد : تتنزل عليهم عند الموت. وقال مقاتل وقتادة : إذا قاموا من قبورهم للبعث وقال وكيع : البشرى في ثلاثة مواطن : عند الموت وفي القبر وعند البعث .

واختار الإمام الشوكاني رحمه الله عدم تخصيص تنزل الملائكة على المؤمنين بوقت معين وعدم تقييد نفي الخوف والحزن بحالة مخصوصة"[157] .

13- ولايتهم الخاصة للشهداء :

إن للشهيد منزلة رفيعة عند الله لذلك خُصَّ بمزيد من ولاية الملائكة له ، ويظهر هذا في تظليلهم لعبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنهما ، فقد ورد في الصحيح عن جابر رضي الله عنه قال جئ بأبي إلى النبي r وقد مُثِّل به ، ووُضِع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قومي فسمع صوت نائحة ، فقيل : ابنة عمرو أو أخت عمرو ، فقال النبي r : "لم تبكين ، (أو لا تبكين) مازالت الملائكة تظله بأجنحتها"[158] وقد عنون له البخاري بقوله:(باب ظل الملائكة على الشهيد).[159] ويظهر أيضاً في غسلهم لبعض الشهداء كما جاء في المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أصيب حمزة بن عبدالمطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنبان ، فقال رسول الله r"رأيت الملائكة تغسلهما".[160]

خصوصيات بعض المؤمنين مع الملائكة

1- الملائكة ومريم عليهم السلام :

لقد أكرم الله مريم بنت عمران بأن أرسل لها الملائكة المقربين تخاطبها وتبشرها باصطفاء الله لها وتطهيرها وتفضيلها على نساء العالمين. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)﴾  [آل عمران:42-43] .

كما بشرتها الملائكة بعيسى ابن مريم ليكون وأمه آية للعالمين. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(45)﴾ [آل عمران:45] ، وفي هذا دليل على أنه ليس كل من جاءه ملك يكون نبيا[161]. بل هي صديقة كما قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ... ﴾ [المائدة:75] .وقد قص الله لنا الحوار الذي دار بينها وبين الملك الذي حمل لها البشرى قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا(16)فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا(17)قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا(18)قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا(19)قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا(20)قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(21)﴾ [مريم:16-21].ثم إن جبريل عليه السلام نفخ في جيب درعها[162] فولجت فيها النفخة فحملت بعيسى عليه السلام قال تعالى : ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ...﴾  [التحريم:12] .

2- جبريل يحمل البشارة لخديجة رضي الله عنها :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أتى جبريل النبي r فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب. فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني ، وبشرِّها ببيت في الجنة من قصب[163] لا صخب فيه ولا نصب".[164]

3- الملك يقرئ عائشة السلام ويبشر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

عن ابن شهاب قال أبو سلمة : إن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله r يوما : "يا عائشُ هذا جبريل يُقرئك السلام" فقلت:وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى (تريد رسول الله r).[165] وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله r : "أُريتك في المنام يجئ بك الملك في سَرَقَةٍ[166] من حرير ، فقال : هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب ، فإذا أنت هي ، فقلت: إن يَكُ هذا من الله يمضه".[167]

4- تبشير الملك بسيادة فاطمة على نساء أهل الجنة :

عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي r قال : أَمَا رَأَيْتَ الْعَارِضَ الَّذِي عَرَضَ لِي قُبَيْلُ ، قَالَ : قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : فَهُوَ مَلَكٌ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ لَمْ يَهْبِطْ الأْرْضَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، فَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.)[168]

5- جبريل يبشر بسيادة الحسن والحسين على شباب أهل الجنة :

عن حذيفة رضي الله عنه أن النبي r قال :"أتاني جبريل فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".[169]

6- الملائكة تستمع لقراءة أسيد بن حضير رضي الله عنه :

عن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت[170]، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكنت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها فأشفقَ أن تُصيبه ، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها ، فلما أصبح حدث النبي r فقال له : "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير"[171] قال: فأشفقتُ يا رسول الله أن تطأ يحيى ، وكان منها قريباً فرفعتُ رأسي فانصرفتُ إليه ، فرفعتُ رأسي إلى السماء ، فإذا مِثلُ الظُلة فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتْ حتى لا أراها، قال : "وتدري ما ذاك"؟ قال : لا. قال : "تلك الملائكة دنَتْ لصوتك، ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظرُ الناس إليها ، لا تتوارى منهم".[172]

7- الملائكة تشهد جنازة سعد بن معاذ رضي الله عنه :

أكرم الله سبحانه وتعالى سعد بن معاذ رضي الله عنه بخصال منها أنه شهد جنازته سبعون ألفا من الملائكة قال صلى الله عليه وآله وسلم : "هذا الذي تحرك له العرش ، وفتحت له أبواب السماء ، وشهده سبعون ألفاً من الملائكة ، لقد ضُمَّ ضَمَّة[173] ثم فُرِّجَ عنه".[174]

8- تنزلهم عندما يقرأ المؤمن القرآن :

ومنهم من يتنزل من السماء حين يقرأ القرآن، ففي صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: "قرأ رجل سورة الكهف، وفي الدار دابة، فجعلت تنفر، فإذا ضبابة أو سحابة قد غشيته، قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال : (إقرأ فلان ، فإنها السكينة[175] تنزلت عند القرآن، أو تنزلت للقرآن).[176]

حقوق الملائكة على المؤمنين

واجبات المؤمن نحو الملائكة :

1- الإيمان بهم :

يجب على كل مؤمن الإيمان بالملائكة إجمالاً ، وأنهم عباد الله المكرمون الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، كما يجب الإيمان بمن ذكر منهم في الكتاب أو السنة المطهرة على وجه التفصيل ، كجبريل ومكائيل وإسرافيل على جميعهم الصلاة والسلام .

2- موالاتهم جميعاً :

إن على المؤمن أن يتولى جميع الملائكة بدون تفريق بين آحادهم فكلهم مكرمون ومن والى بعضهم وعادى بعضهم فقد عادى الله سبحانه .وقد أنكر الله تعالى على اليهود إعلان عدواتهم لجبريل عندما علموا أنه الذي ينزل بالوحي على محمد – صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال تعالى:﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(97)مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ(98)﴾ [البقرة:97-98].

 آداب المؤمنين مع الملائكة :

1- الاستحياء منهم :

ينبغي للمسلم أن يستشعر وجود الملائكة معه فيستحي منهم ويكرمهم ، ومن إكرامهم عدم البصاق عن اليمنى في الصلاة لنهي النبي عن ذلك فعن أبي هريرة عن النبي r قال : "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصُق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه ؛ فإن عن يمينه ملكا ، وليبصُق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها".[177]

2- ترك ما يؤذيهم :

على المسلم أن يجتنب من الطعام ما له رائحة كريهة مثل الثوم والبصل والكُرّاث لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. قال r : "من أكل الثوم و البصل والكُرّاث فلا يقربن مسجدنا[178] ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".[179]

موقف الملائكة من عصاة بنى آدم

إن الملائكة الذين لا يعصون الله سبحانه وتعالى ينفرون من العصاة نفرة شديدة ويبتعدون عنهم بل يلعنونهم بسبب ما يقترفون من المعاصي.[180]

1- لعنهم كاتم العلم الشرعي :

قال تعالى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ(159)إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(160)﴾ [البقرة:159-160] .

قال ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى : ﴿...وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ...﴾ يعني تلعنهم الملائكة والمؤمنون[181].

2- لعنهم الذين يحولون دون تنفيذ شرع الله :

عن ابن عباس رضي الله عنهما :

أن رسول الله r قال : ( … ومَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَقَوَدُ يَدَيْهِ[182]، فَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.)[183]

3- لعنهم من أحدث حدثاً أو آوى محدثاً :

قال صلى الله عليه وآله وسلم : "من أحدث حدثاً أو آوى مُحدثاً ، فعليه لعنة الله ، والملائكة والناس أجمعين"[184] ، والمحدث هو من جنى جنايةً.[185]

4- لعنهم من يشير إلى أخيه بحديدة :

قال أبو القاسم r "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه"[186]، والإشارة بالحديدة لترويعه .

5- لعنهم من سب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم :

قال رسول الله r : "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".[187]

6- الملائكة تلعن المرأة الممتنعة عن فراش زوجها :

قال رسول الله r : "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه ، فأبت أن تجئ لعنتها الملائكة حتى تصبح." وفي رواية في الصحيح : (حتى ترجع).[188]

موقف الملائكة من الكافرين

إن الكفر بالله جريمة كبرى يعادي الملائكة بسببها الكفار بصور متعددة منها :

1) لعنهم :
قال تعالى :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(161)﴾ [البقرة:161] .

2) قتالهم للكفار في غزوة بدر :

قال تعالى : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ(12)﴾ [الأنفال:12]وقد رأى بعض الصحابة رضي الله عنهم آثار عمل الملائكة واشتراكها في القتال[189]. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول r قال في يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه ، عليه أداة الحرب".[190]

3- إنزال العذاب بالكافرين :

يرسل الله سبحانه وتعالى ملائكته بالعذاب لهلاك من أراد الله إهلاكه على أيديهم من الكافرين كقوم لوط عليه السلام .

4- الملائكة والمحتضر من الظالمين والكافرين :

أخبر الله سبحانه وتعالى عن سوء خاتمة وعاقبة الكافرين والظالمين والمتقولين على الله بغير الحق ، وأن الملائكة تقوم بتبكيتهم وإهانتهم والنيل منهم بالضرب على وجوههم وأدبارهم عند الاحتضار. قال تعالى : ﴿... وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ(93)﴾  [الأنعام:93]. وقال تعالى : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(50)ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(51)﴾ [الأنفال:50-51]وفي حديث البراء رضي الله عنه "… وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الأخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب …" الحديث.[191]

الملائكة والدار الآخرة

أ- الملائكة وبداية أحداث الساعة :

تنتهي الحياة الدنيا بالنفخة الأولى في الصور حيث ينفخ فيه بأمر الله أحد الملائكة نفخةً يصعق بها كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله .ثم تبتدئ حياة الدار الآخرة من إعادة أرواح الكائنات إلى أجسادها بالنفخ في الصور مرة أخرى. قال تعالى : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ(68)﴾ [الزمر:68] .

ب- الملائكة تسوق الناس إلى المحشر :

وبعد قيام الناس وخروجهم من قبورهم يوكل الله بكل إنسان ملكين ، قال تعالى : ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ(21)﴾ [ق:21] ، قال ابن كثير رحمه الله : "أي ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله وهذا هو الظاهر من الآية الكريمة وهو اختيار ابن جرير …"[192] .

ج- تنزل الملائكة يوم القيامة :

إن من الأحداث الجسام ليوم القيامة زوال السماوات وتشققها ، ونزول الملائكة إلى عرصات[193] القيامة قال تعالى : ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا(25)﴾ [الفرقان :25] .وقد أخبر الله عن الملائكة أنها تكون في أطراف السماء عند تشققها قال تعالى : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ(13)وَحُمِلَتْ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(14)فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(15)وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ(16)وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18)﴾ [الحاقة :13-18] .قال ابن كثير رحمه الله : "والملك على أرجائها" الملك اسم جنس : أي الملائكة على أرجاء السماء ، قال ابن عباس على ما لَمَّ منها : أي حافاتها ، وكذا قال سعيد بن جبير والآوزاعي ، وقال الضحاك : أطرافها ، وقوله تعالى:  ﴿... وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)﴾ [الحاقة:17] أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش : العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء والله أعلم بالصواب"[194] ، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وعبدالله بن عباس أن حملة العرش ثمانية صفوف من الملائكة[195] وقال الشوكاني : أي يحمله فوق رؤسهم يوم القيامة ثمانية أملاك وقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله عزوجل وقيل ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة.[196]

د- مجئ الملائكة صفا صفا :

قال تعالى : ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتْ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا(21)وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا(22)﴾ [الفجر:21-22]

قال ابن كثير رحمه الله تعالى : فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفا.[197]

الملائكة تجئ بجهنم :

قال تعالى : ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ...﴾ [الفجر:23] .وقال r : "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".[198]

هـ- الملائكة تسوق الكافرين إلى جهنم :

قال تعالى : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ(71)قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(72) [الزمر:71-72] .

قال ابن كثير رحمه الله "يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقاً عنيفاً بزجر وتهديد ووعيد …. ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل  ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى [الزمر:71][199] ، ولم يبق بعد هذا الاعتراف إلا الحكم عليهم بالسحق والمحق والبعد كما قال سبحانه : ﴿... فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ(11) [الملك:11].

خزنة جهنم وصفتهم :

جعل الله لجهنم خزنة من الملائكة على رأسهم مالك خازن النار عليه السلام ويناديه الكفار وهم يعذبون فيقولون كما حكى الله عنهم : ﴿ وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(77) [الزخرف:77] .

ويخاطب الكفار كذلك خزنة النار فيقولون كما حكى الله عنهم :  ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ(49)قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(50) [غافر:49-50] .وقال تعالى : ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(30)   [المدثر:30]

قال الشوكاني : قال المفسرون : يقول : على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، وقيل : تسعة عشر صنفاً من أصناف الملائكة ، وقيل تسعة عشر صفاً من صفوفهم ، وقيل تسعة عشر نقيباً مع كل نقيب جماعة من الملائكة ، والأول أولى.[200]وقد وصفهم الله سبحانه بقوله : ﴿... عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) [التحريم:6]

الملائكة تسوق المؤمنين إلى الجنة وفدا :

قال تعالى:﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَانِ وَفْدًا(85) [مريم:85] .قال تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73 [الزمر:73] .قال الإمام الشوكاني رحمه الله : "أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم".[201]

خزنة الجنة :

جعل الله سبحانه وتعالى للجنة خزنة يقومون على تدبير أمرها ، ويفتح له الباب خازنها وأول داخل هو رسول الله r كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله r : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح ، فيقول الخازن : مَنْ أنت ؟ فأقول : محمد، فيقول : بِك أُمرت لا أفتحُ لأحدٍ قبلك".[202]

استقبال خزنة الجنة للمؤمنين :

يكرم الله أهل جنة عند دخولهم بأن تتلقاهم خزنة الجنة بالتهنئة والبشرى ، والترحاب .

قال تعالى: ﴿... وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73) [الزمر:73].

الملائكة يدخلون على أهل الجنة :

ومما يكرم الله به أهل الجنة دخول الملائكة عليهم من كل باب مسلمين ومهنئين لهم على ما نالوه من النعيم المقيم جزاء صبرهم وجهادهم. قال تعالى : ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(24) [الرعد:23-24] .

 


[83] رواه البخاري/ كتاب الاستئذان/ باب بدء السلام ، ومسلم ك/ الجنة وصفة نعيمها وأهلها ب/ يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير .

[84] أي جعلوا له لحداً في قبره .

[85] أخرجه الحاكم 2/595 وقال : حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، والطبراني في المعجم الأوسط 8/157 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/924 .

[86] فتح القدير .

[87] بينهما : أي بين جبلي الصفا والمروة .

[88] أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) ، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف رقم 5600 والبيهقي في الدلائل (2/46-52) انظر تخريج الأحاديث الصحيحة من أخبار وقصص الأنبياء ص65 .

[89] ذكر ابن كثير رحمه الله أن لوطاً هو ابن أخى إبراهيم الخليل عليهما السلام فقال : … لوط بن هارون بن تارح – وهو آزر، انظر قصص الأنبياء ص: 181-183 – منشورات دار ومكتبة الهلال بيروت ط3 – 1988م.

[90] أي جريمة الشذوذ الجنسي .

[91] الذي عليه غالب أهل التأويل أن عرض بناته عليهم هو تذكيره بنسائهم فهن في حكم بناته ، وقيل عرض بناته ليزوجهم بهن نكاحاً لا سفاحاً . انظر الأقوال في ذلك في الطبري 6/12-51 .

[92] تفسير الطبري .

[93] سدوم : مدينة قوم لوط التي نزل عليها العذاب .

[94] قصص الأنبياء لابن كثير ص183 بتصرف ، دار مكتبة الهلال ط2 ، 1988م .

[95] المصدر السابق ص185 .

[96] البحر الميت يختلف عن سائر البحار فلا يشترك معها في مستوى السطح فهو أخفض منطقة في الأرض، ولا حياة فيه .

[97] بحيرة : هي البحر الميت .

[98] التابوت في اللغة : هو الصندوق الذي يحرز فيه المتاع ، وهو هنا صندوق أثري لبني إسرائيل انظر تفسير ابن كثير عند الآية الكريمة .

[99] السكينة : هي الرحمة كما روى ذلك الطبري عن ابن عباس ، وقيل : بل هي شيء مادي انظر الأقوال فيها في زاد المسير عند الآية المذكورة .

[100] البقية : قيل هي عصا موسى وبقية من الألواح وقيل غير ذلك .

[101] سيداً : أي الذي يسود قومه وينتهى إلى قوله .

[102] حصورا : أي يكف عن النساء ولا يقربهن مع القدرة. انظر تفسير القرطبي 4/76 .

[103] أخرجه البخاري ك/ البيوع ب/ قتل الخنزير . 

[104] المنارة البيضاء : قال النووي رحمه الله وهذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق انظر صحيح مسلم بشرح النووي في ك/ الفتن ، ب/ ذكر الدجال وصفته .

[105] مهرودتين : قال النووي أي ثوبين مصبوغين يورس ، ثم بزعفران ، وقيل هما شقتان ، والشقة نصف الملاءة. انظر المصدر السابق .

[106] طأطأ : أي خفض رأسه .

[107] جمان : الجمانة حبة تعمل من الفضة كالدرة انظر مختار الصحاح مادة جمن .

[108] باب لد : قال النووي : هو بضم اللام وتشديد الدال مصروف ، وهو بلدة قريبة من بيت المقدس. انظر المصدر السابق.

[109] أخرجه مسلم ك/ الفتن وأشراط الساعة ب/ ذكر الدجال وصفته وما معه ، والترمذي ك/ الفتن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ب/ ما جاء في فتنة الدجال .

[110] الظئر : هي المرضعة غير الأم .

[111] أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء ، وأحمد في باقي مسند المكثرين .

[112] أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ كيف فرضت الصلاة في الإسراء ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الإسراء برسول الله r إلى السموات .

[113] أخرجه البخاري ك/ بدء الوحي ب/ بدء الوحي ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بدء الوحي إلى رسول الله r .

[114]  قال النووي : رواه مسلم من رواية يونس وعقيل ومعمر ثم كلهم عن ابن شهاب ، قال في رواية يونس المذكورة في المتن فجئثت بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير ، وقال في  رواية عُقيل ومعمر فجثثت بعد الجيم ثاءان مثلثتان ، هكذا هو الصواب في ضبط رواية الثلاثة ، انظر صحيح مسلم بشرح النووي 2/381 ط. دار المعرفة – بيروت 1414هـ –1994م .

[115] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بدء الوحي واللفظ له .

[116] وقد رأى النبي r جبريل على صورته التي خلقه الله عليها مرتين الأولى في الأفق والثانية عند سدرة المنتهى لحديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم وغيره عن مسروق قال : كنت عند عائشة رضي الله عنها قال : قلت أليس الله يقول: "ولقد رآه بالأفق المبين" "ولقد رآه نزلة أخرى" قالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله r عنهما فقال: "إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رآه منهبطا من السماء إلى الأرض ساداً عظم خلقه ما بين السماء والأرض" ، انظر مسلم كتاب الإيمان باب (ولقد رأه نزلة أخرى) ، وعند البخاري عن ابن مسعود أنه قال : (رأى محمد r جبريل له ستمائة جناح) ، انظر البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة .

[117] أخرجه البخاري ك/ بدء الوحي ب/ بدء الوحي ، ومسلم ك/ الفضائل ب/ عرق النبي في البرد وحين يأتيه الوحي .

[118] معنى الشراك : سير النعل ، والمقصود به مقدار ظل الزوال ، والمقصود أنه الوقت انظر لسان العرب باب الشين .

[119] حين أفطر الصائم. أي عند غروب الشمس .

[120] أخرجه الترمذي ك/ الصلاة ب/ ما جاء في مواقيت الصلاة ، وأبو داود ك/ الصلاة ب/ في المواقيت واللفظ له وهو في صحيح سنن الترمذي : 1/50. ورقمه:127. وصحيح سنن النسائي عن أبي هريرة :1/109. ورقمه :488 .

[121] أخرجه البخاري ك/ بدء الوحي ب/ بدء الوحي واللفظ له ، ومسلم ك/ الفضائل ب/ كان النبي أجود الناس بالخير من الريح المرسلة .

[122] انظر تفسير ابن كثير عند الآية المذكورة ، وأصل الرصد في اللغة : الاستعداد للترقب ، يقال : رصد له وترصّد وأرصدته له ، انظر المفردات في غريب القرآن مادة (رصد) .

[123] أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ "كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية ناصية كاذبة خاطئة" مختصراً ، ومسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ب/ "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" واللفظ له .

[124] أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ "إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما" ، ومسلم ك/ الفضائل ب/ في قتال جبريل وميكائيل عن النبي r يوم أحد .

[125] وهذا السحر هو من قبيل الأمراض التي تصيب البشر ولم تؤثر على تبليغه للرسالة والوحي صلى الله عليه وآله وسلم .

[126] المشاطة : ما يخرج من الشعر إذا مشط. انظر فتح الباري 10/231 .

[127] الجف : الغشاء الذي يكون على الطلع. انظر فتح الباري 10/229 ، وفي بعض الروايات وَجُبِّ .

[128] أي البئر .

[129] أخرجه البخاري ك/ الطب ب/ السحر ، ومسلم ك/ السلام ب/ السحر واللفظ له .

[130] راجع فصل بينات الرسالة "خوارق العادات" عن ذكر غزوة الأحزاب .

[131] أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ مرجع النبي من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة ، وقال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث : ووقع هذا الحديث عند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال مطولا لكن ليس فيه أنس، وأوله" كان بين بني قريطة وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد ، فلما جاءت الأحزاب نقضوه وظاهروهم. فلما هزم الله عز وجل الأحزاب تحصنوا ، فجاء جبريل ومن معه من الملائكة فقال : يا رسول الله انهض إلى بني قريظة ، فقال : إن أصحابي جهدا قال : انهض إليهم فلأضعضعنهم. قال : فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غَنم من الأنصار" .   

[132] انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير عند الآية المذكورة ، وقد أورد عدداً من الآثار تدل على تأييد الرسول وَ المؤمنين بالملائكة في تلك الغزوة .

[133] أخرجه مسلم ك/ السلام ب/ الطب والمرض والرقى ، واللفظ له ، والترمذي ك/ الجنائز ب/ ما جاء في التعوذ للمريض ، وابن ماجه ك/ الطب ب/ ما عوذ به النبي وما عوذ به .

[134] فتح القدير للشوكاني .

[135] أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ الحدث في المسجد واللفظ له ، ومسلم ك/ المساجد ومواضع الصلاة ب/ فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة .

[136] أخرجه النسائي ك/ الإمامة ب/ كيف يقوم الإمام الصفوف ، وأبو داود ك/ الصلاة ب/ تسوية الصفوف ، وأحمد في أول مسند الكوفيين من حديث البراء بن عازب وهو في صحيح سنن أبي داود للألباني 1/130 .

[137] أخرجه ابن ماجه ك/ إقامة الصلاة والسنة فيها ب/ إقامة الصفوف ، وأحمد في باقي مسند الأنصار ، وهو في صحيح سنن ابن ماجه 1/164 .

[138] أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين من حديث أبي سعيد الخدري وصحح في تحقيق المسند 17/150 وهو في صحيح الجامع للألباني 1/686 .

[139] أخرجه ابن ماجه ك/ إقامة الصلاة والسنة فيها ب/ الصلاة على النبي ، واللفظ له ، وأحمد في مسند المكيين من حديث عامر بن ربيعة وانظره في صحيح الجامع 2/1001 .

[140] أخرجه الترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في فضل الفقه على العبادة وذكره الألباني في صحيح الجامع 2/776 .

[141] أخرجه البخاري ك/ الزكاة ب/ قول الله تعالى : "فأما من أعطى واتقى…" ، ومسلم ك/ الزكاة ب/ في المنفق والممسك .

[142] خريف في الجنة: أي بستان، وهو في الأصل التمر المجتنى. انظر تحفة الأحوذي 4/38 دار الكتب العلمية– بيروت – ط1/ 1410هـ-1990م.

[143] أخرجه أبو داود ك/ الجنائز ب/ من فضل العبادة على وضوء واللفظ له ، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة ، وذكره الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/210 .

[144] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة ، ومسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ إذا أحب الله عبداً حببه إلى عباده .

[145] أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ الشعر في المسجد ، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ فضائل حسان بن ثابت.

[146] أخرجه مسلم ك/ الجنائز ب/ في إغماض الميت والدعاء له إذا حضر ، وأبو داود ك/ الجنائز ب/ تغميض الميت ، وأحمد في باقي مسند الأنصار .

[147] أخرجه مسلم ك/ الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ب/ فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ، واللفظ له ، وابن ماجه ك/ المناسك ب/ فضل دعاء الحاج .

[148] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ جهر الإمام بالتأمين ، ومسلم ك/ الصلاة ب/ التسميع والتحميد والتأمين .

[149] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ فضل التأمين ، ومسلم ك/ الصلاة ب/ التسميع والتحميد والتأمين .

[150] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ فضل اللهم ربنا ولك الحمد، ومسلم ك/ الصلاة ب/ التسميع والتحميد والتأمين.

[151] أخرجه البخاري ك/ الدعوات ب/ فضل ذكر الله عزوجل ، واللفظ له ، وأحمد في باقي مسند المكثرين .

[152] أخرجه مسلم ك/ الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ب/ فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ، وأبو داود ك/ الصلاة ب/ في ثواب قراءة القرآن ، واللفظ له ، والترمذي ك/ القراءات عن رسول الله r ب/ ما جاء أن القرآن أنزل على سبعة أحرف .

[153] أخرجه الترمذي ك/ العلم ب/ ماجاء في فضل الفقه على العبادة ، والنسائي ك/ الطهارة ب/ الوضوء من الغائط والبول ، وأبو داود ك/ العلم ب/ الحث على طلب العلم ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/342 .

[154] أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ ذكر الملائكة ، ومسلم ك/ الجمعة ب/ فضل التهجير يوم الجمعة .

[155] أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ قول الله تعالى : "تعرج الملائكة والروح إليه" ، ومسلم ك/ المساجد ومواضع الصلاة ب/ فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ، واللفظ له .

[156] أخرجه النسائي ك/ السهو ب/ السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة من حديث عبدالله بن مسعود ، والدارمي ك/ الرقاق ب/ في فضل الصلاة على النبي r ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 1/274 .

[157] انظر فتح القدير .

[158] أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه ، وأحمد في باقي مسند المكثرين من حديث جابر بن عبدالله .

[159] صحيح البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ ظل الملائكة على الشهيد .

[160] المعجم الكبير للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق حمدي عبدالمجيد لسلطي 11/309/12094 دار إحياء التراث العربي ط2 وحسن إسناده الهيثمي في المجمع 3/23 باب فيمن يجنب ثم يموت قبل أن يغسل، دار الكتاب العربي– بيروت ط3/ 1402-1982م وحسن إسناده كذلك الألباني في أحكام الجنائز ص75 .

[161] وكما في قصة الرجل الذي زار أخاً له في الله فبعث الله على مدرجته ملكاً يبشره ، ولم يكن الرجل نبياً بهذه البشرى ، مسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ في فضل الحب في الله ، وأحمد في باقي مسند المكثرين .

[162] ذكر ذلك غير واحدٍ من السلف ، كما قال الحافظ ابن كثير عند ذكر قصص الأنبياء انظر قصص الأنبياء له ص675 بتحقيق الهلالي .

[163] قصب : القصب أنابيب من جوهر انظر مختار الصحاح ص536 كلمة قصب .

[164] أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ تزويج النبي خديجة وفضلها ، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها .

[165] أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ فضل عائشة واللفظ له ، والترمذي ك/ الاستئذان والآداب ب/ ما جاء في تبليغ السلام .

[166] في سرقة : أي في قطعة من جيد الحرير. انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 2/362 دار إحياء التراث العربي– بيروت ط1/1383-1963م .

[167] أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ تزويج النبي عائشة وقدومها المدينة وبنائه بها ، واللفظ له ، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/ في فضل عائشة رضي الله عنها .

[168] أخرجه الترمذي ك/ المناقب ب/ مناقب الحسن والحسين ، وأحمد في مسند الأنصار من حديث حذيفة ابن اليمان ، واللفظ له ، وانظره في صحيح الجامع 1/77 .

[169]أخرجه الترمذي ك/ المناقب ب/ مناقب الحسن والحسين ، وأحمد في مسند الأنصار من حديث حذيفة ابن اليمان ، واللفظ له ، وانظره في صحيح الجامع 1/77 .

[170] في النسخة اليونينية من صحيح البخاري : "فسكتت" يعني الفرس ، وذلك في الموضعين من الحديث .

[171] قال ابن حجر : أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك ، وليس أمراً له بالقراءة في حالة التحديث، .. وفهم أسيد ذلك فأجاب بعذره في قطع القراءة وهو قوله (خفت أن تطأ يحيى) انظر الفتح 10/78

[172] أخرجه البخاري ك/ فضائل القرآن ب/ نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن ، واللفظ له ، ومسلم ك/ صلاة المسافرين وقصرها ب/ نزول السكينة لقراءة القرآن .

[173] أي انضغط عليه قبره ، وهي ضمة لا ينجو منها أحد ، نسأل الله السلامة .  

[174] أخرجه النسائي ك/ الجنائز ب/ ضمة القبر وضغطته وهو في صحيح سنن النسائي للألباني 2/141 ، وذكر اهتزاز العرش أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ مناقب سعد بن معاذ .

[175] السكينة : قال النووي : قد قيل في معنى : السكينة هنا أشياء ، المختار منها : أنها شيء من مخلوقات الله تعالى فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة ، والله أعلم . انظر صحيح مسلم بشرح النووي 6/323 دار المعرفة – بيروت ط1/ 1404-1994م .

[176] أخرجه البخاري ك/ المناقب ب/ علامات النبوة في الإسلام ، ومسلم ك/ صلاة المسافرين وقصرها ب/ نزول السكينة لقراءة القرآن .

[177] أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ دفن النخامة في المسجد واللفظ له ، والنسائي ك/ المساجد ب/ ذكر نهي النبي عن أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه ، وأحمد في باقي مسند المكثرين .

[178] قال النووي : قال العلماء : وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول المسجد ، وإن كان خالياً لأنه محل الملائكة ، ولعموم الأحاديث ، انظر صحيح مسلم بشرح النووي 5/52 .

[179] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث ، ومسلم ك/ المساجد ومواضع الصلاة ب/ نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوهما واللفظ له .

[180] اختلف العلماء في حكم لعن العاصي المعين على ثلاثة أقوال:- فقيل: لا يجوز بحال ، وقيل : يجوز في حق الكافر دون الفاسق وقيل : يجوز مطلقاً ، قال الحافظ ابن حجر:- والحق أن من منع اللعن أراد به معناه اللغوي ، وهو الإبعاد من الرحمة ، وهذا لا يليق أن يدعى به على مسلم بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر ، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولايلزم منه جوازه على الإطلاق انظر فتح الباري 10/369 وللاستزاده انظر موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع 1/237 .

[181] تفسير ابن كثير .

[182] القود : هو القصاص ، أي فجزاؤه قصاص ما فعلت يداه .

[183] أخرجه أبو داود ك/ الديات ب/ فيمن قتل في عميا بين قوم ، واللفظ له ، وابن ماجه ك/ الديات ب/ من حال بين ولي المقتول وبين القود أو الدية ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/867 .

[184] صحيح سنن أبي داود : 3/859 .

[185] انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود 12/262/ دار الفكر – بيروت/ ط3 .

[186] أخرجه مسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم ، واللفظ له ، والترمذي ك/ الفتن ب/ ما جاء في إشارة المسلم إلى أخيه بالسلاح .

[187] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 12/142 ، وابن أبي عاصم في السنة 2/483 ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 2/1077 .

[188] أخرجه البخاري ك/ النكاح ب/ إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها ، واللفظ له ، ومسلم ك/ النكاح ب/ تحريم امتناعها من فراش زوجها .

[189] ففي صحيح مسلم رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه ، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه ، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم ، فنظر إلى المشرك أمامه ، فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله r : فقال : "صدقت ، ذلك من مدد السماء الثالثة" ، مسلم ك/ الجهاد ب/ الإمداد بالملائكة في غزوة بدر .

[190] أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ شهود الملائكة بدراً

[191] أخرجه أحمد في المسند 4/287 ، 295-296 ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في المسألة في القبر وعذاب القبر، وأخرجه النسائي في الجنائز ب/ عذاب القبر ، وأخرجه ابن ماجه في ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في الجلوس في المقابر وب/ ذكر القبر ، والحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي ، وابن أبي شيبه في المصنف 3/54 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم : 1672 ، وصححه أبو نعيم وابن القيم وغيرهم كما ذكر ذلك الألباني في كتابه : الجنائز .

[192] تفسير القرآن العظيم .

[193] عرصات : هي ساحات عرض للخلائق يوم القيامة. قال بن الأثير : العرصات جمع عرصه وهي كل موضع واسع لا بناء فيه/ انظر النهاية في غريب الحديث 3/208 دار احياء التراث العربي .

[194] تفسير القرآن العظيم .

[195] المصدر السابق .

[196] فتح القدير للشوكاني .

[197] تفسير القرآن العظيم : 6/420 المصدر السابق .

[198] مسلم ك/ الجنة ب/ شدة حر جهنم ، وصحيح الترمذي : 4/604 برقم 2573 عن ابن مسعود .

[199] تفسير القرآن العظيم 5/179 .

[200] فتح القدير للشوكاني 5/394 .

[201] فتح القدير : 4/548 .

[202] مسلم ك/ الإيمان ب/ أنا أول الناس يشفع في الجنة .

===============================

العبادة

مقدمة :

لقد عرفنا الله بنفسه عن طريق آياته وآثار صفاته التي بثها في أنفسنا وفي صفحات الوجود ، والتي تعرفنا بأنه الحكيم الخبير العليم الرازق الرحيم الهادي الحفيظ القادر الواحد الأحد المالك السميع المجيب الذي يستحق أن تخضع له الرقاب ويذل له العباد ويسلم له الوجود طوعاً وكرهاً . كما قال تعالى ﴿... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ... ﴾ [الأعراف:54] . وقد أرسل إلينا رسولاً شهد له بصدق  الرسالة بما أيده به من البينات والمعجزات التي تقنع كل من يطلب الحق ، وبهذا العلم الذي ساقه لنا عن طريق أدوات العلم التي خلقها لنا شهد المسلم شهادة الحق المستندة إلى الأدلة البينة والحجج القاطعة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .ولقد جاءنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ببيان لنا من خالقنا يبين لنا حكمة وجودنا على هذه الأرض، وغاية خلقنا ومستقبلنا الذي نسير إليه ، وبين لنا مراد ربنا الذي يجب علينا أن نقوم به. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)﴾ [الذاريات:56] .

فالغاية إذن من خلقنا ووجودنا هي تحقيق العبادة لله وحده لا شريك له ، والتي بها يتحقق لنا الفوز والسعادة في هذه الحياة التي نعيش فيها وفي حياةٍ أبديةٍ في جنةٍ عرضها السموات والأرض لا يهددها الموت ، ويتحقق لنا فيها ما تشتهيه أنفسنا كما قال تعالى: ﴿... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(71)﴾ [الزخرف:71].أما من أبى أن يعبد ربه وكفر به وغرته الحياة الدنيا فقد أعد الله له عذاباً شديداً كما قال تعالى: ﴿...  إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [غافر:60] .فما هي العبادة ، وما حقيقتها وما شروطها ، هذا ما سننظر إليه فيما يأتي.

تعريف العبادة :

أ- العبادة في اللغة : هي الطاعة[1] ، يقالُ :- عبدالله عبادةً وعبودية أي : انقاد له وخضع وذلّ[2] ، والتعبد التأله[3] ، وأصل العبودية :- الخضوع والتذلل[4]، ويقال في اللغة :- طريق معبد أي مسلوك مذلل ذللته الأقدام بالسير عليه.[5]

قال الراغب الأصفهاني :- العبودية : إظهار التذلل ، والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى.[6]

ب- العبادة في القرآن :

  العبادة في القرآن تأتي بمعنى التأليه لله عزوجل كما قال تعالى : ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32)﴾ [المؤمنون:32]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾ [الأنبياء:25] وتأتي بمعنى الخضوع والذل كما جاء في قوله تعالى : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ ...﴾ [النحل:75] فالعبودية للعبد المملوك تعنى خضوعه وتذللـه وعجزه أمام سيده ، وكما في قوله تعالى في ذكر قصة فرعون : ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22)﴾ [الشعراء:22] وقد تحقق استعباد فرعون لبني إسرائيل بإخضاعهم وإذلالهم.

  وتأتي بمعنى الطاعة في التحليل والتحريم كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31)﴾ [التوبة:31] .وقد استغرب عدى بن حاتم رضي الله عنه حين سمع هذه الآية – وقد كان نصرانياً قبل إسلامه وقال: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم ! فقال له النبي r:

أليس يحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه ، ويحلون ما حّرم الله فتحلونه ؟

قال قلت : بلى ! قال : فتلك عبادتهم[7] .وقال عبدالله بن عباس في هذه الآية :-لم يأمروهم أن يسجدوا لهم ، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم فسماهم الله بذلك أربابا[8]

* وتأتي العبادة بمعنى الدعاء والاستغاثة تعظيماً لله وتوكلاً عليه ، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [غافر:60].

ولذا قال النبي r"الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ" ثم قرأ الآية المذكورة.[9]

ومما سبق يتبين لنا أن القرآن استعمل العبادة بمعنى التأليه والدعاء تضرعاً وخيفة والخضوع والذل والطاعة في الأمر والنهي .

ج- العبادة في أقوال العلماء :

عبر العلماء – رحمهم الله – عن العبادة وحقيقتها بأقوال متحدة المعنى ، وإن اختلفت الألفاظ[10]، منها :-

1-     قول المناوي العبادة هي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه .

2-  وقال القرطبي :-أصل العبادة التذلل والخضوع،وسميت وظائف الشرع عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى .

3-     وقال ابن القيم :- العبادة تجمع أصلين : غاية الحب وغاية الذل والخضوع.

4-   وقال الحافظ ابن كثير:- وعبادته هي طاعته بفعل المأمور وترك المحذور وذلك هو حقيقة الدين الإسلامي ، لأن معنى الإسلام الاستسلام لله تعالى المتضمن غاية الانقياد والذل والخضوع .

5-   وقيل : العبادة :الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض ،ولذلك اختصت بالرب .

6-    وقيل العبادة : اسم يجمع كمال الحب لله ونهايته ، وكمال الذل لله ونهايته .

7-    وقال ابن تيمية : العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة الرسل.

ومما سبق يتبين لنا أن العبادة تأتي بمعنى : التأليه والدعاء والخضوع والتذلل والطاعة لله .

وقد عرفها ابن تيمية بقوله :- العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة .[11]

 أهمية العبادة وحاجة العباد إليها

 إن المخلوق محتاجُُ أشد الاحتياج إلى خالقه وبارئه سبحانه ،بل كلُّ خلية من خلاياه هي في غاية الافتقار إلى الله الخالق البارئ جل وعلا .

ومن هنا يظهر لنا أن حاجة الناس إلى العبادة ضرورية ، بل هي فوق حاجتهم إلى كل شيء.

وتتبين أهمية العبادة فيما يأتي :

أ- بالعبادة يحقق الإنسان الكمال الذي خلق من أجله ، والهدف والحكمة والغاية التي من أجلها وجد. قال سبحانه ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)﴾ [الذاريات:56] .

قال ابن تيمية رحمه الله :- كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله ، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته. وقال أيضاً : "فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم : أتمهم عبودية لله".[12]

ب- وبدون العبادة يعيش الإنسان في هذه الحياة كالحيوان تافه الأهداف لاهدف له إلا التمتع بالطعام والشراب واللذائذ الفانية ، وحينئذ يصبح من الخاسرين. قال تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ(12)﴾ [محمد:12].

ج- وبالعبادة بأنواعها المختلفة تطهر النفس وتتزكى وتسمو ويرتاح البال وينشرح الصدر ويستيقظ الضمير فيعيش الإنسان في سعادة دائمة وحياة طيبة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)﴾ [النحل:97]. وبدون العبادة تظلم النفس ويضيق الصدر ويعيش الإنسان في قلق دائم وشقاء مستمر وإن توفرت له أسباب الحياة المادية ، قال تعالى :﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)﴾ [طه:124].

د- وبالعبادة ينجو الإنسان من سخط الله وغضبه وعذابه في الدنيا والآخرة ويستحق الخلود في الجنة دار النعيم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا(63)﴾ [مريم:63] وبدون العبادة ينال العقوبة في دار الجزاء الآخرة. قال تعالى: ﴿...  إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [غافر:60] .

هـ- وبعبادة الله سبحانه والخضوع له والذل له سبحانه يتحرر الإنسان من العبادة للمخلوقين، فيصبح عزيزاً كريماً لا يذل ولا يخضع ولا يخشى غير الله سبحانه ، وفي هذا تحرر وسعادة للنفس لا تدانيها سعادة .

و- والعبادة غذاء الروح ودواءه ومادة حياته ، ولذا ينبغي أن تشمل جميع تصرفات حياة الإنسان. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)﴾ [الأنعام:162-163] .

ويطالب العبد بها طوال حياته، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)﴾ [الحجر:99] .

فالعبادة حق الله على العباد ، وهم المستفيدون منها لحاجتهم إليها ، أما الله سبحانه فهو الغني، ولذا قال سبحانه كما في الحديث القدسي:-(يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ منكم مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا).[13] وقال موسى عليه السلام لقومه كما حكى الله عنه : ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ(8)﴾ [إبراهيم:8].إن الإنسان مهما فقد من متاع الحياة الدنيا ، فلن يتضرر كما يتضرر بترك عبادة الله سبحانه. إن غاية ما يحصل له بعدم الطعام والشراب مثلاً هو الموت والفناء ، أما ترك عبادة الله سبحانه ، فتركها يعني الشقاء والخسارة الدائمة في الدنيا والآخرة .قال تعالى: ﴿... قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(15)لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِي(16)﴾ [الزمر :15-16].

 شمول العبادة لكل جوانب الحياة

 إن هدى الله يشمل كل جوانب الحياة ، كما قال تعالى : ﴿... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(89)﴾ [النحل:89] وكذلك العبادة لله والتي تكون باتباع الهدى يجب أن تكون شاملة لكل جوانب الحياة ، كما فهم ذلك الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان بأن العبادة تشمل أنواع الطاعة لله كلها فلم يحصروها فقط داخل فرائض العبادة ، بل كان نهجهم أن حياتهم كلها عبادة، وأن الشعائر المفروضة إنما هي لحظات مركزة يؤدي فيها المؤمن ما فرضه الله عليه ، ويرتاح فيها لمناجاة ربه ويتزود الإنسان فيها بالطاقة الإيمانية التي تعينه على أداء بقية العبادة المطلوبة منه. فالصلاة والنسك عبادة ، والكدحُ عبادة سواءً كان كدحاً سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو فكريا أو علمياً، ما دام يقصد بذلك كله وجه الله وفي حدود شرعه ، بل إن كل عمل مباح يصير عبادة يثاب عليها الإنسان إذا أقترن بالنية الصالحة التي تجعل الاستفادة من العمل المباح وسيلة للتقوى والاستعانة على عبادة الله ، كما قرر ذلك العلماء.[14]وعلى هذا فحتى الترويح عن القلوب في حدود الشرع وضوابطه بحيث لا تكل ولا تمل إذا قصد به الاستعانة على الطاعة والاتباع للرسول rالذي كان يتلطف بأهله ويدخل السرور عليهم يصبح عبادة وطاعة ، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : "وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ".[15]

وقد قرر العلماء أن كل قول أو فعلٍ أو إرادة أو هم، قصد به وجه الله وتبع فيه شرعه عبادة ينال العبد ثوابها عنده سبحانه وتعالى .وهكذا تكون الحياة كلها عبادة تشمل نشاط الروح كله ونشاط العقل كله ونشاط الجسد كله ما دام هذا كله متوجها به إلى الله وملتزما فيه بما أنزل الله سبحانه وتعالى[16] .

وبذلك لايزال الإنسان في عبادة لربه حتى يخرج من الدنيا ، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(99)﴾ [الحجر:99].

استحقاق الله وحده للعبادة

العبادة حق لله وحده :

لقد بين الله لعباده أنه هو الذي يستحق العبادة وحده ، وحذرهم من أن يتخذوا له أنداداً وأن يعبدوا غيره ، وقد عرض القرآن هذه القضية عرضاً بديعاً بحجج واضحة جلية ، وخطاب يقنع العقل والعاطفة ، ويزري بمن يعبد غير الله أو يصرف جزءاً من العبادة لغيره سبحانه. وهذه بعض نماذج الخطاب القرآني وحججه .

1- الله الخالق وحده :

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)﴾ [البقرة:21].

تبين الآية أن الله استحق العبادة لأنه الرب الذي ربّى الإنسان وأنشأه من نطفة وصوره وأكمل أجهزته وأحسن خلقه وهيأ له ما يحتاج إليه في كل طور من أطواره ، ولأنه الذي خلقه من العدم وخلق آباءه الذين جاء من نسلهم ، وهو المتصرف به بداءً ومعاداً على الصفة على أراد وفي الزمن الذي أراد وفي البلد الذي أراد ومن الأبوين الذين اختارهما ومن الجنس الذي قدر ذكراً أو أنثى وهو الذي يحاسبه ، فرضاه عنه واتقاء سخطه هو الغاية التي يجب أن تقصد ﴿...  لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

* ويستحق العبادة لأنه الذي أقرّ لكم هذه الأرض وجعلها مناسبةً لحياتكم عليها فجعلها مكاناً مناسباً لبقائكم كمناسبة الفراش لمن يجلس عليه[17] .

* ويستحق العبادة لأنه الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض ، فجعلها بناءً متماسكاً وسقفاً محفوظاً ، ولولا ذلك لتحطمت الأرض ومن عليها باصطدام جرم من أجرام السماء بها .

* ويستحق العبادة لأنه الذي أوجد الماء الذي تقوم به الحياة وبدونه تنعدم ويسوقه إلى المحتاجين إليه من بني الإنسان وكذا الحيوانات والنباتات في أواسط القارات. وقد صفاه سبحانه من الملح الذي كان مختلطاً به ، وأنزله قطرات دقيقة لا تحطم زرعاً ولا تهدم بناءً ولكنها تجري بعد ذلك سيولاً وأنهاراً. ولولا الماء الذي يسوقه للناس لانعدمت الحياة ، وقضي على كل حضارة لبني الإنسان[18] .

إن عبادة الله وحده وعدم الإشراك به هو حق الله على عباده ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه : (يَا مُعَاذُ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ قَالَ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، قَالَ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ : لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا.)[19]وقال تعالى : ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(102)﴾ [الأنعام:102] .وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ.)[20]

2- إنه الله الرازق وحده :

ويستحق العبادة لأنه الذي يخلق الرزق لكم من النباتات في مصانعها الخضراء الفريدة التي تصنع الطعام للإنسان والحيوان والنبات بقدرة الله وإرادته وتخزنه ، في صورة ثمار متنوعة الأحجام والأشكال والألوان والطعوم والروائح.[21]

وخلق لك جهازاً هضمياً مهيئاً لهضم هذه الثمار وتحويلها إلى مادة مناسبة ليستفيد منها الجسم فينمو به عظمه ولحمه ودمه وتتغذى به سائر خلاياه. وبالطاقة المخزونة تعمل أجهزة الجسم ويمارس الإنسان بها جميع أنشطته الحيوية ، ولولا ذلك لما نبت لحم أو عظم ولا تحرك إنسان من مكان إلى آخر.

فكيف يُجعل لله ند في العبادة من الأوثان والأصنام والطواغيت الحجرية والبشرية وغيرها ولم يشاركه أحد في الخلق .

﴿...  فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)﴾ [البقرة:22].

وعندما علم الإنسان أن جميع أنواع الطعام التي يعيش عليها هو وكذلك الحيوان والنبات إنما تصنع بقدرة الله وحده في المصانع الخضراء في النبات وحاول أن يصنع طعاماً كما تصنع المصانع الخضراء (البلاستيدات الخضراء) باءت جميع محاولاته بالفشل ، وعلم من يبحث عن الحق أن الله هو الرزاق وحده .قال تعالى : ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(17)﴾ [العنكبوت:17] .

وقال تعالى : ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ(73)﴾ [النحل:73] وقد عرف الإنسان أن جميع أنواع الرزق من صنع الله وحده .
قال تعالى :
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ(3)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4)﴾ [قريش:3-4] .

3- الضر والنفع ملك لله وحده :

قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(76)﴾ [المائدة:76] ، إن كل ما في الكون من أسباب نفع فهي من خلق الله سبحانه وتقديره كالحياة وأسبابها والنعم بصورها ، وكل ما في الكون من أسباب ضر هي كذلك من خلقه وتقديره كالموت وأسبابه والنقم والمصائب وأشكالها .

ويعطى الله الأمم والجماعات من صور النفع والضر وفق حكمته وتقديره فيفتح عليهم من أبواب الهدى والعلم والرزق والصحة والأمن وسائر النعم كما يشاء أو يأخذهم بأنواع النقم والمصائب كالزلازل والعواصف والطوفان والفيضانات والأوبئة والفتن والفقر والحروب وجور السلطان وفق مشيئته وحكمته. قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2)﴾ [فاطر:2] وقال تعالى : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(107)﴾ [يونس:107]وقال تعالى يحكي خطاب إبراهيم عليه السلام لأبيه : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا(42)﴾ [مريم:42] .

فكل ضر أو نفع إنما يجري وفق سنن قدر الله فيها الضر والنفع فهي تجري كما قدر لها ، وإذا شاء أن يمنع الضر والنفع المقدر في السنن فلا يقيد إرادته شيء وترى المقدمات قد أسفرت عن غير ما كان يتوقع الإنسان من سير الأمور ، وفي كل حال لا يكون إلا ما قدره الله ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( … وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).[22]

4- الله رب السموات والأرض والمدبر لأمر هذا الكون وحده :

فهو الذي خلقها من العدم إشعاعات ثم جسيمات ثم ذرات فصيرها دخاناً ، وصير الدخان مجرات تشتمل على مليارات النجوم والكواكب ، وأجراها في مدارات محكمة وسيرها بسرعاتٍ مقدرة ووزنها بموازين متقنة ، وكوّن الأرض فسطحها وأخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ، وأنبت فيها أزواجاً وبث فيها من كل دابة وأقرها لحياة ما عليها ، وغلفها بهواء تقوم عليه الحياة وحفظها من أخطار الكون ، فاستحق لذلك أن يعبد وحده لا شريك له .

قال تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)﴾ [يونس:3] .

ويبين القرآن الكريم أن الذي يستحق العبادة هو الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يدبر الأمر في الكون كله نجومه وكواكبه وبث في الأرض والسماء المخلوقات ، وهو الذي يرجع إليه أمر كل شيء خلقاً وتقديراً وتدبيراً فمنه بداية كل شيء وإليه المآب. قال تعالى : ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾ [هود:123]

وقال تعالى : ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65)﴾ [مريم:65] .

5- الله الذي يملك الموت والحياة :

قال تعالى : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(104)﴾ [يونس:104] .

الموت هو إنهاء وإفناء لهذه الحياة الدنيا ومصادرة وإلغاء لكل مقوماتها وأسبابها.

والحياة انتقال من عالم الموات إلى عالم الحياة بكل ما فيها من أنشطة حيوية نمواً وتغذية وإحساساً وتكاثراً وحركة وفكراً وإبداعاً وتمتعاً .

ومن يملك الموت والحياة وأسبابهما هو الذي يستحق أن يعبد وأن تتعلق به القلوب خوفاً ورجاءً ومحبة ، وهو الذي يستحق أن تخضع له الرقاب وتنحني له الجباه ويطاع في كل أمر ، قال تعالى : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(28)﴾ [البقرة:28] فالذي يقهر العباد بالموت ويكتب لهم الحياة هو الملك الحق الذي إليه المآب ، وعليه الحساب فهو الذي يستحق العبادة والخضوع له وحده .

6- الله المتفرد في الملك لكل ما في الوجود

مالك الشيء هو القادر على التصرف فيما يملك دون منازع ، ونحن نرى الكون مملكة واحدة يخضع لنظام واحد وتصرف واحد ، ونرى وحدة وتكاملاً وتناسقاً في أنظمة الكون التي تُصرف بها المخلوقات في الأرض والسماء من الذرة إلى المجرة .

فالذي خضع الكون لأمره ، واستجابت النجوم والكواكب والأفلاك لتدبيره وتقديره، واستسلمت الذرات والمركبات والمواد لتصريفه هو الملك الحق الذي يستحق أن يعبد وأن يستسلم لأمره دون تردد ، وأن تعظمه القلوب وتجله وتكبره وتسبحه وتدعوه خوفاً وطمعاً

وليس له سبحانه منازع في هذا الكون أو مشارك في تصريف الوجود يستحق أن يصرف له شيء من العبادة ، فهو الله الملك الحق الذي استحق أن يُعبد وحده لا شريك له. قال تعالى : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)﴾ [سبأ:22] .

وقال تعالى : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [فاطر:13-14].

7- الله صاحب الكمال والجلال والعظمة والكبرياء والعلو :

ومن يتأمل في آفاق الكون الواسعة وحدوده الممتدة بما لا يقدر الإنسان على الإحاطة به، يشعر بعظمة هذا الكون الدالة على عظمة خالقه سبحانه. والتأمل في أنظمته البديعة ومخلوقاته العظيمة ، وما يزخر به من آيات الجلال والكمال والقوة الدالة على جلال خالقه وكماله وقوته وعظمته وعظيم نعمه ، يجعل القلب معلقاً بالله صاحب هذا الجلال والكمال والعظمة والعلو والكبرياء فينفعل بذلك القلب والوجدان مخبتاً بين يدي ربه مردداً قوله سبحانه  ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(78)﴾ [الرحمن:78] وقوله : ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى(1)﴾ [الأعلى:1] مقراً بقوله سبحانه : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(62)﴾ [الحج:62].

8- الله الذي يثيب عباده بالجنة ويعاقب الكافرين بعذاب النار :

وإن هذه الحياة مهما طالت أيامها فالموت قادم يكتب نهايتها ، ومهما تملك فيها الإنسان فيستخلى عنه ويخرج من الدنيا كما دخل إليها ، فهي دار فناء وغرور تنكشف حقيقتها مع لحظات الموت وحشرجته ، يوم أن يفارق الإنسان كل حبيب كان يحرص على البقاء معه .ويعلم الإنسان عندئذ أنه منتقل إلى دار الحياة الأبدية التي لا يهددها موت ولا انقطاع ، والإنسان فيها إن كان ممن عبد الله حق عبادته فهو صاحب الفوز العظيم بنعيم مقيم مع الخالدين في جنات النعيم. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا(63)﴾ [مريم:63] ، وإن كان ممن ترك عبادة الله أو أشرك معه غيره في عبادته فهو في سواء الجحيم وفي العذاب الأليم. قال تعالى: ﴿... إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [غافر:60]. وقال سبحانه : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22)مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)﴾ [الصافات:22-23] .

فكيف لا يحرص عاقل على عبادة ربه وهي الموصلة إلى الجنة دار المتقين ، وتضييعها يدخل صاحبه في جهنم دار الجحيم .

أنواع العبادة

العبادة طوعاً وكرهاً :

إن الله الملك المتصرف في الوجود قد أخضع من في الكون لأمره وقهرهم بسلطانه كما قال تعالى:﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ... ﴾ [الأنعام:18].وجعلهم مستسلمين لأمره طوعاً وكرهاً كما قال تعالى : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83)﴾ [آل عمران:83] .كما جعلهم وظلالهم يسجدون له طوعاً وكرهاً بالغدو والآصال[23] قال تعالى : ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(15)﴾ [الرعد:15].وشاء الله أن يبتلي عباده بالعبادة الاختيارية التي يمارسونها بإرادتهم وهي الغاية التي من أجلها خلقهم ، كما قال تعالى : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِي(56)﴾ [الذاريات:56] ، وأرسل رسله لبيان أوامره ونواهيه التي طلب من العباد أن يلتزموا بها. وهذه العبادة أنواع ، فكما أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان تمارسه الجوارح، فالعبادة كذلك منها ما هو قلبي ومنها ما يتعلق باللسان ، ومنها ما يتعلق بالجوارح .

العبادة القلبية :

لقد خلق الله القلب الذي بتوقفه أو انعدامه تنقطع الحياة ،وأناط به عبادات منها ما هو واجب مأمور به ،ومنها ما هو حرام منهي عنه .

أ) العبادات القلبية الواجبة :

للقلب عبادات كثيرة أهمها الإخلاص والتصديق. قال تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ [البينة:5] .

وقال سبحانه عن المؤمنين الصادقين  ﴿... أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ ...﴾ [المجادلة:22].والإخبات لله سبحانه ، قال تعالى : ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ... ﴾ [الحج:54].والخشية من الله سبحانه والوجل منه ، كما قال تعالى: ﴿... فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي ...﴾[المائدة:44]. وقال سبحانه في صفة المؤمنين الصادقين ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ...﴾ [الحج:35] .والتوكل : وهو اعتماد القلب على الله سبحانه في تصريف الأمور ، قال تعالى ﴿...فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ...﴾ [هود:123].ومحبة الله سبحانه ، كما قال تعالى: ﴿... وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ...﴾ [البقرة:165].والصبر، كما قال تعالى:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ... ﴾ [آل عمران:200].

والصبر ثلاثة أنواع : صبر على طاعة الله حتى يؤديها ، وصبر عن معصية الله فلا يقع فيها وصبر على المصائب التي تقع على العبد .

والخوف منه سبحانه. قال تعالى : ﴿... فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾ [آل عمران:175] والإنابة إليه سبحانه وهي الرجوع إليه في كل وقت توبة وإخلاصاً ومحبة ، كما قال سبحانه : ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ...﴾ [الزمر:54].والرجاء وهو الثقة والاستبشار والانتظار لفضل الرب سبحانه وجوده وكرمه. قال سبحانه : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)﴾ [الأحزاب:21].والرغبة إليه والرهبة منه والخشوع له سبحانه ، كما قال تعالى  ﴿... إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ(90)﴾ [الأنبياء:90] .

إلى غير ذلك من أنواع عباداته.[24]

ب) المحرمات القلبية :

وهناك محرمات قلبية نهى الله سبحانه عنها مثل النفاق وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر في القلب. قال سبحانه ﴿... إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا(140)﴾ [النساء:140].والغفلة وهي اشتغال القلب بمتاع الحياة الدنيا عن عبادة الله كما قال سبحانه مخاطباً نبيه ومنبهاً من وراءه من المؤمنين ﴿... وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205)﴾ [الأعراف:205] .وقال سبحانه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7)أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)﴾[يونس:7-8].والكبر وهو رد الحق واحتقار الناس، قال سبحانه ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ...﴾ [الأعراف:146] وقال سبحانه  ﴿...إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ(23)﴾ [النحل:23].وقال سبحانه : ﴿... وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا(172)﴾ [النساء:172].وقال النبي r:- "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مِثْقَال ذرة من كِبْر".[25] والرياء ، كما ذم سبحانه المرائين فقال ﴿وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ...﴾ [النساء:38] وفي الحديث: (من رَاءى رَاءى الله به ومن سَمَّع سمَّع الله به)[26] .

والعجب والفخر بالنفس والخيلاء كما قال تعالى : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا(37)﴾ [الإسراء:37].

وقال سبحانه ﴿...إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ(18)﴾ [لقمان:18].والحسد ، كما ذم سبحانه أهل الكتاب لحسدهم قال تعالى :﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ...﴾ [البقرة:109]وأمر سبحانه بالاستعاذة من شر الحاسد. قال سبحانه  ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)﴾ [الفلق:5].والقنوط وهو اليأس من رحمة الله قال سبحانه ﴿... لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ...﴾ [الزمر:53] وقال ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ(56)﴾ [الحجر:56] .والحزن والغم بانتصار الإسلام والمسلمين ، والسرور والفرح بمصائبهم ، كما هو حال المنافقين. قال سبحانه ﴿تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ...﴾ [آل عمران:120] .وشهوة المحرمات وتمنيها وهي الممرضة للقلب كما قال تعالى ﴿... فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ...﴾ [الأحزاب:32].

العبادات القولية :

خلق الله اللسان واتقن تركيبه ، وجعله مبيناً لما في النفس ، ولو شاء لجعله أخرساً لا يبين ، وكما أخضع عملية النطق باللسان لأقداره الحكيمة ، فقد علق بها عبادات قولية .

فمما أوجبه الله سبحانه وتعالى من العبادات القولية : النطق بكلمة الحق التي بها سعادة الدنيا والآخرة وهي : بالشهادتين وتلاوة ما تلزمه تلاوته من القرآن وهو ما تتوقف صحة صلاته عليه، وتلفظه بالأذكار الواجبة في الصلاة التي أمر الله بها ورسوله ، ومن واجبه رد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيان الحق والهدى وإظهار العلم وتعليم الجاهل وإرشاد الضال ، وأداء الشهادة المتعينة، وصدق الحديث وغيرها .

ومن مستحبات العبادة القولية : تلاوة القرآن ودوام ذكر الله تعالى والمذاكرة في العلم النافع وتوابع ذلك .

ومن المحرمات القولية : النطق بكل ما يبغضه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كالنطق بالشرك والكفر والنفاق ، وقذف المسلم وإيذائه بكل قول، والكذب، وشهادة الزور والقول على الله بلا علم ونحو ذلك .

ومن المكروهات القولية : كثرة الكلام بغير ذكر الله ، وما لا فائدة فيه من الكلام .

عبادات الجوارح :

كما جعل الله للقلب واللسان عبادات تطهرهما وتزكيهما فقد جعل أيضاً لكل جارحة عبادة تحصل بها طهارتها وزكاتها ، ومن ذلك :

1) العبادة المتعلقة بالسمع :

خلق الله للإنسان جهاز السمع وهو لا يزال جنيناً في بطن أمه ، لأنه يريد له أن يكون سميعاً عند مغادرته رحم أمه فيسمع الأصوات ويفهم اللغات ، ولو شاء لجعله أصماً ولعجز كل من في الأرض أن يهبوا له سمعاً. قال تعالى : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ(46)﴾ [الأنعام:46] وكما يسر الله للإنسان آلة السمع بخلقه وقدره ، فقد علق بها عبادات تكون سبباً لفوزه ونجاته :

فمن الواجب في ذلك الاستماع لما أوجبه الله سبحانه أو رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الاستماع لهدى الإسلام والإيمان وفروضهما التي لا تتم سعادة العبد إلا بها ، وكالاستماع للقراءة في الصلاة ، والاستماع لخطبة الجمعة ونحو ذلك .

ومن المحرمات في ذلك :- الاستماع للكفر وللنفاق والبدعة على وجه القبول والموافقة ، والاستماع لأصوات النساء الأجانب على وجه الشهوة والتلذذ ، وكذلك الاستماع للمعازف المحرمة وآلات اللهو الباطل ، ونحو ذلك من أي استماع يؤدي إلى المعصية .

ومن المستحب في ذلك :- الاستماع للمستحب من العلم ، وقراءة القرآن وذكر الله ، ونحو ذلك من الاستماع لكل ما يحبه الله وليس بواجب .

ومن المكروه في ذلك :- الاستماع لما لا فائدة في الاستماع له .

2) العبادة المتعلقة بالبصر

خلق الله للإنسان جهازاً بصرياً بديعاً محكماً وهو لايزال في ظلمات الرحم ، ليكشف له به ما حوله ، ويرى به طريقه ويوجه به عمله عند مفارقة ذلك الرحم ولو شاء جعله أعمى، ولعجز كل من في الأرض أن يمنحوه بصراً. قال تعالى :﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(78)﴾ [النحل:78] وجعل الله شكر هذه النعمة معلقاً بعبادات يؤدي العبد بها حق هذه النعمة الكبرى ، وتتمثل عبادة البصر في واجبات ينبغي أداؤها وحرمات ينبغي اجتنابها ، ومستحبات ومكروهات .

فمن الواجبات النظر إلى ما أوجب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كالنظر إلى آيات الله المشاهدة في الكون ليستدل بها على توحيده وحكمته، وكالنظر في المصحف وكتب العلم ، والنظر لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها أو ينفقها أو يستمتع بها .

ومن المحرمات : النظر إلى ما حرم الله ورسوله النظر إليه مثل النظر إلى النساء الأجنبيات والنظر إلى العورات وكل من تخشى الفتنة بالنظر إليه ، ويدخل في ذلك تحريم النظر في المنشورات الخليعة ووسائل الإعلام الهدامة ، وكذلك النظر في كتب ومنشورات الكفر والإلحاد والاطلاع عليها على وجه القبول والموافقة ، ونحو ذلك .

ومن المستحبات : كل نظر يزداد به المؤمن إيماناً وعلماً ، كالنظر في المصحف وفي آيات الله المشهودة ، وكتب العلم المختلفة ونحو ذلك .

ومن المكروهات : فضول النظر، وهو كل نظر لا مصلحة فيه ولافائدة من ورائه.

3) العبادة المتعلقة بالذوق والطعم :

فمن الواجب في ذلك : الأكل والشرب مما أذن الله فيه ، لتبقى النفس لتؤدي الوظيفة التي خلقت من أجلها ، ومن ذلك تناول الدواء إذا تعين للنجاة من الهلاك.

والذوق الحرام : وهو تناول كل ما حرّمه الله ورسوله ، كالميتة والدم والخنزير وشرب المسكرات والسموم القاتلة ، والأكل والشرب في نهار رمضان بلا عذر، وأكل الأموال المحّرمة ، ونحو ذلك .

والمستحب :- مثل تناول ما يزيد في قوتك على طاعة الله تعالى من الطيبات ، ومع الضيف .

والمكروه منه :- كذوق المشتبهات ، والأكل فوق الحاجة ، وأكل أطعمة المتبارين[27] ونحو ذلك .

4) العبادة المتعلقة بالشم :

فيجب منها شم التمييز بين الحلال والحرام ، والخبيث والطيب وما يملك الانتفاع به وما لا يملك ونحو ذلك .

ويحرم منه مثل : تعمد شم الطيب من النساء الأجنبيات للفتنة .

والمستحب : شمّ كل ما أعان على طاعة الله ، وبسط النفس للعلم والعمل .

5) العبادة المتعلقة باليد :

فالواجب منها : كالجهاد في سبيل الله ، وما يتعلق بالعبادة الواجبة كالوضوء والتيمم ورمي الجمار، والتكسب المقدور للنفقة على النفس والأهل والعيال ، وإعانة المضطر ونحو ذلك .

والمحرم من ذلك مثل:- قتل النفس المحّرمة ، ولمس الأجنبية ، والسرقة ، وإيذاء من لا يحل إيذاؤه ، وكتابة شهادة الزور والظلم والحكم الجائر ، وكتابة الكفر والإلحاد والبدعة والفجور وكل ما يضر بالإسلام والمسلمين في دينهم أو دنياهم ، وكتابة الفتوى التي تخالف حكم الله ورسوله مع العلم بذلك ، ونحو ذلك.

والمستحب : عمل كل ما فيه منفعة في الدين أو الدنيا مثل كتابة ما فيه منفعة في الدين أو مصلحة للنفس أو للآخرين .

والمكروه :- كل عمل لا منفعة فيه ولا فائدة من ورائه .

6) العبادة المتعلقة بالقدم :

الواجب منها :- المشي إلى ما أوجبه الله كالجمعة والجماعة والحج وصلة الرحم، وطلب العلم والجهاد في سبيل الله ، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه .

والمحرم من ذلك :- المشي إلى كل معصية لله .

والمستحب :- المشي إلى كل طاعة مستحبة .

المكروه :- كل مالا مصلحة فيه ولا منفعة ، وما تركه خير من فعله.[28]

شروط قبول العبادة من العباد

إن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من عباده أي عبادة ما لم يلتزم صاحبها بالشروط الآتية :-

1) الإيمان : لا يقبل الله أي عمل إلا إذا كان صاحبه مؤمناً ، ولذا لا يثيب الله الكافر على ما عمل لأنه لم يقصد بعمله وجه ربه.[29]

قال تعالى : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا(23)﴾ [الفرقان:23] وقال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ(39)﴾ [النور:39] .

2) الإخلاص : فلا يقبل الله العبادة من أحد إلا إذا كانت خالصة له سبحانه .

قال تعالى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ [البينة:5].وقال تعالى : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(11)﴾ [الزمر:11].

وقال النبي r: (إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى …)[30] وقال r: [قال الله تبارك وتعالى : (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ.)[31] وقال r: (إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ).[32]

وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى : ﴿...لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا...﴾ [الملك:2] أخلصه وأصوبه ، فإنه إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل ، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل ، حتى يكون خالصاً وصواباً ، والخالص أن يكون لله والصواب إذا كان على السنة.[33]

فالعبادة ليست شكلاً يتعلق بالمظهر ، ولا رسماً يتصل بالجسد فحسب ، ولكنها مع ذلك عمل قلبي وإخلاص ينبع منه ، لذلك كان الإخلاص شرطاً للقبول .

3) الإتباع للكتاب والسنة :

إن العبادة المقبولة هي التي تكون موافقة لما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ربه ، لأن العبادة لله لا تكون صحيحة مقبولة إلا بالامتثال لمراده المبين في الكتاب والسنة ، ومن عبده بما لم يشرعه فعبادته مردودة لأنه لم يمتثل لأمر ربه ، وإنما امتثل لهوى نفسه أو هوى غيره. قال تعالى : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18)إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا...﴾ [الجاثية:18-19] .

وقال رسول الله r: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)[34] وكان النبي rيقول في خطبة الحاجة : [خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وكل بدعة ضلالة.][35]

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : "اللهم أجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً ، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".[36]

قال ابن تيمية :- دين الإسلام مبني على أصلين :

أحدهما : ألا نعبد إلا الله .

والثاني : أن لانعبده إلا بما شرع[37] .

والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كان العمل موافقاً للشريعة ووفقاً للأمور الستة الآتية:-

1- السبب :

إذا شرع الله عبادة مقرونة بسبب فلا تصح بغير سببها ، مثل صلاة الكسوف في غير الكسوف ، ولا يصح ابتداع سبب غير مشروع لممارسة أي عبادة  مثل : أن يجعل خروج الجنازة من المنزل سبباً للتقرب إلى الله بالذبح .ومثل أن يجعل وداع المسافر سبباً للأذان .فالذبح عبادة ، والأذان عبادة ، ولكنهما لما قرنا بسبب غير مشروع أصبحا بدعة .

2- جنس العبادة :

ومن شروط قبول العبادة أن تكون جنساً مشروعاً ، فلو تعبد إنسان لله سبحانه وتعالى بعبادةٍ لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة منه ، كمن ضحى بفرس فلا تقبل منه هذه الأضحية وإن كان الفرس أغلى من البقر والإبل لأنه خالف الشريعة في الجنس .

3- القدر :

لقد حد الشارع لكل عبادة حداً لا تتجاوزه ولا تنقص عنه ، فلو أن رجلاً زاد في صلاة الفريضة ركعةً مثلاً بقصد القربة إلى الله فهذا العمل مبطل للعبادة مخالف للشرع بالاتفاق .

4- الكيفية :

شرع الله لكل عبادةٍ كيفيةً خاصة بها ، فمن خالفها فقد ابتدع في دين الله فلا تقبل منه هذه العبادة ، كمن بدأ الصلاة بالتشهد .

5- الزمن :

جعل الله لبعض العبادات أزمنةً محددة لا يصح مخالفتها تقديماً أو تأخيراً بإحداث زمن غير الذي حدده الشرع. كمن حجّ في غير أشهر الحج ، وكمن ضحى في أول أيام ذى الحجة فلا تقبل أضحيته لأنه أداها في غير وقتها.

6- المكان :

ربط الشارع بعض العبادات بأمكنةٍ خاصةٍ بها مثل الحج والطواف والاعتكاف، فمن ابتدع مكاناً خصه بأداء عبادة من تلقاء نفسه فعمله بدعة مردودة عليه ، كمن حج إلى غير بيت الله الحرام .

التشريع حق لله وحـده

إن الصانع لأي شيء هو صاحب الحق في توجيه ذلك المصنوع وبيان كيفية سيره ، وهذه بديهية لا ينازع فيه أحد .

لكن الكافرين ينازعون خالقهم في استحقاقه لهذا الأمر المتعلق بالحكم والتشريع لعباده فقد قال سبحانه : ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾ [الأعراف:54].والصانع لأي مصنوع هو الأعلم بكيفية تسيير ذلك المصنوع وما يصلحه وما يفسده ، وهو صاحب الحق في ذلك ، لكن الكافرين يدعون أنهم الأعلم بشئونهم من خالقهم الذي خلقهم القائل: ﴿... هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ...﴾ [النجم:32].والقائل : ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)﴾ [الملك:14] .كما يسلم العقلاء بأن المالك لأي شيء هو صاحب المشروعية في التصرف بما يملك، لكن الكافرين لا يقرون لخالقهم المتصرف فيهم بهذا الحق.قال تعالى : ﴿... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(54)﴾ [الأعراف:54].وغداً يقف الناس بين يدي الله فيحاسبهم فيسألهم ماذا أجبتم المرسلين ، وتكون النجاة مرهونة بالخضوع لشرعه وحكمه ، كما يكون العقاب لمن أبى أن يستسلم لشرعه وحكمه سبحانه وتعالى

الابتداع في العبادة

خطر الابتداع في الدين :

أكمل الله سبحانه وتعالى الدين وأتم الشريعة ، وختم برسالة محمد r الرسل والرسالات فبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه ولا دين إلا ما شرعه ، فليس لأي إنسانٍ أن يحدث في الدين شيئاً ، لأن هذا يعد مشاركة لله في تقرير الدين أو استدراكاً عليه سبحانه وكأن الشرع ناقص .

قال الإمام مالك رحمه الله : من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة لأن الله يقول : ﴿...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ [المائدة:3] فما لم يكن يومئذٍ ديناً فلا يكون اليوم ديناً.[38]ولا دين إلا ما أذن الله به. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ [الشورى:21] فمن شرع لنفسه أو لغيره دينا لم يأذن الله به فقد جعل نفسه نداً لله.

ولخطر البدعة حذّر منها النبي r فقال: "… إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ".[39]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال :- عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع.[40]

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة.[41]

تعريف البدعة

أ- البدعة في اللغة :- هي مصدر بَدَعَ ، والباء والدال والعين أصلان :

أحدهما : ابتداء الشيء وصنعه من غير مثال .

والآخر : الانقطاع والكَلال .

فالأول قولهم أُبدع الشيء قولاً أو فعلاً : إذا بُدىء من غير سابق مثال .

والأصل الآخر: أبْدَعَتِ الراحلةُ ، إذا كلَّت وعَطِبت[42]

ب- البدعة في الاصطلاح :

تنوعت عبارات العلماء – رحمهم الله – في تعريف البدعة ، وحاصل أقوالهم أن البدعة هي الأمر المحدث في الدين مما يتقرب به إلى الله ولا أصل له في الشريعة ، سواء كان ذلك في مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة ، وبعبارة أخرى : البدعة هي التقرب إلى الله بما لم يشرعه أو التعبد لله بما لم يشرعه .

ومما قاله أهل العلم في تعريف البدعة :

1-   عرفها الشاطبي رحمه الله بقوله :-

البدعة في الاصطلاح : هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية ،يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية[43] .

2-  وعرفها ابن تيمية بقوله : البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله ، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب .

3-   وعرفها الحافظ ابن حجر بقوله :- والمحدثات جمع محدثة والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع[44] .

4-  وعرفها الجرجاني بقوله :- البدعة هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون ، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي.[45]

وهذه التعريفات مأخوذة مما فهم العلماء رحمهم الله من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ."[46]

أنواع البـدع في الدين

يمكن أن تقسم البدعة في الدين إلى أنواع متعددة باعتبارات مختلفة :

أ- فهي باعتبار كونها قولية أو عملية تنقسم إلى نوعين :

النوع الأول : بدعة قولية اعتقادية[47]

النوع الثاني : بدعة في الشعائر التعبدية .

وهذه أنواع منها :

1- ما يكون في أصل العبادة. كأن يحدث عبادة لا أصل لها في الشرع مثل إحداث صلاة غير الصلوات المشروعة أو صيامٍ أو نحو ذلك .

2- ما يكون في الزيادة على أصل العبادة المشروعة أو الإنقاص منها كزيادة ركعة رابعة في صلاة المغرب مثلاً ، أو نقص حد القاذف إلى خمسين جلدة لمجرد قصد القربة إلى الله .

3- ما يكون في صفة أداء العبادة المشروعة : بحيث يؤديها على صفة غير التي شرعت العبادة عليها كأن يبدأ الصلاة بالسجود .

4- ما يكون بتخصيص وقت للعبادة المشروعة لم يخصصه الشرع كتخصيص يوم معين من شهر معين بصيام مثلاً بدون دليل[48] .

ب- وتنقسم البدعة بالنظر إلى ذاتها إلى: بدعة حقيقية وإضافية :-

فالحقيقية : هي التي لا تستند إلى دليل معتبر ولا إلى شبهة دليل لا في الجملة ولا في التفصيل ، كالقول بعصمة الأئمة عند بعض الفرق .

والإضافية : هي التي تستند إلى شبهة دليل فقط ، كالامتناع عن بعض المباحات لغير غرض صحيح بقصد التقرب والتعبد لله ، كالوضوء بالماء البارد في شدة البرد بقصد التعبد مع وجود الماء الدافئ.

ج- وتنقسم البدعة باعتبار الفعل والترك إلى:-

بدعة فعلية وأمثلتها كثيرة[49] ، وبدعة تركية ، كترك بعض المباحات تعبداً كما ذكرنا في المثال السابق وقد جاء في الحديث النبوي أنه جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ rيَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا ، فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ rقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ! وَقَالَ الآخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ ولاَ أُفْطِرُ! وَقَالَ الآخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ rفَقَالَ : أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي.[50]

قال الحافظ ابن حجر : قوله "فمن رغب عن سنتي فليس مني" المراد بالسنة الطريقة … والمراد من ترك طريقتي وأخذ طريقة غيري فليس مني .

د- وبالنظر إلى كونها مركبة أو بسيطة تنقسم إلى بدعة مركبة وبدعة بسيطة:

فالبدعة المركبة هي المشتملة على مجموعة بدع ، كبدعة الحج إلى غير بيت الله إذ تضم هذه البدعة لفيفاً من البدع والمخالفات مثل : تخصيص يوم معين وذكر معين وهيئة معينة بغير دليل ، واوراد وأشعار تحوي أشياء من الجهالات والأكاذيب.[51]

والبسيطة التي لا يدخل معها غيرها.[52]

هـ- وبالنظر إلى كونها كلية أو جزئية تنقسم إلى بدعة كلية ، وبدعة جزئية :

فالبدعة الكلية بمعنى أنها تعتبر كالقاعدة والأصل لبدع أخرى تنبني عليها كالقول بعصمة الأئمة عند بعض الفرق ، انبنى عليها عدد من البدع ، كإنزالهم هؤلاء الأئمة منزلة الأنبياء ، واعتقاد الصواب المطلق في أقوالهم وأفعالهم ، وطلب الحاجات التي لا تطلب إلا من الله منهم إلى غير ذلك من الضلالات .

وبالمقابل تكون البدعة جزئية لا تتجاوز ذاتها ولا يبنى عليها شيء من البدع كحال أغلب البدع[53].

أسباب الوقوع في البدع

 من أهم أسباب الوقوع في البدع ما يلي:-

1- الجهل بالدين :

فقد ظهرت كثير من البدع نتيجة الجهل بأن الدين لا يكون إلا بهدى وشرع من الله سبحانه. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ...﴾ [الشورى:21] ونتيجة للجهل بأن الدين قد كمل : قال تعالى : ﴿...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...﴾ [المائدة:3].

ويزداد الأمر سوءاً حين يظن أهل الجهل في جاهلٍ مبتدعٍ أنّه من أهل العلم ، أو أن كلامه حجة في الدين ولو لم يكن عليه دليل ، بينما هو جاهل بدين الله فحينئذ يَضّلِ ويُضلهم معه ، كما قال النبي r:- (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً ، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا.)[54] 

ومن مظاهر الجهل الموقع في البدع :- الاعتماد على الحكايات والمنامات والقياسات التي تخالف الأدلة الصحيحة ، وكذا الاعتماد على الأحاديث والآثار الضعيفة أو الموضوعة التي تخالف الأصول القطعية .

2- التقليد المذموم واتباع العقائد الباطلة :

ومعناه : اتباع أهل الضلال على باطلهم لمجرد الموافقة ، ومجانبة الحق المؤيد بالأدلة الصحيحة .

وقد عاب الله سبحانه في كتابه المقلدين بالباطل ، فقال سبحانه  ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ(170)﴾ [البقرة:170] .

3- اتباع الهوى :

بعض الناس يكون له حظ من العلم بالشريعة ، ولكن الذي يحمله على الوقوع في البدعة هو اتباع هوى نفسه أو غيره ، وعدم التسليم والانقياد للنصوص الشرعية، وقد وصفَ العلماء السائرين على هذا النهج بأنهم أهل الأهواء .وقد ذم الله سبحانه من اتبع هواه وترك الحق ، فقال سبحانه ﴿...وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ...﴾ [القصص:50] .وقال سبحانه  ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)﴾ [الجاثية:23] .

ومن مظاهر اتباع الهوى :- معارضة النصوص الشرعية بالأذواق أو بالآراء والقياسات والتأويلات الفاسدة اتباعاً لهوى النفس أو هوى الآخرين .

الفرق بين البدعة في الدين والسنة الحسنة

ورد عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ الأعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r، عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: " مَنْ سَنَّ فِي الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الإسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ".[55]

يتضح من سياق الحديث أن السنة الحسنة التي قام بها الصحابي الأول صاحب الصرة تمثل استجابة لأمر النبي rوابتداء عمل يحقق الاستجابة وليست ابتداعاً في الدين ، إنما هي ممارسة لإقامة أمر من أمور الدين.وكذلك إحياء عمر رضي الله عنه لصلاة التراويح ، إنما كان إحياءً لما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عهده من قيامٍ للصلاة في الليل ، وإنما تركه خشية أن يفرض على الأمة فلما انتفى هذا المانع أحياها عمر رضي الله عنه ووافقه على ذلك الصحابة والتابعون ولم يكن ذلك ابتداعاً جديداً في الدين.[56] وكذلك كتابه المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه لم تكن تغييراً للقرآن أو ابتداعاً فيه ، وإنما كانت عملاً يحافظ به على القرآن .ومن هذا نعرف أن البدعة هي اختراع بالحذف أو الإضافة في الدين مما لم يشرعه الله ، أما السنة الحسنة : فهي ابتداء عمل أو اختراع وسيلة لإقامة أمر ثابت في الدين .

الاختراعات والوسائل المستحدثة :

وكل ما يستخدم لإقامة الدين من مخترعات ووسائل مستحدثة لا يعتبر بدعة مذمومة ، لأنه ليس إحداثاً في الدين وإنما هو وسيلة لإقامة الدين وإحيائه كالأسلحة الحديثة لإقامة الجهاد ، ووسائل الإعلام لنشر الدين ، ووسائل التعليم والإيضاح لتعليم الدين وبيانه وهكذا .

ضوابط وتنبيهات في البدعة

أ- بعض قواعد معرفة البدع :

1- كل عبادة تستند إلى رأي مجرد أو هوى فهي بدعة .

2- كل عبادة تستند إلى حديث مكذوب فهي بدعة .

3- كل تقرب إلى الله بفعل ما نهى عنه وحرمه فهو بدعة ومعصية في آن واحد.

4- كل عبادة تركها الرسول مع كون سببها المقتضي لها قائماً ، والمانع منها منتفياً ففعلها بدعة.[57]

5- كل عبادة وردت على صفة مقيدة فتغيير هذه الصفة بدعة.[58]

ب- تنبيهات :

1) ينبغي التحقق من كون العمل بدعة قبل الحكم عليه بذلك .

2) عذر المبتدع المجتهد وحسن نيته لا يقتضي إقراره على البدعة ولا يبيح اتباعه في ذلك ، بل ينكر عليه بالطرق الشرعية .

3) ينبغي إنكار البدعة بالوسائل المشروعة التي لا تؤدي إلى ظهور منكر أكبر منها .

 


[1] مختار الصحاح ، القاموس المحيط .

[2] المعجم الوسيط .

[3] لسان العرب .

[4] مختار الصحاح ، والقاموس المحيط .

[5] لسان العرب .

[6] المفردات في غريب القرآن .

[7] أخرجه الطبري في تفسيره عند الآية المذكورة واللفظ له ، والترمذي في تفسير القرآن في تفسير سورة التوبة ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/56 .

[8] رواه الطبري في تفسيره عند الآية المذكورة .

[9] أخرجه الترمذي في أبواب تفسير القرآن في تفسير سورة البقرة وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/24 ، وأبو داود ك/ الصلاة ب/ الدعاء ، وابن ماجه ك/ الدعاء ب/ فضل الدعاء ، وأحمد في مسند أول مسند الكوفيين من حديث النعمان بن بشير .

[10] انظر : نضرة النعيم 7/2742-2744 .

[11] العبودية / لابن تيمية 10/149 من مجموع الفتاوى .

[12] العبودية ص 10 .

[13] أخرجه مسلم ك/ البر والصلة والآداب ب/ تحريم الظلم ، وأحمد في مسند الأنصار من حديث أبي ذر الغفاري.

[14] قال الحافظ ابن حجر الفتح 14/277 ط دار الفكر 1414هـ 1993م "أن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلاً لشيء منها" بعد ذكر فوائد الأثر المروى عن معاذ رضي الله عنه "أما أنا فأنام وأقوم وأرجو في نومتى ما أرجو في قومتي" ، وقال النووي : في شرح صحيح مسلم 12/413 ط دار المعرفة 1414هـ –1994م "معناه : أني أنام بنية القوة ، وإجماع النفس للعبادة. وتنشيطها للطاعة ، فأرجو في ذلك الأجر كما أرجو في قومتي أي صلواتي .

[15] أخرجه البخاري ك/ الفرائض ب/ ميراث البنات ، ومسلم ك/ الوصية ب/ الوصية بالثلث واللفظ له .

[16] مفاهيم ينبغي أن تصحح محمد قطب ص205 بتصرف .

[17] فرش الأرض بطبقة سميكة من الصخور يصل سمكها ما بين 33 إلى 74كلم تقريباً تحجز أخطار النيران الأرضية من أن تقضي على من على سطحها وجعل الأرض قابلة للزراعة ووفر فيها الماء ودرجة الحرارة المناسبة وأحاطها بالغلاف الجوي المناسب بخصائصه وكساها بالنباتات ووفر فيها الأرزاق .

[18] راجع من آيات الله في الماء ج1 من علم الإيمان .

[19] البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ اسم الفرس والحمار ومسلم ك/ الإيمان ب/ الدليل على من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً ، واللفظ له .

[20] أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ قوله تعالى : " فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون" ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده . 

[21] راجع درس : من آيات الله في النبات .

[22] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع ب/ منه وأحمد من مسند بن هاشم بداية مسند عبدالله بن العباس رضي الله عنهما ، وانظره في صحيح الترمذي للألباني 2/308 برقم 2648 ط1- مكتب التربية العربي لدول الخليج 1408هـ –1988م .

[23] حركات الوجود كله حركات موجية في انخفاض وارتفاع تشبه حركة الساجد في ارتفاعه وانخفاضه ، وسكان الأرض وظلالهم يسجدون ويرتفعون مع كل دورة للأرض حول نفسها

[24] للتوسع انظر : القلب ووظائفه في الكتاب والسنة ، وتهذيب مدارج السالكين .

[25] أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ تحريم الكبر وبيانه واللفظ له ، والترمذي ك/ البر والصلة ب/ ما جاء في الكبر وابن ماجه في المقدمة ب/ في الإيمان .

[26] أخرجه البخاري ك/ الرقائق ب/ الرياء والسمعة، ومسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ من أشرك في عمله غير الله.

[27] المتبارون : هم المتعارضون المتفاخرون في الولائم رياءً .

[28] انظر مدارج السالكين لابن القيم 1/143-150 بتصرف .

[29] انظر علم الإيمان 1/17-20 .

[30] أخرجه البخاري ك/ بدء الوحي ب/ بدء الوحي ، ومسلم ك/ الإمارة ب/ قوله إنما الأعمال بالنية … وأبو داود ك/ الطلاق ب/ فيما عني به الطلاق والنيات .

[31] أخرجه مسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ من أشرك في عمله غير الله ، واللفظ له ، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ من سورة الكهف وابن ماجه ك/ الزهد ب/ الرياء السمعة .

[32] أخرجه الترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة الكهف ، وابن ماجه ك/ الزهد ب/ الرياء والسمعة ، وأحمد في مسند المكثرين حديث أبي سعيد بن أبي فضالة ، وانظره في صحيح الترمذي للألباني 3/74 برقم 3374 ، وصحيح ابن ماجه 2/410 ، وصحيح ابن حبان تحقيق شعيب الأرنؤوط 2/130 برقم 404 ط3 مؤسسة الرسالة 1418هـ 1997م.

[33] جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ص72 .

[34] أخرجه البخاري ك/ الصلح ب/ إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ، ومسلم ك/ الأقضية ب/ نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور .

[35] أخرجه مسلم ك/ الجمعة ب/ تخفيف الصلاة والخطبة واللفظ له .

[36] ابن تيمية الفتاوى ج10 ص173 .

[37] انظر مجموع الفتاوى 10/172-173 بتصرف يسير .

[38] الاعتصام (1/65) .

[39] أخرجه أبو داود ك/ السنة ب/ في لزوم السنة ، واللفظ له وابن ماجه في المقدمة ب/ اجتناب البدع والجدل ، وأحمد في مسند الشاميين من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه والدارمي في المقدمة ب/ اتباع السنة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/871 .

[40] ابن وضاح ص25 بواسطة حقيقة البدعة وأحكامها 1/73 .

[41] بواسطة المرجع السابق 1/74 .

[42] معجم المقاييس في اللغة بشيء من التصرف .

[43] الاعتصام ص50-51 .

[44] فتح الباري 15/178 ط 1414هـ – 1993م دار الفكر – بيروت لبنان .

[45]  التعريفات ص43 .

[46] أخرجه البخاري ك/ الصلح ب/ إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ، ومسلم ك/ الأقضية ب/ نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور .

[47] كاعتقادات ومقالات الفرق الضالة كالباطنية والجهمية والرافضة وغيرهم .

[48] هذا التقسيم من كتاب البدع والمحدثات ومالا أصل له ص101  .

[49] مثل بدعة الطواف بالجنازة حول البيت العتيق سبعاً ، وبدعة الاجتماع في المساجد على صلاة مقدرة دائماً- غير واردة - كالاجتماع على مائة ركعة بقراءة (قل هو الله أحد) ألف مرة ، فهذا من البدع لعدم وروده ، انظر معجم البدع ص26، 88 .

[50] البخاري ك/ النكاح ب/ الترغيب في النكاح ، ومسلم ك/ النكاح ب/ استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه .

[51] وكبدعة العزاء يوم عاشوراء على الحسين رضي الله عنه مشتملة على عدة بدع كالحزن والنوح واللطم والصراخ والعطش بزعم أن الحسين رضي الله عنه قتل عطشانا ونحو ذلك .

[52] مثل التيمم لزيارة القبر ، وصلاة الظهر عقب صلاة الجمعة ، انظر معجم البدع ص107 ، 327 .

[53] للتوسع ومعرفة الأمثلة على الأنواع المذكورة وغيرها انظر حقيقة البدعة وأحكامها لسعيد الغامدي ج2 ص7-189 والاعتصام للشاطبي ج1 ص367 ، ومعجم البدع لرائد صبري.

[54] أخرجه البخاري ك/ العلم ب/ كيف يقبض العلم، ومسلم ك/ العلم ب/ رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن.

[55]  أخرجه مسلم ك/ الزكاة ب/ الحث على الصدقة ولو بشق تمرة ، اللفظ له ، والترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة ، والنسائي ك/ الزكاة ب/ التحريض على الصدقة ، وابن ماجه ك/ المقدمة ب/ من سن سنة حسنة أو سيئة .

[56] أما ما ورد من قول عمر رضي الله عنه : نعمت هذه حين جمعهم على صلاة التراويح ، فالبدعة هنا في قوله هي البدعة اللغوية ، أي أن هذا الأمر لم يكن معمولاً به وكان متروكاً فابتدأ عمله ، وذلك لأن أصل الاجتماع على قيام الليل مشروع .

[57]  كترك الرسول rمثلاً الأذان لصلاة العيد ، أما إن وجد المانع من فعلها في عهده وانتفى المانع بعد وفاته فلا يعد فعلها بدعة ، كصلاة التراويح فإنما تركها في عهده لوجود المانع وهو خوف أن تفرض على الأمة ، فلما زال هذا المانع بعد وفاته فعلت في عهد الصحابة رضي الله عنهم .

[58] ومن الأمثلة على ذلك :- أن الطواف المشروع مقيد بأن يجعل الطائف الكعبة على يساره ، فلو طاف إنسان جاعلاً الكعبة على يمينه زاعماً أن ذلك أفضل فقد وقع في البدعة .

==============================

الشرك

 

الشرك ضد التوحيد ، ولكي نعرف الشرك وأقسامه وأنواعه ، لابد أن نعرف معنى التوحيد وأقسامه .

التوحيد ومعناه :

أ- التوحيد في اللغة :- مصدر قولهم : وحد يوحّد ، قال ابن فارس : الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد ، والواحد المنفرد.[59]

قال ابن منظور : التوحيد الإيمان بالله وحده لا شريك له ، والله الواحد الأحد ذو الوحدانية والتوحيد.[60]

ب- وفي الاصطلاح :-

قال الفيروزآبادي :- التوحيد توحيدان :-

الأول : توحيد الربوبية ، وصاحب هذا التوحيد يشهد قيومية الرب فوق عرشه يدبر أمر عباده وحده ، فلا خالق ولا رازق ولا معطي ولا مانع ولا مميت ولا محي ولا مدبر لأمر المملكة (والملكوت) ظاهراً وباطناً غيره ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا يجري حادث إلا بمشيئته ، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه ، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلا وقد أحصاها علمه وأحاطت بها قدرته ، ونفذت فيها مشيئته ، واقتضتها حكمته .

والآخر : توحيد الألوهية ويعني : أن يجمع الموحد همه وقلبه وعزمه وإرادته وحركاته على أداء حق الله ، والقيام بعبوديته.[61] وتوحيد الألوهية مستمد من قوله تعالى : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25)﴾ [الأنبياء:25] .

وقال العلامة السفاريني عن التوحيد :-

إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتاً وصفاتاً وأفعالاً.[62]

وذكر بعض العلماء أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام : توحيد في الربوبية وتوحيد في الألوهية ، وتوحيد في الأسماء والصفات .

وأما توحيد الأسماء والصفات فيعني إفراد المولى عز وجل بأسمائه وصفاته وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، ونفى ما نفاه عن نفسه، والسكوت عما سكت عنه الله ورسوله.[63]

تعريف الشرك :

أ- الِشْرك في اللغة : قال ابن فارس : الشين والراء والكاف أصلان يدل أحدهما على مقارنة وخلاف انفراد.[64]

وجاء في لسان العرب : الشِرْكة ، والشَرِكة سواء : مخالطة الشريكين ، يقال اشتركنا بمعنى تشاركنا ، وقد اشترك الرجلان وتشاركا ، وشارك أحدهما الآخر، والشريك : المشارك . 

وقد سأل موسى عليه السلام الله عزوجل أن يشرك معه أخاه هارون في أمر النبوة والرسالة فقال منادياً ربه سبحانه : ﴿هَارُونَ أَخِي(30)اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31)وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(32)﴾ [طه:30-32] ، قال في مختار الصحاح: المعنى أي اجعله شريكي فيه .  

* ومن معاني الشرك في اللغة : النصيب ، يقال شَرَكه في كذا إذا جعل له نصيباً.[65]

* وكذلك من معاني الشرك في اللغة : التسوية ، قال ابن منظور في لسان العرب: يقال طريق مُشَرَّك : أي يستوي فيه الناس ، واسم مْشتَرَك : تستوي فيه معان كثيرة .

وأشرك بالله : جعل له شريكاً.[66]

ب- الشرك اصطلاحاً :

للعلماء تعريفات مختلفة للشرك منها :-

أنه اتخاذ الند والشبيه والمثيل والعديل لله تعالى .قال تعالى مخبراً عن ندم المشركين يوم القيامة حيث يقولون لأوليائهم:﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(97)إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(98)﴾[الشعراء:97-98].وقال تعالى : ﴿... فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)﴾ [البقرة:22] .وقال تعالى : ﴿...ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ(1)﴾ [الأنعام:1].وقال تعالى:﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ...﴾ [النحل:74].وقال تعالى :﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾ [الإخلاص:4] .

ومنها ما قاله المناوى :-

الشرك إما أكبر وهو إثبات الشريك لله تعالى ، أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور.[67]

* فالشرك ضد التوحيد ، وهو اتخاذ ند لله تعالى فيما لا يكون إلا له سبحانه من ذاتٍ وأفعال وأسماء وصفات وعبادة .

 بطلان الشرك والتحذير منه

لما كانت عبادة الله وحده وعدم الشرك به هي حق الله على العباد ، كان الشرك أكبر الموبقات وأعظم المهلكات التي حذر منها الشرع .

وقد تنوعت أساليب التحذير البليغ من الشرك في الكتاب والسنة وبيان بطلانه، ومن ذلك :-

1- لا حجة للمشركين :

 إن الأوثان والأصنام التي تُعبد من دون الله من صنع البشر ، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نصراً أو هداية أو سمعاً أو بصراً. قال تعالى : ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191)وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ(192)وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ(193)إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنظِرُونِي(195)﴾ [الأعراف:191-195] وهذه الأصنام والأوثان ومن يُعبد من طواغيت البشر لم يخلقوا شيئاً في الأرض ولا في السماء ، ولم يشركهم الله بالعبادة بكتاب من عنده. قال تعالى : ﴿﴾ [فاطر:40]

وهذه المعبودات من دون الله لا تملك لنا خلقاً ولا رزقاً ولا حياة بعد موت. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(40)﴾ [الروم:40]

ولو كان مع الله آلهة أخرى لاستحوذ كل خالق على ما خلق ، ولفسد الكون قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(92)﴾ [المؤمنون:91-92].

2- المشركون ومثل السوء :

وقد ضرب الله أمثلة لبيان حال المشركين السّيء ، كما قال تعالى :  ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ(41)﴾ [العنكبوت:41] .

فالبيت يأوي إليه صاحبه ليحميه من الأخطار ، وليختفي فيه عن أنظار أعدائه وليجد السكينة والأمن فيه ، وبيت العنكبوت لا يحقق للعنكبوت شيئاً من ذلك[68] وكذلك حال المشركين المستجيرين بالأوثان والطواغيت .قال تعالى : ﴿... وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31)﴾ [الحج:31].وكذلك الذي يشرك مع الله غيره فيسقط في الضلال الكبير في الدنيا ، ويهوى به الشرك إلى أعماق سحيقة في النار .وقال تعالى : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(29)﴾ [الزمر:29].وكذلك المشرك يقع في حيرة وتخبط لا يدري من الأولى بالطاعة من الأوثان والطواغيت حين يسلم نفسه وعقله وماله لمطالب الشرك المتعارضة

3- تسلط الشيطان على المشركين :

المؤمن في حرز من الشيطان بإيمانه وتوكله على ربه ، والمشرك يتسلط عليه الشيطان لتوليه له وشركه به. قال تعالى : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ(100)﴾ [النحل:98-100] .

4- جريمة الشرك :

أول المحرمات. قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...﴾ [الأنعام:151].

·     أعظم الظلم. قال تعالى : ﴿...إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)﴾ [لقمان:13] .

·     أعظم ضلال. قال تعالى : ﴿...وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا(116)﴾ [النساء:116].

·     أعظم الإثم والافتراء. قال تعالى : ﴿...وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا(48)﴾ [النساء:48] .

·     أعظم ذنب. فقد سئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيُّ الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله نِدَّاً وهو خلقك".[69]

·     أكبر كبيرة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :- (أكبر الكبائر الإشراك بالله ...)[70]

5- الشرك يحبط الأعمال الصالحة :

إذا أشرك العبد بعد أن قضى عمره في عمل الصالحات من الطاعات والعبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من القربات ، فإن الشرك يمحو جميع أعماله الصالحة ويذهب بأجرها ، فكما أن الإسلام يجب ما قبله من الذنوب ، فإن الشرك يحبط ما قبله من الطاعات. قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(65)﴾ [الزمر:65].

وأخبر سبحانه أن الأنبياء لو أشركوا لحبط عملهم فكيف بغيرهم. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(88)﴾ [الأنعام:88].وقد اختلف العلماء في بقاء أجر العمل إذا تاب العبد من الشرك ومات على الإيمان ، هل يبقى له سابقُ عمله أم لا ؟

قال الإمام مالك رحمه الله : من ارتد حبط عمله، فإن عاد إلى الإسلام لزمه أن يحج مرة أخرى وإن كان قد حج قبل ردته لأن عمله قد حبط .

وقال الإمام الشافعي رحمه الله : إنما يحبط عمله إذا مات على الكفر، أما إذ عاد إلى الإسلام فإن عمله باق ولا يلزمه إعادة حجه.[71]

6- لا طاعة للأبوين في الشرك :

ومع عظم حق الوالدين إلا أن الله سبحانه نهى عن طاعتهما إذا أمرا ولدهما بالشرك، فقال سبحانه : ﴿... وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(8)﴾ [العنكبوت:8].

7- نجاسة المشركين :

إن من خلقه الله ويعبد غيره ، ورزقه ويشكر غيره ، ليدل على خبث نفسه وقذر سريرته[72] ، فوصفه الله بالنجس. قال تعالى : ﴿...إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...﴾ [التوبة:28].

8- شدة عداوة المشركين للمؤمنين :

وهم بهذه النفوس الخبيثة يكرهون الإيمان وأهله ، ويشتركون مع اليهود في أنهم أشد الناس عداوة للمؤمنين ، قال تعالى : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا...﴾ [المائدة:82] ، ومن علاماتهم الاشمئزاز عند توحيد الله عزوجل والاستبشار عند ذكر معبوداتهم كما قال تعالى : ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45)﴾ [الزمر:45] .

9- قتال المشركين للمؤمنين :

ونظراً لخبث نفوس المشركين وشدة حقدهم على المؤمنين فهم يتحينون كافة الفرص لقتال المؤمنين ، فأوجب الله على المؤمنين قتالهم كافة ، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:36].

وقال عليه الصلاة والسلام : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم".[73]

بل رفض النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاستعانة برجل مشرك يريد أن يحارب معه، فقد لحقه حين خروجه إلى بدر رجل مشرك جرئ ، ففرح المسلمون بمقدمه، فقال لرسول الله : جئت لأْتَبعك وأُصيب معك ، فقال له : تؤمن بالله ورسوله ؟

قال : لا. قال : فارْجِع فلن أستعين بمشرك. فلم يقبل منه حتى أسلم بعد ذلك.[74]

إلا إذا كانوا في حلف تحت قيادة المسلمين، ويؤمن مكرهم بالمسلمين كما هو حال قبيلة خزاعة المشركة التي دخلت في حلف رسول الله r

10- براءة الله ورسوله من المشركين :

ولعظم قبح الشرك تبرأ الله سبحانه ورسوله من المشركين ، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ...﴾ [التوبة:3] .وتبرأ إبراهيم عليه السلام ومن معه من قومهم المشركين، كما قال تعالى : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...﴾ [الممتحنة:4].

وتبرأ إبراهيم عليه السلام من أبيه لما رفض عبادة الله وحده. قال تعالى ﴿...فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ(114)﴾ [التوبة:114]

وقال هود عليه السلام لقومه كما حكى الله عنه: ﴿...إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54)﴾ [هود:54] .وقال سبحانه آمراً رسوله أن يعلن للمشركين براءته من شركهم : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(19)﴾ [الأنعام:19].ومن البراءة من المشركين نهي الله سبحانه عن التزوج منهم أو تزويجهم. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(221)﴾ [البقرة:221].وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمخالفة المشركين وعدم التشبه بهم فقال :(خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ ، أَحْفُوا الشَّوَارِبَ ، وَأَوْفُوا اللِّحَى) .[75]

11- الرعب للمشركين والأمن للمؤمنين :

إن المؤمنين الذين لم يلبسوا إيمانهم بشرك يعتقدون أن جميع الأمور بيد الله ، وأن جميع ما سواه مخلوقاتُُ ضعيفة عاجزة أمرها بيده سبحانه ، فيشيع هذا الإيمان في قلوب المؤمنين الأمن والرضا بقدر الله الحكيم . بينما ترى المشركين في حيرة من أمرهم لا يدرون من المؤثر الحقيقي في مجرى الأمور ، ولا يدرون على من يتوكلون من الأرباب والآلهة ، فيعيشون في قلق وخوف من المصير المجهول المعلق في نظرهم بيد الآلهة المدعاة، كما قال تعالى عن محاجة إبراهيم u لقومه :﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82)﴾[الأنعام:81-82].وتوعد المشركين عند قتالهم للمؤمنين الصادقين بأنه سيقذف في قلوبهم الرعب بسبب شركهم، كما قال تعالى:﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران:151] .

12- النهي عن الاستغفار للمشركين :

ولعظم قبح الشرك ولعدم مغفرته نهى الله تعالى نبيه والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين إذا ماتوا على الشرك .قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)﴾ [التوبة:113].

عاقبة الشرك يوم القيامة

1) إن الله لا يغفر أن يشرك به :

إن من يتخذ لله نداً وهو خلقه ، ويشرك مع الله معبوداً سواه ، يستحق بذلك الحرمان من مغفرة الله. قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ...﴾[النساء:48] فكل ذنب يرجى لصاحبه المغفرة دون الشرك بالله إذا مات مشركاً .

2) حشرهم مع معبوداتهم من دون الله وخزيهم يوم القيامة :

قال تعالى : ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22)مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ(23)وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ(24)مَا لَكُمْ لَا يَتَنَاصَرُونَ(25)بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ(26)﴾ [الصافات:22-26].وقال تعالى : ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِي الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ(27)﴾ [النحل:27] .

3) تبرؤ المعبودين من المشركين :

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ(41)فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ(42)﴾ [سبأ:40-42] .

4) تخاصم وتلاعن المشركين مع ما كانوا يعبدون من دون الله :

قال تعالى مبيناً نعي إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه عبادة الأوثان :﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ(25)﴾ [العنكبوت:25] ، وقال سبحانه مبيناً تخاصم المشركين عنده يوم القيامة قادةً واتباعاً : ﴿...وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ(31)قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ(32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(33)﴾ [سبأ:31-33].

5) إدخالهم النار وخلودهم فيها وتحريم دخول الجنة عليهم :

قال تعالى : ﴿...إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)﴾ [المائدة:72] ويعرض القرآن صورتهم المخزية وهم يسحبون في الحميم ، والأغلال في أعناقهم ، ويُسجرون في النار ويُسألون عن معبوداتهم التي توهموا نفعها لهم ، فقال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ(69)الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(70)إِذْ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ(71)فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ(72)ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ(73)مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ(74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ(75)ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ(76)﴾ [غافر:69-76] وقال عليه الصلاة والسلام : (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار).[76]

6) تخاصم أمم الشرك في النار :

قال تعالى مبيناً تخاصم الأمم المشركة السابقة واللاحقة في النار : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنْ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ(38)وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ(39) [الأعراف:38-39].


[59] معجم مقاييس اللغة .

[60] لسان العرب مادة : وحد وانظر المعجم الوسيط مادة : وحد .

[61] بصائر ذوي التمييز 5/172 بواسطة نضرة النعيم 4/1301 بتصرف يسير .

[62] لوامع الأنوار البهية 1/57 بواسطة الشرك في القديم والحديث 1/20 . 

[63] الجواب المفيد في بيان أقسام التوحيد (8-17) بتصرف وإيجاز ، وانظر أيضاً فتاوي الشيخ العثيمين (2/112) وما بعدها بواسطة نظرة النعيم 4/1301-1302 .

[64] معجم مقاييس اللغة ، والمعنى الآخر : يدل على امتداد واستقامة ومنه شراك النعل .

[65] المعجم الوسيط ، ولسان العرب .

[66] انظر المعجم الوسيط .

[67] في التوقيف ص203 بواسطة نضرة النعيم 10/4710 .

[68] فلا يمنع ريحاً ولا غباراً ولا عدواً ومعرض للزوال بسهولة .

[69] أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ قوله تعالى : "فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون" ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده .

[70] أخرجه البخاري ك/ الديات ب/ قول الله تعالى ومن أحياها ، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة النساء ، وأبو داود ك/ الأدب ب/ في الغيبة .

[71] انظر تفسير القرطبي عند قوله تعالى:" ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"(البقرة:217).

[72] ورد في الحديث النبوي : إن مثل من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق، فقال: هذه داري وهنا عملي ، فاعمل وأدِّ إليَّ ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده ! فأيكم يحب أن يكون عبده كذلك ؟! أخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وذكره الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم:533 وابن خزيمة .

[73] أخرجه النسائي ك/ الجهاد ب/ وجوب الجهاد ، واللفظ له ، وأبو داود ك/ الجهاد ب/ كراهية ترك الغزو، وأحمد باقي مسند المكثرين في مسند أنس بن مالك ، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/649 .

[74] أخرجه مسلم ك/ الجهاد والسير ب/ كراهة الاستعانة في الغزو بكافر واللفظ له ، والترمذي ك/ السير عن رسول الله ب/ ما جاء في أهل الذمة يغزون مع المسلمين هل يسهم .

[75] أخرجه البخاري ك/ اللباس ب/ تقليم الأظفار ، ومسلم ك/ الطهارة ب/ خصال الفطرة .

[76] أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ ما جاء في الجنائز ومن كان أخر كلامه لا إله إلا الله ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة .

================================

أنواع الشرك في العبادة

الشرك نوعان : أكبر وأصغر

* فالشرك الأكبر : هو أن يجعل المكلف لله نداً (مثيلاً ونظيرا) أو أن يسوي بين الخالق والمخلوق ، إما في اعتقاد الاتصاف بصفة من صفات الله عزوجل أو في الدعاء والاستعانة ، أو في طلب الرزق ، أو في اعتقاد القدرة على الضر والنفع ، أو في الخضوع والانقياد أو غير ذلك مما يوجب تسوية بين الخالق والمخلوق ،

* وحكمه : أنه أعظم الذنوب ، ويخرج من الملة ، ويوجب الخلود في النار ، قال تعالى :  ﴿... إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)﴾ [المائدة:72] .

* وأما الشرك الأصغر فهو : الرياء كما عرفه النبي r ، وألحق به العلماء ما وصفه الوحي بأنه شرك ولا يخرج صاحبه من الملة ، وكل ما كان وسيلة توقع صاحبها في الشرك الأكبر .

* وحكمه : أنه ينافي كمال التوحيد ويخل به ، ولكنه لا يُخرج من الملة ، وهو من كبائر الذنوب التي حذر منها الشرع لأنه يتنافى مع الإخلاص لله في العبادة ، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ...﴾ [البينة:5] .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [أخوفُ ما أخافُ عليكم الشركُ الأصغر، فسئل عنه؟ فقال : الرياء].[77]

 مظاهر الشرك الأكبر وصوره

أولاً : من صوره في الاعتقاد :

أ- اعتقاد تعدد الآلهة ، كشرك المجوس القائلين بوجود إلهين اثنين أحدهما إله النور وهو إله الخير ، والثاني إله الظلمة وهو إله الشر .

وهذا الباطل تدمغه حقائق التوحيد وآياته الظاهرة في أرجاء الوجود ومنها :

1- إن هذا الكون مركب من لبنة واحدة هي الذرات التي تتكون منها أجسام المواد التي تجلب للإنسان الخير أو تجلب له الشر ، فسم الثعبان مكون من ذرات تتركب من جسيمات (إلكترونات وبروتونات وميزونات وغيرها) ، كما يتكون لبن الأنعام من ذرات مكونة من نفس الجسيمات (الكترونات وبروتونات وميزونات وغيرها) وهذه الجسيمات في سم الثعبان أو لبن الأنعام محكومة بقوانين واحدة ، وكما تتكون النار التي تحرق المنازل والمزارع وغيرها من طاقة أصلها من الشمس ، فإن الطاقة التي تتحرك بها أجسامنا وأجسام الكائنات الحية أصلها أيضا ما خزن في الطعام من طاقة الشمس. والماء الذي نشربه وينبت به الزرع في الحقول والبساتين هو نفس الماء الذي قد تغرق به المزارع والمنازل، فالماء واحد يشهد أنه من صنع خالق واحد .

والظلام الذي يسود في الليل يكون بسبب دوران الأرض الذي ينشأ عنه إشراقة النهار ، فالسبب للنور والظلام واحد هو دوران الأرض يشهد أن الإله واحد والخالق واحد كما قال تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:61] .

2- التكامل في بناء الكون بين سنن الخير وأقداره مع سنن الشر وأقداره يشهد أنه من صنع إله واحد سبحانه ، فعمليتا الهدم والبناء في أجسام الكائنات الحية تتكاملان في نظام واحداً في حياة أجسام هذه الكائنات[78].

وظلمة الليل ضرورية لسكن الكائنات واستراحة أجسامها ، كما أن نور النهار ضروري لسعي تلك الكائنات وتحصيل معاشها .

 وحرارة نار الشمس في جو الأرض لابد منها لرفع ماء المطر من البحار والمحيطات ، كما أن برودة جو الأرض ضرورية لإيقاف ارتفاع بخار الماء وتكثيفه ليسقط مرة أخرى على الأرض ، وهكذا تتكامل الحرارة مع البرودة في نظام واحد لدورة الماء على الأرض .

وتكامل أقدار الخير لبعض الكائنات وأقدار الشر[79] للبعض الآخر [كتغذي بعض الكائنات على البعض الأخر ، وتحلل النباتات لإخصاب التربة] يضمن استمرار الحياة وتوازن البيئة للكائنات .

وعوامل التعرية : كالرياح ، والأمطار ، وتقلب درجات الحرارة ، تعري سطوح الجبال وتفتتها وتجرفها رملاً مع الأنهار ، لتضغط على قاع البحر أو المحيط فيضغط بدوره على ما تحته من صهير بركاني ليرتفع بعد ذلك مرة ثانية إلى سطح الأرض في صورة بركان يلد جبلاً يحفظ التوازن للأرض .

ب- شرك التسوية بين الخالق والمخلوق (شرك اليهود والنصارى)

من شرك التسوية بين الخالق والمخلوق : ما يزعمه النصارى في قولهم إن الله ثالث ثلاثة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة:73] أو أنه اتخذ ولداً ، كما يزعم اليهود والنصارى قال تعالى:  ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(30)﴾ [التوبة:30] وقد دمغ القرآن هذه الفرية فقال تعالى :  ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ(91)﴾ [المؤمنون:91] فلن يقبل إله أن يتحكم غيره بمخلوقاته ، وإذاً فسيستقل كل إله بما خلق ، فيذهب رب الشمس بشمسه ورب النبات بنباته ورب الماء بمائه وهكذا، وعندئذ يقع النزاع ويحاول بعضهم أن يعلو على بعض وعندئذ يفسد الكون كما قال تعالى :  ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ(22)﴾ [الأنبياء:22] .

ج- الإشراك مع الله في تصريف المخلوقات :

كل من اعتقد أن مخلوقاً يتصرف في هذا الكون، ويضر وينفع بطريقة غيبية غير طريقة الأخذ بسنن الله التي قدر الله بها النفع ، كأن يعتقد أن إنساناً من الأحياء أو الأموات يهب الأولاد، ويجيب دعاء المضطر ، ويأتي بالمطر ، ويحمي البيوت أو الأنعام أو الأولاد من القوى الخفية الضارة فقد وقع في الشرك. قال تعالى يصف نفسه بتدبير أمر المخلوقات  ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(3)﴾ [يونس:3] .

وقال سبحانه: ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(26)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(27)﴾ [آل عمران:26-27].

وقال سبحانه : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49)أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)﴾ [الشورى:49-50].

وقال تعالى : ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾ [النمل:62] .

ومما يدخل في هذا إسناد التأثير في الحوادث إلى النجوم والكواكب ، فمن اعتقد أن الكواكب أو النجوم هي المدبرة لما يقع من الحوادث ، أو أن لها شركاً مع الله في ذلك فقد أشرك بالله سبحانه شركاً أكبر .

ومن زعم أنها سبب للحوادث فقط مثل : أن يجعل طلوع النجم أو غروبه سبباً لولادة أو وفاة أو غنى أو فقر أو نحو ذلك ، فقد افترى ما ليس له به علم. وقد ورد في الحديث النبوى تسمية مثل ذلك كفراً ، فقد صلى رسول الله r صلاة الفجر في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل ثم قال لأصحابه :- "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ، أَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ".[80]

ولما كسفت الشمس في عهده r بيّن للناس أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته.[81]

أمّا جعل حركات النجوم مجرد علامات لما قدّره الله تعالى من قوانين الكون المعروفة مثل نزول المطر أو هبوب الرياح أو دخول الفصول فمثل هذا جائز لاشيء فيه.[82]

وأسوأ من هذا كله اعتقاد أصحاب الطبيعة والدهريين[83] الذين يسندون أمر تدبير الكون وما فيه من حوادث إلى الطبيعة أو إلى الدهر. قال تعالى مبيناً ضلال من سار على هذا المنهج : ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ(24)﴾ [الجاثية:24].

د- اعتقاد امتلاك غير الله للضر والنفع :

إن الله هو الذي خلق الوجود وقدر فيه الخير والشر والضر والنفع وأسبابها ، وهو الذي يملك التغيير لما قدره من سننٍ وأسباب للضر والنفع  ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83)﴾ [يس:83] .

وقد ذم سبحانه المشركين لتعلقهم بغيره من مخلوقاته التي لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرا. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا(3)﴾ [الفرقان:3].

وإذا أراد الله أن يصيب عبداً من عباده بخير فلا راد لفضله ، وإذا مس عبداً بضرٍ فلا كاشف له إلا هو. قال تعالى : ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ(106)وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(107)﴾ [يونس :106-107] .

أما من أخذ بالأسباب التي قدرها الله للنفع والضر مما أقدره الله عليه كالطبيب يعرف أقدار المواد الطبية التي تدفع أقدار المرض، وكدفع قدر الجوع بالطعام ، وقدر الخوف بالتحصن وغير ذلك مما أقدر الله الإنسان به أن يدفع قدر الشر بقدر الخير وقدر الضر بقدر النفع ، فليس ذلك من امتلاك الضر والنفع بل هو من باب الاستفادة مما قدره الله من أسباب وقضى من سنن .

وبناءً على ذلك فإن من يعتقد أن مخلوقاً يملك له ضراً أو نفعاً بغير الأسباب التي قدرها الله للضر والنفع ، أو أنه قادر أن يوصل ذلك إليه بطريقة غيبية خارقة للسنن والأسباب التي قدرها الله فقد وقع في الشرك، لأنه لا يملك الضر والنفع خلقاً وإيجاداً وتقديراً وخرقاً لما أوجد من السنن إلا الله .

وحتى إذا امتلك غير الله أسباب الضر والنفع فإنها لا تنفذ في الواقع إلا بإذن الله كما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله r قال: (… وَاعْلَمْ أَنَّ الأمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الأقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .[84]

هـ- الخوف من غير الله :

الخوف لغة مأخوذ : من مادة (خَوَفَ) قال ابن فارس :- هو أصل واحد يدل على الذعر والفزع يقال : خفت الشيء خوفاً وخيفة .[85]

واصطلاحاً هو كما قال الراغب[86] : الخوف : توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة ، ويضاده الأمن .

وقال الجرجاني :- هو توقع حلول مكروه أو فوات محبوب .

وقيل :- اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف .[87]

والخوف من الله عبادة قلبية قال تعالى : ﴿...إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(175)﴾ [آل عمران:175] وقال تعالى:  ﴿...لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ...﴾ [المائدة:94]، ويلحق بخوف الله الخوف من عقابه وعذابه في الدنيا والآخرة. قال تعالى : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(103)﴾ [هود:103]. وقال تعالى : في صفة المتقين ﴿...وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21)﴾ [الرعد:21] وقال نوح عليه السلام لقومه  ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ(26)﴾ [هود:26] .

والخوف من الله يرقى بصاحبه إلى درجة التقوى التي تحفزه لفعل الطاعات وتكبحه عن المعاصي والسيئات .

وهو الدواء الناجع لمن أسر الهوى قلبه وغلب عليه حب الدنيا ، وهو البداية الحقيقية لسير القلب إلى الله عزوجل ، يقول النبي r :   (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ[88] وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)[89]

والخوف نوعان :

الأول :- خوف عبادة وتذلل وتعظيم وخضوع ، وهذه عبادة لا تكون إلا لله تعالى، وهو المقصود في بحثنا ، وهو الخوف الذي يحمل صاحبه على الطاعة لله ، واجتناب معاصيه ويجعل صاحبه في حالة من التقوى والمراقبة الدائمة لله في سره وعلانيته .   

وخوف الشرك هو الذي يحمل صاحبه على عبادة غير الله باعتقاد أن له قوة خارقة غيبية لا تخضع للسنن المعتادة ، كمن يخاف من صنم أو ميت فيصرف له شيئاً من العبادة التي لا تكون إلا لله ، قال تعالى :  ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36)﴾ [الزمر:36] وقال تعالى ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)﴾ [الأنعام:81] .

وأثنى الله على الذين يبلغون دينه ولا يخافون إلا الله سبحانه ، قال تعالى:          ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا(39)﴾ [الأحزاب:39] .

والثاني:- خوف جبلي فطري كالخوف من سبع مفترس أو عدو متربص[90] يجري وفق السنن المعتادة ، كما قال تعالى عن موسى عليه السلام  ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ...﴾ [القصص:18] فهذا خوف لا يتعلق به ذمّ[91] ، أما إذا ساق هذا الخوف إلى صرف شيء من العبادة لغير الله فهو شرك لأنه ساق إلى الشرك ، وأما إذا ساق إلى معصية فهو إثم بحسب تلك المعصية وتأثيرها على قلبه .

و- الشرك في التوكل :

التوكل لغة : مأخوذ من مادة (و ك ل) التي تدل على اعتماد على الغير في أمرٍ ما.

واصطلاحاً : اعتماد القلب على الله عزوجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة ، وكِلَةُ الأمور كلها إليه ، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.[92]

ويشمل التوكل تفويض الأمر لله والتسليم له ، ثقةً بأنه الكافي والقادر على كل شيء سبحانه .

وكفى بالله وكيلا :

يتوكل المؤمن على ربه لأنه خالق كل شيء ومقدر كل شيء ومالك كل شيء ومسيّر كل شيء ، فهو الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع وبيده مقاليد السموات والأرض. قال تعالى : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(63)﴾ [الزمر:62-63] ، والله هو الذي إذا قضى أمراً أنفذه ولا يحول دون أمره شيء. قال تعالى:  ﴿... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا(3)﴾ [الطلاق: 3]. قال ابن كثير : (بالغ أمره) أي : منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه سبحانه .[93]

وكل ما يجري في الكون فهو من الله خلقاً وإيجاداً ، ويعمل بأمره سيراً ونظاماً ، ويقع بإذنه تحققا ونفاذاً. قال تعالى: ﴿...وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾ [هود:123]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا(132)﴾ [النساء:132].

والله وحده هو الذي يستحق أن يكل العبد أمره إليه ، لأنه الحي الذي لا يموت القيوم على خلقه، الذي قال تعالى :  ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا(58)﴾ [الفرقان:58] ، وهو الذي يرى كل شيء في مخلوقاته ولا يحجبه عنه شيء قال تعالى : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)﴾ [الشعراء:217-219] أي : ولما كان شأن الله أنه خالق كل شيء ومالك كل شيء ومسير كل شيء ومطلع على كل شيء وهو الذي بيده الضر والنفع والعطاء والمنع فكيف لا يكفي عبده الذي يتوكل عليه ، وكيف يخاف الإنسان من مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. قال تعالى : ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ(36)﴾ [الزمر:36] ، وقال تعالى : ﴿...وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(23)﴾ [المائدة:23] .

وكل ما في الكون من مخلوقات قد قدر الخالق لها أقدارها ، وسن لسيرها سنناً لا تحيد عنها فهي لا تملك إلا ما قدر الله لها من نفع أو ضر ، فلا يليق بعبد أن يتوكل على مخلوق مثله لا يملك لنفسه إلا ما قدر الله له وقضاه .

وقد أوحى الله إلى موسى كما قال تعالى : ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2)﴾ [الإسراء:2] .

وإذا جاء أمر الله فلن نجد وكيلا يدفع عنا ما قدره وقضاه قال تعالى : ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا(68)﴾ [الإسراء:68] .

إن الخالق سبحانه هو الذي قدر الضر والنفع في كل ما خلق ، فمن اعتقد أن غير الله يملك له ضراً أو نفعاً غير ما قدر الله واعتمد عليه في ذلك فقد جعل لله نداً أشركه في التوكل عليه .

وقد جعل الله سنناً لإيصال الضر والنفع إلى العباد ، فمن اعتقد أن غير الله يستطيع أن يوصل الضر أو النفع للناس بطريقة غيبية خارقة للسنن الإلهيةٍ واعتمد عليه في ذلك فقد أشرك في توكله على الله باعتقاده هذا ، أمّا من اعتمد على غير الله في أن يقضى له حاجته وفقاً لما قدر الله من المقادير وما أجرى من السنن مع اعتقاده أن الفعل لله خلقاً وتقديراً وتصريفاً فلا يقع في الشرك.[94]

وإذا كان الأخذ بالسبب واجباً كلفنا الله به في مثل قوله تعالى : ﴿﴾ [الملك:15] .

وفي مثل قوله تعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا(71)﴾ [النساء:71] .

وفي مثل قوله تعالى : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ...﴾ [الأنفال:60] .

فإن التوكل على هذه الأسباب شرك كما قال تعالى فيما أوحى إلى موسى عليه السلام ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا(2)﴾ [الإسراء:2][95] لأنه الخالق لكل شيء والوكيل على كل شيء وبيده مقاليد كل شيء ، بما في ذلك الأسباب التي يتوكل عليها بعض الناس.

قال تعالى : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62)لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(63)﴾ [الزمر:62-63] .

فالأخذ بالأسباب طاعة لله والتوكل عليها شرك.[96]

ز- شرك الأسباب :

إن الأخذ بالأسباب واجب شرعي ، والتوكل عليها من دون الله شرك ، ولتوضيح ذلك نضرب المثل الآتي :

ولله المثل الأعلى ، فحين ننظر إلى علاقة أي دولة بأنظمتها وقوانينها والمقربين إليها ، نجدها تطلب من الجميع الالتزام بأنظمتها فإذا ما أراد المقربون لها شيئاً غير ما تمنحه القوانين التمسوه من صاحب الأمر في الدولة أن يوصلهم إليه بقوانين خاصة تكون في الغالب لمحسوبي الدولة وأوليائها .  

لكن تلك القوانين في الدولة والأنظمة لا تفعل بذاتها ولا يتوكل عليها الناس من دون القائمين عليها .

وعليه فالمؤمن يأخذ بسنن الله ومقاديره فيسعى لجلب السنن النافعة ودفع السنن الضارة قياماً بالواجب عليه وامتثالاً لأمر ربه ، وعندما لا تكفي السنن لإيصاله إلى غاياته يلجأ إلى الله تعالى بالدعاء لتسهيل أمره وتلبية حاجته .

ذلك لأن الله قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، ومما يشتمل عليه خلق الأشياء صفاتها وخصائصها التي تميزها عن غيرها ، وكذلك تأثيرها في غيرها. قال تعالى : ﴿... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)﴾ [الفرقان:2] .

وجعل سبحانه سنناً تربط العلاقات بين هذه المخلوقات وتنظمها وتحكم سيرها وعملها قال تعالى : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(23)﴾ [الفتح:23] .

وبهذا الثبات للخصائص والسنن يتمكن الإنسان من التعامل مع سائر المخلوقات وفق خصائصها الضارة والنافعة التي قدرها الله ، فإذا أراد أن يشبع اتجه إلى الطعام، وإذا أراد أن يروى اتجه إلى الماء ، وإذا أراد الشفاء اتجه إلى الدواء ، وهكذا في سائر شؤون حياته .

أما إذا تبدلت طبائع الأشياء وصفات المخلوقات بطريقة عشوائية غير منضبطة ، فعندئذ قد نجد أن النار لا تحرق والماء لا يروي والطعام لا يشبع ، وعندئذ تسود الفوضى في الكون فيعجز الإنسان عن السعي لتحقيق أي هدف والوصول إلى أي غاية .

لكن الله تعالى حفظ هذه الخصائص وأجرى هذه السنن وأمرنا بالأخذ بها امتثالاً لأمره ورضاء بقضائه وسيراً مع نظام الكون ، لذا كان الأخذ بالأسباب والسنن طاعة لله ، وتحقيقاً لمراده ، واستقامة مع نظامه في مخلوقاته ، فيكون بذلك واجباً على المؤمنين .

لكن ثبات السنن هذه قد أغرى البعض باعتبارها فاعلةً بذاتها مؤثرة بطبعها ، فاعتمد وتوكل عليها من دون الله فوقع بذلك في الشرك مع أنها ليست إلا مخلوقات مأمورة لا تملك لنفسها تبديلاً ولا تحويلاً ، وسننا قضاها الله إن شاء أجراها وإن شاء أبطلها ، كما يحدث في صلاة الاستسقاء حين يأتي الله بالمطر وأسباب الجفاف قائمة ، وكما يكشف الله المرض بعد الدعاء دون أسباب مادية للشفاء يراها الناس ، وكما ينزل الله النصر على المؤمنين مع قلة ما معهم من الأسباب وكثرة ما بيد عدوهم ، وكما بدل الله صفة النار في حق إبراهيم عليه السلام فجعلها برداً وسلاماً ، وكما شق الله لموسى طريقاً في البحر يبساً ، وكما حفظ الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الغار هو وصاحبه والمطاردون له من أعدائه يقفون على فم الغار. فهذه الأسباب والسنن مخلوقة تعمل بأمر الله ، إن شاء أمضاها وإن شاء أوقفها بسنن أخرى .

ح- الشرك في المحبة :

المحبة لغة : هي الاسم من الحب ، مأخوذة من مادة حبب التي تدل على اللزوم والثبات ، والحبُّ : الوداد وهو نقيض البغض[97]. والمحبة نوعان :-

فطرية كمحبة الوالد لولده ومحبة الجائع للطعام .

ومحبة عبودية ولا تكون إلا لله .

فالإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً وخوفاً ورجاءً وتعظيماً وطاعة له بمعنى مألوه ، وهو الذي تألهه القلوب أي تحبه وتذل له.[98]

وحب التأليه هذا لا يكون إلا لله ، فمن جعل منه شيئاً لغير الله فقد أشرك، أما أصناف المحبة الأخرى التي لا تتضمن حب التأليه كحب الوالد لولده والزوج لزوجه وحب الشخص لمن أحسن إليه ، وكحب الإنسان للمال والصحة والنجاح والفوز ، فهذا كله من المحبوبات التي لا يكون محبها مشركاً .

كما قال تعالى : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ(14)﴾ [آل عمران:14] .

وكقوله تعالى في وصف الفائزين بالجنة ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)﴾ [الإنسان:8] فحب هذه المحاب المغروسة في فطرة الإنسان وغيرها ليس من الشرك في محبة الله .

ولا يجوز أن يطغى حب أي محبوب على حب الله جل وعلا ، لأن سبب تعلق القلب بالمحبوب لا يكون إلا :

1- لكمال صفاته وليس هناك من هو أكمل من الله أو يدانيه في صفات الكمال .

2- لعظيم نعمه ومننه ، وليس هناك من هو أكثر إنعاماً ومنة من الله على العبد إذ هو الذي خلقه وصوره وأحياه ورزقه في كل أطواره وحفظه بتدابير الحفظ الظاهرة والباطنة وأنعم عليه بالصحة وسخر له الكثير من مخلوقاته في الأرض والسماء ، وأعطاه القدرة على السعي والكسب ، وهداه إلى ما به فلاحه في الدنيا والآخرة بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وليس لأحد على أحدٍ نعمةُُ أو منةُُ تساوي هذه النعم أو تدانيها .

3- لما يرجوه في مستقبل أيامه من الخيرات والمنافع والمحاب ، وليس هناك ما هو أعظم مما أعد الله لعباده المؤمنين من خير ومنافع ومحاب تتعلق بها القلوب كالفوز برضى الله والجنة التي يتحقق للعبد فيها الخلود وله فيها كل ما تشتهيه نفسه إضافة إلى الحياة الطيبة في دار الحياة الدنيا .

ولقد أنكر الله على المشركين الذين يحبون الأنداد كحبهم الله فقال تعالى :  ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ...﴾ [البقرة:165] وبين سبحانه أن حب المؤمنين لربهم لا يدانيه حب فقال : ﴿... وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ...﴾ [البقرة:165] وقد توعد الله من قدّم محبة شيء من أمور الدنيا على محبته ومحبة رسوله والجهاد في سبيله، فقال سبحانه  ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24)﴾ [التوبة:24] .

م- ادعاء علم الغيب

الحوادث التي تجري في الكون على نوعين :

منها ما يمكن مشاهدته والعلم به عن طريق الحواس ، وهذه هي الحوادث التي تقع وتُعلم في عالم الشهادة .

أما عالم الغيب فهو العالم المحجوب عن البشر مما لا تستطيع الحواس البشرية إدراكه ولا الإحاطة بما يجري فيه ، ومنه غيب المستقبل المحجوب عنا بحجب الزمان .

ويمكن أن يقسم الغيب إلى قسمين :

أ- غيب مطلق لا سبيل لأحد من البشر أن يصل إليه إلا بوحي من الله تعالى ، كما قال سبحانه : ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)﴾ [الجن:26-27] .

وإذا كان الله تعالى يطلع من شاء من رسله على بعض الغيب كما في الآية المذكورة فإن هذا لا يقتضي أن الرسول يعلم كل غيب ، ولذا أمر تعالى رسوله أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب الذي لم يطلعه الله عليه فقال : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(188)﴾ [الأعراف:188] وإذا كان هذا في حق الرسل ، فكيف يدعي علم الغيب الأفاكون من السحرة والكهنة والمشعوذين وغيرهم ؟!

ولقد بينت الآية لنا الدليل العملي الذي يكشف زيف من يدعي علم الغيب ، وهو أن يطالبوا بأن يعلموا ما ينفعهم من الأمور كالعلم بالتجارة الرابحة ومواطن الثروات الغائبة قبل ظهورها ، ويطالبوا بالعلم بما يضرهم كالعلم بما يبيته العدو للأمة من مكائد ، وما يخفى على الناس من المخاطر والكوارث التي تقع على الناس أفراداً وجماعات فيجتنبوا أسباب الشر والخسران المادي أو المعنوي قبل وقوعه ، فلا يفوتهم خير ولا يمسهم سوء ، وكفى بهذا البيان القرآني دحضاً لدعوى المدعين من الكهان وغيرهم ممن يدعون علم الغيب .

وقد أمر تعالى رسوله أن يعلن للناس أنه لا يدرى ما يفعل به في مستقبل الحوادث ولا ما يفعل بغيره، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ...﴾ [الأحقاف:9] وقال النبي r :- "والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفْعل بِي …"[99] إذ أن علم الغيب مختص بالله سبحانه .

ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ...﴾ [النمل:65].

وقوله تعالى : ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ...﴾ [الأنعام:59] .

وجاء ذكر هذه المفاتيح في الحديث النبوي ، قال النبي r: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غدٍ إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله[100] ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ".[101] ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".[102] 

وعلى هذا فمن ادعى أنه يعلم الغيب فقد جعل نفسه شريكا لله في هذه الصفة ، ومن زعم أن مخلوقاً يعلم الغيب فقد جعله شريكاً لله في هذه الصفة .

ب- غيب نسبي :

قد يدركه إنسان دون إنسان كمن يشاهد من قمة جبل ما يدور في ساحة واسعة مما لا يراه من هو في سفح الجبل ، فيغيب عمن في السفح ما يقع في دائرة مشاهدة من هو في قمة الجبل ، وكمن يرى بالأجهزة العلمية ما لا يراه غيره بدونها ، ومن الغيب النسبي اطلاع الجن على أمورٍ لا يطلع عليها البشر ويوحون بها إلى أوليائهم من الكهان والسحرة .

ومن أمثلة ادعاء الغيب مايلي :

1) الكهانة والعرافة :

الكاهن لغة :- المخبر عن الغيب .

والعرَّاف :- صيغة مبالغة من المعرفة .

والكهانة والعرافة :- هما إدّعاء معرفة الغيب مثل :- الإخبار عن الأمور الغائبة وحوادث الزمان المستقبلية كأن يخبر عن مكان المسروق والضالة[103] ونحو ذلك بغير طرق العلم المعروفة التي وهبها الله للبشر ، وقد يخبر هؤلاء الكهان بحقيقة عن طريق الاستعانة بالشياطين مع ما يضيفونه إلى ذلك من الكذب والتخرص .

وقد حذّر النبي r من إتيان الكهان والعرافين .

فقال : "من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم تُقْبل له صلاة أربعين ليلة".[104]

وقال : "مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ)".[105]

وبينّ عليه الصلاة والسلام الطريقة التي يستطيع بها الكاهن الإخبار عن الأمر المستقبلي الغيبي، وبينّ كيف يستغل ذلك في التدليس على الناس والكذب عليهم .

فقال : (إِذَا قَضَى اللَّهُ الأمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْملائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، ينفذهم ذلك، ﴿...حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(23)﴾ فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَصَفه سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ ، فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَه الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ.

فَيُقَالُ : أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا : كَذَا وَكَذَا ؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَت مِنْ السَّمَاءِ).[106]

وقد وصف الله هؤلاء الذين تتنزل عليهم الشياطين بقوله سبحانه :  ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ(223)﴾ [الشعراء:221-223] .

2- الطرق :

وهو الخط على الأرض، ويزعم فاعله أنه يعلم الغيب من خلاله وقيل: هو ضرب بالحصى لمعرفة الغيب[107]، ويسمى علم الرمل حيث يستدلون بأشكال الرمل على أحوال المسألة حين السؤال.[108] وأياً كان فهو من ادعّاء علم الغيب ويدخل في ذلك قراءة الكف وقراءة الفنجان وضرب الودع ، ونحو ذلك من الخرافات .

3- السحر :

لغة : هو مصدر قولهم : سحره يسحره أي خدعه ، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر وأصل السحر :- صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره.[109]

اصطلاحاً : هو عزائم ورُقي وعُقد تؤثر في القلوب والعقول والأبدان وربما نتج عنها مرض البدن أو التخييل للإنسان أوالتفريق بين المرأة وزوجها لوجود البغضاء[110] ولكنه لا ينفذ في الواقع إلا بإذن الله سبحانه قال تعالى :  ﴿...وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ...﴾ [البقرة:102] .

وهو يدخل في الشرك من جهتين : الأولى : ما فيه من إدعاء علم الغيب كما تقدم في الحديث النبوي في استراق السمع ، والثانية : من جهة اشتماله على الاستعانة بالشياطين وتقديم بعض العبادات لهم ليقوموا هم أيضاً بخدمة الساحر فيما يطلبه منهم .

وقد قرر القرآن الكريم كفر الساحر فقال تعالى :  ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ...﴾ [البقرة:102] .

قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(128)﴾ [الأنعام:128].[111]

وفي الحديث النبوي الشريف أنَّ التِّولَة شرك"[112] .

والِتَولةُّ : ضرب من السحر ، قال الأصمعي : وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها.[113]

4- التنجيم :

ومما يلتحق بالسحر في ادعاء علم الغيب : التنجيم ، والمراد به الاستدلال بالأحوال الفلكية على ما سيقع من الحوادث الأرضية ، بمعنى أن المنجم يربط ما يقع في الأرض بالنجوم بحركاتها وطلوعها وغروبها واقترانها وتفرقها .

جاء في الحديث النبوي الشريف : "من اقتبس علماً من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ".[114]

وقد تقدم تفصيل ما يتعلق بالاعتقاد في النجوم عند ذكر الشرك في تصريف المخلوقات.[115]

ن- إرادة الإنسان بعبادته الدنيا فقط :

كل من أراد بالعبادة الدنيا فقط ، فقد أشرك وانتفى كمال توحيده وأحبط عمله بالكلية.

قال تعالى : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16)﴾ [هود :15-16].[116]

وسأل رجل النبي r فقال له : يا رسول الله ، الرجل يجاهد في سبيل الله وهو يبتغي عرضاً من الدنيا ؟ فقال :- لا أجرَ له ! فأعظمَ الناسُ ذلك[117] ، فعادَ الرجل[118] ، فقال r : لا أجرَ له".[119]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:- (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تعالى، لاَ يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" يَعْنِي رِيحَهَا)[120]

ولا غرو أن نجد أن النبي r سمى من استغرق حياته من أجل الدنيا عبداً لها كما قال :- (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ ، تَعِسَ عَبْدُ الخميلة،  إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ تَعِسَ وَانْتَكَسَ ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ).[121] 

 


[77] رواه الإمام احمد في المسند من حديث محمود بن لبيد ، والطبراني في المعجم الكبير 4/353 وهو حديث حسن كما في تحقيق المسند 39/39 .

[78] الهدم هو عبارة عن تفكيك الغذاء إلى مركباته الأولية مصحوباً بإطلاق الطاقة ، والبناء على عكسه حيث يجعل المركبات أكثر تعقيداً ليبني بها الخلايا والنسج مستهلكاً قدراً معنياً من الطاقة وتُسمى "عملية الأيض" (Metablism) انظر موسوعة الزاد 8/1951 بتصرف .

[79] (موت الحيوان وتحلل النبات) مع أقدار الخير للبعض الآخر (توفير الغذاء لحياتها) .

[80] أخرجه البخاري ك/ الأذان ب/ يستقبل الإمام الناس إذا سلم ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان كفر من قال مطرنا بالنوء .

[81] أخرجه البخاري ك/ الجمعة ب/ الصلاة في كسوف الشمس واللفظ له ، ومسلم ك/ الكسوف ب/ ذكر النداء بصلاة الكسوف الصلاة جامعة .

[82] وعلى هذا فنسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام 1- نسبة إيجاد ، وهذه شرك أكبر.

2- نسبة سبب ، وهذه شرك أصغر .

3- نسبة وقت ، وهذه جائزة ، تقول جاءنا المطر في هذا النوء أي في وقته ، فلا يجوز أن تقول مطرنا بنوء كذا لأن الباء للسببية ويجوز أن تقول: في نوء كذا لأن "في" ظرف للوقت ، انظر القول المفيد 2/31 .

[83] هم الذين ينسبون الإحياء والإماته والتأثير إلى الدهر .

[84] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع من رسول الله ب/ منه وصححه الألباني في ظلال الجنة 10/138 ، وأحمد في مسند بني هاشم .

[85] المقاييس .

[86] المفردات .

[87] التعريفات ص101 .

[88] أدلج : الدُّلْجَة السير أول الليل ، وقيل سير الليل كله ، قال الطيبي رحمه الله : هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسالك الآخرة ، فإن الشيطان على طريقة ، والنفس ، وأمانيه الكاذبة أعوانه ، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله ، أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق بأعوانه أ.هـ ، تحفة الأحوذي 7/124 ط. دار الكتب العلمية .

[89] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع من رسول الله ب/ ما جاء في صفة أواني الحوض ، وصححه الحاكم 4/307-308 ووافقه الذهبي ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/297 .

[90] إن الله خالق كل شيء قد قدر لكل مخلوق قدره ، وقضى له سنناً يسير عليها. قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(49)﴾ [القمر:49] ، وقال سبحانه : ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا(23)﴾ [الفتح:23] ، فقدر ما ينفع وما يضر وقضى سنن الضر والنفع ، ولا يملك مخلوق أن يخرج عن قضاء الله وقدره من ضر يخاف ونفع يرتجى. والخوف مما قدره الله في المخلوقات من أسباب ضر كالخوف من سبع مفترس أو عدو متربص هو خوف جبلي فطري لا ينكره الشرع ، ومن الناس من ينظر إلى ما قدر الله في المخلوقات من أسباب وسنن تضره فيخافها خوفاً شديداً يتحكم في سلوكه ومشاعره ، ويذله ويستعبده ويقلقه ويرعبه، لكن المؤمن بالله يقيم لتلك السنن والأقدار قدرها ، ويتعامل معها وفق ما سنَّ الله فيها ، ولكن قلبه يتعلق بمن خلقها وقدرها فهو يدفع سنن الضر بسنن النفع ، وسنن الخوف بسنن الأمن، ويتطلع إلى عون خالقه ولطفه الذي بيده مقاليد كل شيء ، فتراه شجاعاً في مقاومة الأخطار متوكلاً على ربه في مواجهة الشدائد والنوائب ، فهو وإن كان يخاف تلك السنن والأقدار ، ولكنها لا تستذله ولا تستعبده بل تحفزه لجلب سنن النفع التي تدفعها ويلجأ إلى ربه الذي بيده مقاليد كل شيء ليكشفها .

 [91] انظر القول المفيد 2/204-205 .

[92] جامع العلوم والحكم ص409 .

[93] تفسير القرآن العظيم عند الآية الكريمة المذكورة .

[94] وعلى هذا فالتوكل على غير الله على ثلاثة أنواع :-

الأول :- أن يتوكل على غير الله في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كالخلق والإيجاد والإحياء والإماته ، فهذا شرك أكبر .

الثاني :- أن يتوكل على المخلوق ، فيما يقدر عليه المخلوق من جلب منفعة مقدورة له أو دفع مضرة ، ولكن مع تعلق قلبه به وشعوره بالافتقار إليه ، فهذا شرك أصغر .

الثالث :- أن يتوكل على المخلوق فيما يقدر عليه المخلوق دون شعور بالافتقار إليه ودون تعلق القلب به ، فهذا جائز لاشيء فيه ، وهو التوكيل والإستنابة .

[95] ﴿ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾:- أي كفيلاً بأمورهم ، حكاه الفراء ، وقيل :- رباً يتوكلون عليه في أمورهم قال الكلبي ، وقال الفراء : كافياً. انظر تفسير القرطبي عند الآية المذكورة .

[96] قال السعدي : في القول السديد ص34 بواسطة القول المفيد على كتاب التوحيد ص214 لابد من معرفة ثلاثة أمور في الأسباب:

1-      ألا يجعل منها سبباً إلا ما ثبت أنه سبب شرعاً أو قدراً .

2-       ألا يعتمد عليها ، بل يعتمد على مسببّها ومقدرها وهو الله سبحانه وتعالى .

3- أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره ، ولا خروج لها عنه .

[97] انظر مقاييس اللغة ، ولسان العرب .

[98] نضرة النعيم 8/3329 .

[99] أخرجه البخاري ك/ الجنائز ب/ الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه، وأحمد في مسند بن هاشم.

[100] الغيض في اللغة هو : الغور أو النقص ، وكلاهما يحدث لماء الرجل عند غوره في الرحم حتى ينتهي بمنوي واحد من بين مئات الملايين ، كما يحدث الغور للبيضة في قناة الرحم (قناة فالوب) وتنقص السوائل عند غورها من حولها ، وتلتقي بالمنوي الذي يلقحها وتكون النطفة الأمشاج (الزيجوت) وبدورها تغور في قناة الرحم وتنقسم خلاياها دون زيادة في الحجم ثم تغور ما بين اليوم السادس والسابع في الرحم إلى اليوم العاشر ولايزيد حجمها. وكل هذا داخل في معنى الغيض الذي بين الحديث أنه من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله ، والمرأة في الأيام العشرة الأولى قبل أن تستقر النطفة الأمشاج وتزاد لا تعلم ولا تحس كما لا يعلم الطبيب بالحمل من عدمه فضلاً عن معرفته ماهيته وصفاته التي تشتمل على الذكورة والأنوثة. (راجع بحث مفاتيح الغيب في الإعجاز العلمي) .

[101] لا يستطيع علماء الأرصاد الجزم بموعد نزول المطر على جهة القطع ولذلك تتصدر نشرة أخبار الطقس في جميع وسائل الإعلام بقول المختصين في الطقس بعبارة : "مع احتمال نزول مطر" بعد أن خابت الكثير من توقعات من كان يقطع بزمن محدد لنزول المطر. والسبب يرجع إلى أن نزول المطر يتوقف على عوامل كثيرة متعددة ، لابد من توافرها ، ويصعب الإحاطة بها مثل شكل ذرات الغبار التي تحملها الرياح وحبوب اللقاح وجزيئات الدخان وكيفية أسطحها التي ستتشكل عليها أغلفة قطرات الماء ، ومثل اتجاهات الرياح والمرتفعات والمنخفضات الجوية ، ودرجات الحرارة وغيرها. (راجع أبحاث الإعجاز العلمي التي ألقيت في مؤتمر إسلام أباد عام بإشراف هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة برابطة العالم الإسلامي

[102]  أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ قول الله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) واللفظ له ، وأحمد مسند المكثرين من الصحابة .

[103] يعرف الكهنة والعرافون مكان المسروق والضالة بواسطة استعانتهم بأوليائهم من الجن .

[104] أخرجه مسلم ك/ الطب ب/ تحريم الكهانة وإتيان الكهان ، وأحمد في مسنده 4/68 ، 5/380 بنحوه .

[105] أخرجه ابن ماجه ك/ الطهارة وسننها ب/ النهي عن إتيان الحائض ، وأحمد بافي مسند المكثرين واللفظ له ، والحاكم في المستدرك ، وقال صحيح على شرطهما وصححه العراقي وقواه الذهبي ، وقال عنه محققو المسند إسناده صحيح على شرط مسلم 27/196 .

[106] أخرجه البخاري ك/ التفسير ، ب قوله (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) وابن ماجه ك/ المقدمة ب/ فيما أنكرت الجهمية .

[107] وقد ورد في الحديث أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" أخرجه أحمد وأبو داود والعيافة هي زجر الطير لمعرفة الخير من الشر ، والجبت قال الحسن هو : رنة الشيطان :- أي وحيه ، وروى عن عمر رضي الله عنه أنه السحر .

[108] انظر ترتيب القاموس المحيط 3/71، وشرح السنة للبغوي 12/177 ، ومختصر سنن أبي داود للمنذري 5/374 ومفتاح السعادة لطاش كبري زاده 1/336 ، بواسطة نواقض الإيمان القولية والعملية ص523.

[109] نضرة النعيم 10/4589 .

[110] معجم ألفاظ العقيدة ص226 بتصرف .

[111] استماع الجن من الإنس أنهم تلذذوا بطاعة الإنس إياهم ، وتلذذ الإنس بقبولهم أصناف الإغواء من الجن ، ومن الاستمتاع ما كان يلقيه الجن إلى الإنس من الأراجيف والكهانة والسحر. انظر تفسير القرطبي رحمه الله عند الآية المذكورة .

[112] أخرجه أبو داود ك/ الطب ب/ في تعليق التمائم ، وابن ماجه ك/ الطب ب/ تعليق التمائم وأحمد مسند المكثرين من الصحابة مسند عبدالله بن مسعود ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 2/269 .

[113] انظر شرح السنة للبغوي 12/158 بواسطة نواقض الإيمان القولية والعملية ص511 .

[114] أخرجه أبو داود ك/ الطب ب/ في النجوم واللفظ له ، وابن ماجه ك/ الأدب ب/ تعلم النجوم ، وأحمد في مسند بني هاشم ، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/739 .

[115] ومن أنواع التنجيم:- "ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد ، ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً ، ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها ، ويجمع جمعاً معروفاً عنده ، ويطرح منه طرحاً خاصاً ، ويثبت إثباتاً خاصاً ، وينسبه إلى الأبراج الإثني عشر المعروفة عند أهل الحساب ، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان. "قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوم يكتبون أبا جاد ، وينظرون في النجوم :- ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق ، أخرجه عبدالرزاق والبيهقي . انظر نواقض الإيمان القولية والعملية ص520-521 .

[116] الآية في الكفار ، أو فيمن يجعل الغاية من أعماله الدينية مقصوراً على حظوظ الدنيا. قال الشوكاني في تفسير الآية : "وادخال كان في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة " .

[117] أي استعظموا أن يكون لا أجر له .

[118] أي عاد وكرر نفس السؤال .

[119] أخرجه أبو داود ك/ الجهاد ب/ فيمن يغزو ويلتمس الدنيا وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/478 وكذلك أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم باختصار وصححه ، انظر الترغيب والترهيب 2/172 ط. دار الفكر .

[120] أخرجه أبو داود ك/ العلم ب/ طلب العلم لغير الله ، وابن ماجه في المقدمة ب/ الانتفاع بالعلم والعمل به والحاكم وقال : صحيح على شرط البخاري ومسلم انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/46 .

[121] أخرجه البخاري ك/ الجهاد والسير ب/ الحراسة في الغزو في سبيل الله ، وابن ماجه ك/ الزهد ب/ في المكثرين.

========================================

ثانياً : صور الشرك الأكبر في العبادات العملية

من صوره في العبادات العملية ما يأتي :

أ- عبادة الأصنام[122] والأوثان والأموات على زعم أنها تقرب العابدين لها إلى الله فأنكر الله عليهم فعلهم بقوله سبحانه﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ[123] مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)﴾ [الزمر:3]. وقال تعالى : ﴿...فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ...﴾  [الحج:30] وقال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(74)﴾ [الأنعام:74] . وقد عاب إبراهيم عليه السلام على قومه عبادة الأوثان فقال كما حكى الله عنه :  ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(17)﴾ [العنكبوت:17] .

ب- الشرك في الدعاء :

إن المخلوق محتاج أشد الحاجة إلى خالقه سبحانه ، بل كل ذرةٍ فيه بحاجة ماسة إلى ربه سبحانه الغني القوي القادر ، فهو محتاج إلى دوام الاتصال والطلب واللجوء إلى خالقه ورازقه سبحانه ، ولذلك كان الدعاء من أعظم أنواع العبادة ، وقد أمر الله به فقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(60)﴾ [غافر:60].

 بل قال النبي r: الدعاء هو العبادة " ثم قرأ الآية المذكورة.[124]فمن دعا غير الله سواء كان ملكاً مقرباً ، أو نبياً مرسلاً ، أو ولياً من الصالحين أو جنياً من الشياطين ، أو أي مخلوق حياً أو ميتاً فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه من جلب نفع أو كشف ضر أو قضاء حاجة أو نحو ذلك من المطالب فقد أشرك بالله شركاً أكبر.[125] ولما كان الشرك في الدعاء من أعظم أنواع الشرك ، نّوع سبحانه أساليب النهي والزجر عنه في القرآن الكريم . قال تعالى ناهياً عن دعاء غيره  ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)﴾ [الجن:18] وقال ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ(106)﴾ [يونس:106] .وقال : ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213)﴾ [الشعراء:213]. وقال سبحانه مبيناً فقر وعجز من يُدعى من دونه : ﴿...وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [فاطر:13-14] .وقال سبحانه : ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)﴾ [سبأ:22] .وقال سبحانه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)﴾ [الحج:73] . وبيّن سبحانه أن من دُعي من دونه لا يستطيع نصر نفسه ، فكيف ينصر غيره ؟! فقال ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ(197)﴾ [الأعراف:197] بل بين أن المشركين هم جنود يحمون آلهتهم التي يعتمدون عليها لنصرهم! فقال:  ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ(74)لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ(75)﴾ [يس:74-75] . وبين أن بعض من يُدعى من دونه ، هو نفسه يرجو من الله الرحمة ويطلبها منه ، فكيف يدعى من دون الله ؟! قال تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا(56)أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا(57)﴾ [الإسراء:56-57] . وبين أن من يُدعى من دونه لا يملك ضراً ولا نفعاً ، فقال: ﴿...قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ(38)﴾ [الزمر:38] .وقال سبحانه : ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(71)﴾ [الأنعام:71]. وقال سبحانه مبيناً حال المشرك في ضلاله حين يدعو غير الله : ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ(12)يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ(13)﴾ [الحج:12-13] .وقال سبحانه : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5)﴾ [الأحقاف:5]. وذكر سبحانه أنه إذا دهمت الخطوب المشركين فإنهم ينسون آلهتهم الباطلة ، ويدعون الله وحده مخلصين له الدين لعلمهم بأنه لا ينجيهم إلا هو، فإذا ما نجوا من الشدائد رجعوا إلى شركهم فذمهم سبحانه على ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(63)قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ(64)﴾ [الأنعام:63-64].وقال سبحانه : ﴿...حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ(22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ...﴾ [يونس:22-23] .

ولذا قال النبي rآمراً بالسؤال من الله وحده : [إذا سألت فاسأل الله].[126] وحذر من دعاء غير الله فقال : [من مات وهو يدعو من دون الله نِدّاً دخل النار..].[127]وأجمع العلماء على كفر من دعا غير الله تعالى ، وجعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم .قال ابن تيمية رحمه الله : من أعظم أنواع الشرك دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم، وعند قبورهم، وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم والاستغاثة بهم، وطلب الشفاعة منهم ، وهو من الدين الذي لم يشرعه الله ، ولا ابتعث به رسولا، ولا أنزل به كتابا، وليس هو واجباً ولا مستحباً باتفاق علماء المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين، وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد، ويذكرون فيه حكاياتٍ ومناماتٍ، فهذا كله من الشيطان، وفيهم من ينظم القصائد في دعاء الميت والاستشفاع به، والاستغاثة به ، أو يذكر ذلك في ضمن مديح الأنبياء والصالحين، فهذا كله ليس بمشروع، ولا واجبٍ، ولا مستحب باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب .

ولم يكن النبي rبل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين ويستشفعوا بهم ، لا بعد مماتهم ولا في مغيبهم.[128] وقال أيضا : فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ، ودفع المضار ، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين.[129]

الاستعاذة والاستغاثة والاستعانة بغير الله :الاستعاذة : هي الالتجاء والاعتصام والتحرز ، وحقيقتها الهرب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه .

والاستغاثة : هي طلب الغوث ، وتكون ممن أصابه كرب لمن يغيثه ، كما حدث من الرسول rوالصحابة في غزوة بدر. قال تعالى :  ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ(9)﴾ [الأنفال:9] ، وكما جاء في دعاء النبي r "يا حي يا قيوم برحمتك استغيث".[130]والله سبحانه هو القادر أن ينجي من استغاثه من كل كرب، قال تعالى : ﴿قُلْ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ(64)﴾ [الأنعام:64] وهو وحده الذي يجيب المضطر بما شاء وكيف شاء أو بقوة غيبية خارقة للسنن ، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)﴾ [النمل:62] .والاستعانة : هي طلب العاجز للعون ممن يقدر عليه ، كما يفعله المصلون في كل ركعة عند قراءة الفاتحة  ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)﴾ وكما أمر الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : "وإذا استعنت فاستعن بالله".[131]

والاستعاذة والاستغاثة والاستعانة بغير الله من المخلوقات إذا كانت تطلب وفق سنن الله التي أجراها في الكون وجعلها في قدرة المخلوقين فليست شركاً كاستعاذة أفراد المجتمع بسلطة الدولة ، واستغاثة الغريق بمن ينقذه ، واستعانة المريض بالطبيب

أما من استعاذ أو استغاث أو استعان بغير الله معتقداً أنه يقدر على إعاذته أو إغاثته أو إعانته بقوة غيبية خارقة لسنن الله التي أجراها في الكون ، فذلك هو الشرك ، لأنه يتضمن اعتقاداً بأن لله أنداداً يسمعون استغاثة من استغاثهم أو استعاذتهم أو استعانتهم بقوة غيبية خارقة ، وأنهم يقدرون على التصرف في الكون كما يريدون ، والله سبحانه يقول :  ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ [فاطر:13-14] .

ج- السجود لغير الله :

الركوع والسجود غاية الذل والخضوع ، فمن سجد أو ركع لغير الله كالصنم أو الشمس ، أو القمر ، أو الطاغوت ، أو أي مخلوق يعظمه كتعظيم الله فقد أشرك بالله ، لأن هذه العبادة لا تكون إلا لله سبحانه وحده. قال تعالى : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(37)﴾ [فصلت:37].

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ...﴾ [الحج:77] وقد ذكر سبحانه قصة سبأ وعبادتهم للشمس ، وحكى سبحانه ما قاله الهدهد لسليمان عليه السلام فقال :-

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25)﴾ [النمل:24-25].وقد منع النبي rالانحناء عند الملاقاة ساداً لذريعة الشرك فعندما سئل عن الرجل يلقى أخاه أو صديقه أينحني له (قال لا ….).[132]

تنبيه :- سجود الملائكة لآدم عليه السلام إنما كان سجود تحيةٍ وتكريم لا سجود عبادة ، لأن الله سبحانه هو الذي أمرهم بذلك ، فامتثلوا أمره فسجودهم كان طاعة لله وعبادة له سبحانه بامتثال أمره ، وتكريماً لآدم عليه السلام ، وكذلك سجود إخوة يوسف ليوسف هو سجود تحية لا سجود عبادة .أما في شرعنا فالسجود لغير الله محرم بإجماع المسلمين[133] ، بل حتى الانحناء لمجرد التحية منع منه النبي rسداً لذريعة الشرك كما ذكرنا .

د- الذبح لغير الله :

الذبح عبادة من العبادات، فمن ذبح لغير الله تقرباً أو تعظيماً فقد أشرك بالله سواءً كان لشخص أو لمكان مثل سوقٍ ، أو قبة ، أو قبر، أو شجرة وهذا كذبح الجاهلية للأنصاب[134].[135]

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)﴾ [الأنعام:162-163] قال سعيد بن جبير والضحاك والسدي:- ونسكي:- أي ذبحي.[136]

وقال تعالى : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2)﴾ [الكوثر:2] .

قال الشوكاني رحمه الله :- ولاشك أن النحر نوع من أنواع العبادة التي تعبد الله العباد بها كالهدايا والفدية والضحايا.[137]وعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [… لعن الله من ذبح لغير الله …].[138]

بل قد نهى النبي rعن الذبح في المكان الذي كان فيه شيء من أوثان الجاهلية أو أعيادها وإن كان الذبح لله تعالى! فعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه ، قال :- نذر رجل أن ينحر إبلاً ببُوانة فسأل النبيَّ r، فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد ؟ قالوا : لا، قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أوفِ بنذرك ، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لايملك ابن آدم".[139]

هـ- جعل نصيبٍ من الرزق لغير الله :

الذي يقدم شيئاً مما رزقه الله تعظيماً وخضوعاً لغير الله لاعتقاد أنه يضره وينفعه من دون الله فقد وقع في الشرك ، كمن يقدم السمن أو العسل أو الحبوب لبعض الأشجار والأحجار والقبور أو من يقدم اللحم واللبن للجن، أو من يجعل أول مولود من بقرته أو شاته لغير الله ، والذي يقدم البيضة (يكسرها) أمام العروس إرضاءً للجن ، والذي يقدم شاة للجن لحماية بيته أو بئره. كلُّ من فعل ذلك معتقداً أن تلك المخلوقات تضره أو تنفعه من دون الله فقد وقع في الشرك، قال تعالى:  ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53)ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ(54)لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(55)وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ(56)﴾ [النحل:53-56] .

وقال سبحانه : ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(136)﴾ [الأنعام:136].

النذر لغير الله :

النذر عبادة لله ولذا أمر الله بالوفاء به ، فقال سبحانه: ﴿...وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ...﴾ [الحج:29]، وأثنى سبحانه على الموفين بالنذر فقال :  ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(7)﴾ [الإنسان:7] فمن نذر لغير الله شيئاً فقد أشرك، ومن أمثلة ذلك من ينذر شيئاً من ماله أو زراعته أو حيواناته لغير الله تعالى مثل صنم أو قبر أو شجر أو حجر أو غير ذلك، فكل ذلك داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ...﴾ [النحل:56].وقد يكون النذر معصية فلا يلزم الوفاء به قالت عائشة – أم المؤمنين رضي الله عنها – "من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".[140]

  كبيرة الشرك الأصغر

سبق البيان أن الرياء هو الشرك الأصغر ، وكل ما وصفه الوحي بأنه شرك ولا يخرج صاحبه من الملة أو ما كان سبباً يوقع في الشرك الأكبر ، وهو أنواع منها :

1) شرك القول :

أ- الحلف بغير الله عزوجل :

الحلف بالشيء تعظيم له ، والذي يجب أن يُعظَّم ويُحلف به هو الله عز وجل، والحلف بغيره سبحانه شرك. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك].[141]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله].[142] والحلف بالأصنام شرك أكبر ، لكن اعتياد الصحابة عليه في جاهليتهم قد يوقع بعضهم بالحلف باللات والعزى دون قصد التعظيم فأمرهم النبي – r- بأن يعقبوا على حلفهم بذكر كلمة التوحيد : لا إله إلا الله.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : [إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفاً فليحف بالله ، أو ليصمت].[143]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم [من حلف بالأمانة فليس منا].[144]

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقاً ".[145] ومن المعلوم أن الحلف بالله كذبا كبيرة ، لكن الشرك كبيرة أعظم ، ويلحق بالحلف بغير الله من يحلف بشرفه أو النبي أو الوطن أو غيرها .

فلنحذر من الوقوع في مثل هذه الأقوال .

ب- الألفاظ التي تتضمن التسوية بين الله ومخلوقاته :

يجب على المسلم التحرز من الألفاظ التي تتضمن التسوية بين الله سبحانه وتعالى وبين مخلوقاته ؛ لأنها شرك نهانا رسول الله rعن التلفظ بها، وأرشدنا إلى ألفاظٍ خير منها ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رجل للنبي r: ما شاء الله وشئت، قال : (جعلتني لله نداً !! قل: ماشاء الله وحده).[146]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ؛ ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان).[147]

وجاء يهودي إلى النبي rفقال : إنكم تشركون، تقولون : ما شاء الله وشئت وتقولون : والكعبة. فأمرهم النبي rإذا أرادو أن يحلفوا أن يقولوا: (ورب الكعبة، وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت).[148]

ونهى صلى الله عليه وآله وسلم عن التسمي بملك الأملاك فقال: إن أخنع[149] اسم عند الله عزوجل رجل تسمى ملك الأملاك[150]].[151]

وقال ابن عباس رضي الله عنه في الشرك الخفي:- "أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء ، في ظلمة الليل. وهو أن يقول : والله وحياتكِ يا فلانة وحياتي. ويقول : لولا كلبهُ هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت. وقول الرجل : لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان ، فإن هذا كله به شرك" .[152]

ج- الألفاظ التي فيها غلو في مدح النبي rأو الصالحين:

قال صلى الله عليه وآله وسلم : [لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد، فقولوا عبدالله ورسوله].[153] ومعنى الإطراء : الغلو في المدح برفع الشخص فوق المكانة التي يستحقها بكونه بشراً مخلوقاً .

وقد سمع النبي rجاريتين تمدحانه فقالتا : وفينا نبي يعلم ما في غد ، فنهاهما عن ذلك قائلاً :" أما هذا فلا تقولوه ، ما يعلم ما في غد إلا الله".[154]

وقد يصل الغلو إلى حدّ الشرك الأكبر ، فقد غلا اليهود في عزير ، وأطرى النصارى عيسى ابن مريم عليه السلام فزعموا أنه ابن الله أو أنه هو الله. قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ...﴾ [التوبة:30]. وقد كان سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين وتصوير تماثيلهم ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:  ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23)﴾ [نوح:23] قال : هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم ففعلوا ، ولم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونُسِخَ العلم عُبِدَت.[155]

2- شرك الرياء والسمعة :

وهو : إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها وتسميعهم بها ليحمدوا صاحبها.

قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾ [الكهف:110] .

فالعبادة لابد أن تكون مقيدة بالسنة كما قال تعالى : ﴿ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾  وخالصة من الرياء كما قال سبحانه : ﴿ وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110)﴾.

وقال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ(7)﴾ [الماعون:4-7] ، عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :

"إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به ، فعرّفه نعمه، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال : فلان جريء ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ! ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به ، فعرفه نعمه ، فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ! ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال : هو قارئ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار! ورجل وسَّع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال، فأتي به ، فعرفه نعمه ، فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : ماتركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار".[156]

 ويقول سبحانه وتعالى للمرائين يوم القيامة : (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم جزاء).[157] فبئس موقف من كان يعمل لغير الله .

وقال سبحانه وتعالى في الحديث الآخر [أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غير تركته وشركه].[158]

وقال رسول الله r: [أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه ، فقال : الرياء].[159] وعن جندب بن عبدالله قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (من سمَّع سمَّع اللهُ به[160] ومن يرائي يرائي الله به).[161] وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال :- خرج النبي rفقال : "يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر! قالوا : يا رسول الله وما شرك السرائر ؟ قال : يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه ! فذلك شرك السرائر".[162]

وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن النبي rقال :- (من سمَّع الناس بعمله سمَّع الله به مسامع خلقه وصغَّره وحقَّره).[163]

حكم العبادة إذا اتصل بها الرياء :

والعبادة إذا اتصل بها الرياء تكون على ثلاثة أوجه :-

1- أن يكون الرياء هو الباعث على العبادة فتكون باطلة .[164]

2- أن يطرأ الرياء بعد انتهاء العبادة فلا يؤثر على قبولها ، لأنها تمت صحيحة.[165]

3- أن يطرأ الرياء أثناء العبادة ، فإن دافع الرياء فتصح عبادته ، وإن اطمأن إلى الرياء ردت عبادته.[166]

تنبيه :

وليس من الرياء أن يسر الإنسان بفعل الطاعة لأن سروره بذلك دليل إيمانه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [من سرته حسنته وساءته سيئة فذلك المؤمن].[167]

ومما يلتحق بالشرك الأصغر ما يلي :

أ- تعليق التمائم :-

التميمة ما يعلق على المخلوق يقصد به دفع العين أو غير ذلك من المضرات ، بطريقة غيبية لا تخضع للأسباب التي قدرها الله كمن علق خرزة أو ودعة أو معدناً أو غير ذلك مما يقصد به دفع العين أو غير ذلك من المضرات ، وهذا نوع من الشرك كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: سمعت رسول الله rيقول :- "إن الرقى[168] والتمائم والتِّولة[169] شرك".[170] وقال عليه الصلاة والسلام : "من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له ، ومن تعلَّق وَدَعَةً فلا وَدَعَ اللهُ له.[171] "[172] وفي روايةٍ "من علق تميمة فقد أشرك".[173]وعن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنّه كان مع رسول الله rفي بعض أسفاره ، فأرسل رسولاً : أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت".[174]قال مالك : أرى أن ذلك من أجل العين.[175] ويدخل في ذلك أيضاً من ربط خيطاً في جسمه أو لبس حلقه[176] أو غير ذلك ليدفع البلاء المتوقع عن نفسه أو يرفعه بعد نزوله.[177]

ب- الطيرة :

التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو غير ذلك .

وأصله أن بعض العرب كانوا يتفاءلون أو يتشاءمون بالطيور على طريقة معروفة عندهم بزجر الطير ثم ينظر فإن ذهب الطير يميناً أقدم أو همَّ على الأمر الذي يريده ، وإن ذهب شمالاً أحجم عن ذلك العمل وتشاءم .

وهذا نوع من الشرك لأن المتطير تعلق بأمر لا حقيقة له بل هو وهم وتخييل ، لأنه لا يعلم الغيب إلا الله .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (الطيرة شرك).[178]

ولما تشاءم فرعون وقومه من موسى عليه السلام ومن معه ردّ الله سبحانه ذلك عليهم فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)﴾ [الأعراف:131] ، ومعنى الآية :- أن قوم فرعون إن أصابهم قحط أو جدب ونحو ذلك تطيروا بموسى ومن معه وقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم ، وقوله سبحانه  ﴿ طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأعراف:131] :- أي ما لحقهم من القحط والشدائد إنما هو من عند الله عزوجل بذنوبهم لا من عند موسى وقومه.[179]  ونفى عليه الصلاة والسلام تأثير الطيرة في الأمور فقال : (لا طيرة).[180]

النهي عن ذرائع الشرك

وردت النصوص الشرعية بالنهي والتحذير من بعض الأمور لكونها وسيلة وذريعة إلى الشرك ومن ذلك :-

أ- البناء على القبور :

فقد نهى النبي rعن تجصيص القبور والبناء عليها كما قال جابر رضي الله عنه :- نهى رسول الله rعن تجصيص القبر، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه".[181]

ونهى عن الكتابة عليها أيضاً[182] ، وعن الزيادة عليها غير ترابها[183] بل أمر بهدم القبور المشرفة[184]، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأبي الهياج الأسدي : "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:- أن لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته."[185]

وكل كذلك سد لذريعة الشرك ، قال الشوكاني رحمه الله :

ولا شك أن علة النهي عن جعل القبور مساجد وعن تسريجها وتجصيصها ورفعها وزخرفتها هي ما ينشأ عن ذلك من الاعتقادات الفاسدة … وكل عاقل يعلم أن لزيادة الزخرفة للقبور وإسبال الستور الرائعة عليها ، وتسريجها والتأنق في تحسينها تأثيراً في طبائع غالب العوام[186] ينشأ عنه التعظيم   والاعتقادات الباطلة."[187]

ولهذا ترى كثيراً من القبور المشيدة عليها القباب والمشاهد قد أصبحت مزاراً لكثير من العوام لما يظنونه في أصحابها من القدرة على تحقيق المطالب ودفع المكاره ، وعندها ينادون الميت من دون الله ، وقد يذبحون له أو ينذرون أو يتمسحون بقبره ، ويأتون بأعمال شركية ومنكرات أخرى لا تمت إلى الشريعة الإسلامية بصلة.[188]

ب- اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها :

نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ القبور مساجد ، فقال : "… ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".[189]

وقال عند موته : "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا".[190]

وذكرت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله rكنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال : " أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله".[191]

قال ابن القيم رحمه الله في بيان علة النهي عن اتخاذ القبور مساجد : "وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه ، وفَهِم عن رسول الله مقاصده ، جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهي بصيغة "لا تفعلوا" وصيغة "إني أنهاكم عن ذلك" ليس لأجل النجاسة[192] ، بل هو لأجل نجاسة الشرك… وهذا صيانة منه rلحمى التوحيد أن يلحقه الشرك".[193]

ويلتحق بهذا النهي عن الصلاة إلى القبور ، فقد نهى عنه النبي rفقال : "لا تجلسوا على القبور ، ولا تصلوا إليها".[194]

قال القرطبي رحمه الله :- "أي لا تتخذوها قبلة فتصلوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى ، فيؤدي إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام، فحذَّر النبي rعن مثل ذلك ، وسدَّ الذرائع المؤدية إلى ذلك …".[195]

ج- الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها :

نهى النبي r عنها معللاً ذلك بأنها حين طلوعها يسجد لها الكفار وكذلك حين غروبها ، فقال لعمرو بن عَبَسَةَ : "صل صلاة الصبح ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع ، فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار … [ثم ذكر أنه يصلي العصر] قال :- ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار".[196]

ولذا قال عليه الصلاة والسلام : "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها."[197]

فقد نهينا أن نصلي لله تعالى ونسجد له في الوقت الذي يسجد فيه الكفار للشمس حين تطلع بين قرني الشيطان وكل ذلك صيانة وحماية للتوحيد من أي شائبة من الشرك .[198]

د- التصوير :

والتصوير ذريعة لعبادة المصورات كما حصل في قوم نوحٍ عليه السلام حيث كانوا يعبدون خمسة أصنام ، كما قال سبحانه ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) ﴾ [نوح:23] .

وأصل تلك العبادة أن ودا وسواع ويغوث ويعوق ونسرا كانوا قوماً صالحين، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أتباعهم: لو صورناهم كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون ونُسيَ العلم وسوس إليهم الشيطان فقال:-إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم!![199]

وقد جاء الوعيد الشديد أيضاً للمصور لكونه مضاهياً لخلق الله تعالى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تعالى : "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة".[200]

وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهؤون خلق الله".[201]

ولذلك أمر النبي rعلياً أن لا يدع صورة إلا طمسها كما ذكرنا ذلك.[202]

حكم الجهل في باب الشرك

إنك لتعجب أن تجد المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويصوم رمضان ويحج البيت ، ويؤمن بكل ما في القرآن، ويحب رسول الله rوسنته ويغار على الإسلام، ومع ذلك تراه يأتي أعمالاً وأقوالاً، ويعتقد معتقدات توقعه في الشرك وهو لا يعلم حقيقتها ، بل ربما ظن أن ما هو عليه هو الصواب الذي يرضي الله .

فما حكم مثل هذا الشخص ؟

أجاب العلماء على هذا السؤال فقالوا :

الجاهل معذور ولكن يجب عليه أن يتعلم ويتبع الحق إذا جاءه .

فالجاهل الذي وقع في شركٍ ولم يقصد نقض إيمانه فهو معذور ، ولكن عليه أن يتعلم ويبادر بالتوبة ، ومما يدل على ذلك ما ورد عن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون[203] بها أسلحتهم ، يقال لها ذات أنواط [يعتقدون أنها تؤثر في نصرهم] فمررنا بسدرة فقلنا : يا رسول الله : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله r : الله أكبر! إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿... اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) ﴾ [الأعراف:138]، لتركبن سنن من كان قبلكم.[204]

لقد وقع فيما يوجب الشرك أصحاب هذين السؤالين لموسى ، ومحمد عليهما الصلاة والسلام جهلاً منهم ، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: "لتركبن سنن من كان قبلكم" . وكان جواب موسى عليه السلام : ﴿... إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138) ﴾ [الأعراف:138] فبينوا لهم أن هذا شرك ولم يحكموا عليهم بالشرك لكونهم يجهلون ذلك .والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، والحمد لله رب العالمين .


[122] الصنم والوثن : تمثال من حجر أو خشب أو معدن ، يزعم المشركون أنّ عبادته تقرب إلى الله ، كما قال تعالى ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾: انظر المعجم الوسيط .

[123] الأولياء هنا : أصنام المشركين كما في تفسير ابن كثير .

[124] أخرجه الترمذي في التفسير ب/ ومن سورة المؤمن وحسنه ووافقه الأرناؤوط ، انظر جامع الأصول 9/511 وأبو داود في الصلاة ب/الدعاء ، وأحمد في المسند وإسناده صحيح كما في تحقيق المسند 30/298 .

[125] أما من دعا المخلوق الحي فيما أقدره الله سبحانه عليه ، مثل قول القائل : اسقني ماءً لمن يستطيع أن يسقيه، مع اعتقاده أنه لا يضر ولا ينفع إلا بإذن الله فليس ذلك بشرك .

[126] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ب/ منه وصححه – الألباني في ظلال الجنة 10/138وأحمد في مسند بني هاشم .

[127] أخرجه البخاري ك/ التفسير ب/ قوله: "ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم" ، وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة .

[128] مجموع الفتاوى 1/159 ، وما بعدها (بإيجاز وتصرف) بواسطة نضرة النعيم ص4713-4714 .

[129] مجموع الفتاوى 1/124 ، ونقل هذا الإجماع راضياً مقرراً له ابن حجر الهيثمي في الإعلام بقواطع الإسلام ص: 95 ، انظر الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية 2/534 .

[130] أخرجه الترمذي ك/ الدعوات ب/ منه وانفرد به ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3/172 .

[131] أخرجه الترمذي ك/ صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ب/ منه وصححه – الألباني في ظلال الجنة 10/138وأحمد في مسند بني هاشم .

[132] أخرجه الترمذي ك/ الاستئذان والأدب ب/ ما جاء في المصافحة ، واللفظ له ، وحسنه ووافقه الأرناؤوط انظر جامع الأصول6/608 ، وابن ماجه ك/ الأدب ب/ المصافحة ، وأحمد في باقي مسند المكثرين ، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/352 .

[133] انظر تفسير القاسمي المجلد 2/101-102 عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ...﴾.

[134] الأنصاب :- حجارة كانوا يذبحون قرابينها عندهم ، كما نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وغيرهم ، قال تعالى : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)﴾  ، وقال سبحانه : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ومثل لذلك القرطبي بذبيحة الوثني يذبح لوثنه والمجوسي يذبح للنار ، انظر تفسير القرطبي عند الآية المذكورة .

[135] انظر تطهير الاعتقاد للصنعاني ص26 ، وذكر فيه أن بعض الناس قد يغالط ويزعم أنّه ما ذبح إلا الله تعالى عند صاحب القبر والمشهد فقال مناقشاً لذلك : فإن قال إنما نحرت لله ، وذكرت اسم الله عليه ، فقل إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه ؟ هل أردت بذلك تعظيمه ؟ إن قال: نعم ، فقل له هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره ، وإن لم ترد تعظيمه ، فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه ؟ أنت تعلم يقيناً أنك ما أردت ذلك أصلاً ، ولا أردت إلا الأول ، ولا خرجت من بيتك إلا قصداً له ، وناقش الشوكاني رحمه الله أيضاً من يذبح عند القبر فقال : وكذلك النحر للأموات عبادة لهم …… وهكذا إن كنت تنحر لله ، وتنذر لله ، فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره، فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض ، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته ، أو أمر قد أردته !! انظر الدر النضيد له ص75 .

[136] تفسير ابن كثير .

[137] شرح الصدور بتحريم رفع القبور ، ومما ذكره فيه أيضاً قوله : "ومن المفاسد البالغة إلى حدّ يرمي بصاحبه إلى وراء حائط الإسلام: أن كثيراً منهم يأتي بأحسن ما يملكه من الأنعام ، وأجود ما يحوزه من المواشي فينحره عند ذلك القبر، متقرباً به إليه، راجيا ما يضمر حصوله منه ، فيهل به لغير الله ، ويتعبد به لوثن من الأوثان ، إذ أنه لا فرق بين نحر النحائر لأحجار منصوبة يسمونها وثناً، وبين قبر لميت يسمونه قبراً …

[138] أخرجه مسلم ك/ الأضاحي ب/ تحريم الذبح لغير الله تعالى ، والنسائي ك/ الضحايا ب/ من ذبح لغير الله عزوجل ، وأحمد مسند العشرة المبشرين بالجنة .

[139] أخرجه أبو داود ك/ الإيمان والنذور ب/ ما يؤمر به من الوفاء بالنذر ، وابن ماجه ك/ الكفارات ب/ الوفاء بالنذر ، وأحمد من باقي مسند الأنصار ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/637 .

[140] أخرجه البخاري ، ك/ الإيمان والنذور ب/ النذر فيما لا يملك وفي معصية .

[141] أخرجه الترمذي ك/ النذور والإيمان ب/ ما جاء في كراهية الحلف بغير الله واللفظ له وصححه الألباني في ارواء الغليل 8/189 ، وأبو داود ك/ الإيمان والنذور ب/ في كراهية الحلف بالأباء ، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة .

[142] أخرجه البخاري ك/ الأدب ب/ من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلاً ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ النهي عن الحلف بغير الله تعالى .

[143] أخرجه البخاري ك/ الأدب ب/ من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا أو جاهلاً ومسلم ك/ الإيمان ب/ النهي عن الحلف بغير الله تعالى .

[144] أخرجه أبو داود ك/ الإيمان والنذور ب/ كراهية الحلف بالأمانة واللفظ له وقال النووي صحيح عن بريدة رضي الله عنه ، وأحمد في باقي مسند الأنصار ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/628 .

[145] صححه الألباني في ارواء الغليل ج8 ص191 وقال أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3/17/2) وابن أبي شيبة في المصنف (4/179).

[146] أخرجه أحمد في مسند بني هاشم ، وابن ماجه ك/ الكفارات ب/ النهي أن يقال ما شاء الله وشئت ، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه 1/362 .

[147] أخرجه أبو داود ك/ الأدب ب/ لا يقال خبثت نفسي ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/940 .

[148] أخرجه النسائي ك/ الإيمان والنذور ب/ الحلف بالكعبة واللفظ له ، وأحمد في باقي مسند الأنصار ، حديث قُتيلة بنت صيفي ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/800 .

[149] أخنع أي : أذل .

[150] ملك الأملاك : أي ملك الملوك .

[151] أخرجه البخاري ك/ الأدب ب/ أبغض الأسماء إلى الله ، ومسلم ك/ الآداب ب/ تحريم التسمي بملك الأملاك وبملك الملوك ، واللفظ له .

[152] انظر التفسير الصحيح عند قوله تعالى : ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾.

[153] أخرجه البخاري ك/ أحاديث الأنبياء ب/ قول الله﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ ، وأحمد مسند العشرة المبشرين بالجنة ، والدارمي ك/ الرقاق ب/ في قول النبي لا تطروني .

[154] أخرجه البخاري ك/ المغازي ب/ شهود الملائكة بدراً ، واللفظ له ، وابن ماجه ك/ النكاح ب/ الغناء والدف ، وانظر صحيح ابن ماجه 1/320 .

[155] أخرجه البخاري ك/ تفسير القرآن ب/ وداو سواعاً ولا يغوث ويعوق ، وانظر تفسير ابن كثير 6/282 .

[156] أخرجه مسلم ك/ الإمارة ب/ من قاتل للرياء والسمعة استحق النار ، والنسائي ك/ الجهاد ب/ من قاتل ليقال فلان جريء .

[157] أخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار وانفرد به ، وحسن إسناده في تحقيق المسند 39/44 .

[158] مسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ من أشرك في عمله غيره الله واللفظ له ، والترمذي ك/ تفسير القرآن ب/ ومن سورة الكهف ، وابن ماجه ك/ الزهد ب/ الرياء والسمعة .

[159] رواه الإمام احمد في المسند 5/428 وهو في المعجم الكبير 4/253 ، وهو حديث حسن كما في تحقيق المسند 39/39 .

[160] معنى الحديث : من أظهر عمله للناس رياء وأسمعهم به ، أظهر الله نيته الفاسدة في عمله وفضحه . وانظر صحيح الترغيب والترهيب 1/16

[161] أخرجه البخاري ك/ الرقاق ب/ الرياء والسمعة واللفظ له ، ومسلم ك/ الزهد والرقائق ب/ من أشرك في عمله غير الله .

[162] رواه ابن خزيمة في صحيحه وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1/17 .

[163] رواه أحمد والطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح ، والبيهقي انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/16 ، وقال عنه محققو المسند اسناده صحيح على شرط الشيخين بلفظ [من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره] ، 11/56 .

[164] كمن صلى ركعتين وكان باعثه على ذلك الرياء والسمعة .

[165] كمن صلى ركعتين مخلصاً لله ، ثم طرأ الرياء عليه بعد ذلك .

[166] كمن ابتدأ صلاة ركعتين مخلصاً لله ، ثم طرأ عليه الرياء بعد انتهاء الركعة الأولى ، فإن دافع الرياء صحت صلاته ، وإن اطمأن إليه بطلت .

[167] أخرجه أحمد في المسند والترمذي في الفتن ب/ ما جاء في لزوم الجماعة وقال : حسن صحيح غريب .

[168] الرقي الممنوعة هي المحتوية على أشياء شركية ، أما الرقية بكلام الله تعالى أو الذكر المشروع فلا تدخل في هذا لأنه قد ورد إلاذن بها، كما رخص النبي rفي الرقية بفاتحة الكتاب وغيرها من القرآن . قال عليه الصلاة والسلام:- اعرضوا على رقاكم، لابأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك" أخرجه مسلم ك/ السلام ب/ لابأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك .

[169] التولة : ما يعلق على الزوج أو الزوجة يزعمون به أنه مما يحفظ المحبة بينهما ، ومما يدخل في ذلك خاتم الخطوبة "الدبلة" إذا كان بهذا القصد

[170] أخرجه أبو داود ك/ الطب ب/ في تعليق التمائم وابن ماجه ك/ الطب ب/ تعليق التمائم ، والحاكم 4/418 وقال صحيح الاسناد على شرط الشيخين وأقره الذهبي وأيضاً صححه الألباني في الصحيحة 1/39       برقم :-331 .

[171] لا ودع الله له : أي : لا تركه الله في دعة وسكون ، وقيل : لاترك الله له خيراً .

[172] أخرجه أحمد 4/154 والطحاوي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وقال المنذري في الترغيب : إسناده جيد. وهو حديث حسن كما في تحقيق المسند 28/623 .

[173] رواه أحمد وإسناده قوي كما في تحقيق المسند 28/637

[174] أخرجه البخاري ك/ الجهاد ب/ ما قيل في الجرس ونحوه ، ومسلم ك/ اللباس والزينة ب/ كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير .

[175] الموطأ 2/937 ط. عبدالباقي .

[176] لا يدخل في هذا ما ثبتت فائدته طبياً كالحزام الطبي ، وكذا ما ثبت نفعه وفق المعلومات الطبية الصحيحة .

[177] فعن عمران بن حصين أن النبي rرأى رجلاً في يده حلقة من صفر ، فقال : ما هذه قال : من الواهنة ، قال : انزعها فإنها لاتزيدك إلا وهنا ، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" والواهنة : وجع في الذراع أو العضد. ورأى حذيفة رضي الله عنه رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ(106)﴾ .

[178] أخرجه الترمذي ك/ السير ب/ ما جاء في الطيرة وأبو داود ك/ الطب ب/ واللفظ له ، وابن ماجه ك/ الطب ب/ ما كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة ، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/740 .

[179] انظر تفسير القرطبي عند الآية المذكورة .

[180] أخرجه مسلم ك/ الطب ب/ الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم .

[181] أخرجه مسلم ك/ الجنائز ب/ النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه ، والنسائي ك/ الجنائز ب/ تجصيص القبور ، وابن ماجه ك/ ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها .

[182] أخرجه الترمذي ك/ الجنائز ب/ ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها وقال حسن صحيح عن جابر رضي الله عنه قال : (نهى النبي rأن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ) ، وابن ماجه ك/ ما جاء في الجنائز ب/ ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها بلفظ (نهى رسول الله rأن يكتب على القبر شيء) .

[183] أخرجه النسائي في السنن عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله rأن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص …) في الجنائز ب/ الزيادة على القبر ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 2/435 .

[184] القبر المشرف : العالي .

[185] أخرجه مسلم ك/ الجنائز ب/ الأمر بتسوية القبر ، والترمذي ك/ الجنائز ب/ ما جاء في تسوية القبور ، والنسائي ك/ الجنائز ب/ تسوية القبور إذا رفعت .

[186] فقد حكى الشوكاني أن رجلاً من العوام وصل إلى قبة مبنية على قبر فرآها وهي مسرجة بالشمع والبخور ينفخ من جوانبها وعلى القبر الستور الفائقة فقال عند وصوله إلى الباب : أمسيت بالخير يا أرحم الرحمين ، انظر الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ص 37 .ط الأولى دار الندوةة الجديدة 1413هـ

[187] المرجع السابق ص36-37 .

[188] انظر كتاب دمعة على التوحيد ، لترى آثار القبورية السيئة في البلاد المختلفة .

[189] أخرجه مسلم ك/ المساجد ومواضع الصلاة ب/ النهي عن بناء المساجد على القبور واللفظ له ، والنسائي ك/ الجنائز ب/ اتخاذ القبور مساجد

[190] البخاري ك/ الجنائز ب/ ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ومسلم ك/ المساجد ب/ النهي عن بناء المساجد على القبور .

[191] أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ الصلاة في البيعة. واللفظ له ومسلم ك/ المساجد ب/ النهي عن بناء المساجد على القبور .

[192] والتعليل بالنجاسة غير صحيح، لأنه قد ورد النهي والوعيد لمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد ، والأنبياء صلوات الله عليهم طاهرون مطهرون . 

[193] إغاثة اللهفان 1/189 بتصرف. ط. دار المعرفة بيروت .

[194] أخرجه مسلم ك/ الجنائز ب/ النهى عن الجلوس على القبر والصلاة عليه ، الترمذي ك/ الجنائز ب/ ما جاء في كراهية المشي على القبور والجلوس عليها ، وأبو داود ك/ الجنائز ب/ كراهية القعود على القبر .

[195] تفسير القرطبي عند تفسير قوله تعالى : ﴿...لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا(21)﴾ [الكهف :21] .

[196] أخرجه مسلم ك/ صلاة المسافرين وقصرها ب/ إسلام عمرو بن عبسة واللفظ له ، والنسائي ك/ المواقيت ب/ النهي عن الصلاة بعد العصر ، وأبو داود ك/ الصلاة ب/ من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة .

[197] أخرجه البخاري ك/ مواقيت الصلاة ب/ لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس ، ومسلم ك/ صلاة المسافرين ب/ الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها .

[198] قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 2/255 :- "فإنها تطلع بين قرني شيطان" في إشارة إلى علة النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين ، وزاد مسلم من حديث عمرو بن عبسة :- وحينئذ يسجد لها الكفار" ، فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار .

[199] أخرج ذلك ابن جرير الطبري عن محمد بن قيس بنحوه ، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس نحوه وفيه أن هؤلاء الصالحين كانوا من قوم نوح عليه السلام. انظر صحيح البخاري ك/ التفسير ب/ (وداً ولاسواعاً ولا يغوث ويعوق …) ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ ...

[200] أخرجه البخاري ك/ التوحيد ب/ قول الله تعالى﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96)﴾ ، ومسلم ك/ اللباس والزينة ب/ تحريم تصوير صورة الحيوان …. واللفظ له .

[201] أخرجه البخاري ك/ اللباس ب/ ما وطئ من التصاوير ، ومسلم ك/ اللباس والزينة ب/ تحريم تصوير صورة الحيوان …

[202] التصوير له أحوال : الأولى : الصور المجسمة للإنسان أو الحيوان ، فهذا مجمع على تحريمه .

الثانية : المصور بالتلوين والتخطيط (الرسم) للإنسان أو الحيوان فهذا محرم أيضاً لعموم نصوص النهي ، ويدل على ذلك حديث النمرقة التي فيها التصاوير (أخرجه البخاري ك/ اللباس ب/ من كره القعود على الصور) ومسلم ك/ اللباس ب/ تحريم تصوير صورة الحيوان) ، ولفظ البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت غرفة فيها تصاوير فقام النبي rبالباب فلم يدخل : فقلت :- أتوب إلى الله مما أذنبت ! قال : ما هذه النمرقة ! قلت : لتجلس عليها وتوسدها قال : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم أحيوا ما خلقتم ، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور" ، والنمرقة :- جمعها نمارق وهي الوسائد التي يصف بعضها إلى بعض ، وقيل:- هي الوسادة التي يجلس عليها. انظر فتح الباري 10/389 .

الثالثة : التصوير بالأشعة للإنسان أو الحيوان ، وهذا مختلف فيه بين العلماء المعاصرين ، ويجوز للحاجة كإثبات الشخصية والتعليم في غير تعظيم لصاحب الصورة ولأنها لا تحمل معنى المضاهاة لخلق الله لأنه تشبه الصورة التي تنعكس على الماء والمرآة ولم يقل أحد من العلماء بحرمة تكوين الصورة على المرآة ويسمونها عكساً لأنها تعكس الأشعة الساقطة عليها. الرابعة : تصوير غير الإنسان والحيوان والراجح جوازه . وللاستزادة انظر القول المفيد 2/438-442 .

[203] يعلقون .

[204] رواه الترمذي في الفتن ب/ ما جاء لتركبن سنة من كان قبلكم وقال حسن صحيح ورواه أحمد في المسند عن أبي واقد ، وابن حبان وابن أبي عاصم في السنة والطبراني في الكبير والبيهقي في المعرفة ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 2/235 .

=================================

تم بحمد الله